تأملات آباء الكنيسة حول الخروف الضال

آباء الكنيسة

الخروف الضال والقدّيس كلود دو لا كولومبيار (1641 – 1682)، راهب يسوعيّ
عظة أُلقيت في لندن أمام دوقة يورك
ابن الله أتى باحثًا عنّا
تخيّلوا مأساة راعٍ مسكين وقد ضلّ خروفه. فلم نعد نسمع في كلّ المراعي المجاورة إلاّ صوت ذاك المسكين الذي ترك قطيعه كلّه، وأخذ يركض في الغابات وعلى الهضاب مرورًا بالأدغال، نائحًا وصارخًا بكلّ قوّته، رافضًا أن يعود إلى دياره ما لم يجد خروفه ويُعِده إلى الحظيرة. هذا ما فعله ابن الله حين خرج البشر عن طاعة خالقهم؛ نزل إلى الأرض، ولم يدّخر أيّ عناية أو تعب ليُعيدنا إلى الحالة التي كنّا عليها قبل سقوطنا في الخطيئة. وهذا ما يستمرّ في القيام به كلّ يوم، من أجل أولئك الذين يبتعدون عنه بسبب الخطيئة؛ هو يتعقّب أثرهم، ويستمرّ في مناداتهم حتّى يعيدهم إلى درب الخلاص. بالتأكيد، لو لم يقم بذلك، لكان انتهى أمرنا بعد الخطيئة الأصليّة؛ ولكان استحال علينا أن نعود. كان عليه أن يقوم شخصيًّا بكلّ محاولات التقرّب، وأن يهبنا نعمته، وأن يتعقّب أثرنا، وأن يدعونا لنشفق على أنفسنا حتّى يسعنا أن نسأله الرحمة… إنّ الحماسة التي يلاحقنا الربّ بها هي بدون أدنى شكّ نتيجة رحمته الواسعة. لكنّ اللطف الذي يرافق هذه الحماسة يشير إلى طيبة مثيرة للدهشة. وبالرغم من رغبته القصوى في إعادتنا إلى درب الخلاص، فهو لا يستعمل العنف أبدًا؛ ولا يلجأ إلاّ إلى الوسائل اللطيفة لتحقيق هذه الغاية. فإنّي لم أرَ خاطئًا واحدًا في الإنجيل كلّه دُعِي إلى التوبة بغير الملاطفات والنِّعم.
…………………

الخروف الضال البابا فرنسيس

عظة بتاريخ الأحد 07/04/2013(أحد الرحمة الإلهية / تسلّمه مهامه كأسقف روما)
“إِذا كانَ لِرَجُلٍ مِائةُ خَروف فضَلَّ واحِدٌ مِنها، أَفلا يَدَعُ التِّسعَةَ والتِّسعينَ… ويَمضي في طَلَبِ الضَّالّ؟”
لقد شعر آدم بعد الخطيئة بالعار، بأنه عريان، وشعر بثقل ما فعله؛ لكنَّ الله لم يتركه: وإن كان قد بدأ في تلك اللحظة الابتعاد عن الله بسبب الخطيئة، فقد وجد أيضا الوعد بالعودة، أي إمكانية الرجوع له. فقد سأله الله مباشرةً بعد خطيئته: “آدم، أين أنت؟” (تك 3: 9)، إذ كان يبحث عنه. لقد عُرِّيَّ الرَّبُّ يسوع من أجلنا، لقد حمل على ذاته عار آدم، وعُري خطيئته ليغسل خطيئتنا: إننا “بجُرحِه شُفينا” (إش 53: 5). تذكَّروا كلمات القديس بولس: بماذا يمكنني أن أفتخر سوى بضعفي، وبفقري؟” (2قور 11: 30 وما يليها). في الإحساس حقًّا بخطيئتي، وبالنظر إلى خطيئتي يمكنني أن أرى وأتقابل مع رحمة الله، ومع محبته والذهاب له للحصول على المغفرة. لقد رأيتُ في حياتي الشخصية لمرَّاتٍ عديدة وجهَ اللهِ الرَّحيم، وصبرَه: رأيتُ في أشخاصٍ كُثرٍ شجاعةَ الدُّخولِ في جراحِ يسوع وقول: يا ربّ إنِّي هنا، فٱقبل فقري، وٱخفِ في جراحك خطيئتي، وٱغسله بدمك (رؤ 1:5). ورأيتُ دائمًا أنَّ اللهَ قد فَعَل، قد ٱستجاب، وعزَّى وغَسَلَ وأَحبَّ .الأخوات والإخوة الأحباء، دعونا نترك رحمة الله لتغمرنا: واثقين من طولِ أناته التي تمنحنا كل الوقت؛ دعونا نتحلى بشجاعة الرُّجوع لبيته، والسكن في جراح محبته، بترك أنفسنا نتلقّى محبته، ونلتقي برحمته في الأسرار المقدسة. سنشعر بعطفه الرّائع؛ وسنشعر أنّه يعانقنا وعندئذ سنصبح، نحن أيضا، أكثر قدرة لتقديم الرَّحمة، والصبر، والمغفرة، والمحبَّة.
…………………

الله يبحث عنا الخروف الضال نيقولاس كاباسيلاس (نحو 1320 – 1363)
الحياة في الرّب يسوع المسيح، الكتاب الأوّل
يبحث الله عنّا
ليست الأسرار سوى علامات موت الرّب يسوع المسيح ودفنه. فإنّنا بفضلها نولد لحياة فائقة الطبيعة، ننمو ونتّحد بالمخلِّص بطريقة رائعة. في الأسرار على ما قال القدّيس بولس نجد “حياتنا وحركتنا وكياننا” (راجع أع 17: 28). تهبنا المعموديّة كياننا وٱستمراريّتنا في الرّب يسوع المسيح…؛ ويُثبِّت الميرون المسيحيّ الجديد، ويمدّه بالطاقات الخاصّة بالحياة؛ أمّا الإفخارستيّا، فإنّها تُطيل هذه الحياة وتُبقيها في كامل حيويّتها… فإنّنا، بٱختصار، نحيا من هذا الخبز ونستمدّ قوَّتَنا من الميرون بعد ما نلنا كياننا بذاك التغطيس. فنحيا في الله، على هذا النحو، منتقلين من هذا العالم المنظور إلى عالم غير منظور. لا نبدّل مكانًا بل كيانًا وحياةً؛ ذلك لأنّنا لسنا نحن الذين نتحوّل ونرتفع نحو الله،، بل هو الله أتى ونزل إلينا. لم نكن نحن الباحثين بل كان هو الباحث عنّا. لم يبحث الخروف عن الرَّاعي ولا الدِّرهم عن ربّة البيت، ولكنّ المعلّم هو الذي ٱنحنى نحو الأرض وٱستعاد صورته. والرَّاعي هو الذي توجَّه نحو المكان الذي كان يَرعى فيه الخروف، وأعاده من ضلاله حاملاً إيّاه على كتفيه. لم يبعث بنا إلى مكان آخر لهذا الغرض، بل أبقانا على هذه الأرض وحوّلنا إلى مخلوقات سماويّة من خلال ٱنبعاث حياته في أنفسنا. لم يرفعنا إلى السموات، بل أمال السموات نحونا، على ما جاء في المزمور: “أَمالَ السَّمَواتِ ونَزَل” (مز 18[17]: 10).