الصلاة

البطريرك بيتسابالا

تناولت قراءة الأحد الماضي موضوع العدالة والإنصاف: ليس العدل الإلهي كما نتوقعه أي انتقام الله من الأشرار ومكافأته للصالحين. ولكنه بالأحرى تحقيق مخطط محبّة، حيث يستخرج الخير من الشر، والحياة من الموت، ويحوّل الخاطئ إنساناً صالحاً، كما سنرى في مَثَل اليوم الذي يعالج مرة أخرى موضوع الصلاة.
يسرد يسوع لهؤلاء “الذين كانوا على ثِقة بأنّهُم صالِحون” (لوقا ١٨، ٩) مَثَل الفريسي وجابي الضرائب اللذين صعدا إلى الهيكل ليصلّيا. نرى في نهاية المَثَل أن جابي الضرائب هو الشخص الذي “نزل إلى بيته مقبولاً عند الله”. (لوقا ١٨: ١٤)
وعادة ما يقدّم الإنجيلي لوقا شخصيتين تعتمدان نهجين مختلفين، أي طريقتين مختلفتين للعيش في العالم والالتقاء بيسوع، كما ورد في قصة سمعان الفريسيّ والمرأة الخاطئة (لوقا ٧: ٣٦- ٥٠) وقصة مرتا ومريم (لوقا ١٠: ٣٨- ٤٢)…أما في قراءة اليوم فنقرأ قصة الفريسيّ وجابي الضرائب. يقوم الاثنان بالعمل نفسه: يصعد الرجلان للصلاة في الهيكل ولكن بطريقتين مختلفتين. يقف الفريسيّ بكل ثقة وكبرياء، أما جابي الضرائب فيقف بعيداً يدقّ على صدره.
هما في الواقع متناقضان في مثولهما أمام الله. يذهب جابي الضرائب إلى الهيكل حتى يُبرز بؤسه، بينما يذهب الفريسيّ حتى يُبرزَ ذاته. وفعل ذلك في خطوتين.
يُبرز الفريسيّ أوّلاً كمال أعماله وحفظه للشريعة: “أصوم مرتين في الأسبوع وأعشّر كل أموالي” (لوقا ١٨: ١٢). وكأنه يضع حاجزاً بينه وبين الله يمنعه من رؤية الرب فلا يرى إلا نفسه. ومن المؤسف أنه لا يعرف عن علاقته بالله سوى كم مرة يصوم وكم يتصدّق.
ثم إنه يبرز شناعة الآخرين. فهو ليس كباقي الناس (آية ١١) الذين لا يصومون ولا يتصدّقون. وإذ يضع نفسه في حلقة الطاهرين والكاملين، فإنه يعتبر ذاته في غنى عن رحمة الله الخلاصيّة المعطاة للمتواضعين.
وعلى عكس ذلك فإن الذي يجرؤ ويُظهر ضعفه لله، لا يلجأ إلى التقليل من شأن الآخرين. يعرف أنه لا يستحق شيئاً ويعرف أن رحمة الله هي مجانيّة ولكل الناس. كان هذا موقف جابي الضرائب.
ومن الغريب أن الشعور بالكمال ترافقه قساوة القلب. ويلفت انتباهنا ما ورد في بداية المَثَل، في الآية ٩، حيث يعلمنا الإنجيليّ بأن المَثَل موجّه لقوم يظنون أنفسهم أبراراً ويحتقرون الآخرين. وكم هي “نشاز” واو العطف التي تربط بين الادعاء بالقداسة والاتهامات للآخرين بينما هما أمران غير مرتبطين بتاتاً. كنا نتوقع عكس ذلك. فلأنهم يعتبرون أنفسهم أبراراً، كان من المفروض أن يتمتّع الفريسيون بقلبٍ رحيم وطاهر. وهذا لم يحدث. باختصار، تُظهر هذه القصة مفهوم “البرّ” الحقيقي. إذا كان البرّ في حفظ الشريعة فقط، يصبح الخلاص مستحقاً ويسهل حينها أن يُقاس الآخرون بذات المقياس وأن يُعتبروا خطاة. في مفهوم يسوع، الأمر مختلف. البرّ هو المغفرة المجانيّة التي تعطى للذين يمثلون أمام الله بقلب طاهر، وهي الخبرة الحميمة للحب غير المشروط القادر أن يغيّر حياتنا.
وبدلاً من ذلك صار الفريسيّ “غير مبرور” أثناء صلاته. وما قاله مأساوي وحزين.
صحيح أن خطايانا تبعدنا عن القداسة، ولكنها ربما تحثّنا على التواضع واختبار رحمة الله. بينما “قداستنا” المزعومة وأعمالنا الصالحة، لا بل وصلاتنا، ربما تؤدي بنا إلى مزيدٍ من الإثم، إن لم تصدر عن قلبٍ منكسر، قادر أن يعرّي نفسه أمام الله.
الاعتراف بخطايانا هو الاعتراف برحمة الله وحقه وبرِّه.
أمام الله لا يقف أحدٌ بارّاً. رحمته وغفرانه وحدهما يجعلاننا أهلاً لأن نمثل أمام وجهه.
+ بييرباتيستا