((أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا ؟)) (متّى ٢٢، ١٧)
البطريرك بيتسابالا
إنّ الإطار العام الذي نجد أنفسنا فيه في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم هو، مرّة أخرى، جدل يسوع مع قادة الفريسيّين. لا يتمّ التعبير عن هذا الجدل من خلال مثل ما، كما في المقاطع الإنجيليّة للآحاد الماضية، بل مباشرة، بأسئلة وردود: لقد فهم الفرّيسيّون أن استفزاز يسوع موجّه إليهم، ويسعون إلى وضعه في ورطة من خلال أسئلة مفخّخة.
يقول متى بكل وضوح: “ذهب الفريسيون وعقدوا مجلس شورى ليصطادوه بكلمة” (متّى ٢٢، ١٥).
ستكون الأسئلة الموجّهة إلى يسوع أربعة، ونستمع اليوم إلى السؤال الأوّل منها، وهويتعلّق بموضوع سياسيّ ساخن جدّاً: “فقل لنا ما رأيك: ((أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا ؟)) (متّى ٢٢، ١٧).
كان دفع الجزية لقيصر يعني الإقرار بسيادة روما على إسرائيل، وبالتالي الدخول في نوع من الوثنية، حيث كان القيصر يُعتبر في منزلة إله لدى الرومانيّين.
وتأكيد العكس من ذلك، أي عدم دفع الجزية، كان يعني المخاطرة باعتبار الشخص أو الأمّة متمرّدين وتخريبيّين، بكل ما يترتّب على ذلك الحال من عواقب وخيمة. وبالتالي يترتّب على سؤال الفرّيسيّين آثار دينيّة وسياسيّة في نفس الوقت. كما لو كانوا يسألونه: هل إنت إلى جانب المحتلّين، الّذين إلههم هو قيصر، والّذين يضطهدوننا، أم أنّك إسرائيلي حقيقي (خالص)؟
لهذا المقطع الإنجيلي أهمّية واضحة في فهم العلاقة، الّتي لم تًحدّد أبداً، بين السياسة والإيمان. ربّما نحن اليوم نفهم هذا المقطع بشكل أفضل من آبائنا.
يتعلّق سؤال الفرّيسيّين، في نهاية المطاف، بيسوع نفسه: بالنسبة لإسرائيل إنّ المَلِك الأوحد هو الله، وفي اللحظة الّتي يكون المسيح قد جاء أخيراً فسوف يكون كلّ احتلال أجنبيّ قد انتهى، وسوف يكون ملكوت الله قد تمّ تأسيسه. وعندها لن يكون هناك أي حاجة (داع) لدفع أيّ جزية للمحتلين الغرباء،لأن كل أشكال الهيمنة ستكون قد توقّفت.
في سؤال يسوع عن كيفية التعامل مع الضرائب، هناك سؤال ضمنيّ عن ادّعائه بأنّه المسيح، ملك اسرائيل: هل يسوع هو حقّاً ملك إسرائيل، المسيح المنتظر؟ هل يمكن أن يكون هناك ملك يقبل بأن يدفع رعاياه الضرائب إلى ملك آخر؟
يُجيب يسوع أوّلاُ بسؤال: “لماذا تحاولون إحراجي، أيها المراؤون! ” (متى ٢٢، ١٨).
كانت إسرائيل، على امتداد تاريخها، تضع الربّ تحت الإختبار. إنّها تفعل ذلك في كلّ مرّة لا تُقرّ فيها بسيادة الربّ، وبقدرته على الخلاص، على منح الحياة وتغذيتها.
وفي كثير من الأحيان، عندما تضع إسرايل الربّ تحت الإختبار، وعندما تفقد الثقة به، تبحث عن تحالفات مع القوة المطلقة المهيمنة آنذاك، كما لو كانت قادرة على تأمين الحياة لها.
وفي الواقع، فإنّ جواب يسوع يمّس جوهر المشكلة ويصل إلى حيث يكتنف الغموض قلب الإنسان.
إنّ المشكلة الحقيقيّة لا تتعلّق كثيراً في موضوع التصرّف بالمال: فهي تخصّ صورة ملك أرضيّ، ولا يًمكن تسليمها سوى إلى الشخص الّذي تحمل صورته.
إنّ المشكلة الحقيقيّة هي ماذا يجب أن نفعله مع أنفسنا، أي الإقرار لمن نحن تابعون، ومن عند من قد أتينا، ولمن ننتمي: إن المشكلة الحقيقيّة هي أن نعيد للربّ صورته، الّتي ليست مطبوعه على أيّ شيء سوى جسدنا: إنّ الوثنيّة الحقيقيّة تكمن في أن لا نعطي للربّ ما يخصّه، أي أن نعطيه حياتنا ذاتها كبشر مخلوقين أحرار على صورته، لكوننا أبناء الربّ.
وعندما لا يحدث هذا، تُصبح العلاقة مع السلطة بمثابة ذريعة، تُستخدم لإخفاء المصالح الخاصّة.
ومن الجدير بالإهتمام، بهذا الصدد، ملاحظ ما سوف يحدث في نهاية محاكمة يسوع: فسينضم حينها الفرّيسيّون إلى السلطة الرومانيّة من أجل الحكم على يسوع حتّى الموت.
ووفقاً لرواية يوحنّا، وأمام بيلاطس الّذي كان يريد أن يُطلق سراح يسوع، فإنّ الفريسّيين وقادة الشعب يثورون غضباً قائلين بأنّه ليس ملك آخرعليهم سوى بيلاطس (يوحنّا ١٩، ١٥)
إنّ كل تحالف مع السلطة يتطلّب ثمناً، وهذا الثمن، بطريقة ما، هو إنكار صورة الربّ المطبوعة في الجسد، بهدف وضع صورة القيصر المهيمن آنذاك. يطلب قيصر الحرّية كثمن في مقابل إسداء معروف ما.
ولكن عندما يحدث هذا، عندما نحيا من خلال تسليم حياتنا الشخصيّة إلى الربّ، نكون حقّاً أحرار، وبالتأكيد لن يعطّل دفع الضرائب هذه الحرّية.
ولذلك، فإنّ يسوع هو حقّاً المسيح المنتظر: ليس لأنّه ثائر يُفكّك الإحتلال الروماني ويؤسّس سلطة سياسيّة أخرى، مشابهة في الغموض لسابقتها.
ولا حتّى ليؤسّس ملكوت روحيّ محض، خال من كل واقع أرضيّ؛ لا يؤسس يسوع ملكوتاً مثالياً وشاعريّاً بعيداً عن متاعب الحياة.
لكن يسوع هو ملك بقدر ما يكشف للإنسان، في ظلّ أحوال العالم، وضمن تاريخ البشر، بكل ما فيه من ظلم وألعاب سلطويّة، عن الكرامة العظيمة الّتي يحملها، والّتي لا يستطيع أيّ شيء وأيّ أحد أن يلغيها: ألا وهي كرامة أن يكون البنوّة الإلهية.
يعود شأن تمييز هذه العطيّة وحمايتها إلى الإنسان، وعدم التخلّي عنها في مقابل وهم ورجس أولئك الّذين يعدون عبثاً بحياة سهلة، حيث أنّ كلّ وثنيّة جديدة يُقابلها عبوديّة جديدة تتبعها.
بينما ذاك الّذي يرعى أولويّة الربّ ويعيشها قي ظلّ غموض التاريخ، فإنّه يتوصّل إلى الإقرار بأن لا شيء من أمور هذا العالم يستطيع أن يُعيق تسليم وإرجاع كلّ شيء إلى الكائن الّذي نحن ننتمي إليه منذ الأزل.
+ بييرباتيستا