الثريّ “المسكين” الشّقيّ! (مَثَل لعاز والثّريّ، لوقا 16: 19 -31)

الأب بيتر مدروس

الثريّ “المسكين” الشّقيّ! (مَثَل لعاز والثّريّ، لوقا 16: 19 -31)

تعوّدنا أن نقول “مَثَل الفقير والغنيّ” ولكن يجب تصحيح اللّفظة الثّانية. في العربيّة الله وحده هو تعالى الغنيّ وذلك لأنّه “في غنى” عن كلّ الأحياء والاشياء، لا يحتاج إلى أحد ولا يعوزه أيّ شيء. وفي الإسلام يجد المرء اسم “عبد الغنيّ” أي عبد الله معطي المواهب.

بعد تجسّد الكلمة، أصبح بإمكاننا القول في سيّدنا يسوع المسيح: ” افتقر لأجلنا وهو الغنيّ ليغنينا بفقره” ( عن 2 قورنثوس 8: 9) .أمّا البشر ذوو الثراء فيجب دعوتهم “أثرياء” لا “أغنياء” بما أنّهم دوماً في حاجة إلى المال وفي “فقر” روحانيّ أو عقليّ أو عاطفيّ أو أخلاقيّ. وصدق الذي قال: “أولئك فقراء ما لديهم إلاّ مال”! ومن ظواهر “فقر” بعض الأثرياء عدم قناعتهم وقلّة اكتفائهم – مع أنّ “الغنى” اغتناء واكتفاء وعدم احتياج- وسعيهم دائماً إلى المزيد وأحياناً لا تهمّهم الوسائل للوصول إلى هدف الكسب المتزايد المطّرد، كما كتب بولس الرسول: “إنّ حبّ المال أصل كلّ الشّرور” (تيموثاوس الأولى 6: 10). ويلفت المرء النّظر هنا إلى أنّ مؤسسة “شهود يهوه” – وهي أساساً منظّمة تجاريّة أمريكيّة عبرية الاتّجاه – في نقلها لهذه الآية تحرّفها كالتّالي لتخفّف وطأتها على رئاساتها الثّريّة وسائر المساهمين في أسهمها: “حبّ المال أصل لشتّى الأمور المزعجة” أي “لكلّ نوع ” بدل “لكلّ”، و”الأمور المزعجة” بدل “الشّرور”. وتخفّف هيئة بروكلين ايضاً آيات تذمّ اليهود (تسالونقي الأولى 2: 14 – 16).

يلحظ القدّيس أوغسطينوس أنّ الرّبّ يسوع في المَثَل ذَكَر اسم الفقير، لعازر، “نظراً إلى شأنه (أو: أهمّيته) في نظر الله وإلى تدوين اسمه في السّماء! أمّا الرّجُل الثّريّ فلا يُذكَر له اسم في الكتاب المقدّس أو في السّماء”. ولعلّ طريقة الرّبّ يسوع هنا تدلّ على حقيقة مخيفة أنّ “الفلوس تغيّر النّفوس” عند نفر من البشر كثير، وأنها تُفقدهم هويّتهم وشخصيّتهم وكرامتهم وأحياناً دينهم وأخلاقهم. فالثّراء والتعلّق به قد يصلان إلى فقدان الإنسانيّة فتتحجّر القلوب، كما حصل مع الثّريّ الّذي “ما ساعد” لعازر (واسم “لعازر” يعني “الله ساعدَ”) ولا قدّم له لا خبزاً ولا ماء ولا انحنى على جراحه، بحيث كانت الكلاب التي تلعق تلك الجراح أشدّ رقّة “وإنسانيّة” من الثّريّ المترفّع (مار كيرلّس الإسكندريّ).

يبدو أنّ للفظتَي “ثراء” و “ثرى” أصلاً واحداً. وفي لفظة “ثراء” أو “ثروة” شَبَه مع كلمة “ثرى” التي تعني الأرض والتّراب، إلى حدّ أنّ “الثّراء والثّروات ثرى”، من الثّرى وإليه ، كما كتبت رابعة العدويّة: “وكلّ ما فوق التّراب تراب!”

قسا قلب الثّريّ وتنعّم بأنانيّة وكبرياء، وكان مصيره الشّقاء الأبديّ. والآن ها هو يطلب من أبينا في الإيمان إبراهيم أن يرسل لعازر – الفقير سابقاً والمحتَقَر آنفاً – لكي “يبلّ طرف إصبعه” ويخفّف عليه أي على الثّريّ لهيب جهنّم أي العذاب الابديّ! ولكن فات زمن النّدامة !

العِبَر واضحة، وأملنا “ألاّ يثقل قلوبنا القصوف والسُّكر وهموم الحياة الدّنيا” (عن لوقا 21: 34) – لا سُكر الكحول فحسب بل سُكر الثّراء وتبختر الخيلاء، ونتجنّب “شهوة الجسد وشهوة العين وفخر الحياة” (عن يوحنّا الأولى 2: 16).