الدينونة العامة (متى ٢٥: ٣١ – ٤٦)

البطريرك بيتسابالا

تنتهي السنة الليتورجية هذا الأحد بعيد يسوع ملك الكون. إن نصّ اليوم هو خاتمة الفصل الخامس والعشرين من إنجيل متى ويسبق أحداث آلام يسوع. وابتداءً من الفصل السادس والعشرين يسرد القديس متى أحداث الآلام والفصح.
إنه نص معروف يسمى بالدينونة العامة (متى ٢٥: ٣١ – ٤٦). يخبرنا فيه يسوع أنه سيعود في آخر الأزمنة، فيجلس على عرش مجده ويدين الناس قاطبة.
لا يمثّل هذا أمراً جديداً: تتوقع جميع الأديان حلول الدينونة في نهاية الأزمنة، وتؤكد أن الإنسان سيُدان وفقاً لأعماله.
ما يدعو للدهشة في المقام الأول هو المعيار الذي يستخدمه ملك المجد في دينونته: الملكوت هو من نصيب أولئك الذين قاموا بأعمال المحبة والضيافة البسيطة: إرواء عطش الإنسان وإطعامه وكساؤه وزيارته… إنها ليست أعمالا بطولية ولا مبادرات غريبة عما يقوم به الإنسان في حياته اليومية. كما وإنها ليست برّاقة وملفتة للانتباه، كما ليست دينية أو مقدسة بل العكس تماماً. هي عادية يتم عملها في الشارع والبيت والسجن وتجري عند الحاجة.
سيكون الملكوت من نصيب أولئك الذين يعلمون احتياجات إخوتهم وأخواتهم، ويوجّهون انتباههم إلى أبعد من ذواتهم ويقبلون لقاء الآخر: هذه المسيرة تبدأ على الأرض وتنتهي في السماء.
إن دهشة الأبرار، على غرار الأشرار المدُانين بالعذاب الأبدي، آتية من عدم معرفتهم بأن الخلاص أو الإدانة بالعذاب الأبدي هما نتيجة تلك الأفعال: لم تتم تلك الأفعال طمعا في ربح الملكوت بل لمجرد تلبية حاجة شخص ما إلى المساعدة في ذلك الوقت؛ إنه أخ وحاجته ذات أهمية أكثر من الوقت الذي أكرسه له.
وهذه المجانية والتحرّر من أي غاية أخرى سوى المحبة تجعل من هذا الفعل أمراً خالدا. وعليه سيرينا الرب في آخر الأزمنة جمال منطق المحبة التي تجعل من الحياة أمراً جميلا.
إلا أن ما يفاجئ المرء هو أن الرب، الملك وديّان العالم، يرى نفسه في الفقير الذي كان يحتاج المساعدة في تلك اللحظة. لا يرى يسوع نفسه في أولئك الذين تبرعوا أو قاموا بأفعال المحبة بل في المحتاج وفي كل “صغير“. وذلك أمر جديد.
يدل ذلك أن كل عمل يتم بمحبة موجّه إلى الله: هذه هي العبادة الحقيقية الجديدة. كما ولا توجد أية عبادة لله لا تمر من خلال المحبة الأخوية. لقد حذّرنا القديس متى من ذلك كلما تكلّم عن عبادة الله وعندما حثّ على إيقاف تقديم القربان إن لم يكن الانسان على وفاق مع إخوته (متى ٥: ٢٣– ٢٤).
كما ويدل ذلك أيضاً أن كل فقير ومحتاج يملك رابطاً مميزاً مع ابن الإنسان الذي اجتاز طريق الأحزان: هنالك قرابة وطيدة، وتماهي مع المصلوب، الذي يجمع في داخله آلام كل إنسان، كما لو أن كل آلام الإنسانية هي بطريقة أو بأخرى موجودة على الصليب، وأن التخفيف من آلام الإنسان هو تخفيف بدوره من آلام يسوع.
إننا بعيدون كل البعد عن صورة الله القوي و“الشديد” التي تكلّم عنها الخادم في مَثَل الأحد الماضي (متى ٢٥: ٢٤)، إله يثير الخوف ويجب الاختباء من وجهه.
هذا ما يريد الإنجيل أن يطلعنا عليه. يريدنا أن نعرف أن الله يكشف عن نفسه للإنسان الذي يمر بلحظات ضعف، كما يريدنا أن نتحرر من الصورة الزائفة عن الله من أجل أن نتمكن في النهاية من تسليم أنفسنا بين يديه.
وكخاتمة لإنجيله، يدعونا القديس متى إلى التأمل في سر آلام المسيح، حيث سوف تتهشم كل صورة زائفة عن الله، مبنية على خوفنا أو حاجتنا إلى الاستعظام، وحيث سيكشف الله عن ذاته الحقيقية. إنه إله محبة. ونعلم الآن أين نبحث عنه.
إن الملاحظة الأخيرة تتعلق بـ“الصغار” الذين تكلّم عنهم الرب في دينونته حين قال: “الحَقَّ أَقولُ لكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إخوَتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى ٢٥: ٤٠).
من هم هؤلاء الصغار؟
يعد هذا السؤال المهم الذي كُتب الكثير حوله، يبدو من إنجيل متى أن الصغار هم التلاميذ أو المرسلون لإعلان الكلمة.
إن كان الأمر كذلك، فإن الدينونة تخصّ تلقي الناس لرسالة الإنجيل: كل من استقبل واحداً من هؤلاء الصغار، استقبل الرب (راجع متى ١٠: ١١).
قد يكون هذا التفسير صحيحاً، إلا أنّه بالتأكيد لا يستنفذ المعاني الكاملة للنص.
من الجميل أن يبقى يسوع غامضاً بشكل متعمد، حتى لا نقع في تجربة التساؤل إن كان الصغير الذي يقف أمامنا هو تلميذ أم لا.
إن سبب استحقاق الإنسان لانتباهي لا يأتي من كونه واحداً منا، بل لكونه محتاجا. هذه المجانية وحدها هي مفتاح باب الملكوت.
+ بييرباتيستا