الطهارة

البطريرك بيتسابالا

قبل أن نتعمق في نص إنجيل اليوم، لنتوقف قليلا ولننظر إلى إطاره العام. نحن في الفصل الخامس عشر من متى، وهو يورد تعليق يسوع الطويل والمتشدد على تقاليد الفريسيين والكتبة، بخاصة المتعلّقة بموضوع الطهارة. يبتعد يسوع عن هذه التقاليد، من دون أن يقول كلمة ضد شريعة موسى أو ضد أهمية العهد واختيار الله لشعبه: لا نقاش في هذين الأمرين. إلا أن المشكلة تتمثل في الطاعة الشكلية للشريعة. ويقتبس يسوع هنا قولا للنبي أشعيا، يفضح الناس الذين يكرّمون الله بشفاههم، بينما قلوبهم بعيدة عنه (متى ١٥: ٨).
يبدو أن يسوع يريد التأكيد على أن خطر الطاعة العمياء للشريعة لا يقتصر على الفريسيين فحسب، بل على التلاميذ في كل زمان ومكان: يسوع يؤنب تلاميذه أيضاً عندما يستصعبون فهم النظام الجديد في تفسيره للشريعة (متى ١٥: ١٦).
بعد هذا النقاش الطويل، يخرج يسوع ويتوجّه إلى أرض غريبة، إلى نواحي صور وصيدا، إلى مكان غير “طاهر“. في هذا المكان يلتقي بامرأة كنعانية: امرأة قد تبدو بعيدة، لكن قلبها قريب حقا من الله. تُصرّ المرأة على أن يشفي يسوع ابنتها المريضة. وفي بادئ الأمر لا ينبس يسوع ببنت شَفة (آية ٢٣): فقط بعد تدخّل التلاميذ –الذين تضايقوا من صياحها – يبدأ حوارا متشددا معها، يبدو فيه ثابتاً على موقفه: هو لم يرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل (متى ١٥: ٢٤).
في ختام هذا الحوار يبدو أن يسوع غيّر موقفه إلى حد ما: ما الذي حصل؟
ما حصل هو أن المرأة لم ترتعب من هذا المعلّم اليهودي الذي بدا وكأنه يبني حواجز بينه وبينها. الا أن الحقيقة تختلف. ذلك أن يسوع هادم للحدود وقد أزال بالفعل العديد من العوائق. لقد رآه الرعاة والمجوس الوثنيون وأكرموه عند ولادته، كما ودعا يسوع الخطأة ليتبعوه، ولمس أشخاصا غير طاهرين كالبرص، وتكلّم عن الزؤان الذي ينمو بين القمح…
يسوع إذا ليس شخصا مخيفاً. وهذه المرأة ليست مصابة بمرض الحساسية الزائدة ولا تشعر بالإهانة عندما يشبّه يسوع قومها بصغار الكلاب المتحلّقين حول مائدة الطعام. في ضوء هذا القول الجارح الذي كاد يقطع الحوار بينها وبين يسوع، نجحت المرأة في أن تواصل الحوار مع المعلم، فمُنِحت بموجبه الخلاص.
إنها لا تشكك في مسألة اختيار إسرائيل، وتوافق يسوع بقولها “نعم، يا رب” (متى ١٥: ٢٧)، إن الخبز هو للبنين قبل كل شيء. والبنون هم اليهود حسب العقلية اليهودية السائدة إلا أنّها لا تتوقف عند ذلك، فلديها الشجاعة على حسن التخلص بفضل كلمة “حتى“: “حتى الكلاب تأكل من الفتات الذي يتساقط عن موائد أصحابها“. هي تدرك أن المائدة التي يُدعى إليها الشعب المختار تكفي للجميع. كما تعي أن فتات هذه النعمة كاف لمنح الحياة لكل من يحتاجها، داخل وخارج حدود إسرائيل.
يُبدي يسوع إعجابه بهذا الإيمان العظيم (متى ١٥: ٢٨).
في الفصل الذي يلي هذا الحدث، وعقب معجزة تكثير الخبز الثانية، يوبّخ يسوع التلاميذ لقلة إيمانهم (متى ١٦: ٨): لقد رأوا خبزاً كثيراً، إلا أنهم خافوا لاحقا أن يبقوا من دون خبز. في المقابل، تؤمن هذه المرأة أن الخبز الذي يعطيه الرب سيكون كافياً، وأن الفتات سيكون وفيرا.
عندما نعود وننظر إلى الإطار العام، نستطيع القول أنه ليست الطاعة الشكلية للشريعة هي التي تجعل المرء طاهراً بل إيمان الشخص نفسه، ذلك الإيمان الذي يُدرك أن الخلاص مجاني. ولأنه مجاني فهو من نصيب الجميع. إنه إيمان يُمنَح للجميع، البعيدين أو القريبين، وينبع من الحاجة إلى الخلاص، خلاص أولئك الذين لا يستطيعون وحدهم أن يُعطوا أنفسهم الحياة.
وهذه المرأة، بإيمانها العظيم – المتواضع والثابت – قادرة على ترك فسحة أكبر ليسوع الذي تجاوز حدود بيت إسرائيل، ليفتح البيت للجميع. من أجلهم ومن أجل الجميع، سيكثّر يسوع بعد قليل الأرغفة للمرة الثانية.
في هذا الحوار، يتقابل شخصان متواضعان، قادران على التعلّم من بعضهما البعض. وتتمثل عظمة يسوع في هذه الحالة في قبول هذه الحقيقة: وهي أن امرأة كنعانية وثنية تكشف أمراً لا يزال مجهولا، وهو خلاص الوثنيين.
ويسوع أيضا ليس خائفاً من هذا الجديد غير المتوقع، كما ويدرك من خلال هذا اللقاء، الذي تم في أرض غريبة، الدعوة الملحة إلى نقطة تحوّل ستترك بصمتها في حياته.
+ بييرباتيستا