العظة على الجبل

البطريرك بيتسابالا

متّى ٥، ٣٨- ٤٨

نواصل اليوم الإصغاء إلى الكلمات الّتي تُكوّن “العظة على الجبل”
سمعنا، في البداية، عن الحياة الجديدة، وعن الفرح المُختلف، الواردين في التطويبات؛ وفيما بعد اكتشفنا، من خلال صور النور والملح، أنّ هذه السعادة لا تتحقق إن لم يتمّ مقاسمتها مع الإخوة. ومن هنا أراد يسوع إعطاء شريعة جديدة لهذا الشعب الجديد الذي نال الخلاص.
وأوضح لنا يسوع أن الأمر لم يكن مجرد شريعة جديدة: فكل شيء في العهد القديم كان مقررا أن يتحقّق. الأنبياء أيضاً، عندما كانوا يُعلنون عن الأزمنة المسيحانيّة، كانوا يعتقدون بضرورة علاقة جديدة مع الربّ. ولكن لا تعتمد هذه العلاقة الجديدة على شريعة جديدة ينبغي التقيّد بها بقدر اعتمادها على قلب جديد (راجع إرميا ٣١، ٣٣) قادر على تنفيذ ذلك المخطّط الخاصّ بالحياة والمحبّة، والكائن دائماً في قلب الربّ.
ليست من شريعة يمكنها أن تعطي ملء الحياة؛ بل الأمر عكس ذلك. فالقلب، الّذي نال الشفاء بفضل اختباره رحمة الربّ، يصبح بإمكانه، في نهاية المطاف، الإصغاء إلى كلمة الربّ الّتي يوجّهها إليه دائماً، والوثوق بها. هذا القلب يعرف كيف يمتلك الكلمة، جاعلاً إيّاها خاصّته.
إنّ الموقفين المتناقضين اللذين نسمعهما اليوم في الإنجيل هما جوهر تأملنا وتعمقنا.
ينطلق يسوع، في النقيض الأول، من شريعة شهيرة، هي شريعة الإنتقام، المذكورة في الفصل ٢١ من سفر الخروج والّتي تقول: إذا آذاك شخص ما، فردّ أنت له الأذى بنفس القدر. لقد كانت هذه فيما مضى، شريعة جيّدة وعصريّة، قادرة على الحدّ من الثأر الشخصي ومن انتشار العنف المفرط. كانت هذه الشريعة، في الزمن الّذي كُتبت فيه، تجديدًا ثوريًا. بالنسبة ليسوع، لا يمكن الانتصار على الشرّ من خلال الردّ عليه بنفس المقدار من الشرّ، كما كانت تفرض الشريعة الموسويّة. لم يكتف يسوع بمجرّد إعطائنا معياراً آخراً، ربّما أكثر اعتدالاً، بل، على العكس من ذلك، فهو يُغيّر وجهة النظر بشكل كامل.
وهو يؤكّد على أنّه، في اللحظة الّذي ينتزع الآخر شيئاً ما منّا، فنحن مدعوّون إلى أن نعطيه إيّاه. والشرّ الّذي يرتكبه الآخر يُصبح مجالاً لحبّنا المجاني له، ولا يستطيع أيّ أحد أن ينتزعه منّا، لأنّنا نحن الّذين قمنا بإعطائه، ونحن نُعطيه أكثر بكثير ممّا يستطيع الآخر أن ينتزعه منّا. ومن قبيل المفارقة، إنّ الشرّ الّذي يرتكبه الآخر لا يظلّ شرّاً بعد ذلك، بل يتمّ التفوّق عليه بفضل عطيّتنا الكاملة: والشيء الّذي يُفكّر الآخر في سرقته منّي يُعدّ كأنه لا شيء أمام حجم ما أريد أن أعطيه، أي كلّ شيء. يتبادر إلى الذهن، هنا، العبارة الّتي يقولها يسوع في بشارة يوحنّا: لا ينتزع أحد منّي الحياة، ولكنّ أنا أعطيه إيّاها باختياري (راجع يوحنّا، ١٠، ١٨).
وهذا يصحّ في كلّ أبعاد وجودنا، أي في كلّ ما نحن عليه وكلّ ما نمتلكه وكلّ ما نفعله.
أولا في كلّ ما نحن عليه: إذا جرحنا أحدهم في كرامتنا “من لطمك على خدك الأيمن” (متّى ٥، ٣٩)، فلا نُدافع عن أنفسنا، لأنّ حياتنا تعود إلى شخص آخر. وذلك فيما لدينا وفيما نفعله.
ثانيا في كلّ ما لدينا : إذا ” ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك” (متّى ٥، ٤٠” فاترك له كلّ شيء آخر، لأنّ ما ينتزعه منك لا يظلّ بالفعل ملكك.
وثالثا في كلّ ما نفعله: ” من سخرك أن تسير معه ميلا واحدا. فسر معه ميلين” (متّى ٥، ٤١)، وهذا يعني أن تذهب إلى ما هو أبعد وتتفوّق على الآخر في تقديم عطيّة فريدة من نوعها: لأنّ “السير معه” طول الطريق هو تحديداً ما تريده أنت أيضاً.
نحن نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا في الدفاع عن أنفسنا، وعمّا نحن عليه، وعمّا نمتلكه، وعمّا نقوم به. ولكن، وفقاً ليسوع، الشيء المهمّ هو أن نتحرر ونصبح مثل فقراء الروح الّذين، لكونهم يعيشون في ديناميّة عطاء مستمرّ، ليس لديهم أيّ شيء يدّخروه. لا يستطيع أيّ أحد أن ينتزع منهم أيّ شيء، لأنّ كلّ ما فيهم قد تمّ بالفعل إعطاؤه لهم.
يقول يسوع، لاحقاً، أنّ هذا الموقف يُسمّى الحب. ومن أجل أن يكون حبّاً ينبغي أن يشمل الجميع. وبهذا نصل إلى النقيض الثاني.
لا يكفي أن نُحبّ من يُحبّنا: فهذا مؤكّد، ولكن ليس الغاية النهائية التي نحن مدعوّون إليها. ينبغي أن يكون حبّ تلاميذ الملكوت قادراً على الوصول إلى الجميع، حتّى، وخصوصاً، المحرومين، الّذين ليس لديهم أيّ شيء يُبادلوننا به، وحتى الّذين يُؤذونا: هؤلاء هم الّذين بحاجة إليه بالدرجة الأولى.
لماذا
نستطيع أن نحبّ هكذا؟
لأنّنا، ببساطة، أطفال (متّى ٥، ٤٥)، ومدعوون الى الطفولة أكثر فأكثر.
يتعلّم الابن، في البيت، نمطا معيّنا من الحياة، وأسلوبا معيّنا في الحب. إن نمط بيتنا هو ذلك الخاصّ بالآب، فهو يُحبّ دائماً ويُحبّ الجميع، حيث أنّه لا يمكنه فعل شيء آخر. وحيثّ أنّه، في حدّ ذاته، محبّة وشركة، ولا شيء غير ذلك.
ونحن قدّ تعلّمنا هذا ليس بالكلام، بل من خلال الخبرة، لأنّنا كنّا في السابق غرباء وأعداء (راجع كولسّي ١، ٢١)، وقد أحبّنا الآب دون قيد أو شرط.
إضافة إلى ذلك، إن أحسنّا النظر، فإنّ كلّ هذا، ببساطة، قد نقشه الربّ الإله في ناموس الخليقة: تُشرق الشمس كلّ يوم على الأخيار وعلى الأشرار (متّى ٥، ٤٥)، وينزل المطر على الأبرار والفجّار.
يجب أن نضع في اعتبارنا أنّ هذا الحبّ لا ينبع من قدراتنا. إنّه حياة جديدة نحصل عليها كهبة مجّانيّة، وهو مقيم فينا بفضل روح الآب القدّوس الّذي يحيا فينا. إنّها أحشاء رحمة الربّ فينا.
إنّ الشيء الوحيد الّذي يُتيح تحقيق هذه النقلة النوعيّة في حياتنا هو الصلاة: في واقع الأمرّ، عندما يطلب يسوع محبّة الأعداء، فإنّه يطلب أيضاً الصلاة لأجلهم (متّى ٥، ٤٤). إن كنت تُصلّي لأجل شخص ما، فعاجلاً أم آجلاً، سوف تتوصّل إلى محبّته: لأنّ الصلاة من أجله تعني أنك تعهد به إلى الربّ، وأن تتخلّى عن أي إدانة أو مطالبة في حقه.
ونحن نُصلّي، ليس فقط من أجل تغيير الآخر. بل نصلّي من أجل الانفتاح على حبّ أكبر يصعب تصوّره. وبينما نخسر به كلّ شيء، وبينما يُخلّص الآخر، فإنّه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، يُعطينا ملء الحياة، ويُحوّل التاريخ ويسمو به ويُنتجُ السلام.

+ بييرباتيستا