العلاقات داخل الجماعة الكنسية
البطريرك بيتسابالا
إن المَثل الإنجيلي الذي نسمعه اليوم يختتم الفصل الثامن عشر من إنجيل متى حيث يتكلم يسوع عن العلاقات داخل الجماعة الكنسية.
يمكننا التمييز بين مرحلتين: أولاً تساؤل بطرس عن عدد المرات التي تُلزِم الإنسان أن يغفر (متى ١٨: ٢١)، ثم الجواب الذي يقدّمه يسوع من خلال مَثَل الخادم الذي لا يغفر (متى ١٨: ٢٢– ٣٤) بالإضافة إلى الجملة النهائية التي يتحدث فيها عن الحد الذي يضعه الإنسان أمام مغفرة الله (متى ١٨: ٣٥).
يأتي تساؤل بطرس بعد كلام يسوع السابق عن المغفرة. تعي الجماعة مشكلة الخطيئة والانقسام والشر، لذا أراد يسوع أن يرسم خارطة الطريق كي يساعد الإخوة بعضهم البعض على النجاة من الموت.
من هذا المنظور، نرى أن تصرف بطرس إنساني ومنطقي: المغفرة هي أمر حسن ومن الجيد أيضاً أن نغفر باستمرار، ولكن في مرحلة معينة يجب وضع حدود لذلك. ما هي هذه المرحلة؟ وما هي الحدود؟ ومن يقوم بوضعها؟
يسوع يجيب على كل ذلك.
قبل كل شيء، يتضمن المَثَل عناصر محيّرة.
يتعلق العنصر الأول بمديونية الخادم نحو سيده: عشرة آلاف درهم من الفضة هو مبلغ كبير لا يمكن تخيله، وهو مبلغ لم يكن متداولاً في ذلك الوقت في فلسطين.
كان ذلك ديْن الخادم.
أما العنصر الثاني فهو تصرف السيّد الذي أعفى الخادم من دينه بالكامل، من دون أن يدعه يتوسل كثيراً. كان من الممكن أن يمحو جزءاً من الديْن ويطالبه بالباقي. كان بوسعه أن يمهله المزيد من الوقت، وأن يظل سيداً صالحاً وصبوراً. إلا أنه أعفاه من كل دينه وعلى الفور.
جواباً على تساؤل بطرس عن حدود المغفرة المطلوبة منا، يتحدّث يسوع عن محبة الآب ومقياس مغفرته التي هي من دون قياس. على الإنسان دين كبير نحو الله ولا يمكنه الوفاء به: لا يدين الإنسان بحياته الثمينة لله فحسب بل يدين بالخلاص من موت قد سبق وأطبق عليه بفكّيه. إن ثمن خلاصنا بالنسبة للآب هو حياة الابن.
إلا أن هنالك ملاحظة ثالثة غريبة ومفاجئة، تتسم هذه المرة بصفة السلبية، وتتمثل في تصرف الخادم، الذي حالما عفا عنه سيده، وجد نفسه غير قادر على أن يعفو عن أخيه دينا أقل من دينه بكثير.
كيف يعقل ذلك؟
قد يبدو الأمر مستحيلاً، إلا أن ذلك ما نقوم به في كل مرة لا نغفر لأخينا، وحينما تبدو المغفرة أمراً صعباً. إننا نتصرف على غرار هذا الخادم الذي لم يكن قادرا على مشاركة الهبة الثمينة التي حصل عليها، إذ اعتبرها حقاً له وحده وليس هبة مجانية.
إن الذي لا يعي حجم الهبة التي يتلقاها، ولا يغذّي ذكراها بعرفان الجميل والصلاة، معرّض لمخاطرة الخادم، الذي لم يدرك وجوب المغفرة.
في حال عدم قيامه بذلك، وهنا تكمن المفاجأة الرابعة في المَثَل، فهو يفقد الهبة التي حصل عليها لأنّه يحرم نفسه من إمكانية التمتع بها ويمنع نفسه من عيش منطقها. إننا مدعوون لأن نغفر دائماً لأن مغفرتنا لا تعد شيئاً بالمقارنة مع الرحمة التي مُنحت إلينا. إن الرحمة اللامحدودة هي وحدها المغفرة الحقيقية، بينما تبقى الرحمة المحدودة نوعا من العدل الإنساني الذي لا يشبه إطلاقاً أعمال الله.
إن البشر، كما نرى في تساؤل بطرس، يميلون إلى وضع حدود وتحديد مقاييس منطقية. بالمقابل، لا يضع الله أية حدود بل الإنسان هو من يقوم بوضعها أمام مغفرة الله.
إن الجملة الأخيرة في نص اليوم، والذي يذكر طلب المغفرة (متى ٦: ١٢، ١٤ – ١٥) يتناول هذا الشرط: لن يغفر الآب لأي شخص لا يغفر لأخيه.
يصح القول أن هنالك مغفرة تأتي من الآب بسرعة البرق، تصفح حالاً عن كل شيء وعن الجميع. فقط من يمتلكون هذا الوعي ويتبنون منطق هذه الهبة، يسمحون لنعمة الرب أن تواصل عملها الخلاق، لتجعل منا بشراً استعادوا الحياة وقادرين أن يستفيدوا في حياتهم اليومية من الهبة التي تلقوها.
وعليه فإن المغفرة التي نحصل عليها ستكون قادرة على تغيير الوجود.
+ بييرباتيستا