المسيح المنتظر ويوحنا المعمدان

الأب لويس حزبون

يصف انجيل الاحد الثالث (متى 11: 2-11) المسيح المنتظر بمفهوم يوحنا المعمدان وبمفهوم يسوع. والمسيح المنتظر هو ما وعد به الله لإرساله للعالم لخلاص الانسان “أَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ(المسيح) يَسحَق رأسَكِ (الحية التي ترمز للشيطان) وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه” (التكوين 3: 15) فالمسيح قد جاء ليحقق الخلاص الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم ويُعيد الإنسان مرة أخرى إلى الفردوس بعد سقوط الإنسان الأول في الخطيئة؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع نص الإنجيل وتطبيقاته.

أولا: وقائع نص الإنجيلي (متى 11: 2-11)

2وسَمِعَ يُوحَنَّا وهو في السِّجنِ بِأَعمالِ المسيح، فأَرسَلَ تَلاميذَه يَسأَلُه بِلِسانِهم:

تشير عبارة “السِّجنِ ” الى الحبس في قلعة مكاور، القائمة على البحر الميت شرقا. وكان يوحنا المعمدان سجينا هناك لتوبيخه الملك هيرودس انتيباس على اتخاذه امرأة أخيه، ومخالفته لوصايا التوراة؛ أمَّا عبارة “َأعمالِ المسيح “فتشير الى معجزاته؛ واما عبارة “فأَرسَلَ تَلاميذَه” فتشير في اللغة اليونانية πέμψας διὰ τῶν μαθητῶν αὐτοῦ أرسل διὰ أي اثنين، وتترجم أيضا بواسطة تلاميذه. ونلاحظ ان تلاميذ يوحنا المعمدان ظلوا على اتصال به بالرغم من وجوده في السجن، وتابعوا رسالته، وحدثوه عن اعمال المسيح ومعجزاته.

3 ((أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟ ))

تشير عبارة ” الآتي ” الى المسيح المنتظر حسب نبوءة العهد القديم، وقد تنبأ يوحنا المعمدان أيضا بمجيئه ‘إذ أشار “أَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار. بيَدِه المِذْرى يُنقِّي بَيْدَرَه فيَجمَعُ قَمحَه في الأَهراء، وأَمَّا التِّبنُ فيُحرِقُه بنارٍ لا تُطْفأ ” (متى 3: 11-12)؛ اما عبارة “أَم آخَرَ نَنتَظِر؟” فتشير الى ملاحظة يوحنا ان يسوع الرحيم بعيد كل البعد عن المسيح الديان الذي ينقّي إسرائيل، “ها هيَ ذي الفَأسُ على أصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار” (متى 3: 10). فإذا هو غير ذلك، لهذا تشكك يوحنا.

4فأَجابَهم يسوع: ((اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون:
تشير عبارة ” فَأَخبِروا يُوحنَّا ” الى إجابه يسوع مصوّرا عمله في إطار الرجاء المسيحاني كما صوّره الأنبياء خاصة اشعيا (اشعيا 35: 5-6)، فأعاد يسوع السميح يوحنا وتلاميذه الى الاعمال التي يعرفونها ويجب ان يفسّروها. فيعرفوا ان يسوع هو المسيح من خلال المعجزات التي تدّل على رسالة المخلص (اشعيا 26: 19)

5العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون،

تشير عبارة “العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً ” إلى نفس النبوءة التي سبق ان استخدمها اشعيا النبي عن عصر المسيح المنتظر (اشعيا 61: 1)؛ اما عبارة ” والصُّمُّ يَسمَعون ” فتشير الى نبوءة اشعيا القائلة “في ذلك اليَومِ يَسمعُ الصُّمُّ أقْوالَ الكِتاب وتُبصِرُ عُيونُ العُمْيانِ بَعدَ الدَّيجورِ والظَّلام ” (أشعيا 35: 5-6)؛ اما عبارة “المَوتى يَقومون” فتشير الى نبوءة اشعيا “ستَحْيا مَوتاكَ وتَقومُ جُثَثُهم. إِستَيقِظوا وهَلِّلوا يا سُكَّانَ التُّراب. فإِنَّ نَداكَ نَدى النُّور وستَلِدُ الأَرضُ الأَشْباح” (اشعيا 26: 19)؛ اما عبارة ” الفُقراءُ” فلا تشير الى الفقراء والضعفاء فقط بل أيضا الى المساكين بالروح أي المتواضعين. واما عبارة “الفُقراءُ يُبَشَّرون” فتشير الى نبوءة اشعيا القائلة “روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مسحني وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَراء “. ويعلن إنجيل لوقا ان تبشير فقراء هو أهم ما في رسالة يسوع (لوقا 4: 18)، وتشكل جوهر رسالة يسوع في خط اشعيا (اشعيا 61: 1). ويعبّر يسوع عن معجزاته وتبشيره بالألفاظ التي أنبا فيه أشعيا بزمن الخلاص، فهي علامات رسالته الخلاصية. إن يسوع أتمّ هذه النبوءات، فدليل ذلك ان خلاص الله أعطي منذ الآن للبشر (لوقا 4: 18-19). فنجد في جواب يسوع لتلاميذ يوحنا مجموعة من نبوءات أشعيا يبيّن فيها كيف يسوع يُتمّ النبوءة: إن خلاص الله قد مُنح لجميع الناس “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين 19 وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ”(لوقا 4: 18-19). فلا بد من اتخاذ القرار والكف عن الانتظار.

6وطوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة)).
تشير عبارة “طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة ” الى تطويبة يسوع المسيح لمن لا يشك فيه، ولا يكون له عائقا او فخا سبب عثار فيسقط ويفقد ايمانه به (لوقا 7: 23). فهي دعوة الى الإيمان، انطلاقا من الآيات التي يأتي بها يسوع، إذ لا يخفى على يسوع أنه يتعذّر على معاصره، حتى على يوحنا، الاعتراف به مسيحاً. وكاد يوحنا يفقد إيمانه بيسوع بعدما رأى منه ما رأى من رحمة وحنان، ولم يشاهد دينونة قاسية يجب ان تتم حالا “فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار” (متى 3: 10).

7فلَمَّا انصرَفوا، أَخذَ يسوعُ يقولُ لِلجُموعِ في شَأنِ يُوحنَّا: ((ماذا خَرَجتُم إِلى البَرِّيَّةِ تَنظُرون؟ أَقَصَبةً تَهُزُّها الرِّيح؟
تشير عبارة “أَقَصَبةً تَهُزُّها” الى قصبة سريعة العطب (1ملوك 14: 15)، والريح تستطيع ان تحرّكها دون ان تكسرها؛ وكما يقول القديس أوغسطينوس”بالتأكيد لم يكن يوحنا قصبة تحرّكها الريح، لأنه لم يكن محمولًا بكل ريح تعليم”؛ اما عبارة ” أَقَصَبةً تَهُزُّها الرِّيح؟” فتشير الى شخصية يوحنا كقصبة تهزها الريح فتلويها ولكنها لا تكسرها. يوحنا لم يتراجع ولو وُضع في السجن. وقد سُجن بسبب تمسكه بالبرّ (لوقا 3: 19-20)، فليس هو بقصبة تنثني إذا هزّتها الريح. ويُعلق القدّيس غريغوريوس الكبير “أمّا يوحنا فلم يكن بالقصبة التي تحرّكها الريح، فلا يتملّقه المديح، ولا يغضبه الذمّ؛ لا يرفعه النجاح ولا تطرحه المحنة. لم يكن يوحنا بالقصبة التي تحرّكها الريح، إنّما كان إنسانًا لا يتأثّر بالظروف لينحرف عن طريقه”.

8بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَرَجُلاً يَلبَسُ الثِّيابَ النَّاعِمَة؟ ها إِنَّ الَّذينَ يلبَسونَ الثِّيابَ النَّاعِمَةَ هُم في قُصورِ المُلوك.

تشير عبارة “الثِّيابَ النَّاعِمَةَ” الى عيشة حياة مترفة كما قال يسوع عن لباس هيرودس انتيباس “ها إِنَّ الَّذينَ يلبَسونَ الثِّيابَ النَّاعِمَةَ هُم في قُصورِ المُلوك” (متى 11: 8). ويُعلق القديس هيلاري أسقف بواتييه “الثياب تعني سرّيًا الجسد الذي تلبسه النفس، فيكون ناعمًا خلال الترف والخلاعة”؛ اما عبارة “أَرَجُلاً يَلبَسُ الثِّيابَ النَّاعِمَة؟” فتشير الى كلام يسوع عن يوحنا المعمدان امام الجموع إنه رجل متقشف، لا متملّق (لوقا 1: 15 و80)، انسان مُتنسّك وبعيدٌ كل البعد عن الترف؛ اما عبارة ” هُم في قُصورِ المُلوك ” فتشير الى عيشة الترف والتنعم باللذّات كما هي الحال مع الملك هيرودس انتيباس.

9بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَنَبِيّاً؟ أَقولُ لَكم: نَعَم، بل أَفضَلُ مِن نَبِيّ.
تشير عبارة ” أَنَبِيّاً؟ ” الى يوحنا انه نبيّ، بل نبي عظيم هيأ طريق الرب فكان المنادي أمامه. اما اتباعه لا شك انهم أخطأوا تجاهه فما عرفوه على حقيقته، فظنّوا انه المسيح. إن يوحنا هو نبي عظيم ولكنه ظلّ على عتبة الملكوت. يوحنا ظل في العهد القديم وعلى مستوى الأنبياء. أما يسوع فهو الذي دشّن الملكوت، بل هو الملكوت؛ اما عبارة ” أَفضَلُ مِن نَبِيّ” فتشير الى ان مجيء يوحنا المعمدان هو الوحيد الذي تنبأ أنبياء العهد القديم به (ملاخي 1:3، أشعيا 3:40). وتنبأ ملاك بولادته (لوقا 13:1) وامتلأ بالروح من بطن أمه (لوقا 15:1). وهو أفضل من نبي، لانَّ كل الأنبياء تنبأوا عن المسيح، أما يوحنا فقد أعدَّ له الطريق مباشرة. كل الأنبياء اشتهوا أن يروا المسيح ولم يروه، أما يوحنا فرآه.

10فهذا الَّذي كُتِبَ في شَأنِه: ((هاءَنَذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ)).
تشير عبارة ” لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ ” الى دور يوحنا في تهيئة الطريق ليسوع (ملاخي 3: 1)، وقد صرّح انه “لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور” (يوحنا 1: 8). إن يوحنا بتواضعه، مثالٌ مُشرِق لما يجب أن تكون عليه حياة كل منا: صوت الكلمة، شاهد للنور، وصديق العريس. لكي نكون صوت الكلمة، يجب أن نتمرّن على الإصغاء إلى كلامه، لكي نكون شهودا للنور يجب أن نملأ عيوننا بالتأمُّل بنبع النور، ولكي نكون أصدقاء العريس يجب أن نحب بلا حساب.

11الحَقَّ أَقولُ لَكم: لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان، ولكنَّ الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه.
تشير عبارة ” لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان ” الى نظرة يسوع بإعجاب الى يوحنا بوصفه آخر الأنبياء وأعظمهم. ان كل الأنبياء تنبأوا عن المسيح ولم يروه، أمّا يوحنا فانفرد بشرف اختيار الله له ان ينال ما طلبه الانبياء. لقد رأى الرب وأشار إليه بإصبعه، قائلًا: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم” (يوحنا 1: 29)، وعمّده وشهد له، وهو وحده أدرك سر الأقانيم الثلاثة يوم المعمودية، بهذا قدّم يوحنا شهادة صادقة عن المسيح؛ أمَّا عبارة “الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه” فتشير الى سمو العهد الجديد على العهد القديم الذي يمثله يوحنا المعمدان؛ واما عبارة ” الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه ” فتشير الى افتتاح عصرٍ جديدٍ، ومن هنا يُمكن تفسير هذه العبارة بطرق عديدة: ان أضعف مؤمن الذي له نور معرفة مجد الله في وجه يسوع، هو في مركز أكثر إمتيازاً مما كان يوحنا المعمدان، او ان المولود من الله بالمعمودية، ويحيا حياة التوبة، هو أعظم من المعمدان. فيوحنا كان له كل بر الناموس، ولكن أولاد الله بالمعمودية خصوصاً المتواضعين، قد تبرروا بدم المسيح فهؤلاء أعظم من أي شخص؛ او يمكن تفسيرها ايضا ان يوحنا قد يكون أعظم الكل في هذه الحياة، لأنه استحق أن يُعمِّد المسيح وشهد للحق حتى الموت. ولكن ما من مقارنة بمجد الحياة الآتي. ولكن بعد أن فتح السيد المسيح الفردوس للبشر، ودخل أباء وأبرار العهد القديم ودخل معهم أبرار العهد الجديد كان هناك كلامًا آخر، فالكنيسة المقدسة تضع ترتيب السماويين هكذا مريم العذراء أولًا ثم الملائكة ثم يوحنا المعمدان ثم الشهداء ثم القديسين والأبرار. أي أن يوحنا المعمدان تضعه الكنيسة على رأس كل المؤمنين في السماء من البشر ما عدا القديسة العذراء مريم التي حملت الله إلهنا في بطنها.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 3: 1-12)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 3: 1-12) نستنتج ان النص يتمحور حول المسيح المنتظر ومن هنا نطرح سؤالين: ما هو مفهوم المسيح؟ وما هي رؤية يوحنا المعمدان ورؤية يسوع في المسيح المنتظر؟

1) ما هو مفهوم المسيح المنتظر؟
إن لفظة مسيح منقولة عن اللغتين العبرية والآرامية، הַמָּשִׁיחַ، واما اللفظة اليونانية فهي “خريستس”، Χριστός, . واللفظتان تعنيان “مسيح “، أي الممسوح بالزيت. وقد أصبحت هذه التسمية في زمن الرسل اسم العلم ليسوع. غير أن استخدام لفظة المسيح في العهد القديم ثم في اليهودية، لا تحمل غنى المعنى الذي تضمنه العهد الجديد.

في العهد القديم ارتبط اسم المسيح مع الملك الديّان (1 ملوك 1: 39) وأخذ الناس يفهمونه بصورة متطرفة تُبرز خاصة الجانب السياسي من دوره. لذا دهش الناس بقداسة يسوع وسلطته وقدرته، وأخذوا يتساءلون قائلين: “أَتُراهُ المَسيح؟” (يوحنا 4: 29)، أو ما يفيد المعنى نفسه “أَتُرى هذا آبنَ داود؟ ” (متى 12: 23). وألحوا طالبين في أن يُعلن هو بصراحة عن نفسه “حَتَّامَ تُدخِلُ الحَيرَةَ في نُفوسِنا؟ إِن كُنتَ المَسيح، فقُلْه لَنا صَراحَةً “(يوحنا 10: 24).

فمن جهة، اتفقت السلطات اليهودية على أن تطرد من المجمع كل من يعترف أنه يسوع هو المسيح كما يصرِّح يوحنا الإنجيلي “اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح” (يوحنا 9: 22)، ومن جهة أخرى، يعترف الذين يلجؤون إلى سلطته الإعجازية برسالته، ويبتهلون إليه معلنين أنه ابن داود كما حدث مع أَعمَيين وهما يَصيحان ” رُحْماكَ يا ابْنَ داود! ” (متى 9: 27،).

واعترف الكثيرون صراحة أن يسوع هو المسيح، أوّلهم تلاميذه، منذ عماده ” وَجَدْنا المَشيح” ومَعناهُ المسيح (يوحنا 1: 41)، ثم مرتا في الوقت الذي أعلن يسوع أنه القيامة والحياة فقالت ” نَعَم، يا ربّ، إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم”(يوحنا 11: 27). وأضفى إعلان بطرس الرسول على فعل إيمانه طابعاً رسمياً خاصاً عند سؤال المسيح وجوابه له: “ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟ فأَجابَ بُطرس: أَنتَ المسيح” (مرقس 8: 29). إلا أن هذا الإيمان الأصيل، ما يزالُ ناقصاً، لأن هذا اللقب “المسيح” مُعرّض أن يُفهم في إطار تطلع إلى ملك زمني، فعلى أثر معجزة الخبز والسمكتين “عَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل””(يوحنا 6: 15).

اما مفهوم الانتظار فهو أن مجيء الله وتجسُّدهُ، كان ثمرة انتظار طويل، ابتدأ مع إبراهيم ووجد ذروته في مريم. وفي زمن مجيء يسوع المسيح، كان الناس في شدّة الانتظار وهم يُصلّون. لكنه لمّا جاء في ملء الزمن، لم يعرفه أحد، ما عدا بعض الرعاة الفقراء، ولكن الناس كانوا يتوقعون شيئاً آخر.

2) من هو المسيح المنتظر في رؤية يوحنا المعمدان؟
كان يوحنا يعلم انه ” صوت صارخ” على ما ورد في نبوءة اشعيا، فنادى ” بالرب الآتي بقوة ” (اشعيا 40: 10) وبالديان “الآتي كالنار” ليطهّر كل شيء (ملاخي 3: 1-3). والحال إن ما بلغه في سجنه عن يسوع يختلف كل الاختلاف. انتظر يوحنا من يسوع ذاك الديان ومنقِّي إسرائيل، الذي يقطع كل شجرة لا تثمر، وان يحرق القش، ان يدمّر الخطأة، لكن يسوع لم يتطابق مع رؤيته، فلم يكن المسيح الذي يقلع الشر من جذوره، ويعاقب الأشرار، ويلغي الظلم، ويحمل على التمرد السياسي. بل اظهر حنانه وصبره ورحمته بدل الغضب والحكم والعقاب كما كان ينتظر يوحنا المعمدان.

تصرّف يسوع جاء غير ذلك، أنه جاء من أجل المرضى والخطأة “لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه ” (لوقا 19: 10). ويعلن يسوع سنة مرضيّة (لوقا 4: 19)،
وحيث أعلنَ المسيح المنتظر يأتي ليُعمّد بالروح القدس والنار، يرى إلهاً متواضعاً يقترب، متضامناً مع الفقراء، طالباً منه أن يُعمّدهُ بمعموديّتهِ بالماء. لقد كان على يوحنا أن يتعلّم بأن يسوع أتى ليُعلن عن إلهٍ تواضعهُ بلا حدود. إلهٍ، مع أنه بلا خطيئة، جعل من نفسه خطيئةً لأجلنا؛ “لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر”(فيلبي 2: 6-7)، ويعد بالفرح الذين يكتشفون الكنز (متى 13: 44-45). وما أسعد الذين يعيشون بتلك الساعة!

تعجّب يوحنا حين رأى يسوع ذاك الذي يهتم بالخطأة، ولا يقطعهم كما تقطع الفأس الشجرة (متى 3: 7-12). ويتساءل يوحنا وهو بين جدران سجنهِ، متى ستأتي اللحظة التي سيُظهِر فيها المسيح كامل قدرتِهِ؟ لماذا لم يأتِ حتى الآن ليُخلّصه من هذا السجن الرهيب؟ فتحيّر يوحنا فحمل على طرح هذا السؤال “أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟ “لقد أنبأ سمعان سابقاً عن ذلك، عندما حمَلَ الطفل يسوع على ذراعيهِ: ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض” (لوقا 2: 34).

ولما أعلن يوحنا عن يسوع أنه حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم (يوحنا 1: 29)، لم يكن يعرف كيف سيُرفع، كما كان لا يدرك سبب رغبة المسيح في الاعتماد منه (متى 3: 13-15). ولكي يرفع يسوع الخطيئة، كان عليه أن يقبل معمودية أخرى، ولم تكن معمودية يوحنا إلا مجرّد مثال لها، وهي معمودية آلام وموت (مرقس 10: 38). وسيتمّم يسوع هكذا كل برّ (متى 3: 15)، لا بإهلاك الخطأة، بل بتبرير الجموع الذين حمل خطاياهم (اشعيا 7:53 -8 ،11-12).

3) من هو المسيح المنتظر في رؤية يسوع
وصف يسوع المسيح المنتظر من خلال اعمال المسيح “العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون” (متى 11: 5). فبهذا القول، يعلن يسوع تحقيق نبوءة اشعيا (اشعيا 29: 18-19)، وبالتالي يلمح الى يوحنا المعمدان بان يسوع هو حقا المسيح المنتظر الذي تبنا عنه الانبياء. وهذه البشارة في نظر يسوع تتعلق بالأزمنة الأخيرة. فيرد يسوع على سؤال يوحنا بعلامات الملكوت، فقد تجسدت كلمة الله فيه وصارت حضورًا شافيًا ومحرّرًا. إنه يُعيد التلاميذ إلى يوحنا بكلمات أشعيا النبي.

وقد قدّم يسوع لتلاميذ يوحنا صورة حيّة خلال السمع والرؤية، فقد سمعوا كلمات محبّته الإلهيّة الفائقة نحو البشريّة ورأوا أعماله، وأخيرًا حذّرهم من التعثّر فيه. لأنه إذ يدخل إلى الآلام ويجتاز الصليب يتعثّر فيه من لا يدخل إلى أسراره العميقة. وهذا التحذير ليس موجَّهًا للقدّيس يوحنا المعمدان، فقد سبق فأعلن يوحنا بنفسه عن سرّ الصليب بقوله: هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29)، فبدعوته “حمل الله” يُعلن الصليب، الذي به يحمل خطيئة العالم. فالحديث إذن موجَّه لتلاميذ يوحنا حتى لا يتعثّروا في صليبه. ويعلق القديس هيلاري أسقف بواتي “يرسل يوحنا تلاميذ إلى المسيح لينظروا أعماله، فتثبت تعاليم المسيح لهم فلا يكرزون إلا به، غير متطلّعين إلى مسيح آخر”.

وتذكر أعمال يسوع أيضا بتنبؤات اشعيا (اشعيا 61: 1 و35: 5-6، 26: 19، 61: 1). وكأنه يقول لهم لقد تحققت النبوات فىَّ. وتدل تلك الاعمال في نظر الذي يعرف الكتب المقدسة على ان يسوع هو المسيح المنتظر حقا. ويُعلق القديس أوغسطينوس “أما قول المسيح فكان لأجل تعليمهم أيضًا: “العّمي يبصرون”… كأنه يقول لهم: لقد رأيتموني فلتعرفوني! لقد رأيتم أعمالي، إذن فلتعرفوا صانعها… وطوبى لمن لا يعثر فيّ، وهذا أقوله لأجلكم وليس لأجل يوحنا”.

فلم تكن صفات المسيح المنتظر ذاك الديان فحسب، انما هو أيضا ذاك المخلص الرحيم، حمل الله، ابن الانسان، الذي يدعو الخاطئين الى التوبة ” لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه”(لوقا 19: 10)، ويدعو المتعبين الى الراحة ” تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم” (متى 11: 28-29)، ويُقدِّم يسوع حياته ذبيحة من أجل جماعة كثيرة “هكذا ابنُ الإِنسانِ لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس” (متى 20: 28). وهنا يصرّح بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله “وهو أَنَّ المسيحَ ماتَ مِن أَجْلِ خَطايانا كما وَرَدَ في الكُتُب” (1 قورنتس 15: 3)

ولكن بعد قيامته فقط، استطاع التلاميذ أن يفهموا ما ينطوي عليه هذا اللقب: أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟ ” (لوقا 24: 26). بالطبع، لم يَعد في الأمر مجال لمجد زمني، وإنما الأمر مختلف عن ذلك تماماً. فبحسب الكتب المقدّسة، ينبغي “أن يتألم َ المَسيحَ ويقومُ مِن بَينِ الأَمواتِ في اليَومِ الثَّالِث، وتُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم” (لوقا 24: 46).

وعلى ضوء القيامة، تنسب الكنيسة إلى يسوع لقب “المسيح” (خرستوس). فالقيامة نصبته في مجده الملكي: الآن وإذ نال يسوع الروحِ القدس الموعود به (أعمال 2: 33)، “قد جعله الله رباً ومسيحاً” (2: 36). ولم تتردّد الكنيسة الأولى في الاعتراف ليسوع بأرفع الألقاب، ألا وهو لقب الرب (أعمال الرسل 2: 36). هو “المسيح الرب” (لوقا 2: 11)، “ربنا يسوع المسيح”(أعمال 15: 26)، ” ابن الله” (رومة 1: 4)، وهو الإله الحق (رومة 9: 1). وهكذا لم يَعد لقب مسيح بالنسبة إليه لقباً من الألقاب، بل أصبح اسم علم خاص بالنسبة إليه بدون أل التعريف (1 قورنتس 15: 12-23)، وهو يجمع في ذاته كلّ الألقاب الأخرى، ويحمل كلّ الذين خلّصهم المسيح، بحق، اسم “المسيحيين” ((أعمال الرسل 11: 26).

ما اشد التباين بين هذا المسيح المنتظر والمسيح الذي نادى به يوحنا المعمدان! لذلك صرّح يسوع بانه “طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة”(متى 11: 6). هنيئا لمن لا يتعثر ولا يزل امام هذا الانقلاب التام الذي يصطدم به تفكير. وكان قصد السيد المسيح ان لا يشك التلاميذ فيه إذا ما رأوه معلقاً على عود الصليب، أو معرضاً لإهانات اليهود. فالتعثر في المسيح تعنى عدم الإيمان به.

وباختصار، ان شهادة يوحنا المعمدان تسند شهادة يسوع الذي جاء الى العالم ليشهد للحق وليخلص البشرية باعتباره المسيح المنتظر (يوحنا 18:37). وفي مقابل هذه الرسالة، يمجد يسوع رسوله الأمين، يوحنا المعمدان داعياً إيّاه “السّراج المتّقد المنير” (يوحنا 5: 35)، و”أعظم نبيّ في أولاد النساء” (متى 11: 11)، ولكنه يستدرك ” أن أصغر الذين في ملكوت السماوات أكبر منه”، مظهراً بذلك تفوّق نعمة الملكوت على موهبة النبوّة، دون أن يحطّ من شأن قداسة يوحنا المعمدان. ويبقى يوحنّا المعمدان ذاك النبي بل خاتم الأنبياء الّذي يُعدّ لمجيء المسيح، وهو مثالنا في زمن المجيء.

خلاصة:
ان المسيح المنتظر هو يسوع المسيح الديان والمخلص معا. يسوع المسيح هو الدَّيَّانُ الواقِفٌ على الأَبواب كما أشار اليه يوحنا المعمدان واكّده يعقوب الرسول (يعقوب 5: 9)، لكنه هو أيضا يسوع المسيح الرحيم والمخلص “الذي يَأتي فيُخَلِّصُكم ” كما تبنا اشعيا النبي (اشعيا 5: 4) وقد تمم ّ نبوءة اشعيا النبي ” حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح وحينَئذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم ” (اشعيا 35: 5). تناول الربّ يسوع “هذه العلامات ” ليُعلن الزمن المسيحاني، زمن خلاص وفرح، زمن انتصار على الشرّ. فإن الله لا يكتفي بان يشير لنا الى الطريق، ويعدّ طريقا لشعبه بيننا، فهو على الدوام بجانبنا في مسيرتنا من خلال ابنه يسوع المسيح. والمسيحي لا يستطيع وحده أن يغلب أهواءه ومحبته للعالم ويسير وراء المسيح، فهذا هو عمل الله كما يؤكده بولس الرسول” فقَد ظَهَرَت نِعمَةُ الله، يَنبوعُ الخَلاصِ لِجَميعِ النَّاس ” (طيطس 2: 11).

دعاء
“نسألك، أيّها الآب السماوي، بقوّة حبّك، أن تعطينا إيمانا بابنك يسوع المسيح، فنقبله مخلصا وديانا، كما اوحاه الله في الكتب المقدسة وليس كما نريده نحن، فنثبّت قلوبنا لمجيئه القريب من خلال كلمة الانجيل والافخارستيا والعمل على خطاه في خدمة الفقير واليتيم والغريب والضيف والسجين والمسنّ والمريض والمُعاق، وضحايا الحروب والمجاعات واضطرابات الطبيعة فنشعر بفرح روح الربّ (غلاطية 5، 22)، فرح معرفة أنّ المسيح الربّ يحيا فينا (غلاطية 2، 20)، فرح اختبار روحه في قلوبنا (غلاطية 4، 6)، فرح ما قد وعدنا به الربّ (غلاطية 3، 29)، فرح اختبار محبّة إخوتنا وأخواتنا في الإيمان. آمين