بمثل الكرّامين القتلة (متّى ٢١، ٣٣–٤٣)

البطريرك بيتسابالا

يعرض علينا المقطع الإنجيلي اليوم، وللأحد الثالث على التوالي، مثلاً يرتبط بالكرم: وهو المثل المعروف بمثل الكرّامين القتلة (متّى ٢١، ٣٣–٤٣)، والّذي يلي مثل الابنين مباشرة. وقد تمّت قراءته يوم الأحد الماضي.
نقرأ اليوم عن رجل لديه كرم يعتني به عناية فائقة. يُعطيه بالإيجار إلى كرّامين، كي يعملوا فيه، ويجمعوا ثماره في الوقت المناسب، ليتمّ تسليمها إلى صاحب الكرم. غير أنّ ما حدث هو أنّ الكرّامين رفضوا أن يُسلّموه المحصول، لا بل عاملوا بعنف الخدّام الّذين أُرسلهم صاحب الكرم كي يأخذوا ما يحقّ له. ضربوا أحدهم، ورجموا الآخر وقتلوا الثالث.
ومع ذلك، لا يفقد صاحب الكرم الأمل، ولا تموت ثقته بالكرّامين: وبطريقة تبدو لنا ساذجة، يُرسل ابنه، مُعتقداً أنّهم سوف يحترمونه في نهاية المطاف.
ولكن ليس الحال هكذا.
على العكس من ذلك، حضور الابن يكشف عن ما يختلج في صدورهم. يدعون بأنّهم هم مالكو ذلك الكرم الآن، بينما هم ليسوا سوى مُغتصبين.
ويعتقدون أنّهم سيحقّقون الهدف من خلال التخلّص من الوريث الشرعي.
ماذا يعني كلّ هذا؟ ما هي مشكلة الكرّامين؟ هل هو الجشع والطمع؟ إنّ المشكلة ليست مجرّد هذا، بل – كما هو الحال في أمثال الكرم الأخرى – إنّ المشكلة هي العلاقة مع صاحب الكرم.
إنّ ادّعاء الكرّامين هو أن يستولوا على الكرم دون الحفاظ على أيّ صلة مع صاحب الكرم، وأن يتمكّنوا من أن يكونوا الورثة، دون أن يكونوا حتّى – وفي الأساس – أبناء. وبرفضهم مبعوثي صاحب الكرم فإنّهم، في الحقيقة، يرفضون صاحب الكرم نفسه، ويرفضون اعتبار أنفسهم جزءًا من علاقة يكون بموجبها كلّ ما يملكون قد حصلوا عليه مجاناً. يشعرون بأنّهم هم أصحاب الكرم.
لو نظرنا جيّداً، لوجدنا أنّ هذا هو بالتحديد الموقف الوارد في المثل الأولّ من “أمثال الكرم“: مثل صاحب الكرم الّذي يدعو العمّال في ساعات مختلفة، ويكافئ الجميع بنفس الأجرة (متّى ٢٠، ١–١٦). يفعل هذا لأنّ الجميع يعرف أنّ المنطق الّذي يُحيي العلاقات في الملكوت هو منطق المجانيّة والعطاء، وليس منطق الاستحقاق والمنافسة.
بالإضافة إلى ذلك، وبالمقارنة مع المثل الأوّل، نجد هنا أيضاً بعض العنف. في المثل الأوّل، المذكور أعلاه، كان هناك تذمّر فقط، في حين أنّنا نجد هنا النتيجة العمليّة والطبيعيّة للتذمّر أي العنف المُطبّق. لا ينبغي أن يُفاجأنا هذا: إنّ من يختار العمل في الكرم دون السماح لمنطق المجّانيّة أن يُحوّل قلبه، فمن المُرجّح أن يصل إلى هذه المستويات من الغطرسة. لقد ظلّ عمال المثل الأوّل على هذا النحو، واستمرّوا في التفكير بفرضيّة استطاعتهم ربح حياتهم، وبإمكانيّة أن يكونوا مكتفين ذاتيّاً بعملهم الشخصي. ولا زالوا يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم.
إنّ لمثل هذا المنطق نتيجة حتميّة تُجبرنا على الاعتقاد بأنّنا قد ربحنا الحياة، وبالتالي استحققنا الكرم أيضاً، ولم يعد هناك حاجة لتقبّله كهبة. ولذلك يمكننا، بل يجب علينا، القضاء على من يريدنا أن نحصل عليه كهبة.
لذلك، ربّما لا يوجد هنا دافع الجشع بل رفض وجود علاقة مع من يمنح الحياة مجاناً.
لكنّ هذا خداع كبير، لأنّه بموجب منطق الملكوت، كلّ شيء يكون لنا بالقدر الّذي نكون فيه أبناء: وبالتحديد “إذا كنّا أبناء الله فنحن ورثة” (روما ٨، ١٧)؛ وإذا بقينا في علاقة مع الآب، فكلّ شيء سيُعطى لنا، ويُزاد مجاناً (راجع متّى ٦، ٣٣).
يُرجعنا هذا المثل إلى الفصل ٥ من نبوءة أشعيا (أشعيا ٥، ١–٧)، حيث يروي النبيّ، بالمَثَل، قصة العلاقة الصعبة بين الربّ وإسرائيل. ويُشبه إسرائيل بالكرم.
إن خاتمة رواية أشعيا قاسية: ” فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الْغَيْمَ أَنْ لاَ يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرًا” (أشعيا ٥، ٥–٦).
أمّا بشارة متّى فتحتفظ بنهاية مُغايرة: إنّ رفض الكرّامين لا يمنع الربّ من تنفيذ مخطّط عهده مع الإنسان وحسب، بل يُصبح الرفض فرصة لإظهار فائض محبّته وعطائه كذلك. وبهذا يُصبح رفض الإنسان مجالاً يتمّ فيه التعبير عن كلّ إبداعات الربّ.
وهذا يُؤكّد المنطق المتناقض المستتر أيضاً في مثلين من أمثال الكرم، حيث يُصبح الآخرون أوّلين: الوثنيّون “يتقدّمون” إلى الملكوت (متّى ٢١، ٣١) دون أي استحقاق.
+ بييرباتيستا