تأملات آباء الكنيسة حول الرحمة
آباء الكنيسة
لنكن رُحماء مِثلَ الرَّبَّ القديس غريغوريوس النازيانزي الأسقف (330 – 390)
( عظة 14، في محبة الفقراء، 23- 25: PG 35، 887- 890)
لنكن رحماء مِثلَ الرَّبّ
تأمّلْ وٱنظُرْ مَن وَهَبَكَ نِعمَةَ الوجودِ والحَياةِ والفِكر. ومِن أين لك، فوقَ ذلك كُلِّه، أن تعرِفَ الله، وأن تَتَرَجَّى ملكوتَ السماوات، وأَنْ تُشاهِدَ مَجدَ الله؟ تُشاهِدُه الآن كفي مِرآةٍ وبالرُّموز، وبعدَ ذلك بِصورَةٍ أنقى وأكمَل. ومِن أين لكَ أن تَكونَ ٱبنًا لله، ووريثًا معَ المسيح، وأَتجرَّأُ وأقولُ، أَن تَصيرَ إِلهًا: مِن أينَ لك هذا كُلُّه ومَن وَهَبَكَ إياه؟
وهُناكَ بَعضُ النِّعمِ المَحدودةِ والمَنظورةِ، فهي تَجعَلُكَ قادِرًا بِقُوَّتِها وبِعَونِها على أن تَرى جمالَ السَّماء، ومَسارَ الشَّمس، وضياءَ القَمَر، ومَجموعاتِ النُّجومِ التي لا تُحصى، وذاك الَّذي يُدَبِّرُ هذِه الكائناتِ كُلَّها ويُنَسِّقُها ويُنَظِّمُها مِثلَ أَوتارِ القيثارَة.
مَن مَنَحَكَ المَطَرَ، والفِلاحَةَ، والطَّعامَ، والعَمَلَ، والمَنازِلَ، والشَّرائِعَ، والدُّوَلَ، والحَياةَ المُطمَئِنَّةَ والإنسانِيَّةَ المُتَحَضِّرة، والصَّداقَةَ والمَودَّةَ لِمَن هو قَريبٌ لك؟
ومَن دَبَّرَ فَجَعَلَ بَعضَ الحيوانِ مُتَيَّمًا مُسَخَّرًا لِخِدْمَتِكَ، وبَعضَه طَعامًا لكَ؟
ومَن أقامَكَ سَيِّدًا ومَلِكًا على كُلِّ ما على الأرض؟ وحتَّى لا أُطِيلَ في التَّفصيل، من وَهَبَكَ كُلَّ ما تَفضُلُ به وبه تسمو على سائِرِ الحيوانات؟
أليسَ هو الله؟ وهو يَطلبُ منكَ الآنَ بدورِه قبلَ كُلِّ شيءٍ ولِمَنفَعَةِ كُلِّ شيءٍ أن تَكونَ مِثلَه رَحيمًا. أفلا نخجلُ مع كُلِّ ما وَهَبَنا إيّاه الله، ومع كُلِّ ما نرجو أن يهَبَنا إيّاه أيضًا، أَلا نَهَبَه نَحنُ هذا الأمرَ الوحيدَ أي الرَّحمة؟ وبما أنّ الله، مع كونِه إلهًا وربًّا، لا يأنَفُ أن ندعوَهُ أبانا، أنَقسُو نَحنُ على قَريبِنا؟
كلاّ، يا إخوتي وأصدقائي، كلا، لا نكُنْ هكذا. لا نُسِئْ استعمالَ الأُمورِ الإلهيّةِ التي منحَنا إيّاها الله، لئلاّ نسمعَ القدّيسَ بطرسَ يقولُ لنا: “إِخجلوا أنتم الذينَ تُديرون أُمورَ غيرِكم. ٱجتهدوا في التَّمثُّلِ باللهِ كما هو معروضٌ عليكم، فلن يكونَ بينَكم أحدٌ مُعوِزًا”.
لا نَسْعَ في تكديسِ الأموالِ ولا نكُنْ عبيدًا لها، بل اهتمُّوا بعَوَزِ غيرِكم، لئلا يقعَ علينا كلامُ النبيِّ عاموس وهو إنذارٌ وكلام قاسٍ: “إِعمَلُوا عملا صالحًا أنتُم الَّذِين تقولون: متى يَمضِي رأسُ الشَّهرِ فنبيعَ الحبوب، والسبتُ فنتمتَّعَ بالكنوز؟” (عاموس 8: 5).
لِنَسلُكْ بِحَسَبِ وصيّةِ الله الأولى والسَّامِيَة، فإنَّه يُمطِرُ على الأبرارِ والأشرار، ويُطلِعُ شمسَه على الجميعِ بالتَّساوي (متى 5: 45). وقد وَفَّرَ الأرضَ كلَّها والينابيعَ والأنهارَ والغاباتِ لجميعِ الأحياء. ومنحَ الهواءَ للطيور، والمياهَ لكلِّ حيٍّ في المياه، ومنحَ الجميعَ كلَّ ما يَلزَمُ للحياةِ بوَفرةٍ وسخاء، لم يقيِّدْها بسلطانٍ ولا أحاطَها بشريعة، ولا وضعَ لها حدًّا. قَدّمَ جميعَ هذه الأمورِ مشترَكةً وافرةً وغزيرةً، لا نقصَ فيها، لِيُزيِّنَ جميعَ الكائناتِ بهباتِه المتعادلةِ وبالكرامةِ نفسِها. كلُّ ذلكَ ليُظهِرَ أعمالَ رحمتِه. “فكونوا رُحماء كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6: 36).
…………………
رأفة الله والقدّيس غريغوريوس الناريكيّ (نحو 944 – نحو 1010)
»فلمّا كان الفجر، وقف يسوع على الشّاطئ«
أيّها الربّ الرحيم الكلّي الرّأفة وصديق الإنسان (راجع حك 1: 6)…، عندما تتكلّم، لا شيء مستحيل، حتّى ما يبدو مستحيلاً لعقلنا: أنت هو مُعطي الثمرة الطيّبة مقابل أشواك هذه الحياة القاسية… “نَسَمَةُ أُنوفِنا، مَسيحُ الرَّبِّ” (مرا 4: 20) وبهاء سعادتنا…، أنت النورُ ومعطي النور، أنت لا تستهوي الشرّ ولا تريد هلاك أحد، أنت “لَيسَ هَواك في مَوتِ مَن يَموت” (حزقيال 18: 32). يا مَن لا يهزّه الاضطراب ولا يخضع للغضب؛ لستَ متقلِّبًا في حبِّكَ، ولا متبدّلاً في رحمتِكَ؛ أنتَ لا تتغيّر أبدًا في صلاحِكَ. أنتَ لا تديرُ ظَهرَكَ ولا تحيدُ بوجهِكَ، إنّما أنتَ بالكاملِ نورٌ وإرادةٌ للخلاص. تستطيع أن تصفح متى شئت؛ تقدر أن تشفي متى شئت؛ بإمكانِكَ أن تُحيي متى شئت؛ أنتَ سخيٌّ في وَهْبِ نعمتِكَ متى شئت؛ أنتَ قادرٌ أن تمنح الصّحة متى شئت… أنت مُبدعٌ عندما تريد أن تجدِّد؛ وأنتَ هو الله عندما تريد أن تُقيم من بين الأموات… إِنْ أردتَ أنْ تَمُدَّ لنا يدَ العون، حتّى قبل أن نطلب منك، فلا شيء يمنعُكَ… إِنْ أردتَ أن تُثَبِّتَني أنا المتزعزع، فأنتَ الصّخرة؛ وإِنْ شئتَ أن تعطيني ماءً، أنا العطشان، فأنتَ النّبعُ؛ وأنتَ النورُ إذا ما أردت أن تظهر ما هو محجوب… أنت الذي ناضلتَ بقوّة من أجل خلاصي… لقد حملتَ في جسدِكَ الطاهر كلَّ آلام العقوبات الّتي كنّا نستحقّها، لكيما، بمثالِكَ، تُظْهِرْ بالفعل الرّأفةَ التي تَكُنُّها لنا.
…………………
من مواعظ القديس سيزاريوس أسقف أرلس من فرنسا (٤٧٠ – ٥٤٣)
(العظة 25، 1: CCL 103، 111-112)
رحمة الله ورحمة الناس
“طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ فَإنَّهُم يُرحَمُون” (متى 7:5). لفظةُ “الرحمة” عذْبةٌ، أيُّها الإخوة. وإن كانَتْ اللفظةُ كذلك، فكيف تكونُ الرحمةُ نفسُها؟ جميعُ الناسِ يريدون أن ينالوا الرحمة، ولكنَّ الجميعَ لا يتصرَّفون، مع الأسف، بالطريقةِ التي تجعلُهم مستحقِّين لها. يريدُ الجميعُ أن ينالَ الرحمة، وقليلون هم الذين يريدون أن يَرحموا.
أيُّها الإنسان، بأيِّ وجهٍ تطلُبُ ما ترفضُ أنت أن تمنحَه؟ من أرادَ أن ينالَ الرحمةَ في السماءِ، يجبُ أن يمنحَها هنا على الأرض. ولهذا، أيُّها الإخوةُ الأعزّاء، بما أنَّنا جميعًا نريدُ أن ننالَ الرحمةَ فَلْنجعَلْها هاديةً لنا في هذا الدهرِ، فننالُ بها الخلاصَ في الحياةِ المُقبِلة. في السماءِ رحمةٌ نصلُ إليها بطرقِ الرحمةِ الكثيرةِ على الأرض. يقولُ الكتاب: ” اللهم، في السماءِ رحمتُكَ” (مزمور 35: 6).
هناك إذًا رحمةٌ في السماء ورحمةٌ في الأرض، أعني رحمةَ الله ورحمةَ الناس. ما هي رحمةُ الناس؟ هي الرحمةُ التي بها ترَوْن فقرَ الفقراء. وما هي الرحمةُ الإلهية؟ هي التي تَمنحُ مغفرةَ الخطايا. كلُّ ما يُعطَى عن طريقِ الرحمةِ البشرية، يُستَرَدُّ في الوطنِ السماوي بالرحمةِ الإلهية. يجوعُ الله ويعطشُ في هذا الدهرِ في شخصِ جميعِ الفقراءِ، كما قالَ هو نفسُه: “كُلَّمَا صَنَعْتُم شَيئًا مِن ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِن إخوَتِي هَؤلاءِ الصِّغَارِ فَلِي قَد صَنَعْتُمُوهُ” (متى 25: 40). اللهُ الذي يتنازلُ ويُعطي من السماءِ يريدُ أن يأخذَ على الأرض.
ومن نحن حتى نطالِبَ بالأخذِ عندَما يُعطي الله، وعندَما يطلبُ هو نرفضُ أن نُعطيَه. حين يجوعُ الفقيرُ، المسيحُ هو نفسُه المحتاج، كما قال: “جُعْتُ فَمَا أطعَمْتُمُونِي” (متى 25: 41). فلا تزدرِ فقرَ الفقراء، إن كنتَ تريدُ أن تضمنَ لنفسِك مغفرةَ خطاياك. يجوعُ المسيحُ الآن، أيُّها الإخوة، في جميعِ الفقراء. نعم هو يتنازلُ فيجوعُ ويعطشُ. وما يأخذُه في الأرضِ يردُّهُ في السماء.
أسألُكم، أيها الإخوة، ماذا تريدون أو ماذا تطلبون عندما تأتون إلى الكنيسة؟ ماذا تطلبون غيرَ الرحمة؟ أعطوا إذًا ممّا لكم على الأرضِ تنالوا هباتٍ في السماء. الفقيُر يطلبُ منك، وأنت تطلبُ من الله. هو يطلبُ منكَ لقمةَ خبزٍ، وأنتَ تطلبُ الحياةَ الأبدية. أعطِ السائلَ فتستحقَّ أن تنالَ ما تطلبُه من المسيح. اسمَعْهُ يقول: “أعطوا تُعطَوْا” (لوقا 6: 38). لا أدري بأيِّ وجهٍ تريدُ أن تأخذَ وأنت ترفضُ أن تعطي. ولهذا عندَما تأتون إلى الكنيسةِ، أيها الإخوة، أعطوا بحسب إمكاناتِكم صدقةً للفقراء.