تأملات آباء الكنيسة حول الشهادة

آباء الكنيسة

الشهادة في الحياة للقديس غريغوريوس الكبير البابا
(الكتاب 13، 21- 23:PL 75، 1028- 1029)
لِنُبَشِّرَ الآخَرِينَ بما نؤمِنُ ونُكرِّمُ

يتكلَّمُ الطوباويُّ أيوب: “غَشِيَ جَفنَيَّ ظِلالُ المَوتِ، عَلَى أنَّ يَدَيَّ لا عُنفَ فِيهِمَا وَصَلاتِي طَاهِرَةٌ” (أيوب 16: 17).
كذلك تحمَّلَ الآلامَ من غيرِ أن يكونَ في يدَيْهِ إثمٌ، ذاكَ الذي لم يَقتَرِفْ خطيئةً، ولا وُجِدَ على فَمِه غِشٌّ (1بطرس 2: 22)، (2قور 5: 21)، (عبرانيين 4: 15). ومع ذلك حمَلَ آلامَ الصَّليبِ من أجلِ فدائِنا. وهو وحدَهُ رفَعَ إلى اللهِ عن الجميعِ صلاةً طاهرةً، بل وفي وسَطِ آلامِه صلَّى من أجلِ مضطَهِدِيه، قائلا: “يَا أبَتِ، إِغفِرْ لَهُم لأنَّهُم لا يَعلَمُونَ مَا يَفعَلُونَ” (لوقا 23: 34).
أيُّ قولٍ وأيُّ فِكرٍ أطهرُ ممَّن يَطلُبُ الرَّحمةَ لمَن يتحمَّلُ منهم الآلامَ؟ ولهذا فإنَّ الفاديَ الذي قسَا عليه المضطهِدون فأراقوا دمَه ظلمًا، آمَنَ به الناسُ في ما بعدُ فتناولوه شرابًا، وبشَّرُوا به ٱبنًا لله.
ولهذا قِيلَ بِحَقٍّ في هذا الدمِ: “أَيَّتُها الأرضُ لا تُغَطِّي دَمِي، ولا يَكُنْ فِيكِ مَكمَنٌ يَكتُمُ صَوتي”.
لم تَكتُمِ الأرضُ دَمَ فادِينا، لأنَّ كلَّ خاطئٍ أخذَ ثمنَ فدائِهِ، فآمنَ وسبَّحَ وأخذَ يُبَشِّرُ الآخَرِين بقَدرِ ما يستطيعُ. ولم تَكتُمِ الأرضُ دَمَهُ لأنَّ الكنيسةَ المقدَّسةَ أعلَنَتْ في جميعِ أنحاءِ العالَمِ سِرَّ فدائِها.
وَلْنُلاحظ ما قالَهُ: “ولا يَكُنْ فِيكِ مَكمَنٌ يَكتُمُ صَوتِي”. دَمُ الفداءِ نفسُه، الذي نأخذُه، هو صوتُ فادِينا. ولهذا قالَ بولسُ الرَّسول: “مِن دَمٍ يُرَشُّ، كَلامُهُ أبلَغُ مِن كَلامِ دَمِ هَابِيل” (عبرانيون 12: 24). وقد قِيلَ سابقًا في دَمِ هَابيل: “إنَّ صَوتَ دِمَاءِ أخِيكَ صَارِخٌ إليَّ مِن الأرضِ” (تكوين 4: 10).
إلاّ أنَّ دَمَ يسوعَ أبلغُ من كلامِ دَمِ هابيل، لأنَّ دَمَ هابيل طلبَ موتَ أخيه القاتِل، وأمَّا دَمُ الرَّبِّ فقد طَلَبَ الحياةَ لمُضطَهِدِيه.
وحتّى لا يكونَ سرُّ آلامِ الرَّبِّ فينا باطلاً يجبُ أن نقتدِيَ بما نأخُذُ، ونُبَشِّرَ الآخَرِين بما نؤمِنُ ونُكرِّمُ.
لأنَّ صوتَه قد يجدُ فينا مَكمَنًا يختفي فيه، إن لم يَنطِقِ اللسانُ بما يؤمنُ به العقلُ. فحتَّى لا يُكتَمَ فينا صَوتُهُ، يجبُ أن يُبَشِّرَ كلُّ واحدٍ غيرَه بسرِّ عودةِ الحياةِ إليهِ، بقدرِ ما يستطيعُ.