خطاب يسوع الإرسالي

البطريرك بيتسابالا

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثالث عشر الزمن العادي أ

تتناول ليتورجيا اليوم القسم الأخير من خطاب يسوع الإرسالي، وهو خطاب طويل يعطي فيه يسوع تلاميذه تعليمات حول الخُلُق الّذي يجب أن يتصفوا به أثناء إعلانهم بشرى الملكوت. وقد استمعنا لجزء من هذا الخطاب في الأحد الماضي.
حدّد يسوع لتلاميذه الطريقة التي يجب أن يتّبعوها لإعلان الملكوت باسمه؛ يتوجّب عليهم أن يكونوا فقراء وغير متمسكين بالمال كي تظهر فيهم قوة الرب؛ كما وعليهم أن يُحبّوا بلا شرط وأن يكونوا انعكاساً لمحبته؛ كما يتعيّن عليهم الانطلاق بلا خوف وبكل ثقة، لأن هذه الثقة ستكون الاعلان الأكثر إقناعاً لعلاقتهم مع من أرسلهم وأعطاهم الحياة.
نص إنجيل اليوم يفاجئنا. يبتعد النص عن مفاهيمنا التقليدية وقد يبدو قاسياً. في خاتمته يذكر يسوع بعض المواضيع التي سبق وتكلّم عنها في خطابه. يؤكد أن البقاء معه –أي اختياره- يترتب عليه نتائج فورية في الحياة.
يجب ألا نخاف البقاء مع الرب بل أن نضع ثقتنا فيه. وفي نفس الوقت يحذرنا يسوع من أن اتباعه سيخلق انقسامات وسوء فهم في مجالات عديدة من الحياة وحتى داخل حدود العائلة ذاتها: “سيُسلم الأخُ أخاه إلى الموت، والأب ابنه، ويَثور الأبناء على والديهم ويُميتونهم، ويُبغِضُكم جميعُ الناس مِن أجل اسمي. والذي يَثبُتُ إلى النهاية فذاكَ الذي يَخلُص” متى ١٠: ٢١- ٢٢).
في ختام خطابه، لا يُعطي يسوع تعليمات أخرى ولكن يركز على ما هو ضروري للحياة الإرسالية، وبالطبع للحياة المسيحية. يقول أنه يجب أن يحتلّ المكانة الأولى في هرم أولوياتنا. يسوع هو الأول. لذا على باقي الأمور أن تترتب وفقا لهذا الاختيار. فالقضية هي قضية اختيار. يتوجب على الانسان أن يقرر وأن يختار المسيح، وغالباً ما يكون القرار صعباً ولا يمكن فهمه آنيا. الآباء والأمهات والأطفال والإخوة -وحتى عملنا ووظيفتنا- يجب أن يدخلوا في نطاق مشروع حياتي واحد فيه يكون ليسوع المقام الأول. غير مطلوب منا أن نتخلى عن محبتنا للعائلة بل أن تستنير محبتنا هذه بمحبة أعظم تشملها وتعطيها معنى أسمى. إن العلاقة مع يسوع لا بد أن تتميز بنكهة المطلق، أي ألا يسبقها شيء آخر. يدخل الرب في حياة المرسَل ويصبح جزءاً أساسياً وفريداً منه: لا نستطيع التخلي عنه تحت أي ظرف: لا نتخلى عن الأمر الذي يعطينا الحياة.
يمكن للأمور الأخرى أن تختفي ولكن ليس العلاقة معه ولا المحبة التفضيلية التي تقتضيها هذه العلاقة. إنها ليست كغيرها من العلاقات ولا يمكن لغيرها أن تكون مساوية لها؛ هي المصدر لكل الأشياء.
يعلّمنا الرب أنّه من خلال هذه العلاقة فقط نتعلم يومياً الحكمة، فنحب الآخرين وأنفسنا والحياة حبّا حرّا، حبّا ينتصر على كل أشكال الأنانية والرغبة في التملّك والتصرف بلا أمانة: بمحبتنا له نتعلم أن نحب الآخرين حقيقةً. إن حبنا للمسيح يمكّننا من حبّ الآخرين بكل أمانة وترحاب واستعداد للمسامحة. كما وهي محبة تمنحنا طاقة التكيّف مع حالات سوء الفهم والعزلة الناتجة عن رفض الناس لنا، العزلة التي يمكن أن ترافقنا عندما نقرر اتباعه. كل تلميذ يختبر هذا الأمر.
هذا هو الصليب الذي يجب أن نحمله لنتبعه (متى ١٠: ٣٨): إنه أسلوب حياة مبني على المحبة: إن المرسل قبل كل شيء هو تلميذ يختار عطاء الذات لربّه. في الواقع، ليس الصليب علامة لآلام وموت يسوع فقط بل علامة ومقياس لمحبة الله غير المشروطة لنا. لقد أحبنا إلى هذه الدرجة وبذل حياته من أجلنا. ولأن التلميذ ليس أفضل من معلمه (متى ١٠: ٢٤) عليه أن يسلك نفس الطريق. “من حَفِظَ حَياته يَفقِدُها، ومن فَقَدَ حياته في سبيلي يَحفَظها” (متى ١٠: ٣٩).
إن نهاية الخطاب ملفتة للانتباه: هي غير موجهة للمرسَلين بقدر ما هي موجهة لأولئك الذين سيستقبلونهم، الذين يتعيّن عليهم أيضاً أن يقوموا بأمور جذرية وأن يتحلّوا بالشجاعة وأن يبتعدوا عن اللامبالاة.
كما يُطلب منهم أن يتعرفوا، في هؤلاء المرسلين البسطاء وغير الكاملين، على حضور الرب.
لن يتوجب على المرسَل إليهم أن يقوموا بأمور عظيمة للترحيب بالمرسَلين: يكفي أن يقدّموا لهم كأس ماء (متى ١٠: ٤٢). فالأمر الذي يهم هو نيّة الترحيب: إن قبل شخص ما المرسّل على أنه تلميذ للمسيح فسينال هذا الشخص نفس أجر التلميذ، أي حياة الرب ذاتها الذي ستواصل جريانها في الكنيسة المكونة من تلاميذ غير كاملين.

+ بييرباتيستا