صلاة الفريسي والعشار (لوقا 18: 9—14)
الأب لويس حزبون
في إنجيل الأحد يضرب يسوع (لوقا 18: 9—14) مثل الفريسي والعشار ليدعو تلاميذه لكي يتخذوا موقف التواضع في الصلاة. والتواضع شرطً اساسيٌ لتكون الصلاة مقبولة لدى الله؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 18: 9—14)
9وضرَبَ أَيضاً هذا المَثَلَ لِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس:
تشير عبارة ” المَثَلَ ” الى مثال يصور لنا موقفا يُقتدى به او يُجتنب؛ أمّا عبارة ” ِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار” فتشير الى انتقاد للذين يعتبرون نفوسهم أبراراً (لوقا 5: 32) ومستيقنين من برهم وراغبين في اظهاره (لوقا 16: 15). والواقع اكتفاء الانسان نفسه وبأعماله تحرمه من نعمة الله.
10 ((صَعِدَ رَجُلانِ إِلى الهَيكَلِ لِيُصَلِّيا، أَحَدُهما فِرِّيسيّ والآخَرُ جابٍ.
تشير عبارة “صَعِدَ رَجُلانِ إِلى الهَيكَلِ لِيُصَلِّيا” الى عادة الناس الذين يعيشون بالقرب من أورشليم، حيث كانوا يذهبون غالبا الى الهيكل للعبادة إما في الصباح او في المساء، ساعة تقدمة الذبيحة، ولكن هذا لا يمنعهم من تأدية الصلاة في أي وقت من النهار في الهيكل، مركزاً للعبادة (اشعيا 56: 7). وكانت الصلاة عادة تقدم في الهيكل ثلاث مرات الساعة التاسعة (اعمال الرسل 2: 15) والثانية عشر والثالثة بعد الظهر (اعمال الرسل 3: 1)؛ أما عبارة ” فِرِّيسيّ ” فتشير إلى كلمة عبريَّة פָּרוּשׁ تعني “المُعتزل”. والفرِّيسي رجلٌ يهودي ينتسب إلى جماعةٍ تتبع مذهباً دينيَّاً مُتشدِّداً وتفرض على أعضائها أن يعتزلوا عن الناس الذين تعتبرهم خطأة. وتدعوهم إلى التمسُّك التامّ بأحكام الشريعة الموسويَّة وبفرائض سُنَّة الأقدمين. فهم يهتمون بالمظهر دون الجوهر لذلك امتلأ قلبهم بالكبرياء والاعتداد وطلب المجد الباطل والكرامة من الناس؛ اما عبارة “جابي الضرائب” فتشير الى ضريبة لم تكن مبلغًا محددا لكل شخص من قبل الدولة. فكان الموظف يحددها كما يشاء فيعطي الدولة الرومانيَّة المُستَعمِرة منها ما توجب ويحتفظ بالباقي، وكان أيضاً معروفاً عن العشارين انهم يجبون مالاً أكثر مما يحق لهم لينفقوه على أنفسهم. لهذا كانوا محرومين من الفعاليات الدينية بشكل كامل. وكانوا يُصنَّفون في مستوى واحد مع الزناة فيقال: “العشارون والزناة” (متى 9: 10)، ويحصونهم عادة مع “الخطأة”. ومن هنا كانت كلمة “عشَّار” عند الشعب اليهودي مرادفة لكلمة “خاطئ” أيْ لص وخائن.
11فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِماً يُصَلَّي فيَقولُ في نَفْسِه: ((الَّلهُمَّ، شُكراً لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين، ولا مِثْلَ هذا الجابي.
تشير عبارة” فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِماً ” الى الوضع المعتاد لليهودي أثناء الصلاة، لكن يبدو ان الكلمة اليونانية σταθεὶς المستعملة هي للدلالة على ان الفريسي أخذ مكانا بارزاً امام الجميع مما يشير الى وضع الزهو والاعتداد بالذات والعجرفة الفريسية مما سمَّمت جميع ميزاته؛ امَّا عبارة “فيَقولُ في نَفْسِه ” فتشير الى ان أفكاره كلها دارت حول نفسه، ولم يخرج بها عن ذاته. اما عبارة ” أَنِّي “فتشير الى نفسه. ولقد استعمل الصيغة الشخصية “أنا” خمس مرات. ضمير المتكلّم متغلغل في معظم كلماته: “أنا”، “إنّي”، “لست”، “أصوم”، “أعشّر”. فكانت صلاته من نفسه، وعنها، وإليها. مما تدل على حب الذات والانانية “أنا” بعيداً عن الله والقريب.
12إِنَّي أَصومُ مَرَّتَيْنِ في الأُسبوع، وأُؤَدِّي عُشْرَ كُلِّ ما أَقتَني)).
تشير عبارة ” أَصومُ مَرَّتَيْنِ في الأُسبوع ” الى صيام أكثر مما تفرضه عليه الشريعة. فالشريعة لا تُوصي إلاّ بصوم واحد في السنة وهو يوم الكفارة العظيم “هذه تَكونُ لَكم فَريضَةً أَبَدِيَّةً في اليَومِ العاشِرِ مِنَ الشَّهرِ السَّابِع، تُذَلِّلونَ أَنفُسَكم ولا تَعمَلونَ عَمَلاً، لا آبنُ البَلَدِ ولا النَّزيلُ المُقيمُ فيما بَينَكم” (الاحبار 16: 29). فالفريسي لم يكتفِ بالفريضة القانونية بل زاد عليها اصواما تطوعية مرتين في الأسبوع :الاثنين والخميس؛ وأمَّا عبارة “أُؤَدِّي عُشْرَ كُلِّ ما أَقتَني” فتشير الى عُشر ما يقتنيه مع ان الشريعة لا تطلب إلا عُشر أثمار الحقل ( النبيذ، الزيت) والبهائم (الماشية) كما جاء في الكتاب المقدس “أَمَّا بَنو لاوي فإِني أَعطَيتُهم كُلَّ عُشْرٍ في إِسْرائيلَ ميراثًا، لِقاء خِدمَتِهِمِ الَّتي يَخدُمونَها في خَيمةِ الموعِد” (عدد 18: 21)، وتدل هذ الآية الى ان الفريسي يقوم بأعمال التقوى التي يفرضها عليه مذهبه (لوقا 5: 33) ويجد فيها التيقُّن من البرِّ، لكنه لا ينتظر شيئا من الله. واقتصرت صلاته على سرد المآثر والحسنات من صوم وزكاة متعاليا عن الآخرين ولم يشعر بحاجة لطلب الغفران من الله. ليس في صلاته لا طلب، ولا دعاء ولا استغفار، فهو لا يريد من الله شيئا.
13أَمَّا الجابي فوَقَفَ بَعيداً لا يُريدُ ولا أَن يَرَفعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، بل كانَ يَقرَعُ صَدرَه ويقول: ((الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ! ))
تشير عبارة ” وَقَفَ بَعيداً ” الى انزوائه بصلاته عن أنظار الناس، بعيد اً عن الغرور والادعاء بعكس الفريسي؛ اما عبارة ” يَقرَعُ صَدرَه ” فتشير الى نفس خاطئة ومذنبة تطلب ندامة واستغفاراً وعفواً. والعشار بقرعه صدره أشار إلى قلبه، نبع النجاسة لأن “القَلبُ أَخدَعُ كُلِّ شيَء وأَخبَثُه فمَن يَعرِفه؟ ” (إرميا17: 9)، ويعترف بنجاسته “لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة. جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه”(مرقس7: 21-23)؛ وأمَّا عبارة ” الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ! ” فهي مقتبسة من كلمات المزمور “إِرحَمْني يا أَللهُ” (مزمور 51: 3)، وتشير الى اعترافه بدون تمويه، وبدون اعتذار طالبا الرحمة والغفران؛ فانفتح العشار على الله وعلى نعمته واعترف أنه خاطئ، وهذا الاعتراف الصادق فتح قلبه على الله ونعمته؛ اما عبارة ” أَنا الخاطئ!” فتشير الى انه يفكر في شخصه فقط لا في الآخرين. فهو يدين نفسه لا الآخرين. الله يمنح الفرصة للتوبة للجميع دون استثناء.
14أَقولُ لَكم إِنَّ هذا نَزَلَ إِلى بَيتِه مَبروراً وأَمَّا ذاكَ فلا. فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَهُ رُفِع))
تشير عبارة ” مَبروراً ” الى ما لا شُّبْهَةُ فيه ولا كذب ولا خِيانة، واعتبر الفريسي أنه ينال البِرّ بأعماله، في حين ان البِرِّ هو عطية من الله كما يؤكد بولس الرسول “لا يَكونَ بِرِّي ذلك الَّذي يأتي مِنَ الشَّريعة، بلِ البِرُّ الَّذي يُنالُ بِالإِيمانِ بالمسيح، أَيِ البِرُّ الَّذي يأتي مِنَ الله ويَعتَمِدُ على الإِيمان ” (فيلبي 3: 9). كلمة البر وردت في لوقا خمس مرات وفي متى مرتين ولا نجدها في مرقس ويوحنا، اما بولس فكثيرا ما يستخدمها؛ اما عبارة “فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَهُ رُفِع” فتشير الى حكمة مستوحاة من حزقيال “يُرفَعُ الوضيعُ ويُوضَعُ الرَّفيع” (حزقيال 21: 31) وهي تظهر أهمية التواضع. أما عبارة ” فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع ” الى إدانة لما عند الفريسيين من ثقة بالنفس متشامخة، وهو مبدا أساسي يتكرر، فاستخدمه يعقوب الرسول ” تَواضَعوا بَينَ يَدَي ربِّكم فيَرفَعَكم” (يعقوب 4: 10)، واستخدمه أيضا بطرس الرسول” فتَواضَعوا تَحتَ يَدِ اللهِ القادِرَة لِيَرفَعَكم في حينِه ” (1بطرس 5: 6).
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 18: 1-8)
إنطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 18: 1-8)، نستنتج ان النص يتمحور حول الصلاة بتواضع بعيدة عن الكبرياء؛ ومن هنا نبحث في نقطتين: الصلاة بدون كبرياء والصلاة بتواضع. صلى الفريسي بكبرياء، واما العشار فصلى بتواضع.
1) الصلاة الفريسي
صلّى الفريسي بكبرياء، “فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِماً يُصَلَّي فيَقولُ في نَفْسِه: ((الَّلهُمَّ، شُكراً لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين، ولا مِثْلَ هذا الجابي. (لوقا 18: 11). فبيّنت صلاته أنَّه يثق ببرِّه المزعوم ويحتقر الآخرين.
أ) يتق ببره المزعوم
الفريسي شكر الله وعدَّد استحقاقاته ظاناً أنه يَخلص بأعماله الذاتية وبإتمام الشريعة. ويتوهم انه بار قديس لكنه في الواقع، يخدع نفسه “قد وَرَدَ في الكِتاب ما مِن أَحَدٍ بارّ” (رومة 3: 10). وُيبَرِّرَ من كانَ مِن أَهلِ الإِيمانِ بِيَسوع”(رومة 3: 26). ويعلق القديس باسيليوس الكبير “صلى الفريسي مع نفسه وليس مع الله، لأن خطيئة الكبرياء ردّته إلى ذاته”. فكان يعتقد الفريسي ان خلاصه منوط بحفظ الشريعة حفظا صارما. فكلما اتكل على برِّه يرى في نفسه كل الحسنات ولا يرى في غيره سوى السيئات كما ورد في سفر الرؤيا ” لأَنَّك تَقول: أَنا غَنِيٌّ وقدِ اغتَنَيتُ فما أَحْتاجُ إِلى شَيء، ولأَنَّكَ لا تَعلَمُ أَنَّكَ شَقِيٌّ بائِسٌ فَقيرٌ أَعْمى عُرْيان”(رؤيا 17:3-19).
صعد الفريسي ليصلي لكنه لم يطلب شيئًا من الله، فهو -في نظر نفسه -من الأصحاء فلا يحتاج إلى طبيب، ومن الأبرار فلا يحتاج إلى التوبة (متى9: 12 ،13)، فلذلك لم يَنَل شيئًا. فهو صعد ليصلي، ولكن ليس لله بل ليمجِّد نفسه ويُدين غيره؛ خطيئة الفريسي هي الاعتداد بالذات، أذ أنه نسي ان “كُلُّ عَطِيَّةٍ صالِحَةٍ وكُلُّ هِبَةٍ كامِلَةٍ تَنزِلُ مِن عَلُ مِن عِندِ أَبي الأَنوار.كل عطية صالحة هي من عند الله” (يعقوب 17:1). خطيئة الفريسي هي تبرئة ذاته امام الله ونسيانه ما قال صاحب المزامير ” إِن كُنتَ يا رَبُّ لِلآثام مُراقِبًا فمَن يَبْقى، يا سَيِّدُ، قائِمًا؟ ” (مزمور 130: 8). ويضيف يوحنا الرسول “إِذا قُلْنا: إِنَّنا بِلا خطيئة، ضَلَّلْنا أَنفُسَنا ولَم يَكُنِ الحقُّ فينا”(1 يوحنا 1: 10). في العلاقة مع الربّ لا مكان إذًا للتفاخر بالذات والتباهي على الآخرين، ولا للادعاء أمام الربّ بالكمال وكأنّ لنا حقّ عليه.
صعد الفريسي ليصلي لكنه لم يفكر في الله، ويعلق البابا فرنسيس “الفرّيسيّ يصلّي إلى الله ولكنّه في الواقع ينظر إلى نفسه؛ يصلّي إلى نفسه! وبدلاً من أن يضع الربّ نصب عينيه يضع مرآة”، انه يفكر في تمجيد ذاته. “إِنَّي أَصومُ مَرَّتَيْنِ في الأُسبوع، وأُؤَدِّي عُشْرَ كُلِّ ما أَقتَني” (لوقا 18: 12) انه متكبرٌ مرائيٌ، يصنع كل ما يصنع ليَظهر للناس كما جاء وصفهم في انجيل متى “وجَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم” (متى 23: 5).
الفريسي يقوم بأعمال البر، لكنه يتكبَّر على الآخرين فلا ينتفع بها شيئًا، إذ ادان قريبه العشار. ألم يقل الله على لسان أشعيا النبي ” أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟” (اشعيا 58: 6). ويُعلق القديس أثناسيوس “مع أن الفريسي كان يصوم يومين في الأسبوع إلا أنه لم يستفد شيئًا، لأنه افتخر بذلك على العشار”.
الفريسي يدفع العُشور لكنه يدين القريب، فهو يخطئ إلى الله الذي يكرّمه بدفع العشور. إذ قال المسيح: ” لا تَدينوا فَلا تُدانوا. لا تَحكُموا على أَحَدٍ فلا يُحكَمَ علَيكم”(لوقا 6: 37). ويقول يعقوب الرسول ” لَيسَ هُناك إِلاَّ مُشتَرِعٌ واحِدٌ ودَيَّانٌ واحِد، وهو القادِرُ على أَن يُخَلِّصَ ويُهلِك. فمَن أَنتَ لِتَدينَ القَريب؟” (يعقوب 4: 12). ويعلق البابا فرنسيس “الفرّيسيّ يُسرّ بمحافظته على الشّرائع ومع ذلك فمواقفه وكلماته بعيدة عن أسلوب تصرّف الله الذي يحبُّ جميع البشر ولا يحتقر الخطأة”. فذاك الفرّيسيّ، الذي يعتقد نفسه بارًّا، يتجاهل الوصيّة الأهمّ: محبّة الله والقريب.” أحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ” (لوقا 10: 27). وقد نسي الفريسي ما يريد الرب ” إِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة” (متى 12: 7)، وان “مَن كَتَمَ مَعاصِيَه لم يَنجَحْ ومَنِ اْعتَرَفَ بِها وأَقلعً عنها يُرحَم”(أمثال 28: 13).
بالإضافة الى ذلك، إن الله لا يريد أن نذكِّره بالصوم وتأدية العشور فهو يعرفها، كما جاء في الكتاب “إِنِّي عَليمٌ بِأَعْمالِكَ وجَهدِكَ وثَباتِكَ” (رؤيا 2:2-3)، لا داعي أن يقف الفريسي أمام الله ويضع الإكليل على رأسه، بل عليه بالحري ان ينتظر الحكم من الله، وان يذكر له خطاياه لكي يرحمه مُردِّدا مع داود النبي “فإِنِّي عالِمٌ بِمَعاصِيّ،َ وخَطيئَتي أَمامي في كُلِّ حين” (مزمور 51: 5)؛ ومن يذكر خطاياه ويتضع اما الله ينساها له الله كما يقول الشاعر والكاتب العالمي وليم شكسبير ” الانسان يغفر، والله ينسى”.
ب) يحتقر الآخرين
لم يكتفِ الفريسي في صلاته ان يثق ببره المزعوم بل احتقر الآخرين فابتعد عن العبادة المتواضعة الداخلية والاتكال عل الله. صلى الى الله شاكرا إياه بأنه لم يكن مثل باقي الناس؛ فهو” بار وسائر الناس خطأة، فهو ليس كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين”؛ أمّا العشار، فإنّه كسائر الناس. أنا لست مثله، بفضل أعمالي الصالحة، أنا لست بخاطئٍ. فهو مترفع عن الناس ويحتقرهم ويغتر بنفسه متهمًا العالم كله جهرًا، حاسبًا نفسه أفضل من جميع البشر علما ان الشريعة تدعو بعدم التعالي على الاخوة (تثنية الاشتراع 7: 17) ويعلق القديس يوحنا فم الذهبي “لم يكفيه الازدراء بكل جنس البشر، لكنه هاجم أيضًا العشار. ربما كان خطأه أقل لو لم يهاجمه، لكن بكلمة هاجم الغائبين، وجرح من هو حاضر”.
صلى الفريسي بكبرياء وهو يسخر بعبيد الله ليبرّر لنفسه موقفه المُتعالي والمُكتفي بذاته إذ قال “الَّلهُمَّ، شُكراً لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين” (لوقا 18: 11). يُعلق القديس كيرلس الإسكندري “فضعفُ الآخرين يجب ألاَّ يكون موضع ازدراء”؛ والازدراء بعبيد الله ما هو إلا ازدراء بالله وعدله. إن الله يستهزئ بالمتكبرين “َيسخر الله مِنَ السَّاخِرين، وللمُتَواضِعينَ يُعْطي النِّعْمَة” (أمثال 3: 34). ويقول صاحب المزامير “الشَريرُ بِكِبرِيائِهِ يُلاحِقُ البائِس فلْيُؤخَذْ بِالمَكايِدِ الَّتيَ دبرَها.” (مزمور 10: 2). ويؤكد بطرس الرسول ” فاعلَموا أَوَّلَ الأَمْرِ أَنَّه سيَأتي في آخِرِ الأَيَّام قَومٌ مُستَهزِئُونَ كُلَّ الاستِهزاء، تَقودُهم أَهواؤُهَم (1بطرس 3: 3).
صلى الفريسي بكبرياء محتقرا العشار” الَّلهُمَّ، شُكراً لَكَ لِأَنِّي لَستُ مِثْلَ هذا الجابي (لوقا 18: 11). انه يصلي بكبرياء لأنه يمدح نفسه على حساب العشار مع أن الكتاب المقدس يصرخ: ” لِيَمدَحْك الغَريبُ لا فَمُكَ الأَجنَبِيّ لا شَفَتاكَ ” (أمثال 27: 2). فكان وجود العشار إلى جانبه منحه فرصة ليتباهى أكثر في نفسه: “أنا لست كسائر الناس؛ أمّا هو، فإنّه كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين” (لوقا 18: 11).
صلى الفريسي بكبرياء لأنه وقح ساخر بالعشار ومترفع العينين وهي من احدى القبائح السبع التي يبغضها الرب ” سِتَّةٌ يُبغِضها الرَّبُّ والسَّابِعَةُ قَبيحةٌ عِندَه العَينانِ المُتَرفِّعَتان واللِّسانُ الكاذِب واليَدانِ السَّافِكَتانِ الدَّمَ الزَّكِيَّ والقَلبُ المُضمِرُ أَفْكارَ الإِثْم والرِّجْلانِ المُسارِعَتانِ في الجَرْيِ إلى السُّوء وشاهِدُ الزُّورِ الَّذي يَنفِثُ الأكَاذيب وُيلْقي النِّزاعَ بَينَ الإِخْوَة” (أمثال 6: 16-19). ويعلق القديس دوروثيؤس ” عندما كان الفريسي يصلي ويشكر الله من أجل فضائله لم يكذب بل نطق بالحق، ولم يُدن من أجل هذا، لكنه عندما التفت نحو العشار وقال: “إني لست مثل هذا العشار ارتكب الإدانة!” وعلى هذا الأساس يعلمنا الرسول بولس، قائلًا: ” فإِن ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّه شَيءٌ، مع أَنَّه لَيسَ بِشَيء، فقَد خَدَعَ نَفْسَه. فلْيَنظُرْ كُلُّ واحِدٍ في عَمَلِه هو، فيَكونَ افتِخارُه حينَئذٍ بما يَخُصُّه مِن أَعْمالِه فحَسْبُ، لا بِالنَّظَرِ إِلى أَعمالِ غَيرِه ” (غلاطية 6: 3-4)
ج) نتيجة صلاة الفريسي
رغم أن الفريسي يبدو ظاهرياً أمام ذاته وأمام أعين الناس من أوائل المصلّين والمبررين إلا أنه لم يتبرر بعين الله. لقد صعد مدّعيًا أنّه يريد الصلاة؛ لكنّه لم يطلب شيئًا من الله، بل تحدّث إلى نفسه وبدأ يمدحها. ونستنتج مما سبق ان الله يجازي المتكبرين ” فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع” (لوقا 18: 14) انهم يمضون كالدخان فماذا نَفَعَتْنا الكِبْرِياء؟ … إِنَّه يَتَبَدَّدُ كدُخانٍ في الهَواء ” (حكمة 5: 8-14) هم الذين سخروا بالآخرين (لوقا 16:14) فارتفاعهم ما هو إلا مقدمة لدمارهم كما يقول صاحب الامثال “قَبلَ التَّحَطّمِ الكِبرِياء وقَبلَ السُّقوطِ تَرَفعٌّ الرُّوح” (أمثال 16: 18). فان الرب “فشَتَّتَ الـمُتَكَبِّرينَ في قُلوبِهم.” (لوقا 1: 51).
لم يكن الفريسي وهو يصلي سارقًا ولا ظالمًا ولا حتّى زانيًا، ولم يكن يهمل أعمال التوبة. كما كان يصوم مرّتين في الأسبوع ويؤدّي عُشر ما يقتني… لكنّه لم يكن فارغًا من نفسه ولم يتجرّد من ذاته (فيلبي 2: 7)؛ اعتمد الفريسي على نفسه وعلى اعماله، نظر إلى نفسه، وعُجب بذاته ورضى عنها، وأدعى انه سليما، ولم يطلب شيئاً، فخرج من الهيكل بدون شفاء. فهو أيقونة الشّخص الفاسد الذي يتظاهر بأنّه يصلّي، ولكن كلّ ما ينجح في فعله هو التّباهي بنفسه أمام المرآة. ويمجّد الصورة التي بناها لنفسه. فالغرور يصنع من الرجل مخلوقاً غبيا. فصلاته كانت “كالعُصافةِ الَّتي تَذْروها الرِّياح ” (مزمور 4: 1)، لان من تنجسه الكبرياء يكون مغلقا للنعمة ” فحينَ تَبسُطونَ أَيدِيَكم أَحجُبُ عَينَيَّ عنكم وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمعُ لَكم لِأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء. فأغتَسِلوا وتَطَهَّروا وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ وكُفُّوا عنِ الإِساءَة “(إشعياء1: 15-16). ويصرّح بطرس الرسول ايضا ” اللهَ يُكابِرُ المُتَكبِّرين وُينعِمُ على المُتَواضِعين” (1 بطرس 5: 5) واما القديس أوغسطينوس فيعلق ” كما ترون من يطلب الافتخار لا يدخل بل يسقط، أما من يتواضع فيدخل من الباب بواسطة الراعي ولا يسقط.”
2) صلاة العشار
يقول القديس ايرونيموس “الكبرياء ضد التواضع”. صلى الفريسي بكبرياء، أما العشار صلّى الفريسي بتواضع وذلك في وقفته وقرع صدره وصلاته كما يصفه لوقا الإنجيلي “فوَقَفَ بَعيداً لا يُريدُ ولا أَن يَرَفعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، بل كانَ يَقرَعُ صَدرَه ويقول: الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ! ” (لوقا 14: 13)؛ يساعدنا التواضع على رؤية الذات على حقيقتها ويميل بالإنسان المتواضع باتجاه نعمة الربّ ورحمته.
ا) صلاة متواضعة في وقفته
صلى العشار بتواضع ” فوَقَفَ بَعيداً ” (لوقا 18: 13)، كخلقية خاطئة امام الله القدوس طالبا الرحمة. فابتعد عن حب الظهور والزهو، كما جاء في تعليم بولس الرسول ان الذين يتحلون بثوب التواضع “يجلسون في المكان الأخير” (فيلبي 2: 3-4). “كان توبيخ قلبه يُبعده عن الله، لكن حبّه كان يُقرّبه منه. ” كما يعلق القديس أوغسطينوس. وقف هذا العشار بعيدًا، لكنّ الله اقترب منه ليسمعه. “الرَّبُّ تَعالى ونَظَرَ إِلى المُتَواضِع أَمَّا المُتَكَبّر فيَعرِفُه مِن بَعيد ” (مزمور 138: 6)؛ وبإحساس ضميره كان العشار بعيدًا، لكن بتواضعه اقترب، وما التواضع الا الاستعداد للانفتاح نحو الله، وخضوع كله ثقة لنعمته وكلمته. فالله يسكن عند المتواضع المنسحق كما جاء في نبوءة اشعيا “أَسكُنُ في العَلاءِ وفي القُدْس ومع المُنسَحِقِ والمُتَواضِعِ الرُّوح لِأُحيِيَ أَرْواحَ المتواضِعين وأُحيِيَ قُلوبَ المُنسَحِقين (إشعيا 15:57).
صلى العشار بتواضع غير متكلٍ على ذاته، فاعترف أنَّى عبدٌ ضعيفٌ ” ولم يجرؤ أَن ” لا يَرَفعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء” ” (لوقا 18: 13) للبحث عن نظرة. لم يجرؤ على النظر إلى السماء لأنّ ضميره كان يُخفضه، لم يرد ان يكون حكيما في عيني نفسه الخاطئة كما جاء في تعليم الامثال “لا تَكُنْ حَكيمًا في عَينَي نَفسِكَ إِتَّقِ الرَّبَّ وجانِبِ الشَّرّ” (الامثال (3: 7).
ب) صلاة متواضعة في قرعه لصدره.
صلى العشار وهو يَقرَعُ صَدرَه دلالة على شعوره بالخطيئة واعترافه بمسؤوليّته عن اختيار وأفعاله. أنه خاطئ ولا يستحق شيئًا؛ فالإنسان المتواضع يميل الى الاتجاه نحو الله بقلب تائب منسحق كما جاء في سفر المزامير “إنًّما الذَّبيحةُ للهِ روحٌ مُنكَسِر القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزْدَريه يا أَلله” (مزمور 51: 19). فالبحث عن الله هو التماس التواضع (صفنيا 2: 3). والمتواضع (πραΰς) يجعل خضوعه لله صبورا ووديعا” (متى 11: 29). ومثل هذه الصلاة المتواضعة تجعل الانسان ينفتح لنعمة الله ويمجد الله “الرَّبّ يَضَعُ ويَرفَع” (1 صموئيل 2: 7)؛ “وقَبْلَ المَجْدِ التَّواضُع”(أمثال 15: 33).
صلى العشار بروح متواضعة وبالرغم من خطيئته إلا أنه تسامى على الفريسي الذي كان يتكلم عن أصوامِه ودفعِ العشور. قد نُزعت الشرور عن العشار، لاسيما الكبرياء والمجد الباطل لأنه كان متواضعا. الله يستجيب صاحب القلب المنسحق المتكل عليه، لا صاحب الاعتداد والمتكل على نفسه، يقرع صدره، ويعترف بخطاياه، ويكشف مرضه كما إلى الطبيب، ويسأل نوال الرحمة.
شعر العشار بأنه لا شيء بسبب خطاياه وشعر بان الله فقط يغفر خطاياه. وهذا الشعور بالانسحاق هو الطريق المقبول للحصول على مراحم الله. ان المسيح قد ربط التوبة بالتواضع. فالخاطئ شخص مديون يبرئه الله من دينه بالصفح عنه (العدد 14: 19). ويؤكد المسيح ان الابراء مجاني كما قال يسوع لسمعان ” كانَ لِمُدايِنٍ مَدينانَ. ولم يَكُنْ بِإِمكانِهِما أَن يُوفِيا دَينَهُما فأَعفاهُما جَميعاً” (لوقا 7: 42).
ج) صلاة متواضعة في مضمون صلاته
صلَّىَّ العشار وهو شاعر أنه لا يستحق شيئاً، ويشعر ان خطاياه هي السبب في عدم استحقاقه لأي شيء. فوقف لا يطلب شيئاً سوى مراحم الله ليطلب العقاب من نفسه؛ لذا، سامح الله هذا الإنسان الذي اعترف بخطيئته “الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ!” (لوقا 18: 14).
فالخاطئ الذي يعرف حالته لا يعتمد على قواه الذاتية، بل يغتنم جميع الفرص المُتاحة ليتوب ويعود عن غيّه. فلم يكن لدى العشار ما يفتخر به سوى أنه طلب رحمة الله فنالها. وقد اقتصرت صلاته على كلمات المزمور ” إِرحَمْني يا أَللهُ” (مزمور 51: 3) “إِنًّما الذَّبيحةُ للهِ روحٌ مُنكَسِر القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزْدَريه يا أَلله” (مزمور 51: 91).
اعتمد العشار على رحمة الله، طلب الرحمة وحصل عليها. وأصبحت هذه الصلاة “صلاة القلب” التي رددها السائح الروسي في دروب الرب: “يا يسوع إبن داود ارحمني أنا الخاطئ. ومن صلاة هذا العشار الذي اعتمد على رحمة الله، فطلب الرحمة وحصل عليها. فأصبحت هذه الصلاة “صلاة القلب” التي رددها السائح الروسي في دروب الرب: “يا يسوع أبن داود ارحمني أنا الخاطئ. وقد اشتركَتْ جميع أعضاء جسمه في تلك الصلاة؛ رجلاه ويداه، وقلبه، وعقله، ولسانه، وصدره، وعيناه.
ذهب العشار، جامع الضرائب الى الهيكل مُدركا لخطيئته وأظهرها لله وملتمسا الرحمة من الله فشفي مبرورا. ويعلق القديس باسيليوس الكبير ” التواضع لا يعني انحطاط الفكر بل سموه وارتفاعه خلال اتحاده بالسيد المسيح المتواضع، فنحمل مع الرسول بولس فكر المسيح.” “فلنقترب من الربّ الصالح القدّوس، بموقف التواضع والتوبة، على مثال العشّار، كي يرحمنا نحن الخاطئين أيضاً”.
ج) نتيجة صلاة العشار
ماذا كانت النتيجة؟ ” إِنَّ هذا (العشار) نَزَلَ إِلى بَيتِه مَبروراً وأَمَّا ذاكَ (الفريسي) فلا. فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَهُ رُفِع)) (لوقا 18: 14). كيف يمكننا أن نتوقّع من الربّ أن يصغي إلى صلوات الفريسي إذا كان لا يقترب منه بتواضع وبقلب منسحق تائب؟ قال النبي هوشع، الّذي يتكلّم باسم الرب: ” فإِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة” (هوشع 6، 6). إنّ البرّ الذاتي مُدمّر وخطير. والإطراء الذاتي، وبالتالي كانت صلاته متمركزة على ذاته بدلاً من على الربّ وتسبيح تعالى وطلب رحمته ومعونته من ناحية، ومن ناحية أخرى وازدراء القريب ويقفل باب قلب الربّ
اما العشار فحاكم نفسه والله دافع عن قضيّته؛ هو اتّهم نفسه والله دافع عنه. اسمع ما يقوله الديان: ” إِنَّ هذا نَزَلَ إِلى بَيتِه مَبروراً ” (لوقا 18: 14). لماذا؟ لان “كُلُّ مَن وَضَعَ نَفْسَهُ رُفِع” (لوقا 18: 14). ان صلاة العشار نالت له نعمة الخلاص، وهذا ما يؤكده صاحب الامثال ” ثَوابُ التَّواضُعَ مَخافةُ الرَّبّ الغِنى والمَجدُ والحَياة ” (أمثال 22: 4). إن الله ينظر الى المتواضعين ويحنو عليهم (مزمور 138: 6). فالمتواضع ينال مغفرة الخطايا (1 قورنتس 1: 25) ” إِنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكَبِّرين ويُنعِمُ على المُتَواضِعين” (يعقوب 4: 6).
لم يلتمس العشار المبررات بل القى نفسه بين ذراعي الرحمة الإلهية. وإبتهل بانسحاق القلب طالبا الرحمة فاستجيبت صلاته. فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَهُ رُفِع (لوقا 18: 14) يدل المبدأ على ان احكام الله غير احكام البشر. تواضع نفسه ومعرفته لخطاياه التي ارتكبها جعلتا العشار يسبق الفريسي الى الغفران والخلاص والبر والسلام، وذلك تأكيدا لقول الرب للفريسين: “إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ” (متى 21: 31). لذا ينصح يشوع ابن سيراخ “إِزْدَد تَواضُعًا لما ازدَدتَ عَظَمَةً فتَنالَ حُظوَةً لَدى الرَّب” (يشوع بن سيراخ 3: 20). وتعلمت الكنيسة صلاة يسوع التي نرددها “يا ربي يسوع المسيح إرحمني أنا الخاطئ” وأيضاً في كل صلوات الكنيسة نردد صلاة “يا رب ارحم” او ” كيريا اليسون ”
العبرة
يُعلمنا مثل الفريسي والعشار كيف نصلي بروح التواضع والتوبة. فالفريسي رمز البار المتكبر ويمثل بوجه عام جماعة اليهود الذين حسبوا أنفسهم أبرارًا بالناموس دون سواهم. وعليه فان من يعتبر نفسه بارًّا ويحكم على الآخرين ويحتقرهم يكون فاسدًا ومرائيّاً. ويعلق البابا فرنسيس “إنّ الغرور يُفسد كلّ عمل صالح ويُفرغ الصلاة من معناها ويُبعدنا عن الله والآخرين”. فإن الرب “شَتَّتَ الـمُتَكَبِّرينَ في قُلوبِهم…ورفَعَ الوُضَعاء. “(لوقا 1: 51-52)؛ أما العشار فهو رمز خاطئ متضع ويمثل جماعة الأمم التي اشتاقت إلى الخلاص رغم فقرها في المعرفة، وحرمانها من كل ما سبق فتمتع به اليهود من عهود ووعود وشريعة ونبوات.
نرى في هذا المثل أن كل من يتكل على بره يسقط ومن يتكل على بر المسيح شاعرًا بخطاياه يتبرر. وصدق شكسبير بقوله ” التواضع يحطم الغرور”. فمن يتكل على بره يرى في نفسه كل الحسنات ولا يرى في غيره سوى السيئات (رؤيا 3: 17-19). يعلق القديس أوغسطينوس “تشبّه بالعشار لئلا تدان مع الفريسي” ويقول أيضاً “لا تيأس أحد اللصين خُلص، ولا تغترّ فاللص الآخر هلك”. ينبغي علينا أن نصلّي مثل العشار أمام الله، مصدر “كلّ أبوّة في السماء والأرض” (أفسس 3: 15)، تمامًا كما نحن، لأننا جميعا محتاجون الى رحمة الله كل يوم.
فيجب أن تكون صلواتنا بتواضع. ليس كالفريسي بتكبر واحتقار الآخرين الذي كان حريصًا على حفظ طقوس الدين وإتمامها، ولقد ظنَّ أن الله يرضيه إتمام الفرائض دون نقاوة القلب واتضاعه، حتى أنه في صلاته رأى أنه أفضل من غيره، ولم يفكر في أن يذكر ضعفه وينقّي قلبه من الخفيات. فيجب ان نصلي مثل العشار عالمين أننا خطأة لا نستحق شيئًا، ونقف لا نطلب شيء سوى مراحم الله “اللهم ارحمني أنا الخاطئ. لا بد ان نتخرج من مدرسة المسيح المعلم ” وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (متى 29: 11). فالتواضع كما يقول القديس أوغسطينوس “علامة المسيح”.
الخلاصة
قدَّم لنا يسوع مثل الفريسي والعشار، لكي يعلم تلاميذ كيف يصلون. وقد اختلف الفريسي والعشار في الروح والغرض في الصلاة. ولخّص القديس يوحنا الذهبي الفم “أن الفريسي ركب مركبة يجرها البرّ مع الكبرياء بينما مركبة العشار تجرها الخطيئة مع التواضع؛ الأولى تحطمت وهوت، والثانية ارتفعت وعلت بعد أن غُفرت خطايا العشار بتواضعه”
القديسون العظام حينما وقفوا أمام الله لم يجدوا شيئاً يتقدمون به إلى الله، فوقفوا أمامه عراه وضعفاء كإبراهيم أب الآباء حين قال: “قد أَقدَمتُ على الكلامِ مع سَيِّدي، وأنا تُرابٌ ورَماد ” (تكوين 18: 27)، وأيوب الصديق يقول: ” فلِذلك أَرجعُ عن كَلامي وأَندَمُ في التُّرابِ والرَّمادِ” (أيوب 42: 6)، وداود النبي يقول “ما الإِنسانُ يا رَبُّ حتَّى تَعرِفَه واْبنُ الإِنْسانِ حتَّى تُفَكّرَ فيه؟ ” (مزمور 144: 3)، ويقول: لقَد لَصِقَت بِالتُّرابِ نَفْسي فأَحْيِني بِحَسَبِ كَلِمَتِكَ” (مزمور 119: 25). فإن الرب يقيم الربّ في متواضعي القلوب الّذين يقرّون بإثمهم ويقرّون برحمة الربّ ونعمته المُخلّصة. أَسكُنُ في العَلاءِ وفي القُدْس ومع المُنسَحِقِ والمُتَواضِعِ الرُّوح لِأُحيِيَ أَرْواحَ المتواضِعين وأُحيِيَ قُلوبَ المُنسَحِقين ” (أشعيا 57، 15).
الدعاء:
نسألك، أيّها الربّ الإله، أن تجعلنا متواضعي القلب والفكر والنفس. ولا تجعل الكِبْرياء تسود علينا فتفسد حياتنا وعلمنا أن نحاسب أنفسنا كما نحاسب الآخرين وساعدنا كي نعرف اننا خطأة. فإننا لا نجسر ان ننظر نحو السماء لكننا نتكل على غنى رحمتك ومحبتك للبشرية صارخين مع العشار: “الَّلهُمَّ ارحَمني أَنا الخاطئ، الَّلهُمَّ ارحَمني أَنا الخاطئ، الَّلهُمَّ ارحَمني أَنا الخاطئ”. ولنعبر عن شكرنا في نشيد امنا مريم المتواضعة “تعظّم نفسي الربّ تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. ورَحمَتُه مِن جيلٍ إِلى جيلٍ لِلذَّينَ يَتَقّونَه” (لوقا 1: 48-50). آمين.
القصة
دخل أحد الاشخاص إلى الكنيسة يُصلي فسجد أمام هيكل الله وبدأ صلاته بالقول ” يا رب أتيت اليوم إليك لأقدم لك العالم وما يحمله من شرور ومآسي وحروب لتحوله أنت إلى عالم مليء بالأفراح والسلام والأمان.
أجابه الرب: أنا خلقت العالم وأنت ماذا فعلت لأجله؟
المُصلي: يا رب أقدم لك حياتي كي تكون تحت تصرفك.
اجابه الرب: أنا وهبتك الحياة فهل عشت وفق إرادتي.
المُصلي: يا رب أقدم لك أعمالي
أجابه الرب: أنا وهبتك الاعمال والمقدر على إتمامها.
فخر المصُلي ساجداً وقال: يا رب أنا أملك شيئاً أقدمه لك فأنت الملك كلّ شيء وما عندي هو خطاياي وذنوبي فأقدمها لك. وهنا سمع المصلي صوت الرب قائلاً له ” أنا رفعت عنك الخطيئة.