ضرورة المداومة على الصلاة من غير ملل (لوقا ١٨: ١)
البطريرك بيتسابالا
تلخّص الآية الأولى ما جاء في قراءة اليوم: يسرد يسوع مَثَلاً حول الصلاة أو بالأحرى حول ضرورة المداومة على الصلاة من غير ملل (لوقا ١٨: ١).
قبل التعمّق في المثل، لنتوقف عند بعض عناصره التي تخبرنا بأمر مهم عن الصلاة.
أول عنصر هو كلمة “ضرورة“: بالنسبة إلى يسوع تُعتبر الصلاة شيئاً ضرورياً وليست خياراً. كما وتُعتبر جزءاً من الحياة وليست شيئاً ثانوياً يمكن عمله أو عدم عمله. عليها يترتب تغيّر في الحياة. في الواقع، يمكن اعتبار الصلاة مسألة حياة أو موت، كما جاء في القراءة الأولى (الخروج ١٧: ٨–١٣) حيث ساعدت الصلاة بني إسرائيل في محاربتهم العماليق: إن صلّى موسى، انتصر الشعب وإن لم يصلِّ، انتصر العماليق.
بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نصلي “دائماً“: إن كانت الصلاة جزءاً من حياتنا، فعلينا أن نصليّ “دائما“. ليست الصلاة نشاطاً له بداية ونهاية ولكنها كعمليّة التنفس في حياتنا لا تتوقف أبداً.
كما علينا أن نُصلّي “من غير ملل“: يدل هذا التعبير على أننا معرضون للتعب، وأنّ هناك أوقات تعب وجفافٍ روحي في حياتنا وعلاقتنا مع الرب، بالإضافة إلى أوقات شك وتساؤل وخاصة عندما يبدو أن الله لا يصغي ولا يتدخل في حياتنا.
بعد هذه المقدمة، يبدأ يسوع بسرد المَثَل الذي لا يتكلم فيه عن الموضوع التي تم طرحه في المقدمة، بل يوجه اهتمامه إلى الإيمان بدلاً من الصلاة: “ولكِنْ، أيجدُ ابنُ الإنسان إيماناً على الأرضِ يومَ يَجيءُ؟“. (لوقا ١٨: ٨)
نقرأ في المَثَل أيضاً عن موضوع العدالة والإنصاف حيث تتكرر عبارة “الإنصاف” أربع مرات، ومن خلالها تُعتبر الصلاة استنجادا بالله لكي يتدخل في حياتنا ويُنصفنا.
هذا الموضوع يتردد في المزامير. كاتبها مفطور القلب، يتضرع إلى الله قائلاً: “أنصِفني يا رَبُّ” (مزمور ٢٦: ١؛ ٤٣: ١).
إن من يطلب من الله أن يُنصفه لا بد أن يكون ضحيّة ظلم: الضحية في مَثَل اليوم هي أرملة، ليس من يحميها ومن يَضمن إحقاق حَقّها.
في العهد القديم، كانت الأرامل والأيتام والغرباء فئة اجتماعيّة معرّضة للانتهاكات والظلم، لذلك كنّ بحاجة، أكثر من الآخرين، إلى اهتمام خاص من الله، هو الذي يدافع عنهنّ.
أمست الأرملة رمزاً لجميع الفقراء وجميع من يعانون ظلماً، في حين أن المكترثين قليلون.
لكي نعرف كيف يعتني الآب بهم، تحدّث يسوع عن قاضٍ ظالم لا يكترث بحل مشكلة الأرملة: “كان في إحدى المدن قاضٍ لا يَخافُ الله ولا يَهابُ النّاس“. (لوقا ١٨: ٢) لكنّه في النهاية قرَّر إنصافها ليس بدافع العطف بل لكي تتوقف عن إزعاجه. أشار يسوع إلى بطء القاضي في إنصافه للأرملة مضيفاً أن استجابة الله لنا ستكون أسرع من ذلك.
يقول يسوع أن المشكلة لا تنحصر بالله، لأن تدخل الله في التاريخ هو أمر أكيد، لكن السؤال هو إن كنا نمتلك الإيمان الضروري لكي نعترف بذلك ونشكر. نعود هنا إلى موضوع الإيمان في قراءات الآحاد السابقة: إنه صغير ولكنّه قوي كحبّة الخردل: يسمح للأبرص الذي شُفي أن يعترف بتدخل الله في حياته. هذا الإيمان يجعلنا نثق أن الله لن يتركنا، وأنّه في لحظة ما سيتدخل في حياتنا ليُنصفنا.
والإنصاف –أي تدخل الله في حياتنا ليمنحنا الخلاص –هو بيده تعالى. لكن الإيمان بإنصاف الله لنا هو بيدنا نحن. الصلاة هي الحيّز الذي يسمح لنا بأن نواصل إيماننا وأن نحافظ على علاقة الثقة مع الله حتى عندما تعرضنا خبرة الألم الى تجربة الشك.
في هذه المرحلة، من الضروري أن نخطو خطوة الى الأمام. نتوقع أن تكون العدالة الإلهيّة شبيهة بالعدالة البشريّة، وأن يكون البرّ الإلهي شبيها بالبر البشري. لكنه في الواقع أمرآخر.
يذكر إنجيل لوقا موضوع البرّ مرتين مشيراً به إلى يسوع. وقد ورد في قصة آلام المسيح: إن أول من اعترف بأن يسوع هو شخص بارّ هو لص اليمين (لوقا ٢٣: ٣٩– ٤٣) عندما قال أن عقابه هو واللص الآخر عدل، وقد نالاه جزاء أعمالهما بينما لم يفعل يسوع سوءاً.
في المرة الثانية، في الآية ٤٧، يعترف قائد المئة الوثني على غرار اللص بأن يسوع هو شخص بار، وذلك بعد أن شهد مواجهة يسوع للموت ومعاناته من الظلم من دون شتم أحد.
نستطيع القول: إنّ طلبَ العدل والبرّ من الله يعني أن نطلب منه عيش حياتنا كيسوع على الصليب. هذا لا يعني أن نتحمل الظلم دون اكتراث، بل الانتصار عليه ومقاومته بمحبة كبيرة من خلال عيش حياة صالحة وتحويل الظلم إلى خير.
+ بييرباتيستا