عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثاني عشر من الزمن العادي، السنة أ

البطريرك بيتسابالا

متّى ١٠: ٢٦–٣٣
بعد فترة الزمن الأربعيني الطويلة، والزمن الفصحي، والاحتفالات السيّدية، نستأنف اليوم مسيرة آحاد الزمن العادي.
نحن الآن في الفصل العاشر من بشارة متى، ويحتوي هذا الفصل على عظة كاملة ليسوع مُخصّصة للرسالة: يُرسل يسوع تلاميذه لإعلان بشرى الملكوت السارّة، ويُعطيهم بعض التعليمات الخاصّة بالخُلُق الّذي يجب أن يتصفوا به، ويُخبرهم، بشكل واضح، أنّ مهمّتهم سوف تواجه الرفض: لن يكون الاضطهاد استثناءً، بل جزءًا لا يتجزّأ من مهمّتهم، حيث أنّ الرسالة الّتي يُعلنها التلاميذ هي ذات طابع يختلف كثيراً عن حياة العالم، والعالم لا يُقرّ ولا يقبل ما هو ليس جزءًا منه.
لذلك يجب أن يكون التلاميذ مُستعدّين لأنّ يتعرّضوا للاحتقار والنبذ والاستهزاء: وسوف يكون ذلك فرصة لهم للنموّ في التشبّه بمُعلّمهم وربّهم، ويكون فرصة لتقديم الشهادة.
تتكرّر، في المقطع الإنجيلي لهذا الأحد، الدعوة إلى عدم الخوف مرّات عديدة: “لا تخافوهم إذاً، فما من مستور إلاّ ويكشف، ولا من مكتوم إلاّ سيُعلم“. (متّى ١٠: ٢٦).
هناك جانبان يشدّان الانتباه على الفور: الأوّل هو أنّه يمكنك الطلب من شخص ما ألآّ يخاف، على افتراض أنّ هذا كان ممكناً، في مواجهة خطر ما، وأن يمنع ردّ فعل التأهّب والخوف الطبيعي.
ومن ثمّ، فإنّ ما يشدّ الإنتباه هو الصلة بين الخوف والكلمات الّتي تتبعه: لا داعي للخوف، لأنّ كلّ شيء سوف يُكشف. ماذا يعني هذا؟
هناك مناسبة أخرى، في بشارة متّى، تتكرّر فيها هذه الصلة بين الخوف والإخفاء أو الإختفاء. وذلك في الفصل الخامس والعشرين من بشارة متّى، والقصّة المقصودة هي مثل الوزنات. يتقدّم الخدّام الّذين استلموا الوزنات المختلفة من سيّدهم بأمان وثقة؛ ولكن الخادم الّذي استلم وزنة واحدة خاف، فأخفى وزنته في التراب، عوضاً عن أن يستثمرها؛ وكان السيّد شديد القسوة معه بسبب هذا التصرّف (متّى ٢٥: ١٤–٣٠).
وإذا أمعنّا النظر بشكل أفضل، نجد حوادث أخرى يتكرّر فيها الإسم المُركّب “خوف–إختباء“: على سبيل المثال، يروي البشير يوحنّا، في مساء الفصح، أنّ الرسل ظلّوا مُختبئين في غرفة، مُغلّقة أبوابها جيّداً خوفاً من اليهود. (يوحنّا ٢٠: ١٩)
وإذا عدنا إلى الوراء أبعد من ذلك، نجد نفس هذه الديناميكيّة عند بداية التاريخ، حيث ينتظرنا الزوجان الأوّلان اللّذان، بعد الخطيئة، ينتابهما الخوف من الربّ الإله، ويختبآن (تكوين ٣: ٨–١٠).
وهكذا بإمكاننا الإستنتاج أنّ الخوف يؤدّي بالضرورة إلى الإنغلاق، وإلى دفن الوزنة الّتي كنّا قد استلمناها؛ وأنّ هذا الخوف، في نهاية المطاف، لا يظلّ مجرّد مشكلة شخصيّة، بل إنّه يتحوّل إلى شهادة عكسية، وإلى مهمّة فاشلة.
امّا إذا كان التوجّه الّذي يُهيمن عليّ هو الثقة، فسوف تكون هذه الثقة، على وجه التحديد، هي شهادتي، كيّ أعلن، من خلال ثقتي، عن العلاقة الّتي تدعمني وتجعلني أحيا: سوف تكون الرسالة الّتي أعلنها مكشوفة ومعروفة (الآية ٢٦)، عندما لن يطغى الخوف على إعلاني.
ولكن كيف يمكن أن لا أخاف؟
من الواضح، في المقاطع الكتابيّة المذكورة أعلاه، أنّ كلّ شيء يعتمد على العلاقة: يكسر آدم وحوّاء العلاقة مع خالقهما، وينتابهما الخوف. يعيش الرسل، مساء الفصح، في حالة من الضياع والحداد على ربّهم، ويعتقدون أنّه غائب وبعيد: وينتابهم الخوف.
وهكذا هو الوضع في مَثَل الوزنات: الخادم لديه صورة خاطئة عن سيّده، على أنّه سيّد قاس وليس أب: وينتابه الخوف.
وهكذا سوف يكون حال التلميذ المبعوث في مهمّة رسوليّة: فإذا انتابه الخوف، فسوف يكون سبب خوفه هو شعوره وظنّه أنّه موجود خارج العلاقة مع الشخص الّذي يعرف حتّى عدد شعر رأسه (الآية ٣٠): وسوف يعتقد حينها أنّه سوف يواجه الخطر والاضطهاد بمفرده، من دونه.
أمّا نحن فقد احتفلنا بعيد اللفصح، وبعيد الصعود، وبعيد العنصرة، وقد اختبرنا اليقين بأنّ الربّ هو حقاّ معنا في كلّ يوم، وأنّ الروح القدس، فينا، هو الذكرى الحيّة للمسيح.
وهكذا، نتعلّم اليوم أنّ ثمرة السرّ الفصحي هو كنيسة مُرسلة، وأنّ طابع رسالة الكنيسة هو الثقة الكاملة وحرّية الأبناء، الّمُتحرّرين، حتّى من ذواتهم.
+ بييرباتيستا