عيد ارتفاع الصليب الكريم المحيي

الأب بيتر مدروس

كسر الصلبان وقتل الإنسان وتدمير البلدان

( العدد 21 : 4 ت ، فيليبي 2:6-11، يو 3: 13-17)
نشأ هذا العيد في المدينة المقدّسة عاصمة المسيحيّة منذ القرن الرّابع الميلاديّ، حالما استطاعت الكنيسة أن “ترفع رأسها” من الاضطهاد. وأتت الملكة هيلانة إلى فلسطين يرافقها مهندسان، وأمرت بتدمير معبد “أفروديت” اليونانية (مقابِلة “فينوس” معبودة الجمال الرّومانيّة) الذي كان الإمبراطور الوثني الروماني إسبانيّ الأصل هدريانوس قد شيّده، لمحو آثار القبر السيّديّ وجلجلة الخلاص! وهكذا، علينا أن ندمّر معابد الجسد ومعبودات الجمال الفاني، لنبني على الضريح الفارغ حياتنا وعلى المسيح الحيّ كياننا! وكلّ مرّة تُباع كنيسة في الغرب لتمسي حانوتًا أو مركزًا للعب البيلياردو أو “مرقصًا” أو ناديًا، تنتقل من قداسة المسيح إلى غياهب “أفروديت” وفساد “فينوس” وانحلال الوثنيّة وأوهامها وخرافاتها بدل المسيح الذي هو مركز التاريخ! وكلّما دُمّرت كنيسة في الشّرق ، ولا سيّما في العراق وسورية ومصر ، رجع البطش الروماني العبريّ وساد “سلطان الظّلمة” “وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب” على الصليب والمصلوب!
نشهد اليوم كسر الصلبان وكأنّنا في زمن مار صفرونيوس بطريرك المدينة المقدّسة إيلياء الذي كتب نائحًا : “ما هذه الكنائس المدمّرة والصّلبان المكسّرة؟” ونزيد: هتك الأعراض وبيع النساء والبنات وقطع الرؤوس ؟ الدماء تغطي صلباننا والغبار والدموع، ولكن الصليب يرتفع دومًا في قلوبنا وقد رفضنا أن نخون، ويبقى نصب العيون!
ارتفاع الحيّة النحاسيّة على سارية
الإله نفسه الذي نهى موسى كليمه أن “يصنع صورة أو تمثالاً” للعبادة والسّجود يأمره :”اصنع لك حيّة من نحاس وارفعها على سارية ، وكلّ لديغ ينظر إلى الحيّة النحاسيّة يحيا”. ويفسّر يسوع الحادثة للذين لهم عيون وآذان وخصوصًا للذين لهم عيون ولا يرون وآذان ولا يسمعون :”كما رفع موسى الحيّة في البرّية، هكذا يجب أن يُرفَع ابن الإنسان”. فالحية ترمز إلى يسوع الحيّ والسارية إلى الصليب الكريم – مع أنه كان أداة عذاب، والمحيي مع أنّه كان وسيلة إعدام!
صليبنا اليوم كمسيحيّين!
يتكهرب منه اليهود – وكلّ البدع الغربيّة ولا سيّما الأمريكيّة التي أسّسوها – لأنه يذكّرهم (أي معشر العبرانيين) بجريمتهم النكراء وهي قتل يسوع! وينفر منه إخوتنا المسلمون لتوهّمهم أنّنا “عبّاد خشبة” ، والواقع أنّنا نعبد الله فقط، ونكرم الصليب كأداة أثبت فيها يسوع صدقه وبطولته ووهب فداءه. ويستاء منه المسلمون لأنّهم يعتقدون أن المسيح لم يُصلَب. ونجيبهم : “صُلب – حسب إنجيلنا – أم لم يُصلَب – حسب رأيكم – فكلّنا متّفقون على أنّه حيّ”. وهذه المرّة قد ينفع قول شكسبير ” “جيّد ما ينتهي جيّد!”
“All is well that ends well!”
ما بقي كلام!
أمام الإبادة والمجازر التي يتعرّض لها المسيحيّون في العراق وسورية وسواهما يعجز كلامنا. وكما كان الأرمن يصرخون وهم يبكون دماء ويجعلون دموعهم تخاطب الرب : “لماذا يا رب؟ إلهي إلهي لماذا تركتني؟” جواب المسيح :تشقّق الصّخور ، واهتداء الآلاف من “قادة المئة” وتزعزع القلوب حتّى الحجريّة لأنّ “قوةّ الرب تكمل في الضعف” خصوصًا عندما نقدر بالدم والدمع والعرق أن نهتف مثل المصلوب :”لقد تمّ”!