عيد السّيّدة العذراء مريم سلطانة فلسطين

الأب بيتر مدروس

الحّرّية والمساواة والأخوّة… والمحبّة (خروج 22: 21 ت، 1 تسالونقي 1: 6-10، متّى22: 34 ت)
ينهى الله قوم الميثاق العتيق: “الغريب لا تظلمه ولا تضايقه”. وكأنّ الشّعب “فهم” خلاف ذلك خصوصًا في الأرض المقدّسة ، إذ عنده “الغريب” أي غير اليهوديّ ليس مواطنًا بل هو “چِير” في العبريّة أي نزيل أجنبيّ أعجميّ لا حقوق له مثل العبرانيّ المحظوظ. ومع أنّ ال “چِير” كان مشبّها باليهوديّ بسبب إقامته في الأرض التي حسبها اليهود أرضهم، من باب المعاملة الحسنة للجار ولا سيّما أنّ المرء قد يحتاج له يومًا، غير أن الربانيين استنبطوا معنى جديدًا حديثًا للفظة “چِير” بحيث صارت تشير إلى الدّخيل المتهوّد من الوثنيين. لذا، ما دامت فرحتنا في فلسطين طويلاً، ليس فقط لأنّ معشر العبرانيين يعتقدون أنها بلادهم وحدهم – بحيث لا يبقى لنا فيها مكان – بل أيضًا لأنّ الذين حالفهم الحظ ليسوا من جماعتنا المقيمين في “الأرض المقدّسة”، بل هم المتهوّدون الدخلاء الذين اعتنقوا اليهوديّة، ولا سيّما من روسيا والحبشة وسواهما.
لا يحقّ لشعب أن يستعبد آخر. وأكثر البشر إثمًا الذين ينسبون ظلمهم واغتصابهم وقتلهم لله ولكلمته. ويحلو للمرء، بمناسبة عيد السيدة البتول سلطانة فلسطين، أن يذكّر باقوال أمير الرسل بطرس الذي أدرك في بيت قائد المئة الروماني قرنيليوس: “الآن عرفتُ يقينًا أنّ الله لا يفضّل أحد على أحد، ولكن أي إنسان من أيّة أمّة كانت اتّقاه تعالى وصنع البِرّ، كان لديه تعالى موضع رضى” (أعمال 10: 34-35).

“أحبب قريبك حبّك لنفسك”: حلّ كلّ المشاكل الفردية والجماعيّة والدّوليّة!
الفخّ في سؤال الفرّيسيّن والصدّوقيين – الذين ما كانت تجمعهم إلاّ العداوة ليسوع والمكيدة عليه – كان في طلبهم أن يختار “أعظم وصيّة”. ولم يكن الاختيار – حسب الفكر اليهوديّ – بين الوصايا العشر بل كانت معها ستمئة وثلاث وصايا أخرى استنبطها الربابينيون وسنّوها. وبدل أن “ينتقي” يسوع ، لخّص كلّ الوصايا، وما لخّص إلاّ الوصايا العشر بالمحبّة لله وللذات وللقريب. وما لخّص أو ما أدرك “توصيات” الحاخامات إلاّ في ضوء الكلمات العشر التي أوجزها بالمحبّة ، بعبقريّة إلهيّة إنسانيّة ضمّت نصّ تثنية الاشتراع 6 (الذي يصلّيه كلّ يهودي مرّتين في اليوم) إلى نص سِفر اللاويين 19: “أحبب قريبك حبّك لنفسك”. وبما أن البشر عامّة ونفرًا من العبرانيين كثيرًا، خاصّة ، يحبّون أنفسهم ويفرطون في ذلك، فقد تجاهل يسوع الوصيّة غير المباشرة “أحبب نفسك” واكتفى بأن يعلن: “بهاتين الوصيّتين (الاثنتين أي المحبة لله وللقريب) ترتبط الشّريعة كلّها والأنبياء”. وقصد أنّ “تطبيق الشّريعة” – من غير هذه المحبّة الثّنائية – باطل.

عيد الأبرشيّة البطريركيّة اللاتينية في فلسطين والأردنّ
بطريركيات القدس جميعها تضمّ كلّ فلسطين والأردنّ، بحيث أنّ “عيد السيدة العذراء سلطانة فلسطين” عنى أوّلاً كلّ فلسطين التاريخيّة كما عرفناها حتّى نهاية الانتداب البريطاني بما فيها الجليل واللد والرملة والقدس الغربيّة، إذ أنّ الوضع كان هكذا في عهد البطريرك اللاتيني المقدسي المنسنيور لويس برلسينا الذي أسس سنة 1927 مزار “سيّدة فلسطين” في ما كان “بلدة رافات” التي أخفاها اليهود عن الوجود لاحقًا، وكانت مجاورة لقرية “صرعا” ما بقي على أرضها اليوم سوى قرية تعاونيّة أي مستعمرة عبريّة.
وعيد سيّدة فلسطين عيد القسم الثاني – والأكبر – من أبرشية البطريركية اللاتينية أي المملكة الأردنيّة العزيزة. وفلسطين والأردنّ توأمان ،يحدّ بينهما نهر العبور والمعموديّة. وقد تحمّل الأردنّ العبء الأكبر في النكبة الفلسطينية، كما يتحمّل اليوم المأساة العراقيّة والسّوريّة! وإذ يرجو المرء للكنيسة في الاردنّ دوام الاستقرار والازدهار ووقفًا لنزيف هجرة المواطنين المسيحيين، يسأل المرء العزّة الإلهيّة “أن تصون أرض فلسطين المقدّسة وهي التي منها وهبت العذراء الفادي للعالم”، “فلتسهرنّ البتول على موطنها هذا على الأرض ولتُبعدنّ عنه – وعن سائر المعمور – ظلمات الضلال، بعد أن سطعت فيه شمس البِرّ الأبديّ”، آمين!