عيد يسوع الملك والدينونة العظمى (25: 31-46)

الأب لويس حزبون

يصف متى الانجيلي (25: 31-46) يسوع ملكاً يأتي في مجده لإدانة جميع شعوب الارض (يوحنا 5: 22)، ويجازيها خاصة على أعمال الرحمة التي مارسوها والتي لم يُمارسوها تجاه المحتاجين اليها. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي: (25: 31-46)

31 ” وإِذا جاءَ ابنُ الإِنسانِ في مَجْدِه، تُواكِبُه جَميعُ الملائِكة، يَجلِسُ على عَرشِ مَجدِه،”:

تشير عبارة ” ابنُ الإِنسانِ” الى إحدى الألقاب المميزة للسيد المسيح، وقد فضَّلته الجماعة المسيحية الأولى على سائر الألقاب التي أطلقتها عليه (متى 8: 20 و11: 19 و17: 13 و27 24: 30). يردّ بعض المفسّرين هذا اللقب الى ما ورد في حزقيال النبي “يا ابنَ الإِنسان …” (حزقيال 2: 1)؛ لكن أكثرهم يردّونها الى التقليد الرؤيوي ” كنتُ أَنظر في رُؤيايَ لَيلاً فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء فبَلَغَ إِلى قَديمِ الأَيَّام وقُرِّبَ إِلى أَمامِه”(دانيال 7: 13)، وفي هذا التقليد سيأتي ابن الانسان في اليوم الأخير ليدين الخاطئين ويخلّص الأبرار.
أمَّا عبارة ” جاءَ ابنُ الإِنسانِ في مَجْدِه فتشير الى اقتباس هذه الآية من سفر زكريا ” ويأتي الرَّبُّ إِلهي وجَميعُ القِديسينَ معَه (زكريا 5: 14)، وهي وصف نبوي للدينونة الأخيرة ” فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه”(متى 16: 27)؛ ويُعلّق القديس أوغسطينوس “إن الابن المتجسّد هو الذي يدين، حتى لا يرى الأشرار أمجاد اللاهوت، إنّما تقف نظرتهم عند حدود الجسد الذي يظهر مُرهبًا لهم. يظهر بشكل عبد للعبيد، ويحفظ شكل الله للأبناء”. أمَّا عبارة ” جَميعُ الملائِكة” فتشير الى إضافة من قبل متى الانجيلي توضّح موقف الملائكة تجاه ابن الانسان، خاصة في مجده لدى مجيئه الثاني يوم الدينونة (آية 31) حيث يواكبونه في اليوم الأخير كما صرَّح بولس الرسول: “لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَه، عِندَ إِعْلانِ الأَمْر، عِندَ انطِلاقِ صَوتِ رَئيسِ المَلائِكة والنَّفْخِ في بُوقِ الله، سيَنزِلُ مِنَ السَّماء” (1 تسالونيقي 4: 16). أمَّا عبارة ” يَجلِسُ على عَرشِ مَجدِه ” فتشير الى ابن الانسان كملك ديّان في نهاية الازمنة؛ وهو الذي يأتي من السماء ليدين الارض كلها، لا الشعب المختار وحده كما صرّح يسوع امام مجلس اليهود “سَوفَ تَرونَ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير، وآتِياً في غَمامِ السَّماء “(مرقس 14: 62). وتدل عبارة “يَجلِسُ على عَرشِ مَجدِه على قول يسوع أيضا: ” أَنتُم الَّذينَ تَبِعوني، متى جلَسَ ابنُ الإِنسانِ على عَرشِ مَجدِه عِندما يُجَدَّدُ كُلُّ شَيء، تَجلِسونَ أَنتم أَيضاً على اثنَي عَشَرَ عَرْشاً، لِتَدينوا أَسباطَ إِسرائيلَ الاثَنيْ عَشَر” (متى 19: 28).

32″وتُحشَرُ لَدَيهِ جَميعُ الأُمَم، فيَفصِلُ بَعضَهم عن بَعْضٍ، كما يَفصِلُ الرَّاعي الخِرافَ عنِ الجِداء”:

تشير عبارة “تُحشَرُ لَدَيهِ جَميعُ الأُمَم” الى يسوع الديان الذي هو الملك والراعي الذي يجمع شعبه للدينونة (حزقيال 34: 12-17)، والدينونة هنا لا تدل على دينونة الاموات كما هو وارد في رؤيا “رَأَيتُ الأَمواتَ كِبارًا وصِغارًا قائِمينَ أَمامَ العَرْش. وفُتِحَت كُتُبٌ، وفُتِحَ كِتابٌ آخَرُ هو سِفرُ الحَياة، فحوكِمَ الأَمواتُ وَفقًا لِما دُوِّنَ في الكُتُب، على قَدرِ أَعْمالِهم” (رؤيا 20: 12)، بل دينونة الجميع الاحياء والاموات. والدينونة هنا هي عاقبة ابدية تقررها الاعمال كما يؤكِّد ذلك سفر رؤيا ” فحوكِمَ كُلُّ واحِدٍ على قَدرِ أَعْمالِه” (رؤيا 20: 13). يدين يسوع الملك جميع الشعوب ويُجازيها على أعمال الرحمة التي صنعوها او لم يصنعوها للآخرين المحتاجين. والرحماء عنده يُرحمون كما صرّح يسوع في عظة التطويبات “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون”(متى 5: 7). أمَّا عبارة ” جَميعُ الأُمَم ” فتشير الى “كل العالم ” (متى 24: 9، 28: 19). ولا يستثنى منها أحد لا اليهود ولا المسيحيين. نقف جميعنا امام الديَّان يهود وغير يهود، مسيحيون وغير مسيحيين، مؤمنون وملحدون، مسلمون وهندوس… أمَّا عبارة “يَفصِلُ الرَّاعي الخِرافَ عنِ الجِداء” فتشير الى الخراف والجداء كثيرا التي ترعى معاً، ولكنها تُعزل عن بعضها عندما يأتي موسم الجزاز. ويشير حزقيال النبي الى الحكم بين ماشية وماشية، بين الغنم والماعز وبَينَ الكِباشِ والتُّيوس بقوله ” وأَنتُنَّ يا خِرافي؟ هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: هاءَنَذا أَحكُمُ بَينَ شاةٍ وشاة، بَينَ الكِباشِ والتُّيوس” (حزقيال 34: 17).

33″فيُقيمُ الخِرافَ عن يَمينِه والجِداءَ عن شِمالِه”:

تشير عبارة “يُقيمُ الخِرافَ عن يَمينِه والجِداءَ عن شِمالِه” الى فصل الخراف (الابرار) عن الجداء (الاشرار)، وذلك لا على اساس الدين او الطائفة او المال او المنصب او الشهادة الجامعية، انما على اساس موقف كل واحد تجاه الفقراء والمساكين. تصف هذه الآية يسوع الملك في صورة الراعي الذي يفصل بين الخراف والجِداء كي يُبيِّن الفرق بين المؤمنين وغير المؤمنين. ويعلق القديس اوغسطينوس “ما هو العدلُ والحقُّ؟ سيجمعُ إليه مختارِيه للدينونة، ويَفصِلُ الباقِين عنهم. فيضعُ البعضَ عن يمينِه والبعضَ الآخَرَ عن شِمالِه. أوَ ليسَ هذا هو العدلُ نفسُه؟ أليس هذا هو الحقُّ نفسُه؟”؛ أمَّا عبارة ” الخِرافَ ” فتشير الى لونها الأبيض التي يرمز للبِرِّ (رؤيا 7: 14). أمَّا عبارة ” الجِداءَ ” فتشير الى لونها أسود وهذا اللون يشير للخطيئة (ارميا 23:13).

34ثُمَّ يَقولُ الملِكُ لِلَّذينَ عن يَمينِه: تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم”

عبارة “رِثوا” تشير الى ان الميراث الناشئ عن كون الشخص عضو في اسرة ناشئة عن أي عمل. ولم يقل خذوا بل “رثوا “، فهم أبناء يرثون مجد أبيهم وليسوا غرباء. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول “فإِذا كُنَّا أَبْناءَ الله فنَحنُ وَرَثة: وَرَثَةُ اللهِ وشُرَكاءُ المسيحِ في المِيراث، لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا”(رومة 8: 17)، ويعلق القديس اوغسطينوس “أنتم الذين كنتم الملكوت لكن بغير سلطان لتحكموا، تعالوا لكي تملكوا! أنتم الذين كنتم قبلًا في الرجاء وحده، أمَّا الآن فتنالون السلطان كحقيقة واقعة”؛ أمَّا عبارة “المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم ” فتشير الى ان الملكوت المُعدٌّ قبل وجود أي عمل صالح، انه معَّدْ للإنسان منذ تأسيس العالم، ويوكَّد بولس هذه الكلام “ذلِك بِأَنَّه اختارَنا فيه قَبلَ إِنشاءِ العالَم لِنَكونَ في نَظَرِه قِدِّيسينَ بِلا عَيبٍ في المَحبَّة” (أفسس 1: 4).

35لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني 36وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ “:

تشير عبارة “لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني ” الى السبب، وهو الدينونة العامة التي تفاجئ الجميع، وهو تقمص يسوع شخصية الفقراء والمعوزين؛ أمَّا عبارة ” وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ ” فتشير الى مظاهر الشقاء البشري وتطابق بين الاعمال التي يُثني يسوع عليها وأعمال التقوى التي يُشيد بها الدين اليهودي والعهد الجديد. فالدين اليهودي يطالب بهذه الاعمال “أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟” (اشعيا 58: 6-8). وهكذا سيدنا يسوع المسيح يُشيد في العهد الجديد بأهمية إطعام الجائعين “مَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع ” (متى 10: 42)، وإكرام الضيوف “مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. مَن قَبِلَ نَبِيّاً لأَنَّه نَبيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقاً لأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال (متى 10: 40- 41)، مطابقا بينه وبين جميع البؤساء الذين هم إخوته، أهمية كساء العراة “مَن كانَ عِندَه قَميصان، فَليقسِمْهُما بَينَه وبَينَ مَن لا قَميصَ لَه. ومَن كانَ عِنَده طَعام، فَليَعمَلْ كَذلِك” (لوقا 3: 11)، وزيارة المرضى كما ورد في مثل السامري الرحيم “وَصَلَ إِلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه”(لوقا 10: 33)، ولا يتطرق يسوع الى موضوع تربية الايتام ولا دفن الموتى بل يضيف يسوع زيارة السجناء.

37″فيُجيبُه الأَبرار: ((يا رَبّ، متى رأَيناكَ جائعاً فأَطعَمْناك أَو عَطشانَ فسَقيناك؟ 38ومتى رأَيناكَ غريباً فآويناك أَو عُرياناً فكَسَوناك؟ 39ومتى رَأَيناكَ مريضاً أَو سَجيناً فجِئنا إِلَيكَ؟”: 40″فيُجيبُهُمُ المَلِك: الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه”

تشير عبارة “كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار” الى كشف يسوع الديان للأبرار ان ما صنعوه كان له معناً عميقاً يجهلونه. ان ما نعمله للقريب نعمله ليسوع وقد أوضح يسوع ذلك لشاول (بولس)الذي كان في طريقة الى دمشق لاضطهاد المسيحيين ” فقال بولس له: ((مَن أَنتَ يا ربّ؟)) قال: ((أَنا يسوعُ الَّذي أَنتَ تَضطَهِدُه” (اعمال الرسل 9: 5). وفي موضع آخر قال يسوع ” مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني” (متى 10: 40). “ومَن قَبِلَ طِفْلاً مِثلَه إِكْراماً لاسمي، فقَد قَبِلَني أَنا” (متى 18: 5)، وكذلك في انجيل لوقا نجد قول يسوع ” مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني” (لوقا 10: 16). ويعلق القديس ايرونيموس “كل مرّة تبسط يدك بالعطاء أذكر المسيح” وفي هذا الصدد قالت القديسة تريزا دي كالكوتا،”إنّ الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجعلني حزينة هو إهانة الربّ بسبب أنانيّتي أو لتمنّعي عن مساعدة الآخرين، عندما نؤذي الفقراء، إنّما نؤذي الربّ؛ أمَّا عبارة “إِخوتي” فتشير الى إخوة المسيح وهم مؤمنون، اعضاء في الكنيسة الحقيقية. “لأَنَّ كُلاًّ مِنَ المُقَدِّسِ والمُقَدَّسينَ لَه أَصْلٌ واحِد، ولِذلِكَ لا يَستَحْيي أَن يَدعُوَهم إِخوَةً حَيثُ يَقول: ((سأُبَشِّرُ بِاسمِكَ إِخوَتي”(عبرانيين 2: 10). أمَّا عبارة “الصِّغار” فتشير أولا الى “التلاميذ” وحدهم ” ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع” (متى 10: 42) ثم امتد معناها لتُشير الى جميع الناس. وهكذا استبدلت كلمة “التلاميذ” بكلمة ” اخوتي” لا لاقتصار صفة الاخ على التلاميذ وحدهم، بل لإعلان الصلة التي تجمع بين يسوع وكل إنسان محتاجٍ حيث أراد يسوع ان يتقمّص شخصية الفقراء المهمَّشين، فيطابق بينه وبين جميع هؤلاء البؤساء الذي يعتبرهم إخوته. فصانع الرحمة للآخرين من أي دين كان، أنما هو صانعها للمسيح. فيكشف لصانع الرحمة أن ما عمله كان له معنى عميق يجهله. ان الاهمية المحورية هي العلاقة بالمسيح. يجازي يسوع الملك الديَّان الابرار عن ممارسة المحبة الاخوية تجاه الذين يعيشون على هامش المجتمع. ويجازيهم على اعمالهم بحسب ما قاموا به من أعمال الرحمة نحو المحتاجين إليهم.

“41ثُمَّ يقولُ لِلَّذينَ عنِ الشِّمال: إِليكُم عَنِّي، أَيُّها المَلاعين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ المُعدَّةِ لإِبليسَ وملائِكَتِه”:

تشير عبارة ” المَلاعين ” الى الأشرار الذين جحدوا إيمانهم وهنا فالحكم على الذين رفضوا ان يُعينوا اخوتهم في الشدة. وهذا ما يوضِّحه يوحنا الانجيلي بقوله: “كُلُّ مَن أَبغَضَ أَخاه فهو قاتِل وتَعلَمونَ أَنْ ما مِن قاتلٍ لَه الحَياةُ الأَبدِيَّةُ مُقيمَةٌ فيه” (1 يوحنا 3: 14). أمَّا عبارة ” النَّارِ الأَبَدِيَّةِ ” فتشير الى العقاب الابدي في الجحيم الذي هو مكان القصاص بعد الموت لكل من يرفض التوبة (متى 5: 29). وهناك كلمتان تستخدمان للتعبير عن الجحيم: كلمة عبرية שְׁאוֹל معناها الهاوية والتي استخدمت في العهد القديم للإشارة الى القبر، مثوى الاموات (مزمور 16: 10)، واستخدمت كلمة أخرى وهي جهنم גֵּיהִנּם نسبة الى وادي هنوم حيث كان الأطفال يُحرقون بالنار قربانا للآلهة الوثنية (2 ملوك 23: 10)، وهو مكان النار الأبدية (متى 18: 8) المُعدَّةِ لإِبليسَ وملائِكَتِه وكل من لا يؤمنون بالله (متى 25: 46). وهذه هي الحالة الأبدية والنهائية للأشرار بعد القيامة والدينونة الاخيرة. أمَّا عبارة “لإِبليسَ وملائِكَتِه ” فتشير الى ان الله لم يُعِّدْ النار الأبدية للإنسان بل للشيطان، ولكن من يختار بنفسه أن يكون ابنًا للشيطان يذهب معه للنار الأبدية ” أَنتُم أَولادُ أَبيكُم إِبليس تُريدونَ إتمامَ شَهَواتِ أَبيكم. كانَ مُنذُ البَدءِ قَتَّالاً لِلنَّاس ولَم يَثبُتْ على الحَقّ لأَنَّه ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب” (يوحنا 8: 44) الله أعدّ الملكوت السماوي للإنسان. وقد اختار الأشرار لأنفسهم بأنفسهم أن يُلقوا في النار الأبدية التي أُعدّت لإبليس وجنوده.

“42لأِنِّي جُعتُ فَما أَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فما سَقَيتُموني، 43وكُنتُ غَريباً فما آوَيتُموني، وعُرياناً فما كَسوتُموني، ومَريضاً وسَجيناً فما زُرتُموني)). 44فيُجيبُه هؤلاءِ أَيضاً: ((يا رَبّ، متى رَأَيناكَ جائعاً أَو عَطشان، غَريباً أَو عُرياناً، مريضاً أَو سجيناً، وما أَسعَفْناك؟)) 45فيُجيبُهم: ((الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَيَّما مَرَّةٍ لم تَصنَعوا ذلك لِواحِدٍ مِن هؤُلاءِ الصِّغار فَلي لم تَصنَعوه “:

تشير عبارة “أَيَّما مَرَّةٍ لم تَصنَعوا ذلك لِواحِدٍ مِن هؤُلاءِ الصِّغار فَلي لم تَصنَعوه ” الى علة اولئك الذين يُدانون كأشرار، وهي التقصير او الاهمال. إن التقصير سَبَبه عدم وجود محبّة في حياتهم. لقد دفنوا الانجيل في أتربة الهوى والانانية وأطفأوا مصابيح الرحمة في قلوبهم تجاه المحتاجين والفقراء.

“46فيَذهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذابِ الأَبديّ، والأَبرارُ إِلى الحَياةِ الأَبدِيَّة “:

تشير هذه الآية الى نبوءة دانيال “كثيرٌ مِنَ الرَّاقِدينَ في أَرضِ التُّرابِ يَستَيقِظون، بَعضهم لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وبَعضُهم لِلعارِ والرَّذلِ الأَبَدِيّ.” (دانيال 12: 2) وجاء نص انجيل يوحنا يؤكد ذلك “يَخُرجونَ مِن القبور أمَّا الَّذينَ عَمِلوا الصَّالحات فيَقومون لِلحيَاة وأمَّا الَّذينَ عَمِلوا السَّيِّئات فيقومونَ للقضاء” (يوحنا 5: 29). وتشير هذه الآية أيضا الى قيامة الأموات، ولكنها تصف أيضا الحالة الابدية والنهائية للأبرار والأشرار بعد القيامة والدينونة الاخيرة. وعندما يحذّر الرب يسوع من العذاب الابدي، فهو إنما يسعى لانقادنا من هذا العذاب الرهيب ويحثنا للعمل الصالح لنيل السعادة الابدية. اما عبارة ” الحَياةِ الأَبدِيَّة” فتشير الى أتحاد الانسان بالله، ويقوم هذا الاتحاد بالرؤية الكاملة ” نَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤَيةً مُلتَبِسة، وأَمَّا في ذلك اليَوم فتَكونُ رُؤيتُنا وَجْهًا لِوَجْه. ” (1 قورنتس 13: 12)؛ فالإنسان لا يجد راحته واستقراره إلا في الله، كما يقول القديس اوغسطينوس “صنعتنا لك ، يا الله، ويبقى قلبنا مضطربا حتى يجد راحته وقراره فيك”.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (25: 31-46)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 25: 14-30)، نستنتج انه يتمحور حول الدينونة العظمى ويسوع الملك الديان. ومن هنا نتساءل ما هو مضمون الدينونة في المسيحية؟ وما هي أعمال الرحمة التي سيُديننا يسوع الملك عليها في يوم الدينونة؟
1) ما هو مضمون الدينونة في المسيحية؟
إن اللفظ الأصلي للدينونة هو שׁפָט” الذي يلي عادة الحُكم. فكلمة שֹׁפְטֵ هو الحاكم الذي يسوس شعباً ما (دانيال 9: 12). وأن إحدى الوظائف الهامة لكل الحكام تقوم خاصة على البَتِّ في النزاعات لكي تسود العدالة في المجتمع، وقد مارسها موسى والشيوخ معاونوه (خروج 18: 13- 26)، وصموئيل (1 صموئيل 7: 16- 8: 3)، والملوك (2 صموئيل 15: 1- 6، 1 ملوك 3: 16- 28)، وبعض القضاة المحليين، ولاسيما الكهنة (تثنية 16: 18 – 20، 17: 8- 13).
أمَّا الأنبياء فهم الذين أعلنوا أن الله يدين العالم بالنار (اشعيا 66: 16)، إنه سيجمع الأمم في وادي يوشافاط יְהוֹשָׁפָט (معناها الله الديان): إذ ذاك يكون الحصادِّ وجني العنب في الأزمنة الأخيرة (يوئيل 4: 12 – 14). وينطبق ذلك أيضاً على سفر الحكمة، حيث نرى الأخيار والأشرار يمثلون معاً لأداء الحساب (حكمة 4: 20- 5: 23).
ويستلهم مدونو الكتاب المقدس هنا الاختبار البشري عندما يتحدثون عن دينونة الله. فإن دينونة الله تُشكل تهديداً متواصلاً للبشر، لا في الآخرة فحسب، بل في التاريخ أيضا، إنه من المستحيل على خاطئ واحد أن يفلت منها. ويصف كتاب دانيال بصور مذهلة هذه الدينونة التي ستختتم الزمن وتفتتح ملكوت ابن البشر الأبدي (دانيال 7: 9- 12 و26).
وفي أيام السيد المسيح، كان انتظار دينونة الله بآخر الأزمنة حدثاً عاماً. ويشير يوحنا المعمدان في مطلع الإنجيل، إلى الدينونة، عندما ينذر سامعيه بالغضب الآتي، ويُحثُّهم على قبول معموديته، علامة للتوبة (متى 3: 7- 12). وقد بدأت ساعة الأزمنة الأخيرة مع الساعة التي ظهر فيها يسوع في العالم، فدينونة الأزمنة الأخيرة هي حاضرة منذ تلك الساعة، وإن كان ينبغي انتظار عودة المسيح المجيدة، حتى نراها متمّمة في ملئها.
وكثيراً ما أشارت كرازة يسوع إلى دينونة اليوم الأخير. فكل البشر لا بد وأن يؤدوا الحساب (متى 25: 14- 30). وإن سبب الدينونة الإلهية الأساسي هو الموقف الذي يقفه الناس إزاء الإنجيل، وإزاء القريب، على حد سواء: سيُدان كل واحد طبقاً للدينونة التي يكون قد دان بها القريب “فكَما تَدينونَ تُدانون، ويُكالُ لكُم بِما تَكيلون “(متى 7: 2).
وقد وصف القديس يوحنا الإنجيلي يسوع ابن الإنسان الذي أقيم من الآب دياناً في اليوم الأخير (يوحنا 5: 26- 30). إلا أن الدينونة في الواقع ستحقق منذ اللحظة التي يرسل فيها الآب الابن إلى العالم. وهذا لا يعني أنه قد أرسل ليدين العالم: إنه بالعكس يأتي ليخلصه (يوحنا 3: 17، 8: 15- 16). ولكن تبعاً للموقف الذي يختاره كل واحد تجاهه، تتم الدينونة فوراً: مَن آمَنَ بِه لا يُدان ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد”(يوحنا 3: 18 – 20). ونستنتج من كل ذلك ان الدينونة هي كشف خطايا القلوب البشرية، أكثر منها حكم إلهي. فالقوم الذين أعمالهم شريرة، يفضّلون الظلام على النور (يوحنا 3: 9- 20). إن الدينونة الأخيرة تُظهر علناً ما قد تمّ منذ الآن من تفريق من حيث خفايا القلوب.
وأمَّا الكرازة الرسولية في الجماعة المسيحية الأولى تعلن ان الله حدَد يوماً ليدين العالم فيه بعدل بالمسيح الذي أقامه من ببن الأموات (أعمال 17: 31). وان الدينونة ستبدأ في بيت الله، قبل أن تمتد إلى الأشرار (1 بطرس 4: 17)، وسيدين الله كل واحد بحسب أعماله، دون محاباة للوجوه (1 بطرس 1: 17). والمسيح هو الذي سيقوم بوظيفة ديان للأحياء والأموات (2 طيموتاوس 4). وأخيراً فإن جميع البشر، في آخر الزمن، سيمرون بالنار التي ستمتحن قيمة أعمالهم (1 قورنتس 13:3).
أمَّا قاعدة الدينونة فهي الشريعة” الموسوية إلى من يلتمسون هذه الشريعة (رومة 2: 12)، والشريعة المكتوبة في الضمير إلى من لم يعرفوا غير هذه الشريعة (رومة 2: 14- 15)، وشريعة الحرية إلى من قبلوا الإنجيل (يعقوب 2: 12). ولكنّ الويل لمن يكون قد أدان القريب (رومة 2: 1- 3)؟ إنه سيُدان هو نفسه طبقاً للمقياس الذي طبّقه على الآخرين (يعقوب 2: 3).
2) ما هي أعمال الرحمة التي سيديننا يسوع الملك عليها في يوم الدينونة؟
إن انتظار عودة المسيح كديّان للأحياء والأموات هو جزء لا يتجزأ من قانون الإيمان المسيحي: ” أؤمن برب واحد يسوع المسيح … سياتي بمجد عظيم ليدين الاحياء والاموات”. يصف انجيل متى تصويرا نبويا للدينونة الأخيرة كأنه يراها بعينيه على ضوء كلام الله. يأتي ابن الانسان كديان في نهاية الأزمنة، وهو يأتي من السماء ليدين الأرض كلها، لا الشعب المختار وحده (مرقس 14: 62). الرب يسوع يأتي في مجده (متى 16: 27) كالملك فيدين جميع الشعوب كما وصفها صاحب الرؤية “ورَأَيتُ الأَمواتَ كِبارًا وصِغارًا قائِمينَ أَمامَ العَرْش. وفُتِحَت كُتُبٌ، وفُتِحَ كِتابٌ آخَرُ هو سِفرُ الحَياة، فحوكِمَ الأَمواتُ وَفقًا لِما دُوِّنَ في الكُتُب، على قَدرِ أَعْمالِهم”(رؤية 20: 12). يُحشر الناس في يومه لدى عرشه المجيد ليدينهم على أعمال الرحمة.
يقف كل إنسان بين يدي الرب يسوع الملك ليؤدي له حساباً. ولا يسال الناس عن أديانهم، ولا عن طوائفهم، ولا عن أموالهم، ولا عن بنوكهم، ولا عن قصورهم، وعلى عن مناصبهم، ولا عن بطولاتهم، ولا عن تكنولوجيَّاتهم، إنما يسألهم عن موقفهم من الفقراء والمساكين. يسألهم عن اعمال الرحمة التي مارسوها او لم يمارسوها تجاه المحتاجين من جياع وعطاش وغرباء ومرضى وسجناء. “يَقولُ الملِكُ لِلَّذينَ عن يَمينِه: تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني 36وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ “(متى 25: 34-35). ومن هذا المنطلق يذكر النص الانجيلي اعمال الرحمة التالية:
إطعام الجائعين: ” جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني ”
“ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع ” (متى 10: 42) “مَن كانَ عِندَه قَميصان، فَليقسِمْهُما بَينَه وبَينَ مَن لا قَميصَ لَه. ومَن كانَ عِنَده طَعام، فَليَعمَلْ كَذلِك” ولوقا 3: 11) ” إذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان. فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار ” (لوقا 14: 13-14) ويعلق القديس كبريانس “كيف يمكنه أن يحُثُّنا على أعمال البرّ والرحمة أكثر من قوله إن ما نعطيه للفقراء والمحتاجين إنّما نقدّمه له هو نفسه”. كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى 25: 40). لذا يوصينا القديس أمبروسيوس بقوله “اخدموا الفقراء تخدمون المسيح”
إيواء الغرباء: “كُنتُ غَريباً فآويتُموني”
الغريب حسب الانجيل هم الوثنيون، السامريون، العشارون، البرص، الزناة… أي شخص غير يهودي كان غريب. وإن الغريب في كل الثقافات هو مصدر خوف، لأنه مختلف عنا في للتفكير، غريب في اسلوب الحديث، غريب في أسلوب إقامة العلاقة. وأول ما نصادف شخصاً هكذا، نقول: “لا”، وممكن أن ننقد، نتذمر، نتجنب ونهرب. لكن يسوع يقول لنا هنا ان ناوي الغريب: ” مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني. مَن قَبِلَ نَبِيّاً لأَنَّه نَبيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقاً لأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال ” (متى 10: 40-42) ” كُونوا لِلقِدِّيسينَ في حاجاتِهِم مُشارِكين وإِلى ضِيافةِ الغُرَباءِ مُبادِرين” (رومة 12: 13) ، “لا تَنسَوُا الضِّيافَة فإِنَّها جَعَلَت بَعضَهم يُضيفونَ المَلائِكَةَ وهُم لا يَدْرون” (عبرانيين 13: 2) كيف نستقبل الضيوف؟ وتجيب القديسة تريزيا للطفل يسوع: إن أتى أحد إليك، لا تدعه يتركك إلاّ وهو أفضل حالاً، وأكثر سعادة ممّا كان عليه قبل زيارتك. ليكن التعبير الحيّ عن محبة الله: في وجهك، في عينيك، في ابتسامتك، وفي ترحابك الحارّ”.
إكساء العراة: ” كُنتُ عُرياناً فَكسَوتُموني”
“مَن كانَ عِندَه قَميصان، فَليقسِمْهُما بَينَه وبَينَ مَن لا قَميصَ لَه” (لوقا 3: 11) ” فإِن كانَ فيكُم أَخٌ عُريانٌ أَو أُختٌ عُريانَةٌ يَنقُصُهما قُوتُ يَومِهِما، 16 وقالَ لَهما أَحدُكم: ((اِذْهَبا بِسَلام فاستَدفِئا واشبَعا)) ولم تُعطوهما ما يَحتاجُ إِلَيه الجَسَد، ماذا يَنفَعُ قَولُكُم؟” ويعقوب 2: 15-16).
زيارة المرضى: ” كُنتُ مَريضاً فعُدتُموني
لا تعني زيارة المرضى تعزيتهم فقط، بل الاعتناء بهم وخدمتهم ومساعدتهم كما فعل السامري الرحيم (لوقا 10).”ووَصَلَ إِلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه، فدَنا منه وضَمَدَ جِراحَه، وصَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً، ثُمَّ حَمَلَه على دابَّتِه وذَهَبَ بِه إِلى فُندُقٍ واعتَنى بِأَمرِه. وفي الغَدِ أَخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إِلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: ((اِعتَنِ بِأَمرِه، ومَهْما أَنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي” (لوقا 10: 33-35)، ويقول يعقوب الرسول ” هل فيكُم مَريض؟ فلْيَدْعُ شُيوخَ الكَنيسة، ولِيُصَلُّوا عليه بَعدَ أَن يَمسَحوه بِالزَّيتِ بِاسمِ الرَّبّ.” (يعقوب 5: 14).
زيارة المسجونين: ” كُنتُ سَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ”
لا تنحصر زيارة المسجونين فقط بتوجيه كلمات التعزية والمؤاساة لهم، بل افتقادهم في حاجاتهم واتخاذ الوسائل المشروعة إذا كانوا ابرياء لتخلية سبيلهم من السجون كما وصّى بولس الرسول” أُذكُروا المَسْجونينَ كأَنَّكم مَسْجونونَ مَعَهم ” (عبرانيين 13: 2).
دفن الموتى
يقوم دفن الموتى باحترام فهو مقتبس من سفر طوبيا (طوبيا 2: 1-9). يذكر الانجيل مظاهر الشقاء البشري، ويربط كل فعل محبة بضمير المتكلم: اطعمتموني أنا. سيحكم الله علينا على قدر محبتنا له، ومن ميزاتها الإنسانية: ان نطعم الجياع، ان نأوي المطرودين واللاجئين، وان نكسو العراة’، ونزور المرضى والمسجونين ونعتني بهم. سيحاكمنا الرب بموجب علاقتنا معه من خلالهم. انه يتقمص نفسية هؤلاء الصغر والفقراء. ” كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى 25: 40). ويعلق البابا فرنسيس في أول يوم عالمي للفقراء 2017 “هؤلاء الأخوة الصغار المفضّلون لدي يسوع، هم الجائع والمريض، الغريب والسجين، الفقير والمتروك، والمتألم الذي لا يتلقى المساعدة، والمُحتاج المهمّش. وأشار البابا فرنسيس إلى أنه عن طريق الفقير يقرع يسوع باب قلبنا.”
ويسوع الملك لا يدين المؤمنين فقط، بل يدين جميع البشر انطلاقا من هذه المحبة العملية المترجمة في أعمال الرحمة. فإن أردْتَ أن تنالَ رحمةً كُنْ أنتَ رحيمًا قبلَ أن يأتيَ الرب الديان. والدينونة هي عاقبة ابدية تقررها الاعمال، لن يحكم يسوع الملك علينا بموجب نياتنا الصالحة، ولا بموجب عواطفنا السامية، بل بموجب المساعدات المادية والخدمات الإنسانية التي قدمناها لإخوتنا، في فقرهم المدقع. ومن هذا المنطلق تأخذ جميع الأشياء الارضية أبعادا جديدة. العالم بحاجة إلى المسيح الإنساني، المسيح الفقير، المسيح المتألم، المسيح المشرّد المسيح، المصلوب، إنّ ابن الإنسان يقابلنا في كل محتاج. ولذلك فإن خدمة القريب هي خدمة لله.
فعلمنا المسيح أن نمارس أعمال الرحمة لجميع المتضايقين والمتألمين الذين نلتقي بهم على دروب هذه الحياة. العالم بحاجة الى قلوب تنبض محبة وعطفاً على من يحتاجون إلى خدمة القريب التي علّمنا إياها المسيح، هي الحل الوحيد للمشاكل العالمية. إنّها الخدمة التي تشفي العالم من الأنانية، والبغضاء والظلم. الخدمة التي تجمع ما تفرّق، وتبني ما تهدّم، وترفع من عثر وسقط. الخدمة التي تعيد الأمل والرجاء إلى اليائسين، وإلى الذين طعنتهم الأيام بحرابها ومزقتهم بنصالها.
نستنتج مما سبق ان الدينونة هي اليوم. نُدان على المحبة التي نكنَّها لإخوتنا من خلال اعمال الرحمة. يسوع الديان الذي يظن الناس انه سيروزنه يوم مجيء المجيد، لقد التقوه به في الواقع من زمن طويل وطوال حياتهم اليومية، ان الانسان على صلة بالديَّان كلما كان امام قريبه، والحقيقة ان الدينونة تتم ومصير كلا واحد يُبتُّ فيه منذ الآن. فاللحظة الحاضرة هي حاسمة. وهذه اللحظة تتسم بخطورة لامتناهية، لاتها ابن الانسان والله نفسه في الانسان الذي امام الله، وسوف يدخل الذين حفظوا إنجيله في الحياة، الى حياة لا يكون للموت عليها من سلطان، فالرحماء يُرحمون. فصانع الرحمة للآخرين من أي دين كان، إنما هو صانعها للمسيح: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى 25: 40).
أمَّا الحكم على الملاعين (الأشرار) (متى 25: 41-46) فعلَّتهم هي التقصير أي الإهمال، إن التقصير كان بسبب عدم وجود محبة في حياتهم. فقد رفضوا ان يُعينون إخوتهم في الشدة؛ من لا يحب كان في البغض كمال قال يوحنا الرسول ” نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا. مَن لا يُحِبُّ بَقِيَ رَهْنَ المَوت. 15 كُلُّ مَن أَبغَضَ أَخاه فهو قاتِل وتَعلَمونَ أَنْ ما مِن قاتلٍ لَه الحَياةُ الأَبدِيَّةُ مُقيمَةٌ فيه”(1 يوحنا 3: 14- 15). فقد كتب القدّيس أوغسطينوس، “لست أتكلّم، عن الفاسدين الّذين يجدّفون ضدّ المسيح. والواقع قليلون هم الذين يجدّفون بالفم، غير أنّ من يجدّفون بسلوكهم فهم كثيرون”.
إنجيل اليوم هي دعوة ملحة الى مدِّ يد المساعدة الى جميع اخوتنا الفقراء المعوزين. لقد سفك يسوع دمه حبا لنا، كي نحبّ الآخرين كما احبنا، وان نضحّي، كما ضحّى بحياته على الصليب من اجلنا، وان نحب جميع الناس ونخدم كل إنسان حسبما نستطيع، فهذه المحبة للآخرين تمجِّد الله لأنها تعكس محبتنا له.

الخلاصة:

يسوع ملك الكون والتاريخ سيعودُ ثانية دياناً في آخر الأزمنة لكي يُحاسب الناس أجمعين ويعطي كل واحد ما يستحقهُ جزاء أعمالهِ، خيراً كان أم شراً في الدينونة العامة. إنَّ تلك الدينونة ستفاجئ الجميع: ” كنتُ جائعاً فأطعمتموني ” كل مرة عملتم هذا لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي عملتموه ”

ويوم الدينونة فقط، سيعرَفُ أن كل إنسان هو أخ ليسوع، وكل عمل محبةٍ أعطي أو رُفضَ لهذا الأخ، كان ليسوع نفسه، مع ذلك، أن حب المسيح اللامتناهي هو للإنسان، لم تبقَ هذا الحقيقة المُذهلة إلى آخر الأيام، بل على العكس، حتى يُظهر قيمتها وأهميتها، كشفها لنا ألان حتى نعرفها في وقتٍ لا يُمكنُ فيه العودة إلى الوراء.

ونختتم مع توصيات طوبيا البار لابنه: “تَصَدَّقْ مِن مالِكَ ولا تُحَوِّلْ وَجهَكَ عن فَقير، فوَجْهُ اللهِ لا يُحوَّلُ عنكَ. تَصَدَّقْ بِما عِندَكَ وبِحَسَبِ ما يَتَوفَّرُ لَكَ. إِن كانَ لَكَ كَثير فآبذُلْ كَثيراً، وإِن كانَ لكَ قَليل فآبذُلْ قليلاً، ولكِن لا تَخَفْ أَن تَتَصَدَّق. فإِنَّكَ تَذَّخِرُ لَكَ كَنْزاً حَسَناً إِلى يَومِ العَوَز. لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنقِذُ مِنَ المَوت ولا تَدَعُ النَّفْسَ تَصيرُ إِلى الظُّلمَة” (طوبيا 13: 6-10). فالرب يسوع يطلب منا الاهتمام الشخصي والعناية باحتياجات الآخرين “أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟” (اشعيا 58: 7).

إن عملنا بهذه الوصية يملك الله على قلوبنا وافكارنا واجسادنا فتصبح حياتنا مُلكاً له في الدنيا وفي الآخرة، لأننا أحببناه في الآخر كما هو أحبَّنا وضحى بحياته على الصليب من أجلنا. ومن هذا المنطلق فإن أنجيله دعوة ملحة الى مدِّ يد المساعدة الى جميع اخوتنا الفقراء المعوزين من أجل المسيح الملك، وبذلك يُفسح لنا المجال للدخول الى الملكوت الابدي، ملكوت يسوع المسيح ربنا

الدعاء
أيها الاب السماوي، ان الذي أرسلت لنا ابنك يسوع، ملك الكون، وسيد الازمان، وديان العالمين، لا ليدينَ العالم بل ليخلِّص به العالم، اجعلنا ان نراه في اخوتنا الصغار، من الفقراء والمساكين والمشردين والمرضى والمنبوذين والمهمّشين ونكون رحماء تجاههم في حياتنا فنستحِقَّ أن نسمع يوم الدين تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم “. فارحمنا ايها المسيح الملك الذي صار انساناً وحلَّ فينا. آمين

قصة:
سأل أحدهم الأم تيريز دي كالكوتا: “لماذا تقومين بهذه الخدمات للفقراء والمساكين؟”
وكانوا يتوقعون إجابتها: أعملهم من أجل الله، أو حبا بالله.
لكنها ابتسمت وقالت: “لأني أحب”.
” فاستطرد السائل قائلاً: لأنك تحبين الله، من أجل الله.
فأجابت: لا، ” لأن آلامهم تلمس قلبي”.
فسألها من جديد. ولو لم يكن موجود الله؟
فأجابت، لا أحبهم من أجل الله، أحببت دائما من هو أمامي” وبما أن في الإنسان موجود الله، فأنت تحب الله من خلال حبك للإنسان. ثم اختتمت قائلة: “أنا لا أعرف إذا كان أولئك الذين يقولون إنهم يحبون الله، هم يحبونه حقاً، لكنني أعرف تماماً أنّ مَن يحب الإنسان فهو يحب الله بالتأكيد”.