في سبيل التّعليم والتّفنيد والتّقويم والتّقديس (2 تيموثاوس 3: 16)
الأب بيتر مدروس
الخلافة الرّسوليّة والتّقليد والكتاب
يكتب رسول الأمم الإناء المختار بولس إلى ابنه الرّوحاني تيموثاوس: “أنت تعرف عمّن أخذت” التعليم الرسولي، ويقصد هنا الخلافة الرّسوليّة غير المنقطعة في الكنيسة. مع الأسف كثير من المؤمنين – منذ كففنا في مواضع عديدة عن تدريس مادّة تاريخ الكنيسة، لا يعرفون عمّن أخذوا إيمانهم. “وعندما يجهل أحدهم جذوره يسهل اقتلاعه” (الطّوباويّ البابا يوحنّا بولس الثّاني).
ومن مناهج التاريخ المدرسيّة والجامعيّة، لا يعرف معظم أهلنا في الوطن العربي –ما خلا لبنان– شيئاً عن تاريخ بلادنا والكنيسة فيها في القرون السّبعة الميلادية الأولى، سوى “سلبيّات الكنيسة الكاثوليكيّة في العصور الوسطى، عصور الظّلمة” ويجهلون تماماً قدّيسيها وأفضالها وفضائلها على العالم، حتّى في المجالات العلميّة والأدبيّة والفنّية. من جهة أخرى يجهل مؤمنونا تاريخ الحركات المنشقّة وأهدافها، فينضمّ إليها خلق كثير، وهم يتوهّمون أنهم تركوا “بابل” وأنهم أصبحوا يفهمون الكتاب المقدّس”.
لذا، مع دراستنا للكتب المقدّسة، يجب أن نعلّم ونتعلّم تاريخ الكنيسة الرسوليّة (التي تسمّيها البدع “تقليدية”، وهي بذلك تؤكّد من حيث لا تدري ولا ترغب أصالة الكنيسة العريقة).
“أنت يا تيموثاوس تعرف الكتب المقدّسة منذ نعومة أظفارك”، مَن المسؤول عن جهل مؤمنينا في الكتاب المقدّس؟ ردّ سريع شاف كاف: كلّنا! ولكن “لا يكفي أن نلعن الظّلام بل يجب أن نضيء شمعة”.
“كلّ ما كُتب (أي في أسفار العهدين القديم والجديد) هو من وحي الله”. كيف عرفنا ذلك: من السيّد المسيح والرسل وخلفائهم، من التقليد أي من الكنيسة. فالكنيسة حاضنة الكتاب المقدّس. وعندما تمرّد قوم عليها امتدّت أيديهم إلى الكتاب فحذفوا وغيّروا في “ترجماتهم” ولكن “كلمة الله تبقى إلى الأبد”، و”الكنيسة هي هي بيت الله الحيّ وهي عمود الحق وركنه” (1 تيم 3 : 15). وفي حين تشرذموا، مع أنّهم قالوا أنهم يجتمعون حول “الكتاب المقدّس”، بقيت الكنيسة الجامعة الرسوليّة واحدة، وما انقسمت إلى كاثوليكية وأرثوذكسية إلاّ لأسباب إداريّة أو لسوء فهم بين مفردات الفلسفة حول طبيعة الرب يسوع.
يا ليت المؤمنين لا يكتفون بسماع كلمة الله أيام الآحاد (وهنالك من لا يحضر القدّاس إلاّ نادراً!) ويا ليتهم يطالعون الكتب المقدّسة بقيادة مرشدين روحانيين “قراءة ربّانيّة” أو رحمانيّة متأمّلين خاشعين، ويا ليتهم يشتركون في المحاضرات والنّدوات (التي ما زالت لا “تخرط” عقول الكثيرين منهم المتوهّمين أن قداس الأحد يكفي!) ويا ليتهم يستشيرون الكهنة ولاسيّما المتعلّمين عندما يسمعون اعتراضاً أو يطّلعون على تحدّ، فيقطعون الشّك باليقين، لأنّ كلمة الله الملهمة الموحى بها تفيد “في التعليم والتّفنيد والتّقوم والتّهذيب في البرّ”.