لا تستهن بالعِبَر ولا “تستكبر” البشر!

الأب بيتر مدروس

(اشعيا 66: 18-21، عبر 12: 5-7 ثم 11-13، لوقا 13: 22-30)

يخاطب كاتب الرسالة إلى العبرانيين مسيحيين من أصل عبريّ (يحلو لبعضهم أن يدعوهم “نصارى”) ويستشهد بأسفار الحكمة ومنها الأمثال: “يا بُنَيّ أي يا ابني الصغير، لا “تستقلّ” التهذيب” أي لا تستهن به ولا تستهتر به. وفي اليونانية تعني كلمة “بايديا” παιδεια من “بايس، بايدوس” الطفل أي التربية، والفعل “بايديوين” παιδεύειν يعني “أدّب، هذّب” اي “عاقب ووبّخ”: من غير عقاب وتوبيخ لا تأديب ولا تهذيب، حسب العقلية اليونانية. وهذا ما يرفضه بشكل عام عالم اليوم، خصوصًا لتفكّك في الأخلاق وللنفور من النقد، وأيضًا بتأثير من “عالم نفسي” أمريكي وأشباهه، الذين حرّموا أن يُعاقَب الأطفال لئلاّ يتعقّدوا، فعقّدوا أهاليهم ومعلّميهم ودمّروا حياتهم بالانفلاتية و”النمردة”. ينصح الحكيم المؤمنين ألاّ “يستقلّوا” (في اليونانية ολιγώρει) لا من “استقلال” بل من”قليل” اي “لا تحسبوا التأديب شيئا قليلاً”.
دلع “الإمارة” وقيمة الحجارة!
توهّم يهود كثيرون أن اختيار الله لهم في الميثاق العتيق كان يخوّلهم بالدلع والدلال والدالّة و”الجلاطة” (كما تقول العامّة) أن يسمحوا لأنفسهم بكلّ الموبقات، بذريعة أنّ الله يفضّلهم على العالمين، مهما فعلوا ومهما شنّعوا. نبّههم الله عن طريق كليمه موسى: ما اختاركم الرب لكثرة عددكم ولا لصفاتكم وشيمكم العالية (تثنية 7: 7) بل “رحمة منه” أي من غير استحقاق منكم! وقف لهم الأنبياء بالمرصاد، وأفهموهم أنّ الله حكيم ذكيّ عادل لا يسخر منه أحد ولا حتى ابناؤه! ونقل إليهم عاموس ابن “تقوع” (جنوب بيت لحم) أنّ اصطفاء الله لهم كان سببًا وجيهًا جدًّا لمعاقبته تعالى وتهذيبه لهم القاسي: “إيّاكم فقط اخترت من كلّ عشائر الأرض، لذا سأعاقب لكم كلّ معصياتكم”(عا 3: 2). فحقَدَ معشر العبرانيين و”حردوا” على النبي عاموس ونادرًا ما سمّوا أحدًا من أطفالهم الذّكور باسمه، حتّى مطلع القرن العشرين الميلاديّ! وصرخ فيهم المعمدان: ” لا تعلّلوا النفس بقولكم: نحن أبناء (بانين) لإبراهيم: إنّ الله قادر أن يجعل من هذه الحجارة (“أبانين אבנין”) أبناء (“بانين” בנין) لإبراهيم”.
أمّا سيّدنا يسوع المسيح، فلم “يوفّرهم” وهو المعلّم الإلهيّ الذي – كما مدحه الجواسيس المتزيّون بلباس الأناس المحترمين “يقول الحقّ ويعلّم الصواب ولا يراعي الوجوه” أي لا يحابي أحدًا” (لوقا 20: 21). “والفضل ما شهدت به الأعداء”، حتّى في تملّقها وتزلّفها ومكرها. وسنرى في تفسير الإنجيل المقدس موقف يسوع القاسي وكلامه الصارم للذين “أكلوا بأنفسهم مقلبًا” واستكبروا على جنس البشر، “أنوفهم في السحاب” و”بأفواههم يلمسون السماء” (مزمور 73 (72) : 9 أ).
“يا بُنيّ، لا تتبع الأقلّيّة المسيطرة الضالّة المضلّة الطغيانيّة”
ويمكننا من باب التوسع الروحاني غير العلميّ أن نقول مع سِفر الأمثال: لا تتبعوا “الأقلّيّة المسيطرة المستبدّة”- الأوليغارخيّة – أي تلك الزمرة التي تختفي وراء الكواليس (ولعلّها ممثّلة في “مفكّرين” ملحدين وأثرياء مكّارين، في جمعيات ذات أسرار، وعائلات موسرة تبثّ السموم وتفرض الأفكار الهدّامة ،وتتحكّم بحياة البشر (ويبدو أن “بيلدربيرغ” منها – وأحسبها عبريّة الأصول) وتضغط بلا هوادة على الرأي العام ووسائل الإعلام ومناهج “التربية” الفاسدة المفسدة، بحيث أنّ الويلات تقع على مَن يخالفها وينتقدها. ويعطي الكردينال “جورج” مثلاً على سيطرة “أوليغارخية” أي أقلّيّة ضالّة ظالمة مضلّة في الغرب، وفرضها ما يسمّى “زواج المثليين” بالقوّة والتهديد ونسف كلّ من يعارضها. ولكن الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية “تستقلاّن” هذه القيادات والسلاطين والطغاة، من أهل “الطاغوت” (وتعني اللفظة في الكنعانية “الشط، الضلال”) أي تُعدّانها شيئًا قليلاً لا وزن له، أمام الوصايا العشر وقدسية الزواج بين رجُل وامرأة. ولا “تستكبران” “عظماء” البشر من الذين انتفخت قلوبهم قبل أن تنتفخ جيوبهم، “وهم لا يرضون الله ويعادون جميع الناس” ويتحكّمون بصغار القوم وقليلي الإدراك وضعيفي الإرادة ومنحلّي الأخلاق وسذّاج التفكير وقليلي العقل.
رفض العقاب نبذ للتأديب والأدب!
انتشرت بسرعة البرق مبادىء الدلع للأطفال وخصوصًا، والحق يقال، عندنا نحن المسيحيين، ولا سيّما المتأمركين والمتأوربين والمتأسترلين، المحاكين عيوب الغرب لا خصاله الحميدة. ووقفنا مع أطفالنا، بالباع والذراع، بالحق وبالباطل، وعادينا لأجلهم الكهنة والراهبات والمعلّمين والمعلّمات وأحيانًا السلطات المدنية، فابني على حق حتى عندما يخطىء. أمّا العواقب لهذه “الشوربة” فهي غنيّة عن التعليق…

حكم قاس شديد من الرسالة إلى العبرانيين: الولد الذي لا يُعاقَب هو طفل غير محبوب وغير شرعي! (عب 12: 8) قد يقولها إخوتنا المصريون بلهجتهم خفيفة الظّلّ: “ده كلام كبير قوي، يا قدس أبونا، زوّدتها حبّتين!” والجواب: “ده أنا غلبان! هذا الكلام الموجع الذي يهدّ سلاسل الجبال والحجارة ليس منّي بل من الكتاب المقدّس”. إنها الآية الثامنة التي ما وردت في قراءة اليوم لليتورجيا. وهذه هي: “إن كنتم بلا تأديب… فأنتم نغول لا بنون”، والنّغل هو الابن غير الشرعي، أي بعيدًا من القراء “ابن الحرام”. يعني الحكيم بالعربية أنّ الأب والوالد الحقيقي يهذّب ابنه ويعاقبه لكي يصبح هذا رجُلاً صالحًا لإدراكه أن الدلع يفسد الأخلاق ويهلك العائلات والمجتمع. وهكذا، يتمادى الكتاب المقدس ويقول إن إهمال رجُل لتأديب طفل قد يدلّ بشكل مباشر أو غير مباشر أنه ليس منه، وكأنّ لسان حاله يقول مع المثل العامّي الخبيث (مع التّعديل والاعتذار): ” الولد الذي ليس من صُلبك، كلما جُنّ إفرح له”! فطالما ليس ابني فتبًّا له، وكما قال أبو فراس الحمداني:
“إذا مِتّ ظمآنًا فلا نزل القطر!”
ونلحظ في العائلات طريقة الكلام عن الأولاد. إذا كانت مفخرة، قال الوالد: “ابني” أو “ابننا” – وإذا كانت مذمّة، توجّه إلى زوجته بقوله: “ابنك”. وهكذا تفعل الزوجة، ربما من أيّام آدم وحوّاء اللّذَين ما اعترف أيّ منهما بغلطه فقيل أنّ لسانهما كانت العربيّة!

تأديب الرب يسوع لمعاصريه اليهود: أنتم خارج الملكوت يا أبناءه، والوثنيون “المساخيط” في الداخل! (لوقا 13: 22-30)
لا مبالغة في هذه الطريقة لتقديم الكلمات السيّديّة. المشكلة أنّنا “تعوّدنا” على أقوال يسوع فصارت عندنا “مفروغ منها، عاديّة” كشرب كأس ماء! كانت أقواله شديدة قويّة تقطع كالسيف وتصدم كالقنبلة وتدويّ كالعاصفة. الشّعب العبريّ حتّى تحت الاحتلال الرومانيّ فخور مستكبر منفوخ ينظر إلى ال”جويم” شزرًا لأنه هو ميراث الله وهو لا غيره شعب العليّ. عنده مركّب علوّ جماعي ونظرة فوقيّة على الوثنيين الأنجاس. الله أبوه هو وسيّدهم هم، ويحقّ فقط للعبرانيين أن يدعوه “أبانا الذي في السماوات”. وأعلنها صاحب المزامير بلا مواربة ولا دبلوماسية: ” الرب يُخضع الأمم تحتنا، والشعوب تحت أقدامنا!”(مزمور47 (46): 3). وتمادى التلمود وأكّد بلا تردّد أنّ الوثنيين ما خُلقوا إلاّ ليخدموا اليهود. والوثنيون رجس وأبناء … وإناثهم نجسات منذ مولدهنّ ، ومع ذلك يحق للعبريّ أن يلهو بهنّ ولكن الويل للوثني الذي ينظر إلى يهودية…
أمام هذه العقلية الفوقيّة يقف يسوع ويؤنّب القوم الذين شعارهم “يا أرض اشتدّي، ما حدا قدّي”. ويعلن الناصري الخالد لبني الملكوت أنهم سيُلقون خارج مائدة الملك ، وذلك لكثرة دلعهم ومعاصيهم واستكبارهم واحتقارهم للبشر بعد خيانتهم لله الأب والخالق والعروس. لنتأملنّ كلمات يسوع المذهلة الصارمة القاطعة: “سيأتي كثيرون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحاق ويعقوب (يعني مع آبائكم)”! وثنيّون ومسيحيون- باختصار من غير المختونين ومن غير “الطاهرات” العبريّات! سيدخل ملكوت الله بشر ما قطع معهم تعالى عهدًا ولا اختار أيًّا منهم في الماضي شعبًا، من “النغول” وأولاد الحرام وحتّى “جباة الضرائب والزواني سيسبقونكم إلى ملكوت الله”!
يسوع لا “يستكبر” الكبار وفي نفس الوقت لا يحتقر أحدًا. يضرب بعرض الحائط المسلّمات ويتخطّى كلّ الخطوط الحمراء. يعارض المسيطرين وينتقد الذين يديرون بطغيان دفّة حياة البشر فيحددون لهم كلّ التفاصيل، والويل للذي يخالفهم! يقوى يسوع على الابتزاز والاستفزاز والضغوط النفسية ، ويتحمّل كما قال صاحب المزامير: “تعيير معيّريك وقع عليّ”! لا يضيره ولا يهمّه لا “نباح الكلاب” فليس أي من بني آدم عنده “كلب”، وقد انتقد تلاميذه وسائر العبرانيين الذين كانوا يحسبون ان الوثنيين ولا سيما الكنعانيين كلاب (عن متّى 15: 21 وتابع). لا يأبه يسوع بضغوط أهل الشر وقدحهم به: “إنه ببعل زبوب يخرج الشياطين… إنّه سامريّ وإنّ به شيطانًا… إنه شارد العقل”.
عنده كلّ هذه الاتهامات والافتراءات “قليلة القيمة” بل عديمتها. ولا كبير عنده إلاّ الطبيعة الإلهيّة التي “تسكن فيه كلّها، حلولاً جسديا” (قولسي 2: 9). فلا يخاف في حضرة هيرودس أنتيباس ولا يرتجف بين يدي بونطيوس بيلاطوس.
خاتمة
ايها الرب أنت أبونا نحن أيضًا، خلّصنا من الدلال المفسد ومن الهلع أمام “العظماء” ومن اتّباع الذين يعيثون في الأرض فسادًا ، ونحن نعمل لهم ألف حساب وقد قطّع الخوف رُكَبَنا! أعطنا شيئًا من إقدامك فنقول بملء أفواهنا “لا” للشّرّ ولمروّجيه، ونقول “لا” لأبنائنا وبناتنا وطلاّبنا وطالباتنا عندما يعصون! وإذ لا نريد لهم “العصا”، نطلب لهم ولنا النزاهة والشجاعة وتقبّل التأديب، فنقدر أن نشارك في “مأدبة الحكمة” ونجلس ونتّكىء “في الملكوت”!