مأدبة “الهيّة” واستهانة “بشريّة “
الأب بيتر مدروس
أشعياء 25: 6-10؛ متّى 22: 1-14
لنا نحن المسيحيين المأدبة الأكثر سموّاً وواقعيّة من مأدبة أفلاطون حدثت في عليّة صهيون (متّى 26 : وتابع 26) في نطاق (المزمور 104 [ 103) 14-15) والذي يتجاوز علانيّة وجوهريّا الفصح العبري ليعلن سرّ القربان الأقدس تحت شكليّ الخبز الذي يُعَدّ ” قوت الانسان وسنده ” والخمر ” بهجة قلب الانسان”. وكما ورد في يوحنا 6، هو “حقّا جسد المسيح للحياة الأبديّة” الذي يجعلنا نتواصل معاً في محبّة وشركة أخويّة إحياء لذكرى موت السيّد المسيح الذي افتدانا ، حتّى مجيئه الثاني في نهاية العالم.
في متّى 22: 1-12 عادَ يَسوعُ إلى مُخاطبة الجموع بالأمثال، قال: ” يُشبه ملكوتُ السَّماوات مَلِكاً أقام وليمة في عُرس ابنه. فأرسل خدَمَه يستدعي المدعوّين إلى الوليمة ، فرفضوا أنْ يجيئوا”.
أمّا نحن ففي علاقتنا مع الله نرفضه مراراً وتكراراً ونتجاهل دعوته لنا كما نتغاضى عن حضوره ولا نحترم وصاياه أو نتناساها.
وهنالك حادثة تستدعي التعجّب والاستغراب في المَثَل المذكور أعلاه وهو إرسال الملك للخدم الى مفارق الطرق ليجمعوا عنوة كلّ الّذين وجدوا من أشرار وصالحين وإحضارهم الى وليمة العرس بسرعة مع عدم إعطائهم المجال لتغيير ثيابهم كي يلبسوا حُلّة العرس. وحينما يدخل الملك ليرى المدعوّين يجد رجلاً لا يلبس حلّة العرس! وهذا غريب إذ من المتوقّع أنّ معظم المدعوّين الذين أُحضِروا من الشوارع أو من أشغالهم لم يكونوا لابسين ثيابًا رسميّة.
من جهة أخرى، لدى قراءة النصّ بتمهّل، نلاحظ وجود مَثَلين في انجيل القدّيس متّى. المَثَل الأوّل يذكر ضيوفاً رفضوا الدعوة. لذا أرسل الملك خدماً من حاشيته كي يُحضروا أناساً بدلاً من أولئك الضيوف غير الجديرين بدعوة أخرى في مناسبات أخرى مستقبليّة.
العبرة من هذه الجزئيّة في المَثَل هي أنّه علينا أن نكون مستعدّين دائماً بالتوبة والنعمة للمشاركة في عشاء الرب أو للمثول أمامه تعالى.
أمّا المَثَل الثاني الذي يرد مباشرة بعد الاوّل، ولا يبدو أيّ تقسيم في النصّ، فمفاده أنّ الملك ( لربّما ملك آخر غير المذكور في المَثَل الأوّل!) يدعو أناساً الى وليمة. وتشاء الصُّدَف أن يكون بين المدعوّين انسان مُتهاون حضر العرس بثياب لا تليق بالمقام والمناسبة السعيدة. لذا يُعاقبه الملك ويأمر الخدم بأن يُطرَح خارجاً .
ويحلو للمرء أن يستشهد هنا بنشيد مؤثّر من الليتورجيّة البيزنطيّة الشقيقة في شأن حلّة العرس: ” إنّني أشاهد خدركَ مزيّناً يا مخلّصي وليس لي ثوب للدخول اليه. فأبهِج حلّة نفسي يا مانح النور وخلّصني “.
ما أحوجنا الى فهم آيات الانجيل الطاهر وهذا الشرح القصير في الموقع الالكتروني وعظة الكاهن يوم الأحد- لا يكفيان. حبّذا لو تأخذ الجماعات الراعويّة على عاتقها تنظيم ندوات وحلقات دراسيّة وسهرات انجيليّة على الأقلّ أسبوعيّة كي يتمّ تفسير آيات الكتاب المقدّس بالتفصيل وخوض المواضيع الكثيرة المتعلّقة بكلمة الله المكتوبة والتداول في التحديات التي تعترض إيماننا .
أمّا حياتنا الروحانيّة فينبغي أن نرعاها ونغذّيها بالمأدبة الملكيّة الالهيّة وباستمرار. هذه المأدبة أي سرّ القربان الأقدس وضعه المسيح كي يبقى معنا ويقدّس نفوسنا. وكي يزيّن قلوبنا بثوب نعمته التي تملأ قلوبنا بالفرح والبهجة!