مُرَبٍّ وحارسٌ أمين

آباء الكنيسة

القديس يوسف
تحتفل به الكنيسة اليوم في 19 آذار من كُلِّ سنَة

من مواعظ القديس برناردوس الكاهن من مدينة سيينا
(الموعظة الثانية عن القديس يوسف: المؤلفات، الجزء 7، 16و 27- 30)

مُرَبٍّ وحارسٌ أمين

هذه هي سُنَّةُ اللهِ في توزيعِ نعمِه لكلِّ خليقةٍ ناطقة: عندما يختارُ الله إنسانًا ما لنعمةٍ خاصَّة، أعني (إذا شاءَ أن يجعلَه) في مقامٍ رفيعٍ، فإنَّه يمنحُ هذا الشخصَ المختارَ كلَّ المواهبِ اللازمة، لكي يقومَ بمهمَّتِه، ويمنحُه إيّاها بغزارة.
وهذا ما تحقَّقَ على أكملِ وجه، في القديس يوسف أبي سيِّدِنا يسوعَ المسيحِ بالتبني والعريسِ الحقيقي لملِكةِ العالم وسيدةِ الملائكة. هو الذي ٱختارَه اللهُ الآبُ الأزليُّ مربِّيًا أمينًا وحارسًا لأثمنِ كنوزِه، أعني ٱبنَهُ وكلمتَه. وقد قامَ بهذه المهمَّةِ بأمانةٍ ليس بعدَها أمانة. لهذا قالَ اللهُ له فيما بعد: “أَيُّها الخادمُ الصالحُ الأمينُ، أُدخُلْ نعيمَ سيِّدِك” (متى 25: 21).
إذا وضعْتَ القديسَ يوسف أمامَ كنيسةِ المسيحِ كلِّها، وجَدْتَ أنَّ هذا هو الرجلُ المُختارُ والمميَّزُ، الَّذي به وتحتَ حراستِه، أُدخِلَ المسيحُ إلى العالمِ بالصورةِ القويمةِ كما رتَّبَها الله. إِنْ كانَتْ الكنيسةُ مَدِينةً للبتولِ الوالدة، لأنّ الكنيسةَ وُجِدَتْ أهلاً لأن تستقبلَ المسيحَ بوساطتِها، فمِن بعدِها له يحِقُّ الشكرُ والتكريمُ الخاصّ.
هو خاتمةُ العهدِ القديم. وفيه تحقَّقَتِ المواعدُ المبرَمةُ مع الآباءِ والأنبياءِ المكرَّمين. هو وحدَه ٱستطاعَ أن ينالَ في الجسدِ ما وعدَهم به كَرَمُ اللهِ وجلالُه.
كانَ يسوعُ في حياتِه البشريَّةِ ٱبنًا بارًّا يَكِنُّ لوالدِهِ بالتبنِّيِ المودَّةَ والتكريمَ والتقديرَ العظيم. ولا مجالَ للشكِّ في أنَّه لم يتوقَّفْ عن ذلك في السَّماء، بل ٱزدادَ بِرًّا بِهِ وبلغَ به أقصى مراتِبِ الكمال.
ولهذا ليسَ من غيِر سببٍ يقولُ له الرَّبّ: “أُدخُلْ نعيمَ سيِّدِك”. ففَرَحُ السعادةِ الأبديَّةِ يملأُ طبعًا قلبَ الإنسان. ومع ذلك، أرادَ اللهُ أن يقولَ له: “أُدخُلْ نعيمَ سيِّدِكَ”، ليدُلَّ بصورةٍ سِرِّيَّةٍ أنَّ هذا النعيمَ ليس فقط في داخلِه، بل هو محيطٌ به، ومُهَيْمِنٌ عليه وغامرٌ له مثلَ الغمرِ العميقِ.
أُذكُرْنا، أَيُّها القديس يوسف، وتضَرَّعْ من أجلِنا بشفاعتِكَ القديرة، لدى ٱبنِكَ بالتَّبنِّي. وٱجعلْ أيضًا عروسَكَ مريمَ تتحنَّنْ علينا، فهي أمُّهُ، هو الحيُّ المالكُ مع الآبِ والرُّوحِ القُدُسِ، إلى أبدِ الدُّهور. آمين.

عن القديس يوسف القدّيس كلود دو لا كولومبيار (1641 – 1682)، راهب يسوعيّ
المديح الأوّل للقدّيس يوسف
«يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ»
لا نعرف إلا القليل القليل عن حياة القدّيس يوسف. فالإنجيل لا يروي إلا ثلاثة أو أربعة من أفعاله؛ وقد لاحظ مؤلّفٌ قديمٌ أننا لا نجد فيه كلمة واحدة له. لرُبّما…أراد الرُّوح القدس من خلال ذلك التوكيد لنا على صمت القدّيس يوسف وتواضعه، وحبّه للوحدة والحياة الخفيّة. مهما كان من أمر، لنا في ذلك خسارة كبيرة. ولو سمح الرّب أن ندرك تفصيل حياة هذا القدّيس العظيم، لوجدنا من دون شك أمثلة جميلة، وقواعد جميلة، خاصة للذين يعيشون في حالة الزواج…

إنّ حياة القدّيس يوسف كلّها يمكن أن تُقسم إلى جزأين: الأوّل هو الذي سبق زواجه؛ والثاني هو الذي تَبِعَه. لا نعرف شيئا مطلقا عن الأوّل ولا نعرف إلا أشياء قليلة عن الثاني. ومع ذلك أُأَكِّد أن الواحد والآخر كانا في غاية القداسة: الأوّل بما أنّه تُوِّج بزواج مُفيد إلى حد بعيد؛ والثاني كان أكثر قداسة بما أنّه جرى برمّته ضمن هذا الزواج…

يا للفائدة التي اكتسبها القدّيس يوسف على مدى سنوات وسنوات من أحاديث تناولها مع العذراء القدّيسة على وجه شبه مستمر!… لا أشك البتّة بأنّ حتى صمت مريم كان مُنوِّرًا للغاية والنّظر إليها كاف للشعور بالميل إلى حب الله واحتقار كلّ شيء آخر. ولكن يا لأحاديثِ نفسٍ أقام الرُّوح القدس فيها، وسكب الله ملء النِّعم فيها، وقد نبضت بالحب أكثر من السيرافيم كافة! يا للنار التي كانت تخرج من هذا الفمّ عندما كان يفتح لينطق بمشاعر قلبها! يا للبرودة ويا للجليد اللّذين لا بدّ أن بدّدتهما هذه النار! يا للأثر الذي أحدثته بيوسف هو من كان يحوي على كمّ من الاستعداد إلى الالتهاب!… هذه النار الهائلة القادرة على إضرام الأرض كلّها لم يكن لديها إلاّ قلب يوسف لتُحمّيه وتلتهمه خلال عدد كبير كهذا من السنين… إنِ اعتقَدَت أن قلب القدّيس يوسف جزء من قلبها، فيا لِحرصها، الذي لا بدّ منه، على إلهابه بحبّ الله!

القديس يوسف أب الكنيسة لاون الثالث عشر، بابا روما من 1878 حتّى 1903
الرّسالة العامّة Quanquam pluries، الخاصّة بتكريم القدّيس يوسف، بتاريخ 15/ 08/ 1898
«يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِٱمرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. إِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس»
إنّ الأسباب والدوافع الخاصّة التي جعلت القدّيس يوسف أن يكون، على وجه التحديد، شفيعًا للكنيسة، والتي في المقابل تجعل الكنيسة تتأمّل كثيرًا من حمايته وشفاعته، هي أنّ يوسف كان خطّيب مريم وكان له سمعة طيّبة ليكون أبًا للرّب يسوع المسيح. من هنا نَتَجَت كرامته، فضله، قداسته، ومجده. طبعًا، إنّ كرامة أمّ الله هي عالية لدرجة أنّ لا شيء يمكن أن ينشأ فوقها. ولكن بما أنّ يوسف كان متّحدًا بالعذراء المباركة بواسطة الرباط الزوجيّ، فلا شكّ في أنّه كان الأكثر قُربًا من الكرامة الفائقة التي بها تتفوّق أمّ الله وبشكلٍ كبير على كلّ طبيعة مخلوقة. والزواج هو في الواقع العلاقة الشخصيّة والاتحاد الأكثر حميميّة، الذي يستتبع بطبيعته مجموعة الحسنات بين الزوجين. لذلك، من خلال إعطاء يوسف كزوج لمريم العذراء، أعطاه الله ليس فقط كرفيق لحياتها، وكشاهد على عذريّتها، ووصيّ على شرفها، ولكن أيضًا، بموجب ٱتّفاق الزواج، كشريك في كرامتها السامية.
بالمِثل، يلمع يوسف من بين الجميع بأكبر قدر من الكرامة لأنّه كان، بواسطة الإرادة الإلهيّة، الوصيّ على ٱبن الله، الذي ٱعتَبَره الناس بمثابة والدٍ له. ونتج عن ذلك أنّ كلمة الله كان خاضعًا بتواضع ليوسف، وأنّه كان طائعًا له، وأنّه قدّم له كلّ الواجبات التي كان الأولاد مُلزَمين بتقديمها لوالديهم. من هذه الكرامة المزدوجة نتجت الأعباء التي تفرضها الطبيعة على آباء الأُسرة من تلقاء نفسها، حتّى أنّ يوسف كان الحارس، المدبّر، والمدافع الشرعيّ والطبيعيّ للبيت الإلهيّ الذي كان هو رأسه… والحال أنّ البيت الإلهيّ الذي كان يوسف يحكمه، كما بسلطة الأب، كان يحوي أوّل ثمار الكنيسة الوليدة… هذه هي الأسباب التي من أجلها يرمق أب الكنيسة المبارك هذا بنظرة عناية إلى جماعة المسيحيين كما لو كان مُسنَدًا إليه بوجهٍ خاصّ العناية بهم، هم الّذين يشكّلون الكنيسة.