هموم الرّسل قبل العنصرة وبعدها

الأب بيتر مدروس

“بعد أن شبع الجموع ، أجبر يسوع التلاميذ من وقته أن يركبوا السّفينة” (متّى 14 : 22). والسبب أنهم أي الرسل والتلاميذ قاموا بحركة “شعبيّة” لتنصيب يسوع ملكا . ولم يخلُ حماسهم هذا من مصلحة لطموحهم في مناصب وزاريّة في حكومته! وفي زمن سابق أو لاحق ، كانوا يتخاصمون متسائلين عمّن الأعظم بينهم! وتفوّق ابنا زبدى برغبتهما في “الزعامة” أو “الوجاهة” و”الصدارة” وتوسّلا بوالدتهما كي تطلب لهما أن يجلس أحدهما عن يمين المسيح الملك والآخر عن يساره.

هذه كانت بعض مطامع الرسل والتلاميذ ، وقد رأوا أنّ “اللقمة وصلت إلى الفم” وهم “على قاب قوسين” من تحقيق أماني المعالي! وحتّى بعد البعث السيّديّ المجيد وقبل الصعود الرباني السعيد، ما تردّدوا أن يسألوا المسيح :”أفي هذا الزمان تردّ المُلك” إلى شعب العهد القديم! (عن أعمال 1 : 5 وتابع) إذ كانوا كلّهم “مجتمعين” ومُجمِعين على هذا السؤال الدنيويّ “الثيوقراطيّ” المتلخّص في الفكرة التالية : من واجبنا أن نسيطر على الآخرين، وهذا من حقّنا بما أنّنا أهل العهد والوعد وشعب الله المختار!

أمّا شاول الطرسوسي الفرّيسيّ فكانت تساوره أفكار “الغيرة” على “مجد الله” وبلغت به الحماسة أن سعى إلى قتل “الكفّار المُشرِكين” أتباع يسوع الناصريّ. وفعلاً ، تفوّق شاول على أترابه في “حماسه لتقاليد آبائه” (عن غلاطية 1 : 13). وكانت حياة “المينيم” اي المنشقّين الزنادقة – وقَصَد “الناصريين”- رخيصة كان يودّ أن يبذلها من غير حسرة على مذبح المجد الالهي!

وبما أنّ الأسباب ذاتها تعطي النتائج نفسها ، فها إننا نرى في العالمين العبري والعربيّ المعاصرين نفس الأفكار والأعمال الهادفة إلى اقتلاع المسيحيين وقتلهم أو تهجيرهم وسلبهم ما تبقّى لهم وهتك أعراضهم في الموصل والرّقّة وبقاع أخرى من المشرق والعالم. الّذريعة : الغيرة على “التوحيد” وكأننا رجعنا إلى ايام يشوع بن نون حيث توهم قوم موسى أن الله يريد منهم استئصال الوثنيين متعددي الآلهة – ويتوهم خلق كثير أنّ ثالوثنا الأقدس ثلاثة آلهة فيحكمون علينا بال”حيرم” חרם أي الإبسال والإعدام والسلب والنهب. ويضعون على بيوتنا في العراق حرف النون وكأنّ يشوع بن نون عاد ليقتل – حسب تصوّر شعب العبرانيين قديمًا – باسم الرب وعبادة لجلاله. حرف النون مشترك بين إرهابيي “داعش” وشاؤول الطرسوسيّ : ن من “نوتسريم נוצרים ، “ن” من “نصارى”.

الانقلاب الذي قام به الناصريّ الخالد الحيّ
وذات يوم – على طريق دمشق – يظهر الرب يسوع القائم من بين الأموات لفرّيسيّ قيليقية الغيور. ويا ليت نور المسيح يسطع اليوم بقوّة في سماء دمشق وبغداد والموصل والرّقّة وسواها – ليُزيل كل ديجور وظلمة وظلم! ويا ليت أعمار البشر تعود غالية لا رخيصة ، فتسقط كلّ الذرائع من “غيرة على الدّين” أو “الحفاظ على الأمن” أو “الدفاع عن النفس” التي يرفع لواءها جيش العبرانيين الذي قام بمجازر في غزّة والقطاع، وما إلى ذلك من “حُجج” يخترعها عقل بشريّ لا قلب له ولا ضمير لتدمير الآخر وذبحه على مذبح ” الحقّ والواجب”!

حزن بولس الرسول على قومه العبرانيين (رومية 9 : 1 – 5 )
تملأ فؤاد رسول الأمم الحسرة – وأحسب هذه اللفظة قبطيّة الأصل- على “إخوته ، بني قومه” من اليهود! ويحقّ له – بعد السيّد والمعلّم- أن يبكي هذا الشعب الذي يصرّ حتى أيّامنا على التنكّر للمسيح يسوع، في حين يعترف بابن مريم مسيحاً كلّ من العالَمين المسيحي والاسلامي، أي أكثر من نصف سكّان الارض. وتعود اللازمة الكئيبة التي استهلّ بها يوحنا الحبيب – ابن زبدى النيراني الذي حوّلته نار العنصرة إنساناً روحانيّاً يحلّق كالنّسر – “أتى (الكلمة) إلى خاصّته ، وخاصّته لم تقبله”.

قَبِلَ نفر قليل من العبرانييّن يسوع الناصري ملكاً ومشيحاً ومخلّصاً وربّا. ويتعاطف معه آخرون (“يهود لأجل يسوع”) وإن كانوا لا يودّون كنيسته. ولكن يبقى الكثير لكي “يخلص جميع اسرائيل” (عن رومة 11 : 26 وتابع).

ومن دوافع الحزن على حكومة العبرانيين أنّها صاحبة أطماع توسّعيّة لا حدود لها. ترفض أن “تعطي” أقلّ من عشرين بالمئة شعباً آخر تشرّد أكثر من خمسة وسبعين بالمئة من أبنائه، وترفض له حقّ العودة إلى أرض أجداده . ومؤخّرًا قامت بمذابح يندى لها الجبين وهي تتمّم إبادة لقسم من الشعب الفلسطيني في غزّة والقطاع. ولا تعترف بأي شيء من هذا ، وتؤيّدها “رئاسات وسلاطين” شيطانية باعت ضميرها للمال والنفوذ، وخشيت أن تنصر أهل القتلى والمنكوبين الآخرين، وهي تتوجس خيفة أن يتّهمها العبرانيون باللاساميّة، وهي “شمّاعة” قديمة واسطوانة مشروخة طالما استغلّها اليهود – إلاّ أصحاب الضمائر الحيّة – منذ ثمانية عقود ، لتبرّر اعتداءاتهم وتغطّي جرائمهم.
المسيح من نسل يهوذا ومن نسل داود حسب الجسد “وهو فوق كلّ شيء إله مُبارَك (أي ممجَّد) أبد الدهور” (رومية 9 : 5). هنا يجد المرء الطبيعتين في المسيح الانسانية والالهية. ومع الأسف سمحت فئات منشقّة أمريكيّة تتبرّأ منها المسيحيّة – سمحت لنفسها في ترجمتها “العالم الجديد” وسواها أن تنقل الآية بشكل مغلوط : “والله ، فوق الجميع ، ليكن مباركا”. ولكن لا سبيل لمثل هذا التحوير بما أنّ النصّ اليوناني واضح :”إله مبارك” (Θεος ευλογητος) في حين أنّ النقل “ليكن الله مباركا” يفرض أن يُخالف ترتيب الكلمات “مبارك الله” Ευλογητος Θεος. ولا صلة منطقيّة – في حالة هذه الترجمة المغلوطة – لهذه الجملة مع ما سبق ، في حين أنّ المنطق يقضي بالكلام عن يسوع “من حيث الجسد وهو فوق الكلّ إله مبارك”.
ومن ناحية اللغة والفكر العربيين نفضّل أن نقول أن الله “ممجَّد” فهي أمثل من “مُبارَك” لأنّ الخالق يبارك الخليقة ولا “تبارك” الخليقة خالقها. ويبدو أن استخدام اسم الله أو الرب كمفعول به لفعل “بارك” مثلا “باركوا الرب” من تسرّب العبرية واليونانية القديمتين إلى المفردات العربية المسيحية. فهل فات الأوان لتصحيح هذا الخطأ الشائع الذي يحسبه بعضهم أفضل من “الصواب المهجور”؟

يبكينا المسيح والرسل بكاءهم على المدينة المقدّسة وشعب العهد القديم
يحقّ للرب يسوع وللرسل أن يبكونا إذا كنّا دنيويين أنانيين، لا نفكّر إلاّ في أنفسنا، ونتذرّع بالايمان والدّين للسيطرة والاستبداد والقتل. ومن دواعي الفرح “في السماء” والأرض عندما “نتوب” أي “نعود” من ثيوقراطيّتنا المتسلّطة المستبدّة الجائرة الأنانيّة إلى محبّة شاملة وعدالة كاملة ، وقد صرنا في عداد “الفقراء بالروح” و”الودعاء” و”الساعين الى السلام”!