هوية المسيحيين: ملح الأرض ونور العالم (متى 5: 13-16)

الأب لويس حزبون

يعرّف سيدنا يسوع المسيحيين أنهم ملح الأرض ونور العالم (متى 5: 13-16). وليس هناك أجمل من هذا التحديد لهوية المسيحيين ورسالتهم في العالم. فهم “للجنس البشرية كله نواة وحدة ورجاء وخلاص بالغ الفعالية” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية رقم 782). ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 5: 13-16)

13 ((أَنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس.

تشير عبارة “أنتم ملح الأرض” الى تلاميذ المسيح بان يكون لهم مفعول الملح في الأرض كما يكون للملح مفعوله في الأطعمة حيث انهم يطيّبون عالم الناس ويحفظونهم من الفساد من خلال عهدهم الابدي مع الله، ذلك ان الملح يزيد من الاطعمة شهيّة (أيوب 6: 6) ويحفظ الاطعمة (باروك 6/27). ويُستعمل في التعاقد للدلالة على ثبوت قيمتها، أذ يذكر الكتاب المقدس عهد الملح (عدد 18: 19) بمعنى الميثاق الابدي (2 اخبار 13: 5). ويقصد يسوع هنا أن المسيحي الحقيقي هو الذي يعطى لحياة البشر مذاقه. فبالرغم من أن كميته تكون قليلة إلا أنه يملح طعامًا كثيرًا. يستطيع المسيحي بقدوته الصالحة أن يؤثر في حياة الكثيرين ويجتذبهم إلى الحياة مع الله، كما أنه يمنع الفساد الروحي عن كثير من البشر. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “أنتم ملح الأرض” يعني أن الطبيعة البشريّة كلها قد فقدت نكهتها، وأنكم قد فسدتم بسبب خطاياكم، لذلك يطلب يسوع منكم فضائل نافعة وبالغة الضرورة للعناية بالجميع”؛ اما عبارة “فإِذا فَسَدَ المِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ فتشير الى ملح العهد”، بمعنى أن التعاقد مع الرب يصبح ملغياً في حال فسخه. وبحسب تفسير متى الإنجيلي، ينبغي أن يكون المؤمن هو “ملح الأرض ” (متى 5: 13)، أي أنه ينبغي أن يحفظ عالم البشر ويعطيه طعماً خلال عهده مع الله، وإلا فإن المؤمن يصبح عديم الجدوى، ويستحق أن يُطرح خارج الدار (لوقا 14: 35) على غرار المدعو وليس عليه حلة العرس (متى 22: 12) وعلى غرار العبد الذي دَفن وزنة سيده (متى 25: 30). ويشير الملح أيضا الى إنذار للمسيحيين: يجب عليهم ألا يفسدوا، اي ان لا يبتعدوا عن الحكمة والنقاوة الادبية بل ان يكونوا مخلصين لأنفسهم ولله وللإنجيل. وإذا لم يبذلوا جهدهم للتأثير في العالم ايجابيا فما هي فائدتهم لله! فلا قيمة لهم، ويُعلق القديس هيلاريون ” من فقد طعم الملح يُصبح بلا نفع لغيره ولنفسه” فالناس إذا فسدوا فيمكنهم ان يصطلحوا بالمسيحيين. لكن إذا عرَّض المسيحيون أنفسهم للفساد فإنهم يهلكون ويُهلكون معكم آخرين. وفي هذا ا الصدد قال يسوع ” كُلُّ شَجَرةٍ طَيِّبَةٍ تُثمرُ ثِماراً طَيِّبَة، والشَّجَرَةُ الخَبيثَةُ تُثمِرُ ثِماراً خَبيثة” (متّى 7: 17). فكيف يستطيع المسيحي ان يقول للناس لا تكذبوا، وهو يكذب! ويقول للناس لا تسرقوا، وهو يسرق! ويقول للناس عيشوا بالقداسة، وهو يدنّس والمقدسات! ويعلق بول كلوديل الأديب والشاعر الفرنسي “الانجيل هو الملح. إلا ان بعض المسيحيين قد حوّلوه الى سُكْرٍ إن لم يعملوا بما يعلمون”، وعندئذ نكون سبب تجديف على اسم الرب كما يقول بولس الرسول “يُجَدَّفُ بِاسمِ اللهِ بَينَ الوَثَنِيِّينَ وأَنتُمُ السَّبَب “(رومة 2: 24)، ويضيف القديس يوحنا الذهبي الفم “سيحاسب المسيحي لا من أجل حياته فحسب، بل من أجل العالم كله”؛ اما عبارة “فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟” فتشير الى ان الملح يفقد خاصياته الكيمائية بعد بضع سنوات فيُطرح. لأنه يصبح بلا ملوحة كما جاء في انجيل مرقس “المِلْحُ شَيءٌ جَيِّد، فإِذا صارَ المِلحُ بلا مُلوحَة، فَبِأَيِّ شَيءٍ تُمَلِّحونَه؟ (متى 9: 50). ويُعلق القديس ايرونيموس “إن سقط الآخرون ربّما يستطيعون أن ينالوا العفو، ولكن إن سقط المعلّم، فإنه بلا عذر، ويسقط تحت انتقام غاية في القسوة”. واخيرا يرمز الملح الى الزهد في النفس، وهو صفة لا يكون التلميذ بدونها اصيلا. لهذا يُفرض على الانسان التجرّد، ويُطلب منه ان يتبدّل كما يتبدّل الطعام حين يُوضع فيه الملح؛ اما عبارة ” إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك ” فتشير الى ان الملح لا يعود ملحا إذا فقدَ ملوحته؛ وكذا نقول عن المسيحي إن لم يشع المسيح وإنجيله فقد قيمته وهويته.

14 ((أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل،
تشير عبارة “أَنتُم نورُ العالَم” الى المسيحيين الذين يعكسوا نور المسيح؛ ويسوع نفسه هو نور من نور” الذي أشرق في قلوبهم. انه “نور العالم” (يوحنا 8: 12). فعلى المسيحيين ان يروا “النور” المؤدي الى الحياة الحقيقية لدى الآب السماوي في شخص المسيح الذي دخل بالصليب في مجد الآب؛ اما عبارة “العالم” في النص اليوناني κόσμος, ومعناها الكون فتشير الى جملة الموجودات التي لها مكان وزمان. ويُعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم “لا أرسلكم إلى مدينتين أو عشرة مدن أو عشرين مدينة، ولا إلى أمة واحدة كما أرسلت الأنبياء، إنّما أرسلكم إلى البرّ والبحر والعالم كله، الذي صار في حالة شرّيرة”؛ اما عبارة ” لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل ” فتشير الى أن المضايقات لا يمكن أن تخفي الحق أو تُبطل خدمة البشارة وعمل الله. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “أظن أنه لا يمكن لمدينة كهذه أن تُخفي، هكذا يستحيل أن ينتهي ما يكرزون به إلى السكون والاختفاء”.
أما عبارة ” مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل،” فتشير الى أورشليم، فهي مبنية على جبل صهيون (رؤية 21: 10)، وأورشليم هي رمز للكنيسة وللنفس البشرية المؤسسة على صخر الدهور، ولذلك تسمى الكنيسة منارة (رؤية 1، 2، 33).

15ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت.

تشير عبارة ” سراج ” الى وعاء كان يُصنع من فخار او نحاس ويضع فيه سائل قابل للاشتعال كالزيت او النفط او القطران، ثم يوضع فيه فتيل يشعلونه ليُضيء في الظلام. وهكذا المسيحيون يوقدون بزيت النعمة ويحترقون أي يقدموا أجسادهم ذبائح حية كما ورد في توصيات بولس الرسول ” إِنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله. فهذِه هي عِبادَتُكمُ الرّوحِيَّة” (رومة 12: 1) والروح القدس يُشعلهم ويجعلهم نوراً يعكس نور المسيح الذي فيهم؛ والسراج يرمز أيضا الى الهداية كما يترنم صاحب المزامير “كَلِمَتُكَ مِصْباح لِقَدَمي ونورٌ لِسَبيلي” (مزمور 119: 104)، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان السيد المسيح ” أنا الذي اوقد النور، أما استمرار إيقاده فيتحقق خلال جهادكم أنتم. وبالتأكيد لا تقدر المصائب ان تعطل بهاءَكم إن كنتم لا تزالون تسلكون حياة تليق بنعمته، فتكونون سبباً لتغيير العالم كله”؛ أمِّا عبارة “المِكيال” فتشير الى وعاء ذو سعة معيَّنة من حديد أو خشب يُستعمل لكيل السَّوائل والموادّ الجافّة، ويرمز المكيال الى الحسابات البشرية المادية التي كثيراً ما تقف عائقاً أمام الإيمان (يوحنا 6: 5 – 7) لذلك حينما أرسل السيد تلاميذه للكرازة سحب منهم كل الإمكانيات المادية” لا تَقتَنوا نُقوداً مِن ذَهَبٍ ولا مِن فِضَّةٍ ولا مِن نُحاسٍ في زَنانيرِكم” (متى 10: 9) لكي ينزع عنهم كل تفكير مادي، تاركًا كل الحسابات في يديّ الرب نفسه، فيكون هو غناهم وطعامهم وشربهم وملبسهم وحمايتّهم! والمكيال يشير أيضا الى الخطيئة التي تحجب النور الروحي تحت وعاء بحيث يغلِّف الانسان روحه بملذات العالم، فيحبس الروح، فيتحوّل الجسد الى عائق للروح؛ اما عبارة” المنارة” فتشير الى الكنيسة؛ اِّمَّا عبارة “فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت” فتشير الى ان المسيحيين إذا عاشوا للمسيح وأظهروا للآخرين من هو المسيح بشهادة سيرتهم الصالحة، فإن حياتهم نور يُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في الكنيسة وفي العالم؛ اما عبارة ” البَيْت ” فتشير الى بيت الفقراء الذي يتألف من غرفة واحدة كما هو الحال في بلاد الشرق، ويرى القديس أوغسطينوس ان البيت هنا يعني مسكن البشر اي العالم ولكنه يشير أيضا الى الكنيسة. ويُعلق يوحنا الذهبي الفم ” أظن انه لا يمكن لسراج على المنارة ان يُخفى، هكذا يستحيل ان ينتهي ما يكرزون به الى السكون والاختفاء”. يركّز يسوع في هذه الآية على قدرة النور وحدّته. لا يستطيع أحد إخفاءه او مقاومة إشعاعه. نور المسيحيين ينير على الجميع كما ينير السراج على كل الجالسين في البيت.

16هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات.

تشير عبارة “فَلْيُضِئْ نُورُكُم” الى نور الروح القدس الساكن في المسيحيين (رومة 8: 11)؛ أمَّا عبارة “لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة ” فلا تشير إلى أفكار وتعاليم بل إلى أعمال التطويبات وهي العيش بروح الفقر بالاعتماد على عون الله، وعيش الرحمة والوداعة والعدالة بين الناس وطهارة القلب واستقامة الحياة الشخصية. ولذا يحث القديس بطرس المسيحيين “أَن يَتَجَنَّبوا شَهَواتِ الجَسَد، ويسِيروا سِيرةً حَسَنةً في العالم، حتَّى إِذا افتَرَوا علَيكم أَنَّكم فاعِلو شَرّ شاهَدوا أَعمالَكمُ الصَّالِحَة فمَجَّدوا اللّهَ يَومَ الافتِقاد”؛ امَّا عبارة “فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات” فتشير الى ان المسيحيين يجب ان لا يعملوا الاعمال الصالحة لمجد أنفسهم، بل لمجد الله كي يسبحوه ويحمدوه تعالى. ويُعلق القديس أوغسطينوس” لم يقل ” لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة ” فقط، بل أضاف ” فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات “، لأن الإنسان يُرضي الآخرين بأعماله الصالحة، لا لأجل إرضائهم في ذاته، بل لتمجيد الله. فيرضي البشر ليتمجّد الله في عمله، لأنه يليق بالذين يعجبون بالأعمال الصالحة أن يمجّدوا الله لا الإنسان، وذلك كما أظهر ربّنا عند شفاء المفلوج، إذ يقول معلّمنا متى: “تعجّبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا مثل هذا” (متى 9: 8).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 13-16)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 5: 13-16)، نستنتج انه يتمحور حول هوية المسيحيين أنهم ملح الأرض ونور العالم. وحين يدعو يسوع المسيحيين الملح والنور، يدل على دورهم الضروري في المجتمع، شرط ان يظلوا ملحاً حقيقياً لم يفقد طعمه، ونوراً على المنارة يُضيء للناس في الظلام.

1) أَنتُم مِلحُ الأَرض (متى 5: 13)
الانسان لا يقدر ان يستغني عن الملح؛ فهو يُستعمله لحفظ الطعام ولإعطائه نكهة، وقد استخدم الله الملح في الكتاب المقدس بصورة متعددة مما يُبيِّن هوية المسيحيين ودورهم كملح الأرض. الملح هو من أكثر المواد الغذائية ضرورةً للإنسان كما جاء في تعليمات سفر يشوع بن سيراخ “رَأسُ ما تَحْتاجُ إِلَيه حَياةُ الإِنْسان الماءُ والنَّارُ والحَديدُ والمِلْح “(سيراخ 39: 26)، كذلك العالم بحاجة الى المسيحيين وذلك للأمور التالي:
(ا) كما ان “الملح عهد الله “(أحبار 2: 13) وبحسب طقوس الأضاحي القديمة ينبغي أن تكون كل التقدمات مملّحة لتثبيت العهد ” (الاحبار 2: 13)، كذلك المسيحيون يذكّرون عهد الله مع شعبه لتثبيته والمحافظة على الأمانة تجاهه سبحانه تعالى.
(ب) كما ان الملح يُوضع على المحرقة المقرَّبة لله كما ورد في سفر حزقيال “قَرَبْهُما أَمامَ الرَّبّ، ولْيُلقِ الكَهَنَةُ علَيهما مِلْحًا وُيصعِدوهما مُحرَقَةً لِلرَّبّ” (حزقيال 43: 24)، وذلك لإعطاء مذاق وطعم “لخبز الإله” (الاحبار 21: 6)، لان الملح يعطي الأطعمة نكهة وطعماً (أيوب 6: 6)، كذلك على المسيحيين ان يؤثروا في الشعب بمحبة الله ورسالته (متى 5: 13).
(ج) كما ان للملح خاصية حفظ الطعام من الفساد (باروك 6: 27) ويشير الى دوام تعاقد في “عهد الملح ” (عدد 18: 19) ميثاق دائم، كالذي تمَّ بين الله وداود النبي (2 أيام 13: 5)، كذلك على المسيحيين ان يحيوا حياة فاضلة حتى يستطيعوا ان يُوقفوا الفساد والهلاك في المجتمع؛ إن مجرد وجود إنسان مسيحي حقيقي في وسط أناس كثيرين، يمنع بلايا ومصائب كثيرة كما قال الله لإبراهيم ” إِن وجَدتُ في سَدومَ عشرة من الأبرار في المَدينة (سدوم)، فإِنِّي أَصْفَحُ عن المَكانِ كُلِّه مِن أَجْلِهم “(انظر تكوين18: 32). المسيحيون عليهم مسئولية كبيرة تجاه خلاص الآخرين والمحافظة عليهم من الفساد الموجود في العالم. ويُعلق العلامة أوريجين، أحد آباء الكنيسة “كما ان الملح يحفظ اللحم من الفساد ويجعله صالحا للأكل مدة أطول، هكذا المسيحيون يصبحون ملحا يحفظون العالم من الخطايا والآثام “. وفي هذا الصدد يقول يعقوب الرسول ” فاعلَموا أَنَّ مَن رَدَّ خاطِئًا عن طريقِ ضلالِه خَلَّصَ نَفْسَه مِنَ المَوت وسَتَرَ كَثيرًا مِنَ الخَطايا” (يعقوب5: 20). وعليه فإنه مطلوب من الإنسان المسيحي عمومًا أن يكون سبب خلاص وحفظ للعالم من الشرور والفساد.
(د) كما ان للملح وظيفة التطهير لدى رشّه في الماء، كما حدث مع أليشاع النبي الذي “شفى الماء الرديء (2 ملوك 2: 19-22)، ووظيفة الملح أيضا طرد الشرير (حزقيال 16: 4)، كذلك على المسيحيين يشفوا المرضى ويطردوا الشياطين كما أوصى يسوع تلاميذه “اِشْفوا المَرْضى واطرُدوا الشَّياطين “(متى 10: 8).

(ه) يرمز الملح في الشرق الأوسط الى الضيافة والمشاركة في الخبز والملح، يوصي المسيح تلاميذه ” فَلْيَكُنْ فيكُم مِلحٌ”(مرقس 9: 50)، ويوضح بولس الرسول أهمية الملح في حياة المسيحيين بقوله “لِيَكُنْ كَلامُكم دائِمًا لَطيفًا مَليحًا فتَعرِفوا كَيفَ يَنبَغي لَكم أَن تُجيبوا كُلَّ إِنسان” (قولسي 6:4).
(و) كما ان الملح أداة للإنذار والعقاب، إذ عُوقبت زوجة لوط وتحوّلت الى نصب ملح (تكوين 19: 26)، ويُبذر الملح فوق المدينة المهزومة (قضاة 9: 45)، وعندئذ “لن يخرج منها شيء من العشب ” (تثنية 29: 23) كذلك المسيحيون إذا فسدوا يصبح تعاقدهم مع الرب ملغياً في حال فسخه، فهم يستحقون أن يُطرحوا خارج الكنيسة كما يقول الرب “إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس” (متى 5: 13)، فالملح ينذر المسيحيين الا يَفسَدوا، بل ان يكونوا مُخلصين لأنفسهم وقبل كل شيء لإنجيل التطويبات (لوقا 14: 35). ويعلق القديس يوحنا الذهبي ” أنتم أيها المسيحيون ستحاسبون لا من أجل حياتكم فحسب، بل من أجل العالم كله”.
(ز) كما ان الملح الذي يوضع في الطعام يذوب ويتلاشى ويختفي، ولكنه يؤثر تأثيرًا قويًا في هذا الطعام كذلك المسيحيون يفقدون حياتهم في سبيل المسيح كما جاء في تعليم يسوع “مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها” (متى 10: 39).
(ح) كما ان الملح وسيلة واحدة لإيقاف نزيف الجروح في الجسم المصاب وتحفظ حياة المصاب كذلك على المسيحيين إعادة الحياة لعالم مليء بالخطيئة فيكونوا شركاء لعمل يسوع الذي هو “الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة” (يوحنا 14: 6). وباختصار يريد يسوع من المسيحيين ان يعطوا لحياة البشر مذاقتها.

ونستنتج مما تقدّم ان ارتباط المسيحيين بيسوع وبإنجيله يجعلهم جيدين كالملح الذي يُوضع في الطعام. ولكن الملح لا يعود ملحا إذا فقد ملوحته كما يقول الرب “المِلْحُ شَيءٌ جَيِّد، فإِذا صارَ المِلحُ بلا مُلوحَة، فَبِأَيِّ شَيءٍ تُمَلِّحونَه؟” (مرقس 9: 50)، كذلك المسيحيين إن لم يبقوا أمناء للمسيح وتعليم انجيله يطرحون في خارج الكنيسة والعالم ويحتقرهم كالملح الفاسد” إِنَّه لا يَصلُحُ لِلأَرضِ ولا لِلزِّبْل، بل يُطرَحُ في خارِجِ الدَّار” (لوقا 14: 35).

وخلاصة القول، إن كلام يسوع لتلاميذه “أنتم ملح الأرض”، قد جاء للدلالة على إنسان التطويبات، ذاك الانسان الفقير والحليم والطاهر والمضطَهد والداعي للسلام والساعي الى الكمال. هذا هو الانسان المسيحي الحقيقي الذي يعطى الحياة البشرية مذاقها، بالرغم من أن كميته قليلة. إنه يستطيع بقدوته الصالحة أن يؤثر في حياة الكثيرين ويجتذبهم إلى الحياة مع الله، كما أنه يمنع الفساد الروحي عن كثير من البشر المعرَّضين الى خطر الانزلاق في العالم وشهواته. اما إذا شابه المسيحيون العالم فلا قيمة لهم ويعلق القديس أوغسطينوس ” إن كنتم أنتم الذين بواسطتكم تحفظ الأمم من الفساد، تخسرون ملكوت السماوات بسبب الخوف من الطرد الزمني، فمن هم الذين يُرسلهم الرب لخلاص نفوسكم، إن كان قد أرسلكم لأجل خلاص الآخرين؟” فلا داع للخوف، إن كنّا في محبتنا للبشر نشتهي أن نخدمهم ونذوب فيهم كالملح في الطعام لنقدّمهم خلال التوبة طعامًا شهيًا يفرح به الله، فإن الله لا يتركنا نذوب في الأرض.

2) أَنتُم نورُ العالَم (متى 5: 14)
الانسان لا يقدر ان يستغني عن النور، بدون نور لا لون ولا بهاء ولا حياة في العالم. فالعالم بحاجة الى نور الله، ونور المسيح ونور المسيحيين.

(ا) نور الله:
يحتل النور مكاناً بارزاً بين الرموز الدينية في الكتاب المقدس. وأول عمل قام به الخالق، هو الفصل بين النور والظلام (تكوين 1: 3-4). وفي ختام الكتاب المقدس نجد الله نفسه نور الخليقة الجديدة “المَدينَةُ لا تَحْتاجُ إِلى الشَّمسِ ولا إِلى القَمَرِ ليُضيئا لَها، لأَنَّ مَجدَ اللهِ أَضاءَها، وسِراجُها هو الحَمَل” (رؤيا 21: 23).

والنور علامة تُظهر بطريقة ملموسة شيئاً من صفات الله. إنه أشبه بانعكاس لمجده كما يترنَّم صاحب المزامير “أَنتَ المُلتَحِفُ بِالنُّورِ كرِداء الباسِطُ السَّماءَ كالسِّتارة “(مزمور 104: 2). ويعكس النور أيضا حكمة الله، التي هي فيض مجده تعالى، ” لأنَّ الحكمة إنعِكاسٌ لِلنَّورِ الأزَليَ ومِرآةٌ صافِيَةٌ لِعَمَلِ الله وصورَةٌ لِصَلاحه” (حكمة 7: 26)، فالنور هو من الجوهر الإلهي

واما في العهد الجديد فالنور هو أفضل رمز لطبيعة الله كما جاء في تعليم يوحنا الرسول “إِليكمُ البَلاغَ الَّذي سمِعناه مِنه ونخبِرُكم به: إِنَّ اللهَ نورٌ لا ظَلامَ فيه ” (1يوحنا 1: 5). وبناء عليه يتضمّن النور حضور الله الذي صار قريباً (خروج 24: 10-11)، ويعطي إحساساً بالاطمئنان كما جاء في صلاة المزامير “أَنِرْ بِوَجهِكَ على عَبدِكَ وخَلَصْني بِرَحمَتِكَ” (مزمور 31: 17). ويحمل حضور الله طابع الحماية فيُضيء خُطى الإنسان “كَلِمَتُكَ مِصْباح لِقَدَمي ونورٌ لِسَبيلي” (مزمور 119: 104)، وينير عينيه بإنقاذه من الخطر “أُنظُرْ واْستَجِبْ لي أَيُّها الرَّبّ إِلهي وأَنِرْ عَيَنيَّ لِئَلاَّ أَنامَ نَومةَ المَوت” (مزمور 13: 4). ويقود الله الإنسان البار إلى فرح يوم مضيء “لأنَّ يَنْبوعَ الحَياةِ عِندَكَ ونُعايِنُ النُورَ بِنورِكَ” (مزمور 36: 10)، وعلى هذا النحو يُمثل النور السعادة، وهو مصير الذي ينتظره الإنسان المؤمن كما يترنّم صاحب المزامير “الرَّبُّ نوري وخَلاصي” (مزمور 27: 1).

(ب) نور المسيح
المسيح بصفته ابن الله هو أيضا نور. نور من نور كما نعلن في قانون الايمان. هو النورُ الأزليّ، النورُ الذي لا زمنَ له، والذي ظهرَ في الزمنِ، ظهرَ في جسدِه وخَفِيَ في طبيعتِه، النورُ الذي أحاطَ بالرعاةِ، وقادَ المَجُوسَ في الطريق. وبإمكان كل إنسان أيا كان أصله او وضعه، ان يستنير به لتحقيق حياته ” النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم” (يوحنا 1: 9).

وقد أعلن يسوع نفسه النور، ولاسيما بأعماله وكلامه، إنه نور العالم “ما دُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم” (يوحنا 9: 5). وفي مكان آخر يقول ” مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة” (يوحنا 8: 12)، “جِئتُ أَنا إِلى العالَمِ نوراً فكُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبْقَى في الظَّلام” (يوحنا 12: 46).

وظل النور الإلهي الذي كان يحمله يسوع على هذه الأرض مختبئاً وراء تواضع جسده. إلا أنه ظهر فيها بطريقة ملموسة أثناء التجلي. فذاك الوجه المشعّ كالشمس، وتلك ثِيابُه “تَلألأَت كالنُّور” (متى 17: 2)، تعبِّر مقدماً عن حالة المسيح القائم من بين الأموات، الذي ظهر لبولس الرسول في نور ساطع كما جاء في قصة اهتدائه “بَينَما هو سائِرٌ، وقَدِ اقتَرَبَ مِن دِمَشق، إِذا نورٌ مِنَ السَّماءِ قد سَطَعَ حولَه” (أعمال 9: 3)، والنور الذي أشعّ به وجه المسيح هو، في الواقع، نور مجد الله ذاته “فإِنَّ اللّهَ الَّذي قال: (( لِيُشرِقْ مِنَ الظُّلمَةِ نُور )) هو الَّذي أَشرَقَ في قُلوبِنا لِيَشُعَّ نورُ مَعرِفَةِ مَجْدِ اللّه، ذلِكَ المَجْدِ الَّذي على وَجْهِ المسيح “(2 قورنتس 4: 6)، فبصفته ابن الله، “هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه ” (عبرانيين 1: 3).

وأضاء لنا نور المسيح ” تَنبَّهْ أَيُّها النَّائِم وقُم مِن بَينِ الأَمْوات يُضِئْ لَك المسيح ” (أفسس 5: 14) فانتعشنا بنوره “فالَّذينَ تلقَّوُا النُّورَ مَرَّةً وذاقوا الهِبَةَ السَّماوِيَّة وصاروا مُشارِكينَ في الرُّوحِ القُدُس”(عبرانيين 6: 4). وعليه فان الرب يضع امامنا خطة واضحة للسلوك وهي سيرة ابناء لنور ” بالأَمْسِ كُنتُم ظَلامًا، أَمَّا اليَومَ فأَنتُم نُورٌ في الرَّبّ. فسِيروا سيرةَ أَبناءِ النُّور” (أفسس 5: 8).

وبما ان الانسان بوساطة النور يستطيع رؤية الأشياء على حقيقتها، فهكذا بواسطة تعاليم المسيح وتبشير رسله الذين دعاهم نور العالم، يتمكن المرء من معرفة الحق. وعليه فإن المسيح يطلب من أتباعه المسيحيين أن يصبحوا علامة لحبه وسلامه ومصالحته وفرحه وعمله في العالم. فالمسيحيين مدعوّون للعيش كأبناء النور “أَنتُم نورُ العالَم (متى 5: 14)، وبمفعولهم كملح يكونوا مختفين والمسيح ظاهر فيهم، لكن في كونهم نور العالم يكونوا ظاهرين للناس.

(ج) نور المسيحيين
بما ان المسيحيين هم “شركاء مع الله الذي هو النور” (1 يوحنا 1: 5-7)، فقد عرّفهم يسوع بقوله لهم: “أَنتُم نورُ العالَم”(متى 5: 14). وكيف يكون ذلك؟ فيُجيب بولس الرسول “إِنَّ اللّهَ الَّذي قال: ((لِيُشرِقْ مِنَ الظُّلمَةِ نُور)) هو الَّذي أَشرَقَ في قُلوبِنا لِيَشُعَّ نورُ مَعرِفَةِ مَجْدِ اللّه، ذلِكَ المَجْدِ الَّذي على وَجْهِ المسيح. ” (2 قورنتس 4: 6). ويُعلق أحد الكتّاب ” يُسمِّي يسوع المسيحيين نور العالم، لأنهم باستنارتهم بالنور الحقيقي الابدي يصبحون نوراً في الظلام، وبإظهار نور الحق، يُبدِّدون ظلام الضلال من قلوب الناس “. وإذا كان المسيحيون شركاء في نور المسيح، فهم يضيئون نوره لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَهم الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباهم الَّذي في السَّمَوات (متى 5: 16). ويقول أحد الكتّاب تعليقا على هذه الآية ” فمن يُعلم ويعمل بما يعلم به، يكن تعليمه حقيقياً. لكن من لا يعمل بما يُعلمه، لا يُعلِّم شيئاً بل يُدان. من الأفضل له ان يعمل بدون ان يُعلم، من ان يُعلِّم ولا يعمل بما يُعلمه. يُمجّد الرب على ايدي الذين يعلِّمون ويعملون بما يُعلّمون “. فالناس تنتظر الاعمال لتصديق صحة التعليم. والمسيحيون هم نور العالم كله في شخصهم وعملهم قبل تعليمهم على خطى معلمهم الإلهي يسوع المسيح الذي كانت أقواله تطابق أفعاله تماماً.

ومن هنا نستنتج ان المسيحيون هم نور العالم بأعمالهم الصالحة. ولا يمكن ان نعمل الاعمال الصالحة الا بوساطة عملية مزدوجة، وهي خلع الاعمال السيئة ولبس ثوب التطويبات. فالمطلوب من المسيحيين أولا خلع أعمال الظلمة كي يلبسوا ثوب النور كما ورد في انجيل يوحنا ” فكُلُّ مَن يَعمَلُ السَّيِّئات يُبغِضُ النُّور فلا يُقبِلُ إِلى النُّور لِئَلاَّ تُفضَحَ أَعمالُه. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ لِلحَقّ فيُقبِلُ إِلى النُّور” (يوحنا 3:20). لذا يطلب من المسيحيين بولس الرسول “لنَخلَعْ أَعمالَ الظَّلام ولْنَلبَسْ سِلاحَ النُّور، نلبس الرَّبَّ يسوعَ المسيح ” (رومة 13: 12)؛ واما اعمال الظلمة فإنها تتضمن كل الخطايا بأنواعها (أفسس 5: 9-14)، ويذكر بولس الرسول منها: ” قَصْفٌ وسُكْر، وفاحِشَةٌ وفُجور، وخِصامٌ وحَسَد، والانشغال بِالجَسَدِ لِقَضاءِ شَهَواتِه” (رومة 3: 12-13). واما أَعمالُ الجَسَد، فهي” الزِّنى والدَّعارةُ والفُجور وعِبادةُ الأَوثانِ والسِّحرُ والعَداوات والخِصامُ والحَسَدُ والسُّخطُ والمُنازَعاتُ والشِّقاقُ والتَّشيُّع والحَسَدُ والسُّكْرُ والقَصْفُ وما أَشبَه” (غلاطية 5: 19-21).

اما الأعمال الصالحة التي ينادي بها المسيح فهي ملخَّصة في عظة التطويبات: روح الفقر والوداعة، والرجاء والصلاح، والرحمة، ونقاوة القلب والمسالمة، والفرح في الاضطهاد من اجل المسيح وعمل كل ما هو صالح وبر وحق، ويُعدد بولس الرسول ثَمَرُ اعمال التطويبات وهي ” المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف” (غلاطية 5: 22). وهذه التطويبات هي الطريق الى التحرر الحقيقي من الجشع والتحجر والعنف والكبرياء والدنس والبغض… ويُعلق غاندي “كلما توطّدت أواصر الصلة بيني وبين المسيحيين الحقيقيين، أي الذين يعيشون في سبيل الله، أدركت ان الموعظة على الجبل هي كل المسيحية لمن يريد ان يحيا حياة مسيحية”.

وهناك شهادة أخرى على المسيحين الذين أضاءوا نورهم للناس من خلال أعمالهم الصالحة، وهي شهادة صبية إفريقية أمام جثمان كاهن رعيتها صرّحت “كل الفقراء كانوا عائلته، وكل البشر إخوته. أطعم الجياع، كسا العراة، داوى المرضى، واسى المتألمين، دافع عن المظلومين، استقبل المشرَّدين، ساعد اللاجئين، وآوى المنكوبين. فليكن الله له رحيما”. فالمسيحي ليس من يجتهد امام كل عذاب بشري ان يخفف من وطأته فقط، بل يسعى أيضا بكل طاقاته القضاء على مُسبِّباته من أجل تمجيد الله وخلاص النفوس.

وأما غاية المسيحين في القيام بالأعمال الصالحة ينبغي ان تكون في سبيل تمجيد الله لا تمجيد ذواتهم كما كان الحال مع أهل فيلبي “كُلُّهم يَسعى إِلى ما يَعودُ على نَفْسِه، لا إِلى ما يَعودُ على يسوعَ المسيح.” (فيلبي 2: 21).
يرى الناس أعمال المسيحيين الصالحة ولكن ليس لتمجيدهم، بل لتمجيد أبيهم الذي في السماوات. وكما أن السراج لا يوقد لكي ينظر الناس إليه، بل لكي ينظروا بواسطته شيئاً آخر أهمَّ منه، هكذا يكون عمل المسيحيين. لأن لا قيمة للملح في حدّ ذاته بل في فعله، ولا قيمة للسراج إلا في نوره. ويعلق القديس أوغسطينوس ” انه من اجل تمجيد الله يجب ان نسمح لأعمالنا ان تُعرف.” ويشدد على ذلك القديس بطرس الرسول بقوله “سِيروا سِيرةً حَسَنةً بَينَ الوَثنِيِّين، حتَّى إِذا افتَرَوا علَيكم أَنَّكم فاعِلو شَرّ شاهَدوا أَعمالَكمُ الصَّالِحَة فمَجَّدوا اللّهَ يَومَ الافتِقاد” (1 بطرس 2: 12). واما القديس يوحنا الذهبي الفم فيعلق “الحياة التي نقدّمها أمامهم هي أكثر بهاءً من الشمس فإن تكلم علينا أحد بشرٍ، لا نحزن كمن شُوهت صورته، بل بالأحرى نحزن إن شوِّهت بعدلٍ”.

فالمسيحيون يسلكون سلوك النور، ويُنيرون العالم بقدر ما يعكسون نور المسيح، وبقدر ما يخترقهم نور المسيح. لذا يوصيهم بولس الرسول ” تَكونوا بِلا لَومٍ ولا شائبة وأَبناءَ اللهِ بِلا عَيبٍ في جِيلٍ ضالٍّ فاسِد تُضيئُونَ ضِياءَ النَّيِّراتِ في الكَون” (فيلبي 2: 15). وعندما يصير المسيحيون نور العالم، يراهم جميع الناس فيصبحوا كالمدينة على جبل، ” مَعْروضينَ لِنَظَرِ العالَم والمَلائِكَةِ والنَّاس” (1 قورنتس 4: 9). فهم نور على جبل، يكشفون عن الاتجاه نحو الله، وينيرون الطريق ” للذين في الظلمات” (اشعيا 60: 2). ويعلق القديس ايرونيموس “ما يستحق المديح ليس أنك في أورشليم، إنّما تمارس الحياة المقدّسة (كمدينة مقدّسة)، المدينة التي نبجِّلها ونطلبها، هذه التي لم تذبح الأنبياء (متى 23: 37)، ولا سفكت دم المسيح، وإنما تفرح بمجاري النهر، وهذه القائمة على الجبل فلا تُخفي (متى 5: 14)، يتحدّث عنها الرسول كأمٍ للقديسين (غلاطية 4: 26)، ويبتهج الرسول أن تكون له المواطنة فيها مع البرّ (فيلبي 3: 20)”. فمن تنطبق عليه التطويبات يكون حقاً نوراً للعالم وملحاً للأرض ومواطنا لاورشليم السماوية.

 

 

الخلاصة
الملح والنور بلغة الانجيل هي اعمال التطويبات التي يدعو اليها يسوع، والتطويبات هي السيرة المسيحية الزكية بحسب قول بولس الرسول ” لِتَكونوا بِلا لَومٍ ولا شائبة وأَبناءَ اللهِ بِلا عَيبٍ في جِيلٍ ضالٍّ فاسِد تُضيئُونَ ضِياءَ النَّيِّراتِ ” (فيلبي 2: 15). فكل مسيحي يجب ان يكون تلميذا للمسيح، وكل تلميذ للمسيح يجب ان يكون ملحا ونوراً للعالمين. ولكن التلميذ لا يكون ملحا ونورا إلا في عيش التطويبات. فحياة الملح والنور هي حياة يسوع المسيح، هي حياة التطويبات. فإن لم تعش حياة التطويبات فلست أنت ملح، ولا انت نور. فاحذر لملحك من الفساد، نورك من الإطفاء. ومن هنا يشير متى الإنجيلي الى دور التلاميذ الضروري في المجتمع بان يكونوا شهوداً لحضور الله في حياتهم بان يكونوا ملح الأرض ونور العالم.

ويؤكد المجمع الفاتيكانيّ الثاني دور المسيحيين العلمانيين ” اهم مدعوّون بصورةٍ خاصّةٍ إلى أن يجعلوا الكنيسةَ حاضرةً وفعَّالة في تلك الأماكن والظروف التي لا يمكنها إلاّ بواسطتهم أن تكون “ملح الأرض” (متى 5: 13). وهكذا، فإنّ كلّ عَلمانيّ، بقّوةِ النِّعم التي أعطيها، شاهدٌ وفي الوقت عينه أداةٌ حيةٌ لرسالةِ الكنيسة بالذات “على مقدار موهبة المسيح”(أفسس 4: 7). (دستور عقائدي في الكنيسة، نور الامم، العدد 33).

دعاء
” أَطلعِ عَلينا نورَ وَجهِك، يا ربّ” (مزمور 4: 7) فنصبح ملحاً صالحا مستمدً من الملح الازلي، وان نكون نورا ساطعا مستمِّداً ضوؤه من النور الذي لا يغرب فنحيا بالتزام وأمانة رسالتنا المسيحية. ويا مريم أمّنا، يا أمّ النور الإلهي، ساعدينا ان نشع نور المسيح في العائلات والمدارس والمؤسّسات بأعمالنا الصالحة فنمجّد اسمه القدوس. آمين”.

 

قصة:
اشتهر المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند بشدة إعجابه بالمسيح، إذ كثيرا ما كان يستشهد بأقوال المسيح علناً، وخاصة بعظة التطويبات على الجبل في إنجيل متى. وذات يوم، سأل أحد الأشخاص غاندي قائلا: إن كنت تحب المسيح بهذا المقدار، فلمَ لا تصبح مسيحيا؟ أجابه غاندي “عندما أعرف مسيحيا يتبع المسيح، فسأفعل أنا كذلك. بالطبع”.
إن إجابة غاندي، لا تبرره من عدم قبول الرب يسوع المسيح مخلصا شخصيا لحياته، نشكر الله بأن هناك الملايين الذين تبعوا المسيح وقد بذلوا حياتهم حتى الموت في سبيله. بالرغم من ذلك، فإن ما قاله غاندي هو بمثابة تحدّي ومسؤولية أمام المسيحيين المؤمنين بيسوع المسيح.