وكيل الظّلم ابن الظّلمة (لوقا 16: 1 – 8)
الأب بيتر مدروس
وكيل الظّلم ابن الظّلمة (لوقا 16: 1 – 8)
لا تكفينا صعوبة هذا المثل الذي ضربه الرب يسوع ، بل تأتي إلينا – من شتّى المنابر – نظريّات خنفشاريّة، كتلك الّتي تقول أنّ “وكيل الظّلم” ما هو إلاّ السيّد المسيح نفسه! ولكن قبل معالجة هذه الفكرة، ما أحيلى التأمّل الفطين في المَثَل: وكيل “يبيّض وجهه” على حساب معلّمه، يخفّف من ديون المدينين لسيّده، أملاً منه أن “يستقبلوه في المظالّ” الأبديّة!”، ومَدَحَ السيّد (لا المسيح بل “معلّم” وكيل المثل) وكيلَ الظّلم لأنّه تصرّف بحكمة”. ما كان هنالك مجال لمدحه على “نزاهته” ولا على “استقامته”، فقد زاد الإهانة على الشّتيمة (كما يقول الإنكليز!). في بدء أمره كان “يبذّر أموال ” سيّده ، ولا يحسن تدبيرها (ولا عجب ، فما تعب عليها، وسيّده “بابا غايب”، كما نفعل نحن في العديد الكثير من مؤسساتنا، التي لا نسهر عليها وبعد ذلك نُفاجأ بمصائب وبلايا!). وبعد أن كشف “المعلّم” أمره، لجأ إلى الخداع والغشّ والاستغلال وسوء التصرّف بأموال معلّمه، إذ خفّف، بلا تفويض، ديون مديني سيّده.
ملحوظة سريعة: سذاجة الوكيل الخبيث!
طبعاً، ما قصد السيّد المسيح “تطبيق” كلّ ما في المَثَل لأنّ العبرة فكرة: يا ليت أبناء النّور يتشبّهون، لا بعدم نزاهة أبناء الظّلمة بل بحنكتهم – خصوصاً مع أشباههم الأشرار – فيكون “بنو الملكوت” “حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام” (متّى 10: 16) لا “أغبياء كالبطّ” (على ذمّة الإيطاليّين).
ولكن المَثَل مناسبة غير علميّة لنُدرك أنّ “غلطة الشّاطر بألف”. ما الغلطة – التي لم يتطرّق إليها الرّبّ يسوع لأن هدفه مختلف ؟ الغلطة عند وكيل الظّلم، أنّه تأمّل وتوهّم ، أنّ البشر الّذين سيخفّف عليهم الديون لسيّده، سيكونون شاكرين ممتنين وسيجازونه بالخير على فعلته لمساعدتهم! وهيهات! ما عرف صاحبنا “النّبيه” المثل العامّيّ : “اتّق شرّ من أحسنتَ إليه!” فالقدّيس يوحنّا بوسكو – انطلاقاً من خبرته الشّخصيّة المريرة -كتب : “عرفان الجميل ليس من شِيَم البشر”. وأعتقد أنّ العالم الإسلامي يقول أن “قلّ بين العباد الشّكور”! ما علينا!
مشكلة في توصية من المسيح مُثيرة للجدل!
“المشكلة” الكبرى في هذا المَثَل دعوة السيّد المسيح لنا: “إصنعوا لكم أصدقاء بمال الحرام”! ولكن سوء فهمنا للآية التاسعة آتٍ عن وهم كبير خطير. ونأمل أن نوضح الالتباس، بمساعدة بعض آباء الكنيسة وعلماء الكتاب المقدّس. يؤكّد لنا االقديس العلاّمة هييرونيموس (الآباء اللاتين مجلّد 22 ، ص 198) أنّ “المثل انتهى في الآية السابقة أي الثامنة، إلى حدّ أنّ يسوع يبدأ فقرة جديدة وفكرة جديدة: “وأنا أقول لكم: اصنعوا لكم أصدقاء…” أي أنّ لا علاقة لهذه النّصيحة بالمثل السّابق.
ثانياً، كما يكتب ل. مارشال: ما قصد يسوع بالعبارة الآرامية “مامونا دي عولا” أي “مال الظّلم” مال الحرام، الذي حصل عليه البشر بطرق غير مشروعة، بل المال بشكل عام – “المال” الذي حوّله قوم من الوثنيين إلى شخص معبود دعوه “مامّونا”، بمعنى أنّ المال يصبح بسهولة سبباً للخطايا (تيموثاوس الأولى 6: 10) خصوصاً عندما ينزلق البشر إلى الطمع والبخل والتّخلّي عن الدين والشرف والأخلاق في سبيل الكسب.
هل المسيح – حاشى وكلاّ – هو “وكيل الظّلم”؟
يكتب أوريجنس – في مخيّلة جامحة: “أعاد الله كتابة صكّ الخطيئة على الصّليب، بالمعموديّة. ما يقوله الإنجيل عن الوكيل الخائن هو صورة (وكم تألق اوريجنس بالتفسير الرمزي!) عن هذا الواقع. قال (الرب) لكلّ من عليه دَين: اجلس واكتب (ثمانين بدل مئة)… أو ترى أنه قال لكلّ واحد “خذ صكّك”؟ من الواضح أنّ صكوك الخطيئة هي صكوكنا، أمّا الله فيكتب ألواح البِرّ”.
يعني “بالعربيّة” أنّ الرّبّ يسوع هو “الوكيل” الّذي يبذّر “أموال الآب” ويُعفي البشر من ديونهم لله، على حساب الآب! صحيح أنّ يسوع “محا صكّ ديوننا مسمّراً إيّاه على الصليب” ( قولسّي 2 : 14) ولكن لا “ينطبق” على الرب شخص “وكيل الظلم”! فهذا الوكيل ظالم آثم أنانيّ انتهازيّ غير نزيه غير شريف. إنه من “أبناء الظلمة” والظلم، في حين أنّ يسوع هو العدل وهو “نور العالم” وهو المتفاني النّزيه.
حنكة أبناء الظّلمة عبرة لنا!
صحيح أنّنا لا نقدر أن نُجاري الأشرار الملحدين في أساليبهم التي لا ضمير فيها ولا شريعة. ولكن نستطيع أن نتعلّم من نشاطهم وحسن تدبيرهم لأمور الدّنيا وعملهم حساباً للمستقبل. ويا ليتنا نستفيد من كلمات مار أفرام السّريانيّ: “لنحسننّ استخدام المؤقّتات لعلّنا نشتري الأبديّات”!