الوداعة أساس الدّعة، والصّليب أساس السّعادة
الأب بيتر مدروس
الوداعة أساس الدّعة، والصّليب أساس السّعادة
(صفنيا 2: 3- 13، 1 قور 1: 26- 31، متّى 5: 1- 12)
صحيح أنّ “صفنيا” واحد من “الأنبياء الاثني عشر الصّغار” المجموعين عند اليهود والمسيحيين في كتاب واحد. ولكنه أحد الأنبياء الصغار الثلاثة عشر، مع باروك (“باروخ”) الذي رفض المجمع اليهودي سِفر نبوّته، سنة 90 م، في “يبنيه”، من مقاطعة يافا القدس. وتبع النهج اليهودي المحتجّ الألماني اندرياس بودشتاين (“كارلشتاد”) سنة 1520. السبب – او الذريعة- لرفض سِفر باروك أنه وُجد في اليونانية، مع أنّ كثيرًا من عباراته تنمّ عن أصل عبري أو آراميّ. يستشهد العهد الجديد بسِفر باروك على الأقلّ في المواضع الآتية: لوقا 13: 29 من باروك 4: 37، يوحنا 3: 29 من باروك 3: 29، 1 قور 10: 20 من باروك 4: 7، ويوحنا 1 : 14 من باروك 3: 38 (37). ومن الطّريف أنّ “باروخ” اسم علم يرد كثيرًا لدى اليهود المتديّنين.
النبيّ “صفنيا: شفيع جديد لإسبانيا!
يبدو أنّ الفنيقيين أو الكنعانيين هم الذين أعطوا ذلك البلد اسمه من فعل “صفن” أي “حفظ، ستر للحماية” (خروج 2:2، مزمور 27 (26): 5، ثم 31 (30): 20)، أو “سنّ أسلحة”. وما أحوج إسبانيا إلى “التحرير”Reconquista من براثن الإلحاد والعداوة للمسيح وللكنيسة وللإنجيل التي تفجرت فيالعقود الأخيرة حقدًا وقدحًا ومروقًا وانحرافًا وحملات شعواء على الزّواج والأسرة والحياة. فأين أنتِ يا “اسبانيا الكاثوليكية جدًّا”؟Muy católica Espana
الوداعة أساس الدّعة والعدل أساس السلام (صفنيا 2: 3 – 13)
الوداعة واللطف وكظم الغيظ ولجم الغضب من أسس العيش الهادىء والمنسجم في حين أن الغضب واللؤم والظُّلم تأتي بالحروب. ولا “أمن” من غير عدل، ولا “سلام” من غير إنصاف. ولايجدر بنا ألآّ ننسى نبوّة أشعيا: “ويكون ثمر العدل سلامًا، وصنع الإنصاف هدوءًا، ويعيش شعبي في واحة السلام” (أش 32: 17).
أمّا نبوّة صفنيا أنّ بقيّة “يسرائل لا يصنعون الإثم ولا ينطقون بالكذب” فما تحققت في قوم موسى بل في “البقيّة” التي تبعت يسوع الناصري مسيحًا وربًّا. وفعلاً، بشكل عام، تتميّز المسيحية بالوداعة والمحبة للقريب والغريب ( أحيانًا بمبالغة لصالح الغريب!) فأضحت البلاد المسيحية ملجأ لغير المسيحيين وموضع هجرة.
الضّعف والحماقة والأصل المتواضع: قوّة وحكمة وحَسَب ونَسَب أثيل في المسيح المصلوب (1 قور 1: 26 – 31)
ما كان مار بولس دبلوماسيًّا. ولكن أحيانًا حجم عن الكلام المباشر الجارح اللاذع القادح. ها هو يخاطب القورنثيين الذين كانت أغلبيتهم من العبيد: “ليس فيكم كثير من الحكماء “حسب الجسد” ولا كثير من الأقوياء، ولا كثير من ذوي الحسب والنسب”. والقصد: ليس فيكم، إلاّ ما ندر، حكيم ولا قويّ ولا وجيه ولا نبيل! ويكمل رسول الأمم: لا داعي للخجل (مع أنه كان من الخصال شبه المعدومة في مدينة كانت مضرب الأمثال في الفساد وقلّة الحياء!)، فقد استخدمت الطبيعة الإلهية، في تجسدها وفي فدائها للبشر عن طريق المسيح المصلوب، استخدمت ما كان أو بدا ضعيفًا أو أحمق أو وضيعًا – أي الصليب- لتقهر القوي والوجيه والنبيل والحكيم. ثورة يسوع هذه لا تضاهى ولا تُحاكى وهي “إعجازه” الربانيّ ومغناطيسه الإلهيّ (عن يوحنا 12: 32).
التّطويبات: تهنئة الذين يحملون الصليب بطيب خاطر (متّى 5 : 1- 12)
صعد يسوع جبل التطويبات في جليلنا الحبيب ولفظ “التهاني” للفقراء بالروح والودعاء والحزانى وأطهار القلوب والذين يعانون من الاضطهادات والافتراءات والجياع والعطاش أي “للمساكين” والساعين إلى السلام. وجميل خصوصًا في هذه البلاد المقدسة أن نعود إلى اللسان الذي نطق به السيد المسيح أي الآراميّ لنرى أنه قال: “طوبايهون أي “طوبى لهم، طيّب لهم”، “هنيئًا لهم”. أمّا المقابل العبري للتطويبة أو التهنئة فهو “أشري” وتعني لا خمولاً بل “ديناميكية السعادة” كمسيرة. ومعروف معنى فعل “أسرى” أي جعله يسير في الليل. وقد كتب القديس يوحنا للصليب عن “الليل المظلم” الذي تمرّبه أحيانًا حتى النفوس القدّيسة وهو عبارة عن نفق أو صحراء أو جفاف أو شعور بالجفاء ولكنه يزول لتسطع “شمس البِرّ” في الأفئدة المؤمنة المخلصة المحبة.
قعد يسوع، بين الثريّا والثّرى ، ولسان حاله يقول: “أُشهد عليكم السماء والأرض” (تثنية 30: 19). ولفظ ما يمكن حسبانه أقوى خطاب روحاني أخلاقي وجداني تجرّأ أن يخالف الغرائز ويسمو على الطبيعة “الأمّارة بالسّوء” الجريحة بالخطيئة الأصلية والفعليّة، ممّا يجعل الإنجيل عسيرًا من جهة وجذّابًا من جهة أخرى، لا لصعوبته بل للسعادة التي تلد منه، ذلك السعد المبني على “الضمير الصالح” والوعي للمشاركة في آلام المسيح وفي الظلم الذي يعاني منه الأبرياء ويتحمله بطيب خاطر الأصفياء وهم على يقين من أنّ “أسماءهم مكتوبة في سِفر الحياة” الأبدية.
“طوبى لفقراء الروح” (متّى 5 : 3)
تعني العبارة: “طوبى للذين لم تتعلق نفوسهم بالمال ولا بسائر متاع الدنيا” وإن كانواأثرياء بالمادّة. وفي نطاق الترجمة أي النقل، لا يجوز تفسير العبارة بل يجب نقلها بأمانة، بحيث لا يجوز نقلها كالتالي: “سعداء هم الذين يدركون حاجتهم الروحية”، كما تفعل “ترجمة العالم الجديد” التابعة لجميع “برج صهيون للمراقبة” أي للفئة غير المسيحية التي تدعو نفسها منذ سنة 1931 باسم عبري من العهد القديم “شهود يهوه”. ويجدر بالذكر، بما أنّ هذه “الترجمة” غير مسيحيةّ، ان الكنيسة لا تقع تحت تهمة التحريف.
هذه التهنئة للمعوزين تتألق بسموّها لأن النفس البشرية تعوّدت أن تحسب الفقير “مسكينًا” والثريّ “مبسوط” أي “سعيدًا”. “تغنينا” نوعًا ما اللغة العربيّة بأنها مبدئيًّا ترفض أن تصف إنسانًا بأنه “غنيّ” لأنّ الله وحده هو تعالى “الغنيّ” وهو في غنى عن مخلوقاته. ومن جمال العربيّة أنّ لفظة “ثريّ” ممكن أن تذكّر صاحبها – والذين يحسدونه- أن “ثروته” من “الثرى” لئلا يتوهم أنه وصل إلى الثريّا، كما كتبت رابعة العدويّة: “وكلّ ما فوق التّراب تراب”.
“طوبى للودعاء، فإنّهم يرثون الأرض”
مع أنّ المزمور 37 (36): 10-11 و 29 يعلن أنّ “الودعاء يرثون الأرض..والصدّيقين يقيمون فيها إلى الأبد”، غير أن السيّد المسيح الجليلي الخالد، بواقعية وحكمة، لا يعلّم أبدية الإقامة على هذه الأرض، سواء لأننا “نتوقع سماء جديدة وأرضًا جديدة” أو لأنّ “الأرض” أصبحت عند يسوع كناية عن الفردوس الأبدي.
“طوبى للجياع والعطاش إلى البِر” أي الصلاح والقداسة
هنالك تطويبة أولية للجياع والعطاش والمعوزين جسدًا ومادّة، والتطويبة تتعمق في الجوع والعطش إلى البِرّ وإلى “كلمة الله” ومعرفته تعالى. وما أصعب توخي العدالة – فهي “تسداقاه” نفس الكلمة التي تعني “صدقة، عدل، صلاح”- عندما يكون البشر في مناصب عالية أو مراكز نفوذ.
“طوبى للساعين إلى السلام فإنهم ابناء الله يُدعَون”
هذا أكثر ما نحتاج إليه في الأرض المقدسة وسائر الشرق الأوسط وقد توالت الحروب الأهلية والدولية وما وضعت حتى الآن أوزارها. ننظر بأمل إلى زعماء الدول ولكن “معونتنا من عند الرب، صانع السماوات والأرض”.
خاتمة
السعادة ليست فرحًا مؤقّتًا ولا متعة عابرة بل شعور بالطمأنينة ورغد العيش في رضى الله وراحة الضمير. ويشجعنا الإنجيل على تحمل الشدائد تعويضًا عن جهالاتنا واقتداء بالمسيح “الذي مقابل الفرح المقدّم له تحمّل الصّليب”. ولا يأتي يقين الخلود مخدّرًا للمؤمن ولا منوّمًا يجعله يغمض العين أمام الشرّ بل عليه أن يكافح في هذه الدنيا ويغلب الشر بالخير ويسالم جميع الناس إن أمكن ويبني “المدينة الفاضلة” حيث يكون بنعمة الله” ملح الأرض ونور العالم”.