التطويبات دستور الحياة المسيحية وجبل التطويبات (متى 5: 1-12)
الأب لويس حزبون
التطويبات دستور الحياة المسيحية وجبل التطويبات (متى 5: 1-12)
عرض متى الإنجيلي عظة يسوع الكبرى التي تتمحور حول الشريعة المسيحية لتحديد سلوك التلميذ الكامل كي ينال سعادة الملكوت (5: 1-7: 29). وتمثل هذه الشريعة دستورًا للحياة المسيحية، وفي مقدمة العظة نجد التطويبات (متى 5: 1-12)، “يُعيد يسوع بها ما قٌطع من عهود للشعب المختار منذ زمن ابراهيم، ويكمّلها بتوجيهها لا الى التمتع بالأرض فحسب بل الى ملكوت السماوات” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1716)؛ فهذه العظة هي قلب كرازة يسوع؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 5: 1-12)
1 “فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه”
تشير عبارة “رأَى الجُموع ” الى رؤية يسوع للجموع المحتاجـة للتعليم حتى لا تهلك نتيجة للجهل. اما عبارة “صَعِدَ ” فتشير الى صعود موسى إلى الجبل لاستلام شريعة العهد القديم، وهكذا كان صعود يسوع الـــى الجبل ليُسلّم الشريعة، وكمــــــا ان الشريعة الأولى مــــع موسى قـد أعطيت علــــى جبل سيناء (خروج 19: 3)، كذلك أُعطيت الشريعة الجديدة علــــى جبل التطويبات في الجليل حيث انطلق التلاميذ منه الى العالم كله (متى 28: 16-20)؛ اما عبارة “الجَبَلَ” فتشير الى جبل التطويبات قرب منطقة الطابغة عند الجهة الشمالية الغربية من بحيرة طبريا. ولكن للجبل معنى رمزي، وهو رمز للسماويات في ارتفاعه ورمز الثبات على الإيمان، والترفـع عن الماديات والأرضيات. ويُعلق القديس اوغسطينوس “على هذا الجبل المقدّس صعد الرب بنفسه ليتحدّث مع شعبه، فيكون الجبل شاهد حق له خلال الحياة المقدّسة العمليّة”؛ وأمَّا عبارة “َجَلَسَ” فتشير الى طريقة المعلمين اليهود حين يُلقون تعليمهم (مرقس 4:1)، الاّ ان يسوع يختلف عن موسى النبي، فموسى كمشرّع أعلن شريعة العهد القديم وطبّقها لشعبه، اما يسوع كمشرع فوضع شريعة العهد الجديد التي تكمل شريعة العهد القديم وأعلنها لجميع الناس والشعوب ؛ اما عبارة “تَلاميذُه” فتشير الى الخطاب الموجه أولا الى التلاميذ ثم الى الجميع لتحديـد سلوك التلميذ الكامل للحصول على السعادة الحقيقية في الملكوت السماوي، ويُعلق القديس أوغسطينوس “دَنا إِلَيه تَلاميذُه ليكونوا قريبين منه بالجسد ليسمعوا كلماته، كما هم قريبون منه بالروح بتنفيذ وصاياه”.
2 “فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال”
تشير عبارة “شرع” في الترجمة اليونانية ἀνοίξας τὸ στόμα ومعناها حرفيا “فتح فاه” للدلالة على ما يُقال ويصدر عن المتكلّم مباشرة، ليس نقلًا عن الآخرين، أي أنه من وحي فكر يسوع ومن أعماق قلبه، ويوكّد ذلك صاحب الرسالة الى العبرانيين “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين”(عبرانيين 1:1-2)؛ اما عبارة “يُعَلِّمُهم” في النص اليوناني الأصلي ἐδίδασκεν أي “علّمهم” بصيغة الماضي المستمر، وكأن يسوع فتح قلبه وهو دائم التعليم. يقدّم لنا يسوع موعظته على الجبل بصورة تعليم. والتعليم هو نقل المعلومات، والأفكار، والإتّجاهات، والمهارات لإعداد الفرد للمضيّ قُدماً على درب التعلّم. وعليه فإن التعلم هو النّاتج الحقيقي لعمليّة التّعليم. يسوع هو المعلم، شأنه شأن موسى، شأن معلمي اليهود. ولكن شتّان بين تعليم وتعليم.
3 “طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات”.
تشير العبارة ” طوبى ” μακάριος باليونانية، وهي كلمة من أصل أرآميّ טוביהון أي “طوبى لهم، “هنيئًا لهم”، وفي العبري אַשְׁרֵי ومعناها بركة او سعادة الى تهنئة شخص لعطية نالها (متى 13: 16 و16: 17) اوالى تبشير فئة من الناس بالسعادة (متى 11: 6). وقد بدأ المسيح دستوره بالمكافأة بدل العقاب كي يجذب الناس الى “الحياة الفاضلة”. ويقول القديس أوغسطينوس” ما دمنا نحب المكافأة، يلزمنا عدم إهمال الجهاد لبلوغها. لنلتهب شوقًا نحو العمل للحصول عليها”؛ اما عبارة “طوبى لِفُقراءِ الرُّوح” فتشير الى الذين يعيشون الفقر الباطني الذي هو شرط ضروري لدخول الملكوت. والفقر الباطني هو شُعور الإنسان أنه بحاجة لله والاتكال عليه، ولا يتعلّق نفسه بالمال ولا يتمسّك بخيرات الدنيا تمشيا مع قول سليمان الحكيم “باطلُ الأَباطيل كل شيَءٍ باطِل (جامعة 1: 2)، “وكلّ ما فوق التّراب تراب” كما كتبت رابعة العدويّة مؤسسِّة مذهب الحب الالهي. ويعلق القديس أوغسطينوس ” الفقير بالروح هو من لا يرجو سوى الله، لأن الرجاء فيه وحده لا يخيب. الفقير بالروح يتخلّى عن كل ماله ويتبع المسيح. وإذ يتحرّر من كل حمل أرضي يطير إليه كما على أجنحة”. فطلبه بانسحاق شديد واتضاع فيرفعه الله لملكوته ويسكن عنده ” “هكذا قالَ العَلِيُّ الرَّفيع ساكِنُ الخُلودِ الَّذي قدُّوسٌ آسمُه: ((أَسكُنُ في العَلاءِ وفي القُدْس ومع المُنسَحِقِ والمُتَواضِعِ الرُّوح لِأُحيِيَ أَرْواحَ المتواضِعين وأُحيِيَ قُلوبَ المُنسَحِقين” (أشعيا 15:57). فمن ناحية، يُدرك الأنسان بالتواضع أنه بدون الله يكون كلا شيء، ومن الناحية الأخرى ” فإِنَّ أَوَّلَ الكِبرِياء هي الخَطيئة ومَن تَمَسَّكَ بِها فاضَ قَبائح” (يشوع بن سيراخ 10: 13). ويسوع يُعلن ان السعداء هم الذين يتقبّلون الملكوت، لا لأنَّهم يملكون شيئا، بل لأنهم يعيشون منذ الآن فرح الخلاص؛ حيث أن هذا الفقر لا معنى له ما لم يرتبط بيسوع الذي يبذل نفسه؛ وبكلمة أخرى، الفقر الروحي يكمن في الاستعداد الجذري في السهر والصلاة، والتخلّي عن المشيئة الشخصيّة على غرار المعلّم يسوع، الفقير الأول، لكي يسعى بتواضع الى تحقيق مشيئة الآب. من لا يتخلّى عن كلّ شيء ويفتقر مثل المسيح لا يستطيع أن يكون له تلميذاً له. ” إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني (متى 19: 21). والجدير بالذكر إنَّ تبشير الفقراء هو العلامة الثانية بعد المعجزات التي أعطاها يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان للشهادة بانه المسيح المنتظر “اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون: العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون” (متى 11: 5)؛ اما عبارة “الرُّوح” فتشير هنا الى قلب الانسان وكيانه كما جاء في سفر المزامير “الربّ قَريب مِن مُنكَسِري القُلوب ويُخَلًصُ مُنسَحِقي الأرْواح” (مزمور 34: 19)؛ وعليه فإنَّ فقراء الروح هم الذين ينتمون الى مجموعة الناس، وقد علَّمتهم المحن المادية والروحية عدم الاعتماد إلاَّ على عون الله وحضوره كما رنّم صاحب المزامير: “أَنا بائسٌ مِسْكين السَّيِّدُ يَهتَمُّ لي” (مزمور 40: 18). اما عبارة “لَهم مَلكوتَ السَّمَوات” فتشير الى أن سعادة الفقراء بالروح هي هبة لا مكافأة يحلمها الله إليهم في شخص يسوع. وقد شدَّد متى الإنجيلي على ان السعادة تُعطى للفقراء الذين يربطون حياتهم بالله وحده. ومن هنا جاء معنى “الفقراء” في انجيل لوقا هم أولئك الفقراء الى خيرات هذه الدنيا وهم يتقبلون وضعهم في ضوء الخلاص. فالفقر يصبح دعوة الى انتظار كل شيء من نعمته تعالى. واما من يحاول ان يجد السعادة في الغنى فلن يكتسب سوى المال وهو لا يدوم. وفي التطويبة الأولى، فيما العالم يطلب السعادة ة في الكبرياء والاستعلاء الشخصي والغنى، يسوع يضع السعادة في الفقر عن طريق التواضع “تَواضَعوا بَينَ يَدَي ربِّكم فيَرفَعَكم” (يعقوب 4:10). وخير مثال على ذلك التواضع هو في صلاة مريم العذراء ام يسوع “كَشَفَ عَن شِدَّةِ ساعِدِه فشَتَّتَ الـمُتَكَبِّرينَ في قُلوبِهم. حَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش ورفَعَ الوُضَعاء” (لوقا 1: 53). أن روح الفقر أول التطويبات فهو الأساس لكل فضيلة.
4 “طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض”
تشير الآية ” طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض” الى اقتباس من سفر المزامير”أمَّا الوُضَعاءُ فالأرضَ يَرِثون” (مزمور 37: 11). اما عبارة “ودعاء” المترجمة عن الكلمة اليونانيّة πραεῖς والمستخدمة لوصف الحيوانات المستأنسة فتشير الى أن الرب يطوّب طبيعتنا التي كانت قبلًا شرسة، فتحوّلت بفضل خضوعها للرب إلى الوداعة. الودعاء هم ذوي القلوب المتسعة التي تحتمل إساءات الآخرين، ولا تربِكُهم إساءات الآخرين فيفقدوا سلامهم، ولا يقاوموا الشر بالشر، بل هم الذين في ثقة في مسيحهم يقابلون من يعاديهم بابتسامة، لا عن ضعف، بل عن ثقة في قوة المسيح. فالوداعة لا تعني حياة خنوع أو ضعف بل من أسس العيش الهادئ والمنسجم في حين أن الغضب تأتي بالحروب، ويعلق القديس أمبروسيوس “يجب أن نتمسّك بالوداعـة فـي حركاتنا وملامحنـا وفـي طـــــريقة سيرنـا مشينا، لأن حركات الجسد تفصح عن حالة العقل، والوداعة قريبة من التواضع كما جاء في الترجمة السِّريانية. فإذا كان يسوع وديعاً كما عرّف نفسه “فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (متى 11: 29)، فعلى التلميذ ان يكون وديعاً مثل معلمه مهما كان وضعه الاجتماعي والديني. وهذا ما طبَّقه القديس بولس الرسول” أَنا بولُسَ أُناشِدُكُم بِوَداعَةِ المسيحِ وحِلْمِه، أَنا المُتَواضِعُ بَينَكم” (2 قورنتس 10/1). اما عبارة ” الأرض” فهي تشير إمَّا الى أرض الميعاد وهي رمز الى الملكوت او الى الأرض الجديدة التي يسكن فيها الودعاء كما جاء في تعليم بطرس الرسول “غَيرَ أَنَّنا نَنتَظِرُ، كما وَعَدَ الله، سَمَواتٍ جَديدةً وأَرضًا جديدةً يُقيمُ فيها البِرّ” (2 بطرس 3:13)؛ واما القديس أوغسطينوس فيقول “أن الأرض هنا إنّما تعني أرض الأحياء الواردة في سفر المزامير “آمَنتُ، سأُعايِنُ صَلاحَ الرَّبِّ في أَرضِ الأَحْياء ” (مزمور 27: 13). ولكنه يحذّرنا من أن يصير ميراثنا للأرض بالمفهوم الحرفي هو هدفنا، إذ يقول: “إنكم ترغبون في امتلاك الأرض، ولكن احذروا من أن تمتلككم هي”. فالوداعة هي تعزية للمتعبين والمُرهقين، كما جاء في دعوة يسوع لهم “اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (لوقا 11: 29)؛ وتبتعد الوداعة عن حبّ الظهور والصدارة، بل تتقبل إهانة الصليب وذلّه على خطى المعلم الإلهي” هُوَذا مَلِكُكِ آتياً إِلَيكِ وَديعاً راكِباً على أَتان”(متى 21: 5). وفي التطويبة الثانية فيما العالم يطلب السعادة في القوة، يسوع يضع السعادة في الوداعة وذلك عن طريق حمل نير المسيح “اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم” (متى 11: 29). أما عبارة “فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض” فتشير الى ان الودعاء هـم الذين يسيطرون عليها، أمّا ذوي الأخلاق الشريرة فيطردون من أرضهم.
5 “طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون”
تشير عبارة “الْمَحزُونين” “لا الى الحزن المادي بل الى الحزن الروحي”، حيث يدرك المرء خطاياه ويشعر أنه بحاجة الى التوبة الصادقة. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول ” لأَنَّ الحُزْنَ للهِ يُورِث تَوبَةً تُؤَدِّي إِلى الخَلاص ولا نَدَمَ عَلَيها، في حِينِ أَنَّ حُزنَ الدُّنْيا يُورِثُ المَوت ” (2 قورنتس 7: 10)، وبناء على ذلك فإن عبارة ” المحزونون ” لا تدل على أصحاب المزاج السوداوي، بل على هؤلاء الذين هـم تحت تبكيت الخطيئة او الذين “يتنهدون” “وينوحـــــون” علــــى حالة العالم الخاطئة كما كانت حــــالة بولس الرسول، الذي أمضى سنوات خدمته يبكي دُمـوعـاً مــــن أجـــــل خلاص إخوته، كمـــــا صرّح ” إِنَّ في قَلْبي لَغَمًّا شَديدًا وأَلَمًا مُلازِمًا. لقَد وَدِدتُ لو كُنتُ أَنا نَفْسي مَحْرومًا ومُنفَصِلاً عنِ المسيح في سَبيلِ إِخوَتي بَني قَومي بِاللَّحمِ والدَّم، لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة” (2 قورنتس 2: 4). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “إن يسوع يأمرنا أن نحزن ليس فقط على أنفسنا، وإنما أيضًا من أجل شرور الآخرين. هذه النزعة للحزن بسبب خطايا الآخرين إتّسمت بها نفوس القدّيسين مثل موسى وبولس وداود” ويمـــكن تطبيقها أيضا على المسيحيين الذين يعانون الاضطهاد او التعيير بسبب إيمانهم، حيثُ ان التعزية تأتينا بواسطة الإيمان الكائن في قلوبنا، وبعد ذلك سننالها علنا في العالم الآتي في السماء. وقد عبّر صاحب المزامير عن شعور المحزونين وتعزيتهــــــم بقولــــــه “الَّذينَ بِالدُموعِ يَــــــزرَعون بِالتَّهْليلِ يَحصُدونَ” (مزمور 126: 5). هؤلاء حزنهم مقدس والربّ يحوله لفرح روحي كما وعد تلاميذه “أَنتُم أَيضاً تَحزَنونَ الآن ولكِنِّي سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح.” (يوحنّا 22:16). وهذه التعزية تستطيع وحدها ان تنجِّي المحزونين من احزانهم كما جاء في نبوءة اشعيا “أُعَزِّيَ جَميعَ النَّائحين”(اشعيا 61: 2). وعليه فإن العزاء الحقيقي يأتي من الرب. فالحزن هنا ليس بالضرورة شعوراً سلبيّاً إنمـا هو تعبيرٌ عن حركة داخليّة تمتاز بالبحث عن يسوع العريس والسعي المستمرّ الى الالتقاء به على مثال سمعان الشيخ، الرجل البار، الذي التقى بيسوع الطفل في الهيكل فعبّر عن تعزيته بقوله “الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقاً لِقَوْلِكَ فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ” (لوقا 2: 25). وفي هذه التطويبة الثالثة فيما العالم يطلب السعادة في أي ثمن، يسوع يضع السعادة في الحزن على الخطيئة وذلك عن طريق طلب رحمة الله ” إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيَّ (مزمور 51: 3).
6 “طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون”
تشير عبارة “أِلْجياعِ” الى الجوع للطعام الروحي أي معرفة الله ومعرفة المسيح كما قال المسيح “الحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح” (يوحنا 17: 3)، وامّا عبارة “العِطاشِ” فتشير الى العطش الروحي أي الاشتياق لله كما صرخ المرنم ” كما يشْتاقُ الأيَلُ إِلى مَجاري المِياه كذلِكَ تَشْتاقُ نَفْسي إِلَيكَ يا أَلله” (مزمور 1:42)؛ أمَّا عبارة “البِرّ” فتشير الى الأمانة الجديدة والجذرية للعمل حسب شريعة الله خاصة بما يتعلق بالصدقة (متى 6: 2-4) والصلاة (متى6: 5-6) والصوم (متى6: 16-18). فالبِرُّ في هذه المعنى هو مصدر العدالة بين الناس. الم يقل المسيح “فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه، تُزادوا هذا كُلَّه “(متى 6: 33). وخير مثال في الجوع والعطش الى البرِّ هو يوحنا المعمدان كما أعلن عنه السيد المسيح “فَقَد جاءَكُم يوحَنَّا سالِكاً طريقَ البِرّ”(متى 21: 32). واما البرّ في المعنى الروحي فهو السيّد المسيح نفسه الذي هو برّنا الكامل. ومن تذوق حضور الرب في حياته يترنم مع صاحب المزامير” ذوقوا واْنظروا ما أَطيَبَ الرَّبَّ” (مزمور 34: 9). فنحن في جوع وعطش الى المسيح كما جاء في تعليمه “مَن يُقبِلْ إِليَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أبَداً.” (يوحنا 6: 35). أما عبارة “يُشبَعون” فإننا نجد صدى لها في سفر اشعيا “لا يَجوعونَ ولا يَعْطَشون، لِأَنَّ راحِمَهم يَهْديهم (اشعيا 49: 10). فالله يُشبع الجياع والعطاش الى البرِّ أي الحياة بحسب مشيئة الله وكلامه كما جاء في نبوءة عاموس النبي “ها إِنَّها سَتَأتي أَيَّامٌ يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ أُرسِلُ فيها الجوعَ على الأَرْض لا الجوعَ إِلى الخُبزِ ولا العَطَشَ إِلى الماء بل إِلى استماع كَلِمَةِ الرَّبّ”(عاموس 8: 11). فالجوع هو جوع لكلمة الله: “مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله” (متى 4: 3)؛ كذاك هو الجوع والعطش لعمل الخير تجاه كلّ إنسان “لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني… الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى 25: 35، 40). وفي هذه التطويبة فيما يطلب العالم السعادة في السعي وراء الحاجات الشخصية، يسوع يضع السعادة في العدالة والصلاح وذلك عن طريق الروح القدس “فَإِن لم أَذهَبْ، لا يَأتِكُمُ المُؤيِّد. أَمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم. وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة” (يوحنا 16: 7-8).
7 “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون.”
تشير عبارة الرحماء” ليس فقط الى الذين يُظهرون الرحمة بتقديم المال، وإنما أيضًا الذين هم رحماء في تصرفاتهم؛ الرحمة متعدّدة الأشكال فهي لا تُشير إلى مجرّد العطاء المادي أو حتى العاطفة وإنمــــا إلى الإحساس بالآخر ومشاركته مشاعره. وتسديد احتياجاته وكأننا نحتل مكانهم، فنشعر بآلامهم وأتعابهم، كما فعل السيّد المسيح نفسه الذي رحمنا باقترابه إلينا وقبوله طبيعتنا وحمله آلامنا، لذلك يوصينا الرسول بولس قائلًا: “أُذكُروا المَسْجونينَ كأَنَّكم مَسْجونونَ مَعَهم، واذكُروا المَظْلومين لأَنَّكم أَنتُم أَيضًا في جَسَد” (عبرانيين 13: 3). وأما عبارة “يُرْحَمون” فتشير إلى أنَّ الله يرحم الرحماء في يوم الدينونة. والرحمة تقوم ان يتقبل التلاميذ بعضهم بعضا ويغفروا بعضهم لبعض، على مثال الآب، الذي يتقبَّلهم رغم ضعفهم وخيانتهم، ولا حدود إطـــــلاقا لغفرانه (متى 18: 33). فعلى التلاميذ أن يغفروا كما الله يغفر “كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6:36)، وان يزوروا المرضى ويشفونهم “كنت مَريضاً فعُدتُموني” (متى 25: 36)؛ ولكـــن هذه الدينونة ستكون قاسية للذين لا يعرفون الرحمة “لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فالرَّحمَةُ تَستَخِفّ بِالدَّينونَة”(يعقوب 2: 13). ومن لا يرحم أخاه لن يذوق من رحمة الله. وترد كلمة “رحمة” في ثمان مراجع كلّها خاصة بيسوع، ويتبيّن لنا أنّ رحمة يسوع موجّهة دائماً إلى فئتَين من الناس: المرضَى والخطأة. وليست هذه الرحمة نظريّة لكن فعّالة وعمليّة، وهي مبنيّة على واقع “الشفاء”: الشفاء مـــــن المرض الخارجـــــي (عمى وشلل، إلخ…)، ومن المرض الداخلي: الخطيئة؛ وعليــــه أوصى البابا فرنسيس فــــــي اختتام سينودس الأساقفة حول العائلة بقوله “إنَّ أوضاع البؤس والصراع هي بالنسبة لله فرصٌ للرحمة واليوم هو زمن الرحمة! فتلامذة المسيح مدعوون اليوم إلى وضع الإنسان في حالة اتصال مع الرحمة التي تُخلص. لذا من الأهمية أن نعيش على الدوام بروح موجّهٍ نحو الآخرين”؛ وعلى العكس “الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فالرَّحمَةُ تَستَخِفّ بِالدَّينونَة ” (يعقوب 2: 13). وفي هذه التطويبة فيما يطلب العالم السعادة في القوة بلا عواطف، يضع يسوع السعادة في الرحمة عن طريق المحبة “وسِيروا في المَحَبَّةِ سيرةَ المسيحِ الَّذي أَحبَّنا وجادَ بِنَفسِه لأَجْلِنا ” (أفسس 5:1-2).
8 “طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله”
تشير هذه الآية الى سفر المزامير “النَّقِيُّ الكَفَّين والطَّاهِرُ القَلْبِ الَّذي لم يَحمِلْ على الباطِلِ نَفسَه ولم يَحْلِفْ خادِعًا”(24: 4). تشير عبارة “الأَطهار” الى النقاوة او الطهارة كما جاءت في التعبير اليوناني καθαροὶ ومعناها الغسل والتطهير كإزالة الأوساخ من الملابس، وتعني أيضًا تنقية ما هو صالح ممّا هو رديء كفصل الحنطة عن التبن. هكذا قلب المؤمن يغسله ربنا يسوع المسيح بدمه من كل شائبة؛ أما عبارة “القلب” فتشير في الكتاب المقدس الى مركز حياة الانسان في صميمه وفكره وذاكرته ومشاعره وقرارته (لوقا 2: 19و35 و51). وبكلمة أخرى، القلب يشمل العقل والإرادة والشعور. اما عبارة “لأَطهارِ القُلوب” فهي لا تشير الى الكمال الأخلاقي فحسب، بل الى استقامة الحياة الشخصية التي تبعده عن القلب الملتوي والأمور الخاطئة. ويوضِّح المفكر الأخلاقي والفيلسوف الروسي ليو تولستوي هذه الفكرة بقوله ” ليس الكمال الأخلاقي الذي يبلغه المرء هو الذي يُهمنا، بل الطريقة التي يبلغه بها”. فاستقامة حياة الانسان الشخصية تدلُّ على نيَّتِه الصافية (ونزاهتِه رومة 12: 8). فهو لا ينظر إلأَّ الى الله وشريعته (متى 6: 22)، وصيانة نفسه من النجاسات الآتية من باطنه كالأقوال الجارحة او الكاذبة (متى 15: 8) “والمقاصد السَّيِّئَة والقَتْلُ والزِّنى والفُحْشُ والسَّرِقَةُ وشَهادةُ الزُّورِ والشَّتائم”(متى 15: 19). ويُعدد القديس أوغسطينوس ما الذي يُعكّر صفاء عين قلبك “الشهوة والبُخل والإثم واللذّة العالميّة؛ هذا كلّه يُعكّر عين القلب ويغلقها ويعميها”. ان جميع هذه الانحرافات ليست مجرد فساد شخصي يُنظر اليه من وجهة تأثيره في الافراد، بل هي أيضا نيل من كرامة القريب. فالتلميذ الحقيقي يعبّر عن الطهارة الشخصية في علاقاته مع القريب. قد تشير طهارة القلب الى الامتناع عن الخطيئة وعدم الاحتكاك بها؛ وهي تعتمد على الزهد والتجرّد والابتعاد الجذري عن كلّ أمر مدنِّس للقلب. وبعبارة أخرى إن الله يطلب النقاوة في الكيان الجوهري في الإنسان. ولا ينال الانسان ذلك إلاّ بالــــولادة الجديــــــدة (أي المعمودية). ويُعلق القديس يوحنـــــا الذهبي الفم ” أطهـــــار القلوب او “الأتقياء” هم من حصلوا على كل فضيلة، أو الذين لا يحملون أي مشاعر شرّ فيهم، أو الذين يعيشون في العفّة. فإنه ليس شيء نحتاج إليه لمعاينة الله مثل الفضيلة الأخيرة”. لهذا يقول بولس أيضًا: “اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب” (عبرانيين 12: 14؛ أما عبارة “يُشاهِدونَ الله” فتشير الى ان أطهار القلوب الذين يعاينون الله بالإيمان، كما ترنَّم داود النبي ” جَعَلتُ الرَّبَّ كُلَّ حين أَمامي إِنَّه عن يميني فلَن أَتَزَعزَع ” (مزمور 35: 10)، وقال يسوع “مَن رآني رأَى الآب. فكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟ أَلا تُؤِمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ؟ ” (يوحنا 14: 9)، نحن نعاينه هنا على الأرض بالإيمان أما في السماء فسيكون هذا عيانا، نعاين الله بعد الموت وجها لوجه كما جاء في تعليم القديس يوحنا الرسول “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو” (1يوحنا 3: 2). ويوضح ذلك بولس الرسول فيقول ” فنَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤَيةً مُلتَبِسة، وأَمَّا في ذلك اليَوم فتَكونُ رُؤيتُنا وَجْهًا لِوَجْه” (1 قورنتس 13: 12) ويعلق القديس أوغسطينوس “لنُنقِّ قلوبنا بالإيمان، لكي نتهيأ لذاك الذي لا يُوصف، أي للرؤيا غير المنظورة”. وفي هذه التطويبة ا فيما يطلب العالم السعادة في الخداع، يضع يسوع السعادة في نقاء القلب وذلك عن طريق ان نكون ” مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله” (1يوحنا 3: 2).
9 “طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون”.
تشير عبارة “لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام” إلى أولئك الذين في المسيح يصنعون السلام بين الله والناس، والى الذين يصالحون الناس مع بعضهم البعض على خطى السيد المسيح، رئيس السلام الذي جاء ليؤسس ملكوته على الأرض وهو ملكوت السلام. وأبناء الله يعملون لنشر السلام بين الناس. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “عمل الابن الوحيد أن يُوحِّد المنقسمين ويصالح الغرباء”. ” ودُعِيَ أسمُه رَئيسَ السَّلام (اشعيا 9: 5)، وإنجيله هو “بِشارةِ السَّلام” (أفسس 6: 15)، وملكوته “مَلَكوتُ بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس ” (رومة 14: 17)، أمّا ثمن هذا السلام فهو دمه الثمين المبذول على الصليب. ويُعلق القديس ايرونيموس “المسيح ربّنا هو السلام. لنحفظ السلام فيحفظنا السلام في المسيح يسوع”. وصُنع السلام ليس عملًا خارجًا يمارسه الإنسان، وإنما هو سلام داخلي يحلّ بين الروح والجسد بالروح القدس في المسيح يسوع. وفي هذا الصدد يقول القديس أوغسطينوس ” يكون كمال السلام حيث لا توجد مقاومة. فأبناء الله صانعوا سلام في داخلهم يسيطرون على حركات أرواحهم ويخضعونها للعقل والروح، ويُقمعون شهواتهم الجسديّة تمامًا، إذ لا يستطيع الإنسان السيطرة على الأمور الدنيوية، ما لم يُخضع ذاته لمن هو أعظم منها، هذا هو السلام الذي يعطي الإرادة الصالحة، هذه هي حياة الإنسان الحكيم صانع السلام!” في الواقع يستحيل على الانسان أن يحكم من هم دونه إن لم يخضع لمن هو أعلى منه، وذاك هو السلام الذي يهبه الله في الأرض لذوي الإرادة الصالحة الذين يخضعون لله في فكرهم وروحهم؛ أما عبارة والسلام لا تعني فقط عدم الحرب، وإنما تدل على الهناء في الحياة اليومية، وضع الانسان الذي يعيش في وئام مع الطبيعة، ومع نفسه، ومع الله. وبصورة واقعية، هو بركة، وراحة، ومجد، وغنى، وخلاص، وحياة. إنّ المصطلح “فاعل السلام” لا يرد إلا مرّة واحدة في العهد الجديد: في الرسالة الى أهل قولسي “وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه” (قولسي 1: 20). وعليه فانَّ القيام بفعل السلام يقتضي بذل ذات والتضحية التامّة: تضحية قد تقود المؤمن الى الاستشهاد، من أجل مصالحة البشر مع الله. وفي التطويبة السابعة فيما يطلب العالم السعادة في السعي وراء السلام الشخصي دون مبالاة بحرب العالم، يضع يسوع السعادة في السلام وذلك عن طرق مسالمة كل الناس وعدم الانتقام والتغلب على الشر بالخير. “سالِموا جًميعَ النَّاسِ إِن أَمكَن، على قَدْرِ ما الأَمرُ بِيَدِكم. لا تَنتَقِموا لأَنْفُسِكم …لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغلِبُكَ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخير. ” (رومة 12: 9-21) وكل من يصنع سلامًا فهو ابن لله.
10 “طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات”:
تشير عبارة “المُضطَهَدينَ” المترجمة عن اللغة اليونانية δεδιωγμένοι الى المطرودين كما يدل معناها الحرفي، وهم أبناء الله المتحدين بالابن البكر يسوع المسيح ونالوه “إِذا أبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّه أَبغَضَني قَبلَ أَن يُبغِضَكم” (يوحنا 15: 18) “وإِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً” (يوحنا 15: 20)؛ اما عبارة “المُضطَهَدينَ على البِرّ” فتشير الى الذين يتكبّدون من اجل المسيح عذاباً فيدخلون في بنوَّة الله، لانّ في الاضطهاد ينال المؤمنون “البنوّة الإلهيّة اذ قال يسوع: ” أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم، لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات” (متى 5: 44-45). وعليه فإن محبّة الأعداء والصلاة من أجل المضطهِدين هما بابان للدخول في الشركة الإلهيّة. وبالتالي نصبح إخوة يسوع بقدر ما نتضامن معه في تحمّل نير الاضطهاد ومحبّة الأعداء. وعليه فإن المسيحي يوصف باستمرار كشخص مُعرَّض للاضطهاد والطرد.
في هذه التطويبة فيما يطلب العالم السعادة في التزامات ضعيفة، يضع يسوع السعادة في الأمانة والتقوى “فَجَميعُ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَحيَوا حَياةَ التَّقْوى في المسيحِ يسوعَ يُضطَهَدون” (2 طيموتاوس 3: 12)؛
11 “طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي”
تشير عبارة “طوبى لكم” الى تطبيق مباشر على التلاميذ الذين هم يواصلون عمل الأنبياء. إذ ينتقل متى الإنجيلي من صيغة الغائب (طوبى للمضطهدين) الى صيغة المخاطب (طوبى لكم). فيوجّه السيد المسيح الكلام بصفة خاصة للحاضرين، هذا تشجيع لهم كي يحتملوا ما سيواجهونه من ضيق كأبناء لله وبالتالي شركاء الاضطهاد وشركاء للمجد ” فإِذا كُنَّا أَبْناءَ الله فنَحنُ وَرَثة: وَرَثَةُ اللهِ وشُرَكاءُ المسيحِ في المِيراث، لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا” (رومة 8: 17)؛ اما عبارة ” شتموكم ” فتشير الى التعيير في وجودهم؛ اما عبارة “افْتَرَوْا علَيكم” فتشير الى قولهم عليكم في غيابكم كذباً؛ واما عبارة “كُلَّ كَذِبٍ” فتشير الى كلمة شريرة واتهامات باطلة، إما بتزييف الحقائق بقصد الخداع وهو عكس الصدق.
12 “اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.”
تشير عبارة “اِفَرحوا وابْتَهِجوا” الى الفرح بالله والابتهاج كما فرح الرسل وابتهجوا، لأنهم حُسبوا أهلًا أن يهانوا من أجل اسم المسيح:” أَمَّا هَم فانصَرَفوا مِنَ المَجلِسِ فَرِحين بِأَنَّهم وُجِدوا أَهلاً لأَن يُهانوا مِن أَجْلِ الاسْم”(أعمال الرسل 5: 41). قال القدّيس توما الأكويني: “لا يستطيع أيّ إنسان أن يعيش دون فرح. ولهذا فإنّ أي شخص محروم من الفرح الروحي يلاحق الملذّات الجسديّة”؛ أما عبارة “أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم ” فتشير الى الحياة الوافرة الذي وعد بها يسوع “أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم” (يوحنّا 10، 11)؛ أمَّا عبارة “اضْطَهدوا الأَنبِياءَ” فهي تشير الى الاضطهادات التي عاناها الأنبياء (مثل أيليا، ارميا، دانيال) وعلى استشهادهم إبّان اضطهاد انطيوخس الرابع سنة 167 وكثيرا ما يذكر يسوع أيضا استشهاد الأنبياء (لوقا 11: 47-51 و13: 33). ويطلب منا يسوع أن نفرح عندما نُضطهد؛ فالاضطهاد قد يكون خيراً لنا، لأنه يقوي إيمان من يحتملون، ويقدم مثالا للآخرين حتى يحذوا حذونا ويعزّينا بان أعظم الأنبياء قد اضطهدوا، فكما اضْطَهدوا الأَنبِياءَ فكذلك قد نتعرض التلاميذ الى الاضطهادات (متى 23: 34). وأخيرا نحصل على مكافأة الملكوت السماوي حيث لا اضطهاد بعد. وتعلق القدّيسة تريزا من آفيلا “لا تدع أيّ شيء يزعجك، لا تدع أيّ شيء يُخيفك؛ جميع الأشياء تمضي: الربّ لا يتغيّر. يحقّق الصبر كلّ ما يكافح من أجله. من لديه الربّ لا يُعوزه شيء، الربّ وحده يكفي”. وفي هذه التطويبة يشير يسوع الى ان من يرغب ان يسلك طرق التطويبات لا بد ان يواجه اضطهاد ومعارضة. وإذا شعرنا بالحزن، لنستغيث بروح المسيح الذي فينا، ولنصلي مع صاحب المزامير ” لِماذا تَكتَئِبينَ يا نَفْسي وعلَيَّ تنوحين؟ إِرتَجي اللهَ فإِنِّي سأَعودُ أَحمَدُه وهو خَلاصُ وَجْهي” (مزمور 42: 6). ولنتذكّر أن الذين يفارقون الجسد، يعيشون مع إله الكل كما جاء في تعليم بولس الرسول “فنَحنُ إِذًا واثِقون، ونَرى منَ الأَفضَلِ أَن نَهجُرَ هذا الجَسَد لِنُقيمَ في جِوارِ الرَّبّ” (2 قورنتس 5: 8).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 1-12)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 5: 1-12)، نستنتج انه يتمحور حول التطويبات كدستور للحياة المسيحية، ويحدِّد هذا الدستور سلوك التلميذ الكامل كي ينال سعادة الملكوت (متى 5: 1-7: 29). ويُعلق العلامة أوغسطينوس” فيها كل المبادئ السامية اللازمة للحياة المسيحيّة الكاملة”؛ ومن هنا نسأل: ما هو مفهوم التطويبات؟ أين تمّت عظة التطويبات؟
1) ما هو مفهوم التطويبات كطريق للسعادة الحقيقة؟
طوبى” μακάριος باليونانية هي كلمة من أصل عبري אַשְׁרֵי معناها: بركة او سعادة. وتستعمل لتهنئة شخص لعطية نالها (متى 13: 16 و16: 17) او لتبشير فئة من الناس بالسعادة (متى 11: 6). السعادة في التطويبات لا تعني مجرّد غبطة أو سعادة، وإنما هي سِمة تمسّ طبيعة الشخص، وحياته الداخلية، وليس مجرّد سعادة نتيجة لظرف خارجي يحيط به، فالرب لا يقدّم لتلاميذه فقط مكافآت خارجيّة، إنّما مكافآت تمسّ طبيعتهم الداخليّة من جوانب مختلفة. فيحملون طبيعة الرحمة التي لله فيهم وسلامه ونقاوته. فكل مطوّب ينال كل المكافآت بسبب التطويبة التي عاشها. ويوضح ذلك القديس أوغسطينوس ” جميع المطوّبين سيعاينون الله، ولكنهم لا يعاينوه بسبب فقرهم بالروح أو وداعتهم أو حزنهم أو جوعهم أو عطشهم للبرّ أو رحمتهم، إنّما يعينوه بسبب نقاوة قلبهم. فالتواضع يؤهل لامتلاك ملكوت السماوات، والوداعة تؤهل لامتلاك الأرض، والحزن لنوال التعزية، والعطش والجوع إلى البرّ للشبع، والرحمة لنوال الرحمة أيضًا من الرب، ونقاوة القلب لمعاينة الله “.
اما التطويبات في الكتاب المقدس فهي صيغ تقليدية بشكل عام. في اسفار العهد القديم التطويبات تعبّر عن البشرى بالفرح المُقبل كما جاء في نبوءة دانيال “طوبى لِمَن يَنتَظِرُ “(دانيال 12: 12)) او عن الشكر على الفرح المقبل كما جاء في سفر مزامير “طوبى لِمَن مَعصِيَته غُفِرَت وخَطيئَته سُتِرَت. طوبى لِمَن لا يَحسُبُ علَيه الرَّبّ إِثْمًا ولا في روحِه خِداع. (مزمور32: 1-2) او عن الوعد بمكافأة ” طوبى لِلإِنْسانِ الَّذي وَجَدَ الحِكمَة وللإِنْسانِ الَّذي نالَ الفِطنَة” (أمثال 3: 13). وهي تقصد دائما فرحا يمنحه الله. “وتعلن ما يحصل عليه التلاميذ من الآن بصورة غامضة من البركات والمكافئات. وهي قد بدأت في حياة العذراء مريم وجميع القديسين” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، بند 1717).
أما في الإنجيل المقدس فإن التطويبات هي تهنئة لعطية تمَّ منحها، او وعد لمن يتقبّل رسالة سيدنا يسوع المسيح “طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة” (متى 11: 6). وبكلمة أخرى التطويبات تصف معنى تبعية المسيح، وهي معيار للسلوك، إذ “تنير الأفعال والمواقف التي تميّز الحياة المسيحية وتدعم الرجاء في المضايق ” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1717).
وتتمركز التطويبة في انجيل متى في شخص المسيح وهويته ورسالته وملكوته. فهي مرتبطة بشخص المسيح كما جاء في تعليم يسوع “فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ” (متى 13: 16). وتكمن السعادة في الكشف عن هويّة المسيح كما يظهر من جواب يسوع لبطرس عندما أعلن عن هويته “أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 15) فأجابه يسوع: “طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا” (متى16/17). وفي هذا الصدد يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية” ان التطويبات ترسم وجه يسوع المسيح وتصف محبته ” (رقم 1717)؛ فالتطويبات ترسم صورة يسوع الحقيقية وتنطبق عليه ، فهو الفقير الذي “َلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه”( متى 8: 20) ، وهو الحزين الي عرق في بستان الجسمانية دماً “صارَ عَرَقُه كَقَطَراتِ دَمٍ مُتَخَثِّرٍ تَتَساقَطُ على الأَرض ( لوقا 22: 44)، وهو الرحيم الذي مات على الصليب ويطلب الغفران لصالبيه “يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون ” (لوقا 23: 34)، وهو الوديع ” اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم” (متى11: 29) ، وهو الجائع والعطشان لخلاص النفوس “يا رَبّ، متى رأَيناكَ جائعاً فأَطعَمْناك أَو عَطشانَ فسَقيناك ؟” (متى 25: 37)، وهو صانع السلام بين الله والناس “السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم” (يوحنا 14: 27)، وهو الطاهر القلب “مَن مِنكم يُثبِتُ عَليَّ خَطيئة؟” (يوحنا 8: 46)، فالتطويبات هي الطريق الى المسيح.
وتقوم السعادة في الكتاب المقدس على دخول ملكوت الله في مجد المسيح وفرحه وراحته وبنوته والحياة الأبدية؛ وقد صرّح بولس الرسول ان السعادة تكمن في مجد المسيح “أَرى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجدَ الَّذي سيَتَجَلَّى فينا” (رومة 8: 18) ، وتقوم السعادة أيضا في فرح المسيح ” أَحسَنتَ أَيُّها الخادِمُ الصَّالِحُ الأَمين! كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير: أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ” (متى 25: 21)، وفي راحته “مَن دَخَلَ راحَتَه يَستَريحُ هو أَيضًا مِن أَعمالِه كَما استَراحَ اللّهُ مِن أَعمالِه فلْنُبادِرْ إِلى الدُّخولِ في تِلكَ الرَّاحَةِ” (عبرانيين 4: 10-11) وفي بنوته تعالى والتمتع في رؤيته ومعاينته “طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله” (متى 5: 8). والتمتع بحياة الثالوث فنصبح مشاركين في الطبيعة الإلهية كما صرّح بطرس الرسل “إِنَّ قُدرَتَه الإِلهِيَّة مَنَحَتْنا كُلَّ ما يَؤُولُ إِلى الحَياةِ والتَّقْوى. ذلِك بِأَنَّها جَعلَتْنا نَعرِفُ الَّذي دَعانا بِمَجْدِه وقُوَّتِه فمُنِحْنا بِهِما أَثمَنَ المَواعِدِ وأَعظَمَها، لِتَصيروا بِها شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّة في ابتِعادِكم عَمَّا في الدُّنْيا مِن فَسادِ الشَّهوة. (2 بطرس 1: 3-4) وفي الحياة الأبدية كما جاء في تعليم يسوع “الحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح” (يوحنا 17: 3). ويُعلق القديس أوغسطينوس “هناك نستريح ونعاين، نعاين ونُحبّ، نُحبّ ونسبّح. ذلك ما سيكون في النهاية بلا نهاية. وأية غاية أخرى تكون لنا سوى البلوغ الى الملكوت الذي لا نهاية له؟”.
والسعادة الأبدية هي عطيّة مجانية من الله ونعمته تعالى. لأن الله بحسب عظمته ومجده الذي لا يوصف، وفي هذا الصدد يصرّح القديس ايريناوس. “لا يراه أحد ويحيا”، لان الاب لا يمكن ادراكه؛ ولكنه بحسب محبته ورحمته للبشر وبحسب قدرته، يصل الى حد منح محبيه مزية معاينة الله لأن ما هو مستحيل عند الناس ممكن عند الله”.
وأخيرا التطويبات تضعنا في تحديات كونها دستور أخلاقي للتلاميذ، ومعيار للسلوك لكل المؤمنين؛ فإنها تضع الانسان في تحدي بين قيم الملكوت الابدية من وداعة ورحمة وسلام وقيم العالم الزمنية من مال وعنف وسلطة؛ وبين الايمان السطحي عند الفريسيين والايمان الحقيقي الذي يريده يسوع؛ يقلب يسوع كل فكرة العالم عن السعادة راسا على عقب. فالتطويبات تعلمنا ان السعادة الحقيقية ليست في الغنى أو الرفاهية أو المجد البشري أو السلطة، وليست في أي عمل بشري مهما كان مفيدا، من مثل العلوم والتقنيات والفنون، وليست في اية خليقة، وانما هي في الله وحده ينبوع كل خير وكل حب، لذا تضعنا أمام خيارات أخلاقية حاسمة. وتدعونا الى تنقية قلبنا من الغرائز الشريرة، والتماس محبة الله فوق كل شيء. ويعلق نيومان في خطابه عن السعادة “ان الغنى في يومنا هو الاله الاكبر، وكل الجماعة البشرية يقيسون السعادة بمقياس الغنى، وبمقياس الغنى ايضا يقيسون الكرامة. ويتأتى ذلك كله من اعتقاد ان الانسان الحاصل على الغنى يقدر على كل شيء. فالغنى اذن هو صنم من اصنام اليوم” وبالتالي فهو أحد تحديات الانسان اما م السعادة الحقيقية التي تعرضها عظة التطويبات.
وتبيّن عظة التطويبات هوية الذين هم في أفضل حال لنيل ملكوت الله. فهم ينقسمون الى فئتين: فئة الفقراء والودعـــــاء والرحماء والساعون الى السلام (مرقس 5: 3-9)؛ والفئــــة الأخـــــــرى، فئة المُضطَّهدين (مرقس 5: 10-12) التي ترتبط بالكنيسة في أيام متى التي عرفت الاضطهاد.
وباختصار، فإن التطويبات هي مبادئ روحية. وكل مبدأ يتكوّن من وسيلة وهدف. يُشار الى الوسيلة بهوية الأشخاص الذين ينالون التطويبة او السعادة ” طوبى للفقراء، للودعاء، للمحزونين، للجياع والعطاش الى البر، للرحماء، لإطهار القلوب، للساعين الى السلام وللمضطهدين. اما الهدف فهو “السعادة” أو المكافأة الموعود بها وهي الملكوت السماوي والتعزية والرحمة، ومشاهدة الله. ان الله يدعونا الى سعادته الخاصة من خلال التطويبات. ويعلق القديس أوغسطينوس “هناك نستريح ونعاين، نعاين ونحبُّ، نحبُّ ونسبِّح. ذلك ما سيكون في النهاية بلا نهاية. وأيّة غاية أخرى تكون لنا سوى البلوغ الى الملكوت الذي لا نهاية له؟ ” وهذه الدعوة موجهة الى كل واحد شخصيا. وتقوم السعادة بالإيمان والعمل بمشيئة الله، الايمان برسالة يسوع حول الملكوت “والفُقراءُ يُبَشَّرون، وطوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة (متى11: 6)، وبالعمل مشيئته تعالى “طوبى لِذلكَ الخادِمِ الَّذي إِذا جاءَ سيِّدُه وَجَدَه مُنصَرِفاً إِلى عَمَلِهِ هذا! ” (متى 24: 46).
السعادة هي هدف وجود الإنسان وغاية اعماله الإنسانية، وهي غــــــاية في حـــد ذاتها، ويقول ارسطو ” أنَّ السعادة هي الهدف النهائي والناس يبحثون عنها أكثر من أي شيء آخر”. فالله خلق الإنسان للسعادة لا للشقاء. والإنسان يميل في طبيعته الى السعادة. ويعلق التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية “التطويبات تلبِّي الرغبة الطبيعية في السعادة. وهذه الرغبة هي من أصل إلهي، وضعها الله في قلب الانسان ليجتذبه اليه” (بند 1718)، ويصرّح العلامة توما الأكويني “الله وحده قادر على اشباعها”، ويوكّد ذلك القديس أوغسطينوس في اعترافاته ” بما انني في سعيي اليك، يا إلهي، أسعى الى الحياة السعيدة، فاعمل على ان اسعى اليك حتى تحيا نفسي، لأن جسدي يحيا من نفسي، ونفسي تحيا منك”.
2) جبل التطويبات:
يقع جبل التطويبات على تل صغيرة تبعد 200م من بحيرة طبرية على طريق رقم 90. وهو يشكِّل مسرحاً طبيعيا يزيد على 1200م؛ وأما ارتفاعه فيبلغ بنحو 800م؛ وهو مكان يتجاوب مع صدى الصوت الصادر من البحيرة (مرقس 4/1)؛ وكان هناك عشب كثير (يوحنا 10/4،10). وفي هذا المكان تفوه سيدنا يسوع المسيح بكلماته الخالدة ومبادئه عن الحياة المسيحية الجديدة في عظة التطويبات (متى 5: 1-5).
اما المعالم الأثرية فقد أجرى في عام 1935 العالم الأثري الاب بلرمينو بغاتي الحفريات في المنطقة المقابلة بوابة مزار كنيسة رئاسة القديس بطرس، واكتشف ديرًا صغيرًا وكنيسة بيزنطية يعود تاريخها الى نهاية القرن الرابع لها أرضية فسيفسائية مبنيّة على مغارة طبيعية. وبقايا هذه الارضية الفسيفسائية معروضة حاليا في كنيسة الفرنسيسكان في كفرناحوم. وتقول السائحة ايجيرية في مذكراتها سنة 383 أنّ المسيح القى عظة الجبل من فوقها. للكنيسة جناح واحد تبلغ مساحتها نحو7.02 X 4.48 م؛ ولها حنية بارزة. وأعاد ترميمها البيزنطيون عام 600، لكن وهدمها الفرس وأُهملت في نهاية القرن العاشر.
هناك عدة أدلَّه على صحة هذا الموقع: الدليل الاول: موقعه على مقربة من كفرناحوم الذي يتلاءم مع مواصفات الإنجيل (متى 5/1، 8/1، 14/ 22-23 ومرقس 6/ 46)؛ والدليل الثاني: وجود الكنيسة في هذا المكان بالرغم من صعوبة الموقع للبناء. واما الدليل الثالث فهو وصف ايجيرية يتلاءم لهذا الموقع: “في مكان غير بعيد عن كفرناحوم بقرب البحيرة هناك حقل مُخصب فيه اشجار النخيل الكثيرة، وهو ملاصق للينابيع السبع. وفي هذا الحقل أشبع الرب الشعب بخمس أرغفة وسمكتين”.
وللعلم ان الصخرة التي وضع عليها الرب الخبز تحوَّلت الآن الى مذبح. وعلى الجبل هناك يوجد مغارة عليها علَّم السيد المسيح التطويبات”. وفي الواقع كان موضع التطويبات واضح المعالم في القرن الرابع، لكن معالمه اخذت تتلاشى في القرن السابع كما يبدو من رسالة ايرونيموس، وذلك ربما لقرب الموقع من كنيسة تكثير الخبز التي تبعد عنه 50م. لسوء الحظ لا يتوافد الزوار الى هذا المكان، بل يفضّلون الحج الى قمة الجبل حيث مزار جبل التطويبات حالياً.
اما مزار جبل التطويبات فقد بناه المهندس الإيطالي انطونيو برلوتسي بين سنوات سنة 1936-1938. ويصف المهندس الموقع بقوله: ” على الاثني عشر تل التي تحيط بالجهة الشمالية من البحيرة والذي تُحيي ذكرى عظة الجبل ومعجزة الخبز والسمك وكلام ومعجزات المسيح الكثيرة نشأ في عام 1938 مزار كنيسة التطويبات”.
ويشرف المزار على البحيرة على ارتفاع 200م بمناظره الخلابة والاماكن الانجيلية حيث عاش المسيح الثلاثة سنوات الأخيرة من عمره في رسالته العلنية. انه مكان بسيط لكنه آية في الجمال ونموذج هندسي للبيئة والرموز.
وفي المزار كنيسة مثمنة الشكل لذكرى عظة التطويبات الثمانية (متى 5/3-10). وجدار الكنيسة مبني من الحجارة البازلتية المحلية، وأما الاقواس فهي من الحجارة البيضاء من الناصرة. ويعلو الكنيسة قبة مستندة على دعائم وانصاف اقواس للدلالة على عدم كمال الانسان الذي يسعى الى الكمال. وتتوسط القبة المُذهَّبة دائرة زرقاء التي ترمز الى ملكوت السماوات التي يبلغ الانسان إليها من خلال التطويبات. ويخترق القبة ثمانية نوافذ زجاجية مكتوب على كل منها إحدى التطويبات. ويزين القبة في الوسط عين زرقاء يحيطها غيمة وردية رمز الملكوت.
ويزين الجدران صور مراحل الصليب الاربع عشر من صنع الفنان الإيطالي اكياردي. ويتوسط الكنيسة مذبح يعلوه قوس مبني من الحجر الرخامي رمز المجد. إذ ان التطويبات ما هي الا تكملة الوصايا العشر ومجدها وذروتها. وعلى المذبح بيت القربان موضوع على قاعدة مصنوعة من الرخام السماقي. ويتوسط جدران الكنيسة نوافذ كبيرة تسمح للمصلين مشاهدة البحيرة والتأمل بها.
ويغطي ارضية الكنيسة قطع فسيفسائية يحيطها بلاط من رخام يمثل نهر النعمة يجري من المذبح ويثمر الفضائل اللاهوتية (الايمان والرجاء والمحبة) والفضائل الرئيسية (القناعة والفطنة والعدل….) وما هذه الفضائل الى طرق للوصول الى ملكوت السماوات. واما أعمدة الرواق فهي مصنوعة من الحجر الجيري الروماني.
وتوحي الالوان البيضاء والرمادية والخضراء داخل الكنيسة إلى لون البحيرة والتلال المحيطة بها. كما يشير شكل المزار وألوانه الى الفرح الروحي والجمالي الذي يبعث في النفس التأمل في حب الله الرحيم الذي حل بين البشر ليعلمنا طريق الخلاص الذي استحقه السيد المسيح بدمه الطاهر الذي سفكه على الصليب.
الخلاصة
توسع متى الإنجيلي في عظة التطويبات، في حين لوقا الإنجيلي أورد أربع تطويبات تقابلها “ويلات” أربع (لوقا 6: 20 – 26)، أمّا مرقس الإنجيلي فلم يورد منها شيئًا، لأنه لم يهتم بالتعاليم قدر اهتمامه بإبراز قوة المسيح الجبارة امام الرومان الذين يهتمون بالقوة وليس بالتعاليم. هذه التطويبات فيها كل المبادئ اللازمة للحياة المسيحية الكاملة، ومن يلتزم بها يرث الحياة الأبدية. وهي تُقدّم أفضل وسائل للحصول على الحياة الابدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم “في كل تطويبة تهيئ الطريق للتطويبة اللاحقة، والتطويبات كلها معًا تكون أشبه بسلسلة ذهبيّة تُقدّم لنا. فالمتواضع بالتأكيد يحزن على خطاياه، والحزين يكون وديعًا وبارًا ورحومًا، والشخص الرحوم والبار والنادم يكون بالتأكيد نقي القلب، مثل هذا يصنع أيضًا السلام. ومن يحصل على هذه جميعها، إنّما يتهيّأ للصراع ضدّ المخاطر، ولا يرتبك عندما ينطقون عليه بالشرّ، محتملًا التجارب المحزنة غير المحصيّة”. فالتطويبات متكاملة، فالفقراء بالروح هو بلا شك ودعاء، وصانعو السلام بلا شك هم رحماء، والذين يجوعون ويعطشون للبر، والملكوت يكشف جوعهم وعطشهم عن قلوب نقية، والمضطهدون من أجل البر هم باكون حتمًا وبالنهاية يتعزون.
وهدف رسالة التطويبات في إنجيل متى هي ان نكون سعداء. كيف؟ يدعو يسوع الى الثورة لا على المستوى الخارجي بتحريض الفقراء على الانتقام من الأثرياء بل على المستوى الداخلي، مستوى الوجدان والقلب، على مستوى الانسان من الداخل. وهذا التحول من المستوى الخارجي الى الداخلي هو حقا بمثابة ثورة، لأنه يقلب القيم والمفاهيم؛ ويبيّن أن عظمة الانسان الحقيقية متأصلة في الله. ولكي نحصل على السعادة فلا بد من التقرب الى الله والعمل مشيئته الذي كشفها في ابنه سيدنا يسوع المسيح.
دعاء
أيها الآب السماوي، لقد خلقت الإنسان للسعادة، وجعلتها في متناول الجميع من خلال التطويبات التي علَّمنا إياهـا ابنك يسوع المسيح، فأعطنا النعمة ان نسلك طريق السعادة الحقيقية وأن نكون فقراء الروح، ودعاء، ومحزونون، جياع وعطاش للبر، رحماء، أطهار القلوب، صانعوا السلام فنصل الى الملكوت السماوي حيث لا جوع ولا عطش ولا الم ولا وبكاء بل فرح وسلام. آميــن.