دعوة انجيلية: تَعالَوا إِليَّ جَميعاً (متى 11: 25-30)

الأب لويس حزبون

يُسلط إنجيل الاحد الأضواء على دعوة المسيح للناس اجمعين ليجدوا الراحة فيه. هناك من ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء مثل الكتبة والفريسيين فرفضوه، وهناك الذين قبلوه من الودعاء والمتواضعين مثل التلاميذ، فأعلن لهم اسرار الملكوت، مقدّمًا تسبيحة الحمد والتهليل لأبيه السماوي من أجلهم (متى 11: 25-30)، ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 11: 25-30)

25في ذلكَ الوقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: ((أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار.

تشير عبارة “في ذلكَ الوقتِ” الى ما بعد رفض مدن بحيرة طبرية قبول بشارة يسوع المسيح كما ورد في انجيل متى (11: 20 -24)، اما بحسب انجيل لوقا فتشير الى بعد رجوع التلاميذ السبعين إبلاغ يسوع بخضوع الشياطين لهم باسمه (لوقا 10: 21). اما عبارة “تكلَّمَ يسوعُ” فتشير الى صلاة يسوع مع أبيه السماوي. اما عبارة ” يا أَبَتِ” فتشير الى علاقة الآب بالابن، والنعمة الفريدة التي حصل عليها أولئك الذين نعموا بهذا الوحي. أما عبارة ” أَحمَدُكَ “في اليونانية (Ἐξομολογοῦμαί) تعني حرفيا اعترف، والاعتراف لا يخصّ الخطأة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا؛ والحمد ينوّه بشخصية الله أكثر منه بعطاياه وتؤدَّى له مجد فيما يُعترف بعظمته كما جاء في نشيد اشعيا النبي ” لِيُؤَدُّوا المَجدَ لِله ويُخبروا بحَمدِه “(اشعيا 42: 12)؛ فالحمد لله يكمن في إعلان عظائمه (متى 9: 31)، وهذا الاعتراف يشير هنا الى مباركة يسوع للآب وشكره وحمده وتسبيحه ليست من اجل الاحسان بل من اجل رحمته ورعايته الخاصة على عظمة النعمة الممنوحة للمتقبلين هذا الوحي. والمتقبلين هذا الوحي هم الصغار لا الحكماء والفهماء. يتكلم المسيح هنا ويشكر كرأس للكنيسة جسده السرّي على ما حصلت عليه. اما عبارة “رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض” فتشير الى المقطع الوحيد في الانجيل الذي يستعمل يسوع هذا اللقب الرسمي. الآب السماوي هو الخالق القادر على كل شيء وسيدِّ العالم. لا إله الاّ هو. وهو الذي يُدير العالم الفسيح بكائناته الخاضعة له. أمَّا عبارة “هذه الأَشياءَ” فتشير الى “السر” (دانيال 2: 29)، اي اسرار الانجيل الخاصة بملكوت السماوات (متى 13: 11). وهذا ما اوضحه يسوع الى نيقوديمس:”أَأَنتَ مُعلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هذِه الأَشْياء؟ الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ولكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا (يوحنا 3: 10 -11). إن “اسرار الملكوت” هي عبارة مألوفة في الأدب الرؤيوي المعاصر ليسوع، وهي تدل على حكمة الله ومشورته وأسراره وتدبيره فيما يخص الخلاص سواء على المستوى العام للناس كلها أو تدبير الله للشخص نفسه كما يقول بولس الرسول “أَمَّا نَحنُ فلَنا فِكْرُ المسيح” (1كو2: 16)، وتدل أيضا على ما في الله من تدابير خفيّة تتعلّق بآخر الأزمنة. اما عبارة “أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار ” فتشير الى لغة رؤيويه لها اصداؤها في سفر دانيال. إذ عجز “الحكماء” عن تفسير حلم نبوخذنصر (دانيال 2: 3-13)، في حين ان سرّه كُشف لدانيال الذي ابتهل الى إله السماء (دانيال 2: 18-19) والذي سبّح الله لأنه وهبه الحكمة ” إِيَّاكَ احمَدُ يا إِلهَ آبائي وإِيَّاكَ أُسَبِّح لِأَنَّكَ وَهَبتَ لِيَ الحِكمَةَ والقُدرَة ” (دانيال 2: 23). هذه الاشياء بقيت عند الفريسيين والكتبة عقيدة محجوبة عنهم، يتجادلون بها بدون جدوى. وكان ينبغي ان يروا فيها كلمة لله بهذا المعنى قال بولس الرسول” فلَمَّا كانَ العالَمُ بِحِكمَتِه لم يَعرِفِ اللّه في حِكمَةِ اللّه، حَسُنَ لَدى اللّه أَن يُخَلِّصَ ألمُؤمِنينَ بِحَماقةِ التَّبشير” (1قورنتس 1: 21). وفي الواقع اختار يسوع تلاميذه الاوائل من بين الناس العاديين ومتوسطي الحال. اما عبارة “الحكماء والأَذكِياء ” فتشير هنا الى الكتبة والفريسيين المتكبِّرين، حكماء هذا الدهر الذين يقتنعون بحكمتهم البشرية ولا يريدون ان يخرجوا منها (1 قورنتس 1: 17-29). هم حكماء في عيون أنفسهم ويدّعون معرفة الله بالاعتماد على قواهم الذاتيّة وفيهم قال بولس الرسول: “لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا!” (1قورنتس 3: 18). إنهم يسلكون بدون تواضع ويعتقدون انهم يعرفون اسرار الملكوت ” زَعَموا أَنَّهُم حُكَماء، فإِذا هم حَمْقى” (رومة 1: 22)، فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهية الحقة. والواقع هم لا يعرفون، لان هذه المعرفة هي عطية إلهية، وقد ظنّ الحكماء والاذكياء في أنفسهم أنهم نور مع أنهم ظلمة. ولم يستطيعوا أن يستضيئوا، ويعلق القديس اوغسطينوس ” لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ ولتصرخ كما هو مكتوب: ” لأَنَّكَ أَنت تُوقِدُ سِراجي إِلهي أَنِرْ ظُلْمَتي” (مزمور 18: 29). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يبدّد ظلمتي وينير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك!”. أما عبارة “كشفتها” فتشير الى وحي الله وقد أوضح يسوع الى بطرس هذا الامر ” طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 16 :17). واما عبارة “الصِّغار” في اليونانية ” νήπιοςفمعناه الاطفال وهي تشير الى الأطفال بالروح الذين يضعون أنفسهم في وضع القبول التامّ، والإصغاء، والثقة، فهم المنفتحون لقبول كلمة الله ووحيه وحكمته بتواضعهم وبساطتهم ووداعتهم فيدخلون باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. من يعترف أنه جاهل يعطيه الله حكمة وفهم قلب، لذلك اختار المسيح تلاميذه من البسطاء المتواضعين كما جاء في تعليم بولس الرسول “فلا يَخدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَه، فإِن عَدَّ أَحَدٌ مِنكُم نَفْسَه حَكيمًا مِن حُكَماءِ هذه الدُّنيا، فَلْيَصِرْ أَحمَقَ لِيَصيرَ حَكيمًا ” (1 قورنتس 3: 18) وتدل كلمة ” الصغار” في انجيل متى على تلاميذ المسيح الذين سلموا إليه ذواتهم (متى 10: 42) وكُشف لهم سر الملكوت (متى 13: 11. اما في انجيل يوحنا فيرى إن الذين يؤمنون هم من الصغار (الودعاء) الذين يؤلفون الجمع، (يوحنا 7: 47) وهذا ما يؤكده بولس الرسول في كنيسة قورنتس ” فاَعتَبِروا، أَيُّها الإِخوَة، دَعوَتَكم، فلَيسَ فيكم في نَظَرِ البَشَرِ كَثيرٌ مِنَ الحُكَماء، ولا كَثيرٌ مِنَ المُقتَدِرين، ولا كَثيرٌ مِن ذَوي الحَسَبِ والنَّسَب ” (1قورنتس1: 26)، واما الحكماء والاذكياء فيشار إليهم برؤساء الشعب اليهودي والفريسيّين (يوحنا 7: 47). لقد رضى الرب عن صغار هذا العالم لا عن كباره. الله يختبئ امام المتكبرين الذين يظنون انهم أكثر فهما وعلما من غيرهم، في حين يظهر الله امام المتواضعين ويكشف ذاته للفقراء. كما جاء في نشيد مريم العذراء “حَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش ورفَعَ الوُضَعاء” (لوقا 1: 52).

26نَعَم يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك.

عبارة ” رِضاك ” في اليونانية εὐδοκία معناها الحرفي “مشيئتك”، وهي نفس جذر الكلمة اليونانية في شهادة الآب السماوي عند اعتماد يسوع (رضيت) εὐδόκησα (متى 3: 17)، وفي تتميم يسوع لنبوءة اشعيا (رضيت) εὐδόκησεν “هُوَذا عَبْدِيَ الَّذي اختَرتُه حَبيبيَ الَّذي عَنهُ رَضِيت” (متى 12: 18). اما عبارة “هذا ما كانَ رِضاك “فتشير عن إعلان يسوع عن رضا الله الخاص بالصغار أكثر منه عن عظماء هذا العالم.

27قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه.

تشير عبارة “كُلَّ شَيء” الى الملكوت واسراره خاصة العلاقة مع الآب. ينتمي هذه الكلام الى التقليد الرؤيوي كما توحي كلمت دانيال النبي “هو كاشِفُ الأَعْماقِ والخَفايا وعالِمٌ بما في الظُّلمَة” (دانيال 2: 22) أكثر منه الى التقليد الحكمي (يشوع بن سيراخ 24). اما عبارة ” يَعرِفُ ” فتشير في لغة الكتاب المقدس الى ” الوحدة أو الاتحاد ” الذي ينتج عنه حياة. أمَّا عبارة “فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن” فتشير الى أحد النصوص الثلاثة التي يعبّر فيها يسوع عن صلته الفريدة بالله أبيه (مرقس 14/ 36 ولوقا 2: 49 ويوحنا 20: 17). ويدل هذا القول على جوهر وحي الانجيل، وهو تجلي الآب في الابن (لوقا 10: 22). إن التعارف بين الأشخاص يفترض المحبة، فالآب يعرف الابن والابن يعرف الآب خلال وحدة الجوهر، وهذه المعرفة غير متاحة لمخلوق. وهذه المعرفة تساوى تماماً “أنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ” (يوحنا 10:14) وتساوى “أَنا والآبُ واحِد” (يوحنا 30:10). المعرفة التي تربط بين يسوع وخاصته تتأصل وتكتمل في المحبة التي تربط بين الابن والآب. كما جاء في تعليم يسوع “ما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له”(يوحنا 17: 2) الابن يتحد بالإنسان فيحيا الإنسان أبديا. اما عبارة ” مَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه “فتشير الى يسوع الذي يعرف الله ويريد ان يعرّف به الذين يقبلون ان يتبعوه ويتتلمذوا له. إنه الابن الوحيد المشارك في حياة الآب والذي وحده قادر على هداية البشر الى المعرفة والى الحياة. فقد تجسد ليعلن الله الآب فنقدر أن نعاين ما لا يُرى ونُدرك ما لا يُدرك. ولهذا قال المسيح ” مَن رآني رأَى الآب” (يوحنا 9:14). فيسوع هو الموحى بالله والمعبّر عنه بكل ما يعمله يسوع وبكل ما يقوله “إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه” (يوحنا 1: 18). ولا يستطيع أحد أن يدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد، الواحد معه في الجوهر، فالمسيح هو الطريق لمعرفة اسرار الملكوت، ويعلق القديس اوغسطينوس “إننا نقول إنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول الى الله”. اما عبارة ” يَكشِفَه لَه ” فتشير الى المسيح الذي يعطينا أن نتحد به لكي نعرف الآب. ولا يصل الانسان الى هذه العلاقة القائمة بين يسوع وابيه السماوي مهما علا مقامه الا به كونه ابن الله كما جاء في انجيل يوحنا ” إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه.”(يوحنا 3: 35).

28تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم.

تشير عبارة ” المُرهَقونَ ” κοπιῶντες الى من كُلفوا العمل العسير المتعب ولا سيما في البيئة الزراعية كما توحيه كلمة نير. فالمرهقون هم المتعبون الذين يشقون ويرون أنفسهم تضعف يوماً بعد يوم. وتشير هذه الكلمة ايضا الى المتعبين من الخطايا ومن آلام العالم. الخطيئة تُتعب والشرّ يُضعف. اما عبارة ” المُثقَلون ” πεφορτισμένοι فتشير الى الذين وُضعت عليهم الاحمال الثقيلة. يسوع يفكر فيمن يحمل حملا ثقيلا على كتفه: الصغار والفقراء والمتألمين والجياع والمرضى والحزانى والخطأة… والحل هو أن نلجأ للمسيح ليحمل عنا خطايانا ويريحنا من أتعابنا. الخطيئة هي حمل ثقيل. وحين يغفر المسيح يرفع هذا الحمل فيبطل وخز الضمير، ونكتشف محبة الآب. اما عبارة “أَنا أُريحُكم” فتشير الى وعد يسوع الى الذين يأتون إليه بأن لا يزيل آلامهم والشر من حياتهم بشكل مطلق بل يعطيهم الراحة ودفعة إلى الأمام كي يتابعوا المسيرة ويجعلهم أكثر حرية وفرح فتتجدَّد قواهم. ليس عجيبًا أن يدعو السيّد المسيح المتعبين جميعًا ليجدوا الراحة والقوة فيه بعد أن أعلن أنه وحده الذي يعرف الآب ويهب المعرفة. ففيه نكتشف محبّة الآب الفائقة لنا، إذ يقول الرسول بولس: إِنَّ الَّذي لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟ (رومة 8: 32). فالمهم ان نقتدي بالرب يسوع الوديع والمتواضع القلب فنكون ودعاء ومتواضعي القلب، ونستسلم كلّياً لمشيئة الربّ فنجد الراحة اليت وعدنا بها.

29اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم،

تشير عبارة ” نير” ζυγόν الى العصا التي تربط ثورين إلى المحراث، وهذه العصا بمثابة قطعة خشبية ثقيلة تُـوضع على عنق ثور او أكثر، وتتصل بالمحراث او بغيرها من الآلات التي تجرَّها الثيران في الفلاحة والدراسة (ارميا 2: 20)، وتدل كلمة النير في لغة الانجيل على شريعة الله المكتوبة والشفهية (يشوع بن سيراخ 51: 26-27). وهنا تشير “نير” الى تعاليم المسيح عكس تعاليم علماء الشريعة الذين كانون يفرضون على كاهل الناس اوزاراً ثقيلة الحمل شبيه بالنير الثقيل الذي يُسلّطه البشر على أعناق الحيوانات. ومن هنا مفارقة بين تعاليم يسوع وتعاليم الفريسيين. أما عبارة “تَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” فتشير الى دعوة يسوع لحمل سمتيّ الوداعة πραΰς وتواضع القلبταπεινὸς. إنه المتواضع” أمام الربّ الإله، والوديع مع البشر (متى 5: 4). إنّه وديع لأنّه يحتمل كلّ شيء من أجل حبّ الإنسان الّذي يجب أن يتمّ افتداءه. إنّه المتواضع لأنّه يضع نفسه في وضع الإصغاء إلى كلمة الحبّ والرحمة الخاصّة بالآب، ويجعل نفسه طائعاً له الى حدّ الموت. وفي قائمة ثمار الروح القدس يضع بولس الرسول الوداعة الى جانب الايمان ” أمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف”(غلاطية 5: 22-23). هما يرتبطان احداهما بالأخرى من حيث إن كلتيهما تعبّران عن استعداد للانفتاح نحو الله وخضوع كله ثقة لنعمته وكلمته. فنحن لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب. أما عبارة ” الرَّاحَةَ ” فتشير الى تحرير الانسان والسلام الحقيقي، ذاك السلام الذي يسوع فقط بإمكانه أن يمنحنا إياه، وليس العالم كما صرّح لتلاميذه ” السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم” (يوحنا14: 27)، والراحة الّتي يعد بها يسوع هي السلام مع الربّ، وليس نهاية كلّ مشقّة. فالراحة الحقيقية ليست في التوقف عن العمل ولكن في الجهاد والصبر والعمل لإتمام مشيئة الرب، ويعلق القدّيس غريغوريوس الكبير “يريد البعض أن يكونوا متواضعين دون أن يكونوا مُزدرين؛ يريدون أن يكونوا راضين عن حالهم، ولكن دون أن يكونوا في العوز؛ أن يكونوا طاهرين، ولكن دون إماتة الجسد؛ أن يكونوا صبورين، ولكن دون أن يهينهم أحد. بينما هم يحاولون أن يكتسبوا بعض الفضائل، وفي ذات الوقت يصدّون ويرفضون التضحيات الّتي تشملها الفضائل، يُشبهون أولئك الّذين، يهربون من ساحة المعركة، يودّون ربح الحرب بينما هم يعيشون في المدينة بشكل مريح”. فلا يمكن ان نجد الراحة ونكتسب الفضائل دون ألم ودون جهد. أما عبارة ” تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم” فتشير الى كلمات ارميا النبي ” قِفوا في الطُّرُقِ وانظروا واسأَلوا عنِ المَسالِكِ القَويمة ما هو الطَّريقُ الصَّالِحُ وسيروا فيه فتَجِدوا راحةً لِنُفوسِكم” (ارميا 6: 16)، فعمل يسوع هو توفير الاسعاف في فرح للخراف المتعبة والمنهوكة كما جاء في انجيل متى ” رأَى يسوع الجُموعَ فأَخذَته الشَّفَقَةُ علَيهم، لأَنَّهم كانوا تَعِبينَ رازِحين، كَغَنَمٍ لا راعيَ لها”(متى 9: 36). لان يسوع يُعرض الراحة للنفوس التي تأتي اليه ” تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم (متى 11: 29). ويناجي القديس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته “طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!”.

30لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف.

عبارة ” لَطيفٌ” في اليونانية χρηστὸς ومعناها طيب وشفوق، وتشير هذه اللفظة الى تفسير يسوع للشريعة تفسيرا ليّنا، اما العالم اليهودي يقدّم تفسيراً قاسيا للشريعة، لأنه يتضمن 613 وصية يجب ان يحفظها المؤمن، اما نير المسيح فيمنح الراحة، لأنه لا يفرض شريعته من الخارج بكل قساوتها، بل من الداخل، انه الرحيم تجاه الخطأة والمرضى. فالنير يصير لطيفاً، لأنه نير المسيح، نير المحبّة حتّى أقصى الحدود ويعلق القديس أوغسطينوس” حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تخفّف من قسوة الوصيّة!”. يميّز يسوع بين تفسيره المُحرِّر للشريعة والروح الشرعية اليهودية. فأن يسوع أتى الانسان بشريعة جديدة وبفرح الملكوت في آنٍ واحد كما جاء في تعليم بولس الرسول “إنَّ المسيحَ قد حَرَّرَنا تَحْريرًا. فاثبُتوا إِذًا ولا تَدَعوا أَحَدًا يَعودُ بِكُم إِلى نِيرِ العُبودِيَّة” (غلاطية 5:1). أمَّا عبارة ” حِملي خَفيف” فتشير الى عدم ثقل شريعة يسوع لأنه يسير معنا ويحملها معنا، وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول ” أَستَطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيني” (فيلبي 13:4). فالحمل يصير خفيفا لأنه حمله يسوع نفسه كما جاء في تعليم بولس الرسول “لِذلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاِضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا” (2 قورنتس 12: 10). ولم يعلمه بولس الرسول فقط بل اختبره وهو يرحل خاتمًا حياته بموت عنيف: فلَوِ اقتَضى الأَمْرُ أَن يُراقَ دَمي ذَبيحَةً مُقَرَّبَةً في سَبيلِ إِيمانِكم، لَفَرِحتُ وشارَكتُكمُ الفَرَحَ جَميعًا، فكَذلِكَ افرَحوا أَنتُم أَيضًا وشارِكوني الفَرَح”(فيلبي 2: 17-18).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 11: 25-30)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 11: 25-30)، نستنتج انه يتمحور حول دعوة يسوع الى معرفة اسرار الملكوت السماوي. من هنا نتساءل: من يتجاوب مع هذه الدعوة؟ ما هي إرشادات هذه الدعوة؟

1) من يتجاوب مع دعوة يسوع لمعرفة الملكوت؟

يريد الله كشف أسرار ملكوته للبشريّة، ويسوع الذي يعيش في ألفة لله الآب حصل على معرفة اسرار الملكوت وعُهد اليه في الكشف عنها. “قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه” (متى 11: 27)

وعليه فإن رسالة يسوع تقوم في إعلان ملكوت الله للجميع بالتكافؤ بصرف النظر عن المركز او الإمكانيات او القدرات. فقدم يسوع ملكوت الله لكل إنسان بلا محاباة وليس فقط لنخبة مختارة من الحكماء والاذكياء، فملكوت الله ممتاح للجميع ولم يمنع أحدًا من معرفته. وقد شرح يسوع محبة الله وملكوته من خلال الأمثال، والتعاليم، ومن خلال حياته على الارض (لوقا 10: 22) ودعا جميع المُرهَقين المُثقَلين تحت عبء الخطايا ام تحت عبء الشريعة او الظروف الحياة القاسية مثل الصغار والفقراء والمتألمين والجياع والمرضى والحزانى والخطأة…

لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء وفهماء كالفرّيسيّين المتعجرفين والكتبة الذين يدّعون أنهم أصحاب معرفة عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون “بالأنا” فلا يقدرون دخول طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، أمّا من يقبل دعوة المسيح في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل إلى معرفة ملكوت السماوات.

وبناء على ذلك كشفت دعوة يسوع عن الفرق بين السامعين: بين الذين قبلوه وهم الصغار اي التلاميذ، وبين الذين رفضوه وهم الحكماء أي الفريسيون الذين يدّعون المعرفة. فهناك فئتان فئة الحكماء المتجرفين بمعرفتهم وهناك فئة الصغار المنفتحين لقبول كلمة الله. قبول هذا الوحي او رفضه هو المعاير لمعرفة هل الانسان “صغير” ام “حكيم”.

لذا يتوجب علينا ان نتقدم الى يسوع لا بقوتنا او بذكائنا وعقلنا، ولكن بثقة الأطفال. المسيح ليس ضد العاملين في المجالات الفكرية والعلمية، لكنه ضد الكبرياء الروحي، أي ان يصير الانسان حكيما في عيني نفسه ويستغني عن المسيح، لكن كلام يسوع واضح “بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” (يوحنا 15: 5).

2) ما هي ارشادات دعوة يسوع لمعرفة الملكوت؟

إن دعوة الرب مدهشة حيث انه يدعو أشخاصًا تُثقلهم حياة صعبة ويعدهم بأنّهم سيجدون الراحة لديه، وهذه الدعوة موجّهة بصيغة الأمر ولها ثلاثة إرشادات: “تَعالَوا إِليَّ”، و “اِحمِلوا نيري” و “تَتَلمَذوا لي”.

الارشاد الاول: “تعالوا إلي”

يدعو الرب بقوله “تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون” (متى 11: 28) الجميع لكي يجدوا فيه الراحة والتعزية؛ وهنا يتوجّه يسوع بهذا النداء الشخصي إلى المرهقين والمثقلين، وبهذا النداء يجمع الناس حوله، ويقدّم نفسه كعبد الرب الذي يصفه سفر النبي ارميا: “الرّبُّ أعطاني لِسانَ التَّلاميذِ لأُعينَ المُتعَبينَ بكلِمةٍ” (ارميا 50: 4).

وإلى جانب هؤلاء المرهقين والمثقلين المتعبين يضع الإنجيل غالبًا أيضًا الفقراء والصغار. الله يختار الصغار ويكشف لهم ذاته ويدعوهم. إنهم جميع الذين لا يمكنهم الاعتماد على إمكاناتهم الشخصيّة بل يتّكلون على الله. وإذ يدركون حالتهم الوضيعة والبائسة يعرفون أنهم يعتمدون على رحمة الرب وينتظرون منه المساعدة الوحيدة الممكنة، وبالتالي يجدون في دعوة يسوع الجواب على توقعاتهم، إذ يصبحون تلاميذه ينالون الوعد بأن يجدوا الراحة طوال حياتهم.

ولكن ألا يدعو الكبار أيضًا؟ إن قلب المسيح مفتوح، ويدعو جميع المتعبين ولان الدعوة نداء شخصي، يصم البعض آذانهم عنه كما كان رد فعل الكتبة والفريسيين بسبب كبريائهم وغرورهم وأنانيّهم (متى 22: 1-14). الا أنَّ الرّب يسوع لا يُقصي ولا يرفض أحداً. الكبار هم الذين لا يستطيعون سماع صوته لأنّهم ممتلئون من أنفسهم، ولكي يسمعوا صوت الرب، ينبغي عليهم أن يتصاغروا.

الرب يدعو جميع المتعبين دون أي تمييز إلى راحته ورحمته وخلاصه. ويعلق القديس اوغسطينوس مناجيا يسوع “مَن سيمنحني أن أستريح فيك؟ مَن سيمنحني أن تأتي إلى قلبي، وأن تسكره حتّى أنسى آلامي وأتمكّن من معانقتك، أنتَ يا كلّ ما أملك؟ مَن أنتَ بالنسبة إليّ؟ أشفق عليّ حتّى أستطيع أن أتكلّم. مَن أنا في عينيك، حتّى تأمرني بأن أحبّك؟ … في رحمتك يا إلهي، قل لي مَن أنت بالنسبة إليّ. “قل لنفسي: أَنا خَلاصُكِ” (مزمور 35: 3). قل ذلك حتّى أسمعه. ها هي أذن قلبي مصغية أمامك، يا إلهي. اجعلها تسمعك “، قل لنفسي: أنا خلاصك”. أريد أن أركض نحو تلك الكلمة وأمسك أخيرًا بك”.

الارشاد الثاني: “احملوا نيري”

يدعو يسوع الجميع بقوله: “اِحمِلوا نيري” (متى 11: 29). يستعمل يسوع صورة النير ليشير إلى العهد الوثيق بين الله وشعبه، وبالتالي إلى الخضوع لمشيئته التي يُعبّر عنها في الشريعة. وعلى خلاف الكتبة وعلماء الشريعة يحمّل يسوع تلاميذه نيره الذي فيه تجد الشريعة تمامها. يريد أن يعلّمهم أنهم سيكتشفون مشيئة الله من خلال شخصه: هو يقوم في محور علاقتهم مع الله كما وهو في جوهر العلاقات بين التلاميذ ويضع نفسه كحجر أساس لحياة كل فرد منهم. وكل تلميذ يقبل حمل “نير يسوع” يدخل في شركة معه ويصبح شريكه في سرّ صليبه ومصيره الخلاصي ويصبح تلميذه” كما يعلق البابا فرنسيس.

ويُبيّن لنا الانجيل كله في يسوع ذاك الخادم (عبد الله) المتواضع أمام الربّ، الوديع أمام البشر، والمتميّز عن علماء الأخلاق. وهذه الوداعة هي سمة من سمات المسيح المنتظر (متّى 5: 11). هذه الوداعة هي التي تعطي الراحة في العودة إلى الربّ وفي أمانة جديدة لشريعته التي لا يمكن أن تكون إلاّ شريعة المحبّة. وهذه الأمانة قد جعلها يسوع ممكنة بفضل حياته وتعليمه. يكفي أن ننظر إليه، يكفي أن نسمع كلامه، يكفي أن نرافقه في حياته، لكي نفهم أن نيره ليّن وحمله خفيف. “لأَنَّ مَحبَّةَ المسيحِ تَأخُذُ بِمَجامٍعِ قَلْبِنا”(2 قورنتس 5: 14) يخفّف الوِزْر ويقلّل من وطأة النير كما يقول القدّيس أوغسطينوس: حيثما المحبّة فلا تعب، وحتّى إذا وُجد تعب، فإنّ التعب نفسه يُحَبّ”. والواقع أن يسوع لا يفرض وصاياه بل يقدّمها، لا يُكره أحداً بل يقُنع. فمحبة المسيح تمنحنا الفرح والراحة والسلام!

ما أحلى نير المسيح الذي حمله! وما أخف ذلك الحمل! ويعلق القديس اوغسطينوس “إن كان الحمل عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه”. فالحب لا يمكن الا ان يكون مصدر حرية واشعاع. لان السيد المسيح لا يفرض وصاياه بل يقدّمها، ولا يُكره أحداً بل يقُنع.

إنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه! فعلينا ان نعود كالأطفال “الصغار” كي نقبل يسوع المسيح ونحمل صليبه كحِمل خفيف، وفيما نحمله نكتشف يسوع الحامل للصليب معنا وعنِّا وفينا. ويقول القدّيس خوسية ماريّا إسكريفا “إذا كلّفك الربّ بمهمّة ما، فسوف يُعطيك القوّة اللازمة للقيام بها”.

الارشاد الثالث “تتلمذوا لي”

يدعو يسوع الجميع ان يكونوا تلاميذه بقوله “تَتَلمَذوا لي ” (متى 11: 29). إن ما يطلب يسوع من الانسان لكي يصير تلميذا له، لا الاستعدادات الذهنية، ولا حتى الأدبية ـ بل الدعوة التي يوجّها له “اتبعني”. (مرقس 1: 17-20). وفي الاناجيل يدل لفظ ” اتبعني” على التعلق بشخص يسوع (متى 8:19). إن اتباع يسوع تعني قطع كل علاقة بالماضي، كما يعني الاقتداء بمثاله وسماع تعاليمه، ومطابقة الحياة على سيرة المخلص “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني” (مرقس 8: 34). وحيث ان تلميذ يسوع لا يرتبط بتعليم، بل بشخص يسوع الوديع المتواضع القلب، لذا فهو لا يستطيع أن يترك معلمه الذي أصبح مرتبطا به أكثر من أبيه وأمِّه (متى 10: 37). ومن خلال هذه الدعوة يعطي يسوع الى تلاميذه اسرار الملكوت ويخلصهم “مَشيَئةُ الَّذي أَرسَلَني أَلاَّ أُهلِكَ أَحَداً مِن جَميعِ ما أَعْطانيه بل أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 6: 39).

يدعو يسوع الجميع لحمل سمتيّ الوداعة وتواضع القلب لكي يصبحوا تلاميذه. يسوع المسيح وهو الوديع المتواضع القلب كما تنبأ عنه زكريا ” هُوَذا مَلِكُكِ آتياً إِلَيكِ وَديعاً “(متى 21: 5). وفي الواقع “الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً (يوحنا 1: 14) ليقود الانسان الى اوج التواضع، وقد بلغ به التواضع الى حد غسل أرجل تلاميذه (يوحنا 13: 14-16).

يدعو يسوع الى الدخول في علاقة مع الاب ومعرفة اسرار الملكوت من خلال الوداعة والتواضع، ويطلب ان نتعلمها منه بصورة مستمرة ولا يتم اكتسابهما مرّة واحدة وإلى الأبد. علمنا يسوع ان نقتدي به. ويعلق القديس اوغسطينوس ” تعلّم منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة! التواضع علامة المسيح، وحيث التواضع هناك المحبة”.

علمنا يسوع ان نتحلى بثوب التواضع في علاقتنا المتبادلة (1 بطرس 5:5) بأن نبحث عن منفعة الآخرين ونجلس في المكان الأخير كما جاء في تعليم بولس الرسول ” لا تَفعَلوا شَيئًا بِدافِعِ المُنافَسةِ أَوِ العُجْب، بل على كُلٍّ مِنكم أَن يَتواضَعَ ويَعُدَّ غَيرَه أَفضَلَ مِنه” (فيلبي 2: 3).

خلاصة
يقدّم يسوع لتلاميذه مسيرة معرفة وتشبُّه، فيسوع ليس معلّمًا يفرض على الآخرين أحمالا لا يمكن حملها هو نفسه. بل إنه يتوجّه إلى المتواضعين والصغار والفقراء والمحتاجين، لأنه هو نفسه صار صغيرًا ومتواضعًا. فيسوع هو ذاك الّذي يحمل آلامنا وأمراضنا وخطايانا، يحمل الظلم الّذي نتعرّض له وهواجسنا وقلقنا وتعبنا (أشعيا (13: 52-53). يفهم الفقراء والمتألمين لأنه هو أيضًا فقير ومتألّم. وكي يخلّص البشريّة لم يسر يسوع دربًا سهلاً، بل على العكس، لأن مسيرته كانت صعبة وأليمة. كما تذكّرنا الرسالة إلى أهل فيلبي: “َوضَعَ نَفسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 8). إن النير الذي يحمله الفقراء والمضطهدون هو النير عينه الذي حمله يسوع قبلهم ولذلك هو نير خفيف. قد حمل على كتفيه آلام وخطايا البشريّة بأسرها، وبالتالي وبالنسبة للتلميذ أن ينال نير يسوع يعني أن ينال وحبه ويقبله. ويطالب يسوع من تلميذه بمشاركته في المصير نفسه: فعليه ان يحمل الصليب (مرقس 8: 34) ويشرب كأسه (مرقس 10: 28-29).

دعاء
أيها الآب السماوي، نشكر أنك كشفت اسرار الملكوت للمتواضعين والودعاء، هبنا روح التواضع والوداعة على مثال ابنك يسوع الوديع والمتواضع القلب لكي كي نحمل معه نير الصليب ونجد فيه الراحة ونعرف اسرار الملكوت كل يوم أكثر، الى ان يأتي يوما نراك فيه وجها لوجه.