بشارة متّى “ربَّ بيتٍ”
البطريرك بيتسابالا
متّى ٢٠، ١-١٦
كان المقطع الإنجيلي الخاص بقداس الأحد الماضي مبنيّاً على محورين رئيسيّين: من جهة، محبّة الآب غير المحدودة التي عفت الآب الإنسان من دين يصعب محوه، ومن جهة أخرى، علاقة الناس بعضهم ببعض، وهي علاقة معقدة وصعبة ولا تقبل معايير الربّ. ولكن إن لم تُغيّر محبّة الآب قلب الإنسان ولم توسّع حدوده، فإنها تظلّ غير فعّالة.
ونحن نواجه نفس المشكلة في قراءة اليوم.
يُبرز المثل الّذي يفتتح الفصل العشرين لبشارة متّى “ربَّ بيتٍ” (متّى ٢٠، ١) فريدا من نوعه حقّاً: فهو يمتلك كرماً بحاجة لعمال، ويخرج عدّة مرّات في اليوم كي يستأجرهم للعمل في كرمه.
يخرج خمس مرّات، في أوقات مختلفة من النهار، ويستأجر جميع الّذين يجدهم في طريقه، واعداً إيّاهم بمكافأة مناسبة.
ويخرج أيضاً عندما يشرف النهار على الانتهاء، ويبدو أنّ ما يقلقه أكثر من أيّ شيء آخر هو أنّ يعمل الجميع وليس أن يبحث عن مصالحه الخاصّة. وقلقه أن يعمل الجميع هو أقوى من قلق العمّال أنفسهم. وهذه هي الغرابة الأوّلى.
ولكن هناك غرابة ثانية تحيرنا أكثر. عندما يحلّ المساء، يطلب صاحب العمل من وكيله أن يدفع للعمّال المكافأة “العادلة” (متّى ٢٠، ٤) الّتي كانوا قد وُعدوا بها. تبدأ الغرابة مع ترتيب الدفعات، وهو ترتيب عكسي، “مُبتدئاً بالآخرين ومنتهياً بالأوّلين” (متّى ٢٠، ٨). لماذا الابتداء بالآخرين، وليس من الّذين باشروا العمل؟
الابتداء بالدفع من الأخيرين جعل الأوّلين، بالضرورة، شاهدين على “ظلم” ربّ البيت، الّذي يُعطي للجميع الأجر ذاته؛ يبدو وكأنّه قد دعاهم، بشكل ما، من أجل هذا الهدف بالتحديد: ليس لمجرّد العمل، بل كي يشاهدوا طريقة الدفع أيضاً. والهدف الأخير وراء ذلك هو نحن. يريد أن يعلمنا درسا حول العدل والمجانية.
ومن أجل الوصول إلى ذلك، لا بدّ أن يتعلم الأوّلون من الآخِرين، الّذين لا يمتازون بجدارتهم وقوّة عملهم، بل بالسخاء الاسطوري لصاحب العمل.
يتعثّر الأوّلون، ويتذمّرون: والتذمّر هو فعل متكرّر في سفر الخروج. كثيرة هي الأحداث الّتي لا يعرف فيها إسرائيل أن يرى خلاص الربّ. يوجد في مقطعنا الإنجيلي عدم القدرة على الرؤية: يرى “الأوّلون” الظلم الواقع عليهم، ولا يرون طيبة صاحب العمل، الّذي يلومهم لكونهم حسودين (متّى ٢٠، ١٥). هم غير قادرين على الرؤية. هم يرون الآخرين يتقاضون أجراً مماثلاً لأجرهم، ولكنّهم لا يرون طيبة ربّ العمل الّتي تعبّر عن هذا التصرّف.
ولكن لماذا يشعرون بالإهانة إلى هذا الحدّ؟ كيف ظُلِموا؟
من المؤكّد أنهم لم يُظلموا في موضوع الأجر، الّذي كان عادلاً. كان صاحب العمل قد اتّفق معهم، في بداية النهار، على دينار واحد في اليوم (متّى ٢٠، ٢) ولم يقصّر.
يشعر “الأوّلون” بالخداع بسبب يقينهم بأنّهم قد استحقّوا أجرا إضافيا لم يحصلوا عليه. لقد خُدعوا ليقينهم بأنّهم قدّ استحقّوا ذلك الدينار وأكثر منه، وبأنّ صاحب العمل كان مديناً لهم.
يشعرون بالخداع بسبب الشعور الخفيّ بالرضى عن الذات لأنّهم قد عملوا لساعات أطول، وبالتالي فإنّهم أفضل من غيرهم.
يغيّر صاحب العمل هذا الأسلوب في فهم الحياة والإيمان والدعوة، اسلوب يتنكر لمجانيّة المحبّة. يقلب صاحب العمل رأسا على عقب نموذجاً من العلاقات لا يعرف إمكانيّة العطاء المجاني. وبهذا يُدشّن عدالة مختلفة، عدالة الملكوت، حيث تكون الدعوة إلى العمل شرفا في حد ذاته. وما نناله من أجر هو مكافأة مجانية لأن صاحب الكرم كريم: إنّه حقّاً أسلوب عيش مختلف تماماً.
هكذا فقط يمكن أن يوجد مجال للشعور مع الاخرين، أي إمكانيّة التمتّع بالخير الّذي يصل إلى الأخ مجاناً، تماماً كما قد وصل إليّ مجاناً.
إنّ البديل هو الحسد: والمثل يقول لنا أنّ أيّ حسد تجاه أيّ شخص هو في الواقع حسد تجاه الربّ، و تجاه شهامته.
إن الشهامة الّتي نتعلّمها من الّذين لا يستطيعون الإفتخار سوى بنعمة الربّ هي: أنّهم المعلّمون الحقيقيّون، الّذين يصيرون أوّلين (متّى ٢٠، ١٦). هم يعلموننا مجانيّة الربّ.
هم الوحيدون الّذين لديهم حقّاً شيء ما نتعلمه منهم.
+بييرباتيستا