مَثَل وَليمة المَلِك ورفض الدعوة (متى 22: 1 -14)

الأب لويس حزبون

يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على آخر أمثال يسوع في انجيل متى، وهو مَثَل وَليمة مَلِكٍ (متى 22: 1 -14) حيث يوضح دعوة الجميع الى ملكوت المسيح ومتطلباته. ويُشدد المثل ليس فقط على خطورة رفض الانسان لهذه الدعوة الالهية، إنما ايضا على لبس ثوب البر والالتزام مع نعمة الدعوة. وهذا الامر يمس مصير الانسان ومستقبله. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي
1وكَلَّمهُم يسوعُ بالأَمثالِ مَرَّةً أُخْرى قال:
تشير عبارة ” كَلَّمهُم يسوعُ بالأَمثالِ ” الى استعارة يسوع التكلم بالأمثال من معلمي زمانه وهم الكتبة. وقد روى يسوع ثلاثة وأربعين مثلا مختلفا. أما عبارة ” الأَمثالِ ” باليونانية παραβολαῖς فتشير الى صورة رمزية ينبغي التفتيش عن معناها خارجا عنها، حيث يوجد فيها عنصر المفاجأة وتدعو الى التفكير.
2 ((مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَقامَ وَليمةً في عُرسِ ابنِه.
عبارة “مَلِكٍ” باليونانية ἀνθρώπῳ βασιλεῖ (حرفيا انسان ملك) تشير الى ما اعتاد العهد القديم الذي كان يتكلم غالبا على الله كلامه على ملك (متى23:18)، ويدشّن هذا الملك العهد المسيحاني. ويعبّر عن هذا التدشين بصورة العُرس. أمَّا عبارة ” أَقامَ وَليمةً ” فتشير الى العادة الشرقية لاحتفالات العرس ان تعقد في بيت العريس وليس في بيت العروس وتمتد ايام الوليمة سبعة أيام. اما عبارة ” وَليمةً ” فتشير الى صورة مسبقة عن “المائدة السماوية” (متى 29:26؛ رؤية 7:19، 9؛ أشعيا 25: 6-8) حيث يجتمع المختارون حول الإباء والانبياء في ملكوت الله (لوقا 16: 22). فالوليمة علامة المشاركة حيث الله يدعو ونحن المدعوُّون. اما عبارة ” عُرسِ فتشير في الكتاب المقدس الى الاتحاد النهائي في الفرح بين الله وشعبه (متى 25: 1-12). وهكذا، العهد بين الله وشعبه يصوّر بشكل عرس ويسوع هو العريس. ويعلق القديس غريغوريوس الكبير: “يمكننا بوضوح وثقة أن نقول بأن الآب صنع للملك ابنه العُرس خلال سرّ التجسّد، حيث التصقت به الكنيسة المقدّسة”. أمَّا عبارة “عُرسِ ابنِه ” فتشير الى الابن يسوع المسيح الذي شبّهه انجيل متى ب “العريس” فيقول ” أَيَسْتَطيعُ أَهْلُ العُرسِ أَن يَحزَنوا ما دامَ العَريسُ بَيْنَهُم؟ ولكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعْ العَريسُ مِن بَيْنِهم، فَحينَئذٍ يَصومون”(متى 15:9)؛ ويسوع يقدّم نفسه كالعريس المنتظر ويربط عالم البشر بعالم الله كما جاء في تعليم بولس الرسول” أَحِبُّوا نِساءَكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها”(أفسس5: 25). فهي صورة تشير الى اتحاد يسوع بالطبيعة البشرية، إنه العروس الروحي ” أَيَستَطيعُ أَهلُ العُرسِ أَن يَصوموا والعَريسُ بَينَهم؟ فما دامَ العَريسُ بينَهم، لا يَستَطيعونَ أَن يَصوموا”(مرقس 2: 19). لقد بدأ السيِّد المسيح خدمته بدخوله عرس قانا الجليل ليقدّسه معلنًا أن رسالته تنطلق بدخوله إلينا ليقيم عرسنا الداخلي متقدّما كعريس أبدي، قادر وحده أن يتّحد بنا ويقدّسنا ويكشف لنا أسراره الإلهيّة الفائقة؛ باختصار تعبّر الآية عن الاشتراك في الوليمة المسيحانية، الا ان المثل لا يُشدد على الابن، بل على المدعوِّين الذين رفضوا دعوة الملك.
3فأَرسَلَ خَدَمَه لِيُخبروا المَدعُوِّينَ إِلى العُرْس فأَبَوا أَن يَأتوا.
تشير عبارة “فأَرسَلَ خَدَمَه لِيُخبروا المَدعُوِّينَ” الى الدعوة على الطريقة الشرقية. فكانت التقاليد تقتضي عند إقامة الولائم صدور دعوتين؛ الاولى دعوة الضيوف للحضور، وهذه العادة ما زالت متبعة حتى الآن في فلسطين، والدعوة الثانية هي إعلان ان كل شيء مُعد . وهنا نجد ان الملك دعا ضيوفه ثلاث مرات، وفي كل مرة رفضوا دعوته. اما عبارة “خَدَمَه” فتشير الى الآباء الأوّلين: ابراهيم واسحق ويعقوب الذين نالوا الوعد، وهم خدّام الله الأوّلون، حتى قال السيِّد المسيح ” إِبتَهجَ أَبوكُم إِبراهيم راجِياً أَن يَرى يَومي ورآهُ فَفَرِح” (يوحنا 8: 56). لكن اليهود لم يسمعوا لهم فوبّخهم السيد المسيح: ” لَو كُنتُم أَبناءَ إِبراهيم، لَعَمِلتُم أَعمالَ إِبراهيم ” (يوحنا 8: 39). ويشير خدمة الملك أيضا الى أنبياء العهد القديم وتنتهي بيوحنا المعمدان الذين ارسلهم الله لإحياء الايمان في وعوده لمجيء ملكوت المسيح المخلص (متى 21: 34)؛ اما عبارة ” لِيُخبروا ” باليونانية καλέσαι (حرفيا يدعو) فيشير الى دعوة رائعة للمشاركة في حياة آخر: لحضور مأدبة عرس. وقد تكرر هذه الفعل في هذا النص 6 مرات، وذلك لأهمية الدعوة. اما عبارة ” أَبَوا أَن يَأتوا ” فتشير الى رفض المدعوِّين الأول الذي لا مبرر له. فكلمة “أبوا” باليونانية οὐκ ἤθελον (حرفيا لم يريدوا)، وهي تدل على فعل ارادة مع النفي الذي يشير الى نيّة سيئة ورفض، لا على اهمال فقط. وفي هذا المثل، ليس التشديد على الابن، بل على الرفض الذي أجاب به المدعوُّون الاولون الى الدعوة. ويعلق القديس غريغوريوس الكبير أنّ “المدعوّين الأوّلين” الّذين رفضوا الدّعوة الملكيّة ونكّلوا بمُرسلي المليك كانوا العبرانيّين رافضي المسيح”.
4فأَرسَلَ خَدَماً آخَرين وأَوعَزَ إِلَيهم أَن ((قولوا لِلمَدعُوِّين: ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء فتَعالَوا إِلى العُرْس)).
تشير عبارة ” خَدَماً آخَرين ” الى تجديد الملك الدعوة، الى هؤلاء الخدام، وهم الرسل الذين جاءوا يُعلنون لليهود العرس الذي تحدّث عنه أنبياؤهم، لكنهم رفضوهم وجاء تلاميذهم خلفهم يكرّرون الدعوة. اما عبارة “فتَعالَوا إِلى العُرْس ” فتشير الى تجديد الملك الدعوة. اما عبارة ” أُعِدَّ كُلُّ شَيء ” فتشير الى المدعوِّين الذين سبق ان أُعلموا بالأمر، لكن صاحب الدعوة أرسل إليهم بعض خدامه ليأتي بهم ويرافقونهم (استير 5: 8). هذا يمثل رسالة الانجيل لشعب اليهود كما نطق بها يوحنا المعمدان ويسوع ورسله (متى 3: 1-2, 4: 17، 10: 7). نحن هنا أمام دعوة إلى الفرح،(أمثال 9: 2-3) حيث تكمن غاية حياة الانسان في العلاقة مع الله: ان نحب الله وان نُحب. اللُه يحُبنا، وكل انسان مدعو لكي يُجيب عن هذا الحب.
5ولكِنَّهم لم يُبالوا، فَمِنهُم مَن ذَهبَ إِلى حَقلِه، ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه.
تشير عبارة ” لم يُبالوا” باليونانية ἀμελήσαντες (حرفيا تهانوا) الى جواب المدعوين الى الاهمال واللامبالاة. أمَّا عبارة ” فَمِنهُم مَن ذَهبَ إِلى حَقلِه ” فتشير الى أهل الريف الذين فضّلوا الاهتمام بحقولهم ومزارعهم على المشاركة في وليمة العيد، وقد ارتبط هؤلاء بالأرض وهم يظنُّون انها باقية لهم إلى الأبد. اما عبارة “ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه” فتشير الى أهل المدينة الذين فضّلوا الاهتمام بالبيع والشراء والتجارة على المشاركة في وليمة العيد. فقد حُرم من الوليمة من أجل تجارتهم فتحوّلت العبادة إلى بيع وشراء. فصدق القول “لا يدخل التجّار والباعة إلى موضع (بيت) أبي” (نحميا13: 20). إن انشغالنا بالأشياء المنظورة، تُنسينا الأشياء غير المنظورة وتمنعنا عن الأمور الأفضل.
6وأَمسَكَ الآخَرونَ خَدَمَه فَشَتَموهم وقَتَلوهم.
تشير عبارة “أَمسَكَ الآخَرونَ” الى الرؤساء اليهود الذين رذلوا خدام الله ورفضوا وجود علاقة مع الملك، وذلك برفضهم خدامه؛ اما عبارة ” خَدَمَه ” فتشير الى مرسلي الله إلى شعبه في كل تاريخه. لكن الشعب اضطهد هؤلاء المرسلين ورذلوهم كما صرّح يسوع المسيح ” أُورَشَليم أُورَشَليم، يا قاتِلَةَ الأَنبِياء وراجِمَةَ المُرسَلينَ إِليَها” (متى23: 36-39). اما عبارة ” شَتَموهم وقَتَلوهم ” فتشير الى تطبيق كلام يسوع على عمل اليهود المدعوين الأوائل للملكوت وهم الأنبياء في درجة أولى (متى 21: 35). دعا الله اليهود عن طريق الأنبياء فقتلوا الأنبياء. ودعاهم عن طريق يوحنا المعمدان فقطعوا راس المعمدان، ودعاهم بعن طريق ابنه الحبيب، فقتلوه على الصليب. وهؤلاء هم الذين حُرموا من العرس بسبب حبّهم للشر، فقابلوا المرسلين إليه للدخول إلى الوليمة بالمسبَّات والشتم بل والقتل.
7فَغَضِبَ الملِكُ وأَرسلَ جُنودَه، فأَهلَكَ هؤُلاءِ القَتَلَة، وأَحرَقَ مَدينَتَهم.
تشير عبارة “أَحرَقَ مَدينَتَهم” الى خراب اورشليم في السنة 70 على يد الرومانيين؛ وهذا يعني ان الجماعة أعادت قراءة هذا المثل على ضوء الاحداث التي حصلت للمدينة المقدسة، حين حاصرها الرومان بقيادة القائد طيطس والامبراطور الروماني فسبازيانوس أوغسطس المعروف باسم فسبازيان. لكننا لا نجد هذا التمليح في رواية لوقا الموازية (لوقا 14: 21)، وذلك لسببين: فإما ان الآيتين 6 و7 في انجيل متى أُضيفتا الى المثل بعد خرا ب اورشليم، وإما أن المثل كله أتخذ صيغته النهائية بعد السنة 70م.
8ثُمَّ قالَ لِخَدَمِه: ((الوَليمَةُ مُعَدّةٌ ولكِنَّ المَدعوَّينَ غيرُ مُستَحِقِّين،
تشير عبارة “الوَليمَةُ مُعَدّةٌ” الى الفرح والابتهاج وتمجيد الله كما ورد في سفر الرؤية ” لِنَفرَحْ ونَبتَهِجْ! ولْنُمَجِّدِ الله، فقَد حانَ عُرسُ الحَمَل، وعَروسُه قد تَزَيَّنَت ” (رؤيا 19: 7)؛ اما عبارة ” المَدعوَّينَ غيرُ مُستَحِقِّين ” فتشير الى رفض متعمّدٍ، وليس عن خطأ وجهل. كل شيء مُعد معّ ما عدا المدعوون. الناس دًعوا إلى الوليمة، ففضَّلوا ان يقولوا: كَلآّ. لقد وضع المدعوّون مصالحهم الشخصيّة فوق مصلحة صاحب الدعوة. رفضوا أن يقدّموا للملك الشرف الّذي يستحقّه في عرس ابنه.
9فَاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه
تشير عبارة ” مَفارِقِ الطُّرق ” الى المنبوذين في إسرائيل، وهم العشارون والخطأة؛ امَّا عبارة ” َاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه ” فتشير الى دعوة سلسلة ثانية من الذين يحلِّون محل المدعوين المتخلفين حيث يأمر الملك الإتيان بهم من مفترق الطرق أي من اليهود المنبوذين والخاطئين (الخراف الضالة في إسرائيل (متى 10: 6). اما لوقا الإنجيلي فأن الملك يأمر بالإتيان بهم من الطرق والاماكن المسيجة أي من العالم الاممي الوثني ويُرغمهم على الدخول (لوقا 14: 23)، أي حثهم على الدخول، وذلك باستخدام وسيلة الاقناع لا القهر والعنف، وسيلة التخجيل كما يحدث في الضيافة الشرقية وليس الاكراه. اما عبارة “وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه ” الى دعوة شاملة؛ بما ان الشعب اليهودي قد رفضوا عمداً دعوة الله، دعا الله الاممِّيين الوثنيين، فآمنوا ولبّوا دعوة المسيح دخلوا الى الكنيسة.
10فخرَجَ أُولَئِكَ الخَدَمُ إِلى الطُّرُق، فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار، فامتَلأَت رَدهَةُ العُرْسِ بِالجالِسينَ لِلطَّعام.
تشير عبارة ” فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا” إلى جمع الناس حول الملك. ان الله يدعو الى فرح الملكوت جميع الناس؛ الدعوة مفتوحة للجميع، والله “يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ” (1طيموتاوس2: 4)، وقد تشير العبارة أيضا الى الأبرار والأشرار مختلطين في الملكوت قبل الدينونة الأخيرة (متى 13: 49). وأمَّا في انجيل لوقا فإن الخدم قد جمعوا ” الفُقَراءِ والكُسْحانِ والعُمْيانِ والعُرْجان” (لوقا 14: 21)، وهم مساكين إسرائيل (لوقا 6: 20) كما جمع الناس من ” الطُّرُقِ والأَماكِنِ المُسَيَّجَة ” أي الوثنيين (لوقا 6: 23). وهذا ما أكده يسوع بقوله ” أقولُ لَكم: سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إِبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات، ” (متى 8: 11). اما عبارة ” أَشْرارٍ وأَخيار ” تدلّ على خيار الله المجانيّ ورحمته ومحبّته لجميع البشر سواء كانوا ابرارا ام اشراراً كما صرّح يسوع “لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات، لأَنَّه يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار.”(متى 5: 45)؛ لأبرار والأشرار هم حاضرون في الكنيسة قبل الدينونة الاخيرة كما في الشبكة التي جمعت من كل جنس (متى 13: 37-43). فالكنيسة المنظورة تتكوّن من كليهما. فدعوة الملك لا تستبعد أحداً بمن فيهم الخطأة أنفسهم “فإِنِّي ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبْرارَ، بَلِ الخاطِئين (متى 9: 13). لكن ليس الكل يقبل نعمة الله التي تقدّسه، بل قليلون هم الذين يقبلونها ويتجاوبون معها. اما عبارة ” فامتَلأَت ” فتشير الى ما يهم الملك هو أن تملأ ردهة العرس. اما عبارة ” رَدهَةُ العُرْسِ ” فتشير الى البيت الكبير الذي تقام فيه الوليمة.

11ودَخَلَ المَلِكُ لِيَنظُرَ الجالِسينَ لِلطَّعام، فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لم يَكُنْ لابِساً لِباسَ العُرْس،
اما عبارة ” لِباسَ العُرْس “فتشير الى عادة منتشرة منذ عهد حمورابي، وهو أول ملوك الامبراطورية البابلية، حيث كان الملوك إذا دعوا الى وليمة، يقدِّمون للمدعويّن ثوباً خاصاً يدخلون به الى الوليمة. وهي عادة بقيت قائمة عند سلاطين القسطنطينية لعهد قريب. وكان صاحب العرس يُجهّز اللباس اللائق لوليمة العرس لكل ضيفٍ. ولباس العرس يرمز إلى الايمان، وفرح الخلاص والى البِر والاعمال الصالحة والمحبة (مزمور 132/16، اشعيا 61/10 ورؤيا 3/ 4)؛ اما عبارة “لَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس” فتشير الى اعتبار دخول أحد المدعويّن الى الوليمة بغير هذا الثوب مُخلا بآداب الولائم، ومذنباً بحق من دعاه، لعدم اكتراثه بأهمية الدعوة، وعدم تقديره لصاحب الدعوة، وهذا لا يليق بكرامة صاحب الوليمة. إذ كان يُرتدى ثوب العرس تكريمًا للعروس والعريس. فثوب العرس يرمز هنا الى الاعمال الصالحة كما جاء في سفر الرؤية “عَروسُه قد تَزَيَّنَت وخُوِّلَت أَن تَلبَسَ كَتَّانًا بَرَّاقًا خالِصًا. فإِنَّ الكَتَّانَ النَّاعِمَ هو أَعْمالُ البِرِّ الَّتي يَقومُ بها القِدِّيسون” (رؤية 19: 8)؛ ويشدد متى الانجيلي دائما على أهمية الاعمال الصالحة (متى 5: 16-20). فإنَّ الدعوة الله مجانية، لكن لها متطلباتها، حيث يوضح بولس الرسول ذلك بقوله انه علينا ان “نلبس المسيح”، ” إِنَّكم جَميعًا، وقَدِ اعتَمَدتُم في المسيح، قد لَبِستُمُ المسيح “(غلاطية 3/27) وان نصبح الانسان الجديد “الذي خُلق على صورة الله في البر وقداسة الحق” (أفسس 4/ 24). وإذا لم يتجاوب الانسان مع دعوة الله ونعمه وعطاياه، يبقى خارج العرس كما حدث مع العذارى الجاهلات اللواتي لم يكن معهن زيت رمز الاعمال الصالحة فبقين خارج العرس وسمعن الحكم القاسي “لا اعرفكن”؟ إنّ النعمة هبة مجانيّة، لكنّها مسؤوليَّة ومتطلبة.
12فقالَ له: ((يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس))؟ فلم يُجِبْ بِشَيء.
تشير عبارة ” يا صديقي، ” باليونانية Ἑταῖρε الى مناداة الملك الى ذاك “الانسان” الذي لم يَكُنْ لابِساً لِباسَ العُرْس. وتدلّ هذه اللفظة عند متى الإنجيلي على توبيخ يوجّه إلى شخص أخطأ كما ورد في حدث العمّال في الكرم (متى 20: 13)، وخيانة يهوذا (متى 26: 50). وهنا تلمح انه لا يستطيع أحد دخول ملكوت الله الاّ بحلة من النعمة، ورداء من البرِّ. فلا يجوز الاستهتار بدعوة المسيح فقد قال بولس الرسول “لا تَضِلُّوا فإِنَّ اللّهَ لا يُسخَرُ مِنه” (غلاطية 6/7). لا يكفي على الانسان ان يقبل الدعوة، بل عليه أيضاً ارتداء ثوب العرس، أي يتجدد من خلال اعماله الصالحة. اما عبارة ” فلم يُجِبْ بِشَيء ” فتشير الى جواب الصمت الذي يدل على عدم وجود عذر مقبول، الامر الذي استثار غضب الملك. وفي هذا الصدد يقول صفنيا النبي: وقد أَعَدَّ الرَّبُّ ذَبيحَةً وقَدَّسَ مَدعُوِّيه فيَكونَ في يَومِ ذَبيحَةِ الرَّبّ أَنِّي أُعاقِبُ الرُّؤَساء وبَني المَلِك وكُلَّ لابِسٍ لِباساً غَريباً” (صفنيا 1: 7-8). يعلق العلامة أوريجانوس “من يخطئ ولم يتجدّد ولم يلبس الرب يسوع المسيح ليس له عذر، لذلك قيل “لم يُجِبْ بِشَيء “.
13فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: ((شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان)).
تشير عبارة “شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه” Δήσαντες (حرفيا اربطوا) الى ربطه مثل سجين في حبس؛ واما عبارة “أَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة” فتشير الى خارج وليمة الملكوت، لا مع ابناء الله. وهو العقاب الأخير، عقاب الهالكين في جهنم، اما عبارة ” الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة ” فتشير الى المكان الذي سيعاقب فيه الكفار. وكان يعتقد أنه تحت الأرض، اما هنا فهو خارج عالم الاحياء (متى 25: 30)، فهو رمز الى الهلاك، الموت الثاني. اما السماء فهو نور. أن الله يدعو كل إنسان إلى ملكوته، ولكن الذين يرفضون دعوته فإنه يعاقبهم نتيجة عصيانهم وعدم تلبيتهم الدعوة الإلهية. اما عبارة ” فهُناكَ البُكاءُ ” فتشير الى استياء الكفار الأشرار وصرختهم اليائسة؛ اما ” صَريفُ الأَسنان ” فتشير الى حسدهم وغضبهم امام سعادة الابرار (ايوب16: 9). فالظلمة هي عكس النور، والسماء نور. هنا نتذكر العذارى الجاهلات اللواتي لم يكن معهنَّ زيت (أي الاعمال الصالحة) فبقينَ خارج وليمة العرس وسمعن الحكم القاسي” وجاءَت آخِرَ الأَمرِ سائرُ العذارى فقُلنَ: ((يا ربّ، يا ربّ، اِفتَحْ لَنا)). 12 فأَجاب: ((الحَقَّ أَقولُ لَكُنَّ: إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ! ” (متى 25: 11). أمَّا عبارة “البكاء وصريف الاسنان” فتشير الى صاحب المزامير ” الشَريرُ يَرى فيَغضَب ويَصرِفُ أسْنانَه ويَذوب وبُغيَةُ الأشْرارِ في زَوال” (مزمور 112: 10). ويعلق القديس ايرونيموس “أمّا البكاء وصرير الأسنان فتشير الى اشتراك الجسد مع النفس في مرارة الظلمة الخارجيّة لدى قيامة الجسد”.
14لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون)).
تشير عبارة ” جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون ” الى المبدأ الاساسي في المثل؛ اما عبارة ” مَدْعُوُّون” فتشير الى الذين لبَّوا الدعوة ودخلوا الكنيسة، اما عبارة ” المُخْتارون” فتشير الى الذين لم يلبوا الدعوة فقط بل استحقوا النعمة وأصبحوا ابراراً في الملكوت لأنهم قبلوا نعمة الدعوة وافسحوا المجال لهذه النعمة ان تغيّر حياتهم. ليست هذه الآية تلميحا الى اليهود الذين دُعوا الى الخلاص، فأبعدوا الآن بعد ان رفضوا المسيح، بقدر ما قد تكون موجّهة إنذارا للذين يسيئون استعمال دعوة الله المجّانية، فيُطرحون في آخر الآمر خارج الملكوت. ويعلق العلامة أوريجانوس “كثيرون هم الذين يأتون إلى العُرس، وقليلون هم الذين يجلسون على المائدة”

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 22: 1 -14)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 22: 1 -14)، نستنتج انه يتمحور حول دعوة الله لوليمة عرس الملكوت لجميع الناس، والجواب الشخصي المطلوب من كل واحد. ومن هنا نتساءل ما هي هذه الدعوة وماهي تطبيقاتها؟
1) ماهي الدعوة الالهيّة؟
الدعوة في المثل هي دعوة إلهيّة: ” فتَعالَوا إِلى العُرْس ” (متى 22: 4)، وهذه الدعوة تحمل قوّة تقدر أن تجتذب القلب إلى العريس ليتَّحد معه ويكون معه واحدًا، لكن دون إلزام أو إجبار. وقد دفع العريس ثمن الدعوة بقوله: “ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء” (متى 22: 4). فتكلفة الدعوة هي حياته التي بذلها لمصالحتنا مع أبيه السماوي صاحب الدعوة، مقدّمًا لنا جسده ودمه المقدّسين طعامًا وشرابًا روحيًا لوليمة الملكوت الجديد. لقد صار كل شيء معدًا لدخولنا إلى الوليمة المقدّسة التي هي في جوهرها ارتفاع إلى الحياة السماويّة، وقد أرسل لنا روحه القدّوس في كنيسته، لكي ينطلق بكل نفس خلال التوبة إلى الحضرة الإلهيّة، لتشارك الملائكة تسابيحهم وتتقبّل عريسها في داخلها. ويعلق العلامة أوريجانوس” أن هذه المائدة الإلهيّة هي كلمة الله، فالثيران المذبوحة إنّما هي منطوقات الله العظيمة المُعدة لنا كطعامٍ روحيٍ، والمسمنات هي كلماته العذبة الشهيَّة. كأنه بمجيء الكلمة المتجسّد وارتفاعه على الصليب دخل بنا إلى سرّ الكلمة لنكتشف عظمتها ودسمها”. هكذا ينشغل الثالوث القدّوس بهذا العرس، فالآب هو صاحب الدعوة، والابن هو العريس الذي يدفع تكلفة العرس، والروح القدس هو الذي يعمل فينا ليهيئنا للعرس. وأما ثوب العرس فكما يقول القديس هيلاري أسقف بواتييه” هو نعمة الروح القدس والبهاء الذي يضيء المؤمن فيصير بلا دنس ولا عيب إلى اجتماع ملكوت السماوات”.
وعليه نستنتج ان للدعوة دورٌ خاص في وحي الله وخلاص الانسان، انها حوار بين الله في عظمته وسرّه من ناحية، وبين الانسان الذي يظهر على حقيقته بما فيه من ضعف وقدرته على الرفض والتقبل من ناحية أخرى. هي نداء يوجّهه الله للإنسان الذي اختاره لذاته، والذي يخصّه لعمل معيَّن في تدبير خلاصه وفي مصير شعبه. وهذا النداء هو نداء شخصي موجّه الى أعماق ضمير الانسان، وينتظر الله جوابا، أي موافقة واعية تعبّر عن الايمان والطاعة، فإذا لبَّى الانسان الدعوة، فهذه الدعوة تقلب أوضاع كيانه، لا في ظروفه الخارجية فقط، ولكن حتى في عمق قلبه، فتجعل منه شخصا آخر.
إنها دعوة للعِطاش إلى الحكمة، تقدَّم لا للحكماء المتَّكلين على فهمهم، وإنما للذين هم في الشوارع والطرقات كما جاء في سفر الأمثال “الحِكمَةُ بَنَت بَيتَها ونَحَتَت أَعمِدَتَها السَّبعَة. ذَبَحَت ذَبائِحَها ومَزَجَت خَمرَها وأَعَدَّت أَيضًا مائِدَتَها. أَرسَلَت جَوارِيَها تُنادي على مُتونِ مشَارِفِ المَدينَة: ((مـن كانَ ساذِجًا فليَملْ إِلى هُنا)) وتَقولُ لِكُلِّ فاقِدِ الرُّشْد: ((هَلُمُّوا كُلوا من خبْزي واْشرَبوا من الخَمْرِ الَّتي مزَجتُ. اترُكوا السَّذاجَةَ فتَحيَوا اسلُكوا طَريقَ الفِطنَة” (أمثال 9: 1-6).
إنها دعوة للخطأة الراجعين، ينعمون بها أكثر من هؤلاء الذين يظنّون في أنفسهم أنهم أبرار كما حدث مع وليمة للابن الضال ” فقالَ الأَبُ لِخَدَمِه: أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً، وأتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم، لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد ” (لوقا 15: 22-24)، ويعلق القديس هيلاري أسقف بواتييه “انها دعوة لغفران كل الخطايا الماضية التي سقطت فيها البشريّة. إنها دعوة للجميع ولمغفرة كل الماضي!”. ولا يزال الربّ يسوع الّذي قدّم حياته كأضحية كفّاريّة عن خطايانا، والّذي يملك الآن كملك الملوك وربّ الأرباب يدعونا إلى أن نشترك معه في وليمته الأبديّة، ولهذا فهو يُرسل لنا الدعوة تلو الدعوة ” يقولُ الرُّوحُ والعَروس: ((تَعالَ!)) ” (رؤيا 22: 17).
وعليه فإن حياة المسيحية دعوة، لان الكنيسة جماعة المدعوِّين، هي نفسها المدعوَّة كما تشير لفظة كنيسة في اليونانية (ἐκκλησία ) (أي المدعوّة) مثلما هي المُختارة ” ( 2 يوحنا 1 :1)، فكل الذي من خلالها ، يسمع نداء الله ،ويًجيب ، كل في مكانه، على دعوة الكنيسة الواحدة التي تسمع صوت العريس وتجيبه ” تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع” (رؤيا 22: 20).

2) ما هي تطبيقات الدعوة الإلهية؟
للدعوة بحسب ما وردت في مَثَل وَليمة المَلِك ثلاثة تطبيقات تاريخي ولاهوتي وروحي.
ا) التطبيق التاريخي:
لمَثَل وَليمة المَلِكٍ تطبيق تاريخي حيث ان يسوع يروي هذا المثل رداً على الشكوك التي أثارتها مخالطته للخطأة والعشارين لدى الفريسيين (الأتقياء) والكتبة (اللاهوتيون) ورؤساء الشعب الدينيّون (الكهنة)، فهؤلاء لم يدركوا أهمية دعوة الله فلم يلبوا الدعوة. وكشف المثل ان الرفض يمنع النعمة عن الابرار. عندئذ قبل الله، بدلاً منهم، العشارين والخطأة والزناة والوثنيين، لأنهم انفتحوا على نداء يسوع وتبعوه طوعًا (لوقا 15: 1-2). ومن هنا تتعدّى دعوة الله كل الحدود الاجتماعية والدينية. كلنا مدعوون الى وليمة الرب، كل الذين على ملتقى الديانات والحضارات، كل الاشرار والاخيار كما جاء في نبوءة اشعيا ” وفي هذا الجَبَلِ سيَضَعُ رَبُّ القُوَّات لِجَميعِ الشُّعوبِ مَأدُبَةَ مُسَمَّنات مَأدُبَةَ خَمرَةٍ مُعَتَّقَة مُسَمِّناتٍ ذاتِ مُخٍّ ونَبيذٍ مُرَوَّق” (اشعيا 25: 6).
وإن التضاد بين مدعوين متوقَّع ان يأتوا يرفضون تلبية الدعوة، ومدعوين غير متوقع ان يأتوا يلبُّون الدعوة؛ وهذا الامر ينطبق على كل تاريخ بني إسرائيل. وهذا التضاد لا يقوم في داخل فئات شعب بني إسرائيل فقط، بل أيضا بين بني إسرائيل والشعوب الأخرى. ويحكم هذا المثل بشكل ضمني على رؤساء الشعب وأحبار اليهود، لأنهم رفضوا دعوة المسيح فتوجهت البشارة الى الوثنيين.
وفي هذا المثل نميّز بين وليمتين، الأولى وليمة العُرس التي نتحدّث عنها هنا، وهي تُمثِّل الكنيسة الحاضرة التي تحمل عريسها في داخلها، ويجتمع فيها المؤمنون كأعضاء جسد المسيح يلبسون ثياب العرس، وإن كان يتسلّل معهم وبينهم من هم بغير هذه الثياب كما تنبأ ملاخي النبي ” آسْم الله عَظيمٌ في الأُمَم ” (ملاخي 1: 11)،
أمّا الوليمة الأخرى فهي وليمة الملكوت السماوي حيث يتكلم عنها متى الإنجيلي بقوله “سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إِبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات” (متى 8: 11) فهي امتداد للوليمة الحاضرة لا يوجد فيها إلا لابسو ثياب العرس. فالديانة المسيحية ليست محصورة بنخبة محدّدة، فكلنا مهما كنّا، مدعوّون الى وليمة الرب، الله بنفسه يدعونا. ولكن شرط ان نلبس المسيح ثوب العرس.
ب) التطبيق اللاهوتي:
للمثل أيضا بُعد لاهوتي، إذ يشرح المثل موضوع الدعوة والدينونة. لا يقف المثل عند رفضُ السلطات اليهودية والشعب اليهودي ليسوع بل إنه ايضا دعوة بأن الساعة قد أتت وكل شيء مُعدّ “وأُعِدَّ كُلُّ شَيء فتَعالَوا إِلى العُرْس” (متى 22: 4). دعوة سخية، ومجانية ومبهجة حيث الفرح، الأكل، الشرب، لقاء الأحباء. وهنا لم تكن دعوة الى وليم عرس عادي، إنما وليمة عرس ملكي. فهي وليمة الملك. ولكن رغم كل هذا نجد في هذا المثل رفض من قبل المدعوِّين! ويتحدث الإنجيل عن ثلاثة أنواع من الرفض. البعض، ببساطة، ” فأَبَوا أَن يَأتوا ” (متى 22: 3). والبعض الآخر ” لم يُبالوا ” (متى 22: 5) وذهب إلى أعمالهم. والبعض الآخر، كان رفضهم بعنف ” فَشَتَموهم وقَتَلوهم. (متى 22: 6).
كل واحد منا مدعو الى الجواب شخصيا على دعوة الرب المجانية، مدعو لينفتح على كلمة الله، على نداءات ضميره، فما هو رد فعلنا؟ فهل هناك مجال الى التردد تجاه دعوة الإنجيل؟ وهل هناك ما هو أهم من تلبيتها. فلا بد من أخذ القرار. “يا رب من هو الإنسان حتى ينال هذا الشرف الرفيع”.
وليس المثل هو بمثابة دعوة بل هو أيضاً بمثابة إعلان دينونة الله. إنها دينونة قاسية لا يفلت منها أحد: لا تخص الدينونة فقط مدعوي الدفعة الأولى، بل تمتد إلى مدعوي الدفعة الثانية أيضاً، الذين قد يعتقدون أنهم بتلبيتهم للدعوة أصبحوا في مأمنٍ من الدينونة. فقد قال الملك واضحا ” إنَّ المَدعوَّينَ غيرُ مُستَحِقِّين” (متى 22: 8).
وتطال دينونة الله كل إنسان لان الجميع مدعوًّون، ولكن ليس الجميع مختارون. إن دخول الردهة تتطلب أن يتغيّر الانسان ويسهر ويكون في موقف طاعة دائمة. لقد طالت الدينونة على بني إسرائيل وتطال أيضاً المسيحيين. هذا ما يعنيه الانجيل لباس ثوب العرس.
ج) التطبيق الروحي:
يتناول المثل ايضا البعد الروحي على صعيد الدعوة وثوب العرس. اما على صعيد الدعوة فالله يريد خلاص جميع الناس كما قال الملك لخدامه “َاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه (متى 22: 9) وقد أكد ذلك بولس الرسول بقوله “الله يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ ” (1 طيموتاوس 2: 4)، والله يدعو الجميع إليه من جميع الاجناس والطبقات، الابرار والاشرار، القديسين والخاطئين. فإن دعوة الملك لا تستبعد أحداً بمن فيهم الخطأة أنفسهم (متى 9: 9-13). وعليه فإننا نستنتج أنَّ الله لا يهمل شعبه، بل الشعب هو الذي يرفض إلهه. الجميع مدعوون الى الكنيسة كما في الشبكة التي جمعت من كل جنس (متى 13: 37-43).
كما دعا يسوع اليهود كذلك دعانا جميعًا، فإنه لا يمل من إرسال عبيد لدعوتنا لهذا العرس بكل طريقة لكي نقبَّله عاملًا فينا. وهو يدعونا خلال خدّامه وإنجيله والأحداث المحيطة بنا، ويتّكلم بروحه فينا. إنه “واقف على الباب يقرع” كما ورد في سفر الرؤية ” هاءَنَذَا واقِفٌ على البابِ أَقرَعُه، فإِن سَمِعَ أَحَدٌ صَوتي وفَتَحَ الباب، دَخَلتُ إِلَيه وتَعَشَّيتُ معه وتَعَشَّى معي” (رؤية 3: 20)، ينتظر أن ندخل به إلى قلبنا، وننعم بالاتّحاد معه!
فالمثل يدعونا الى الاستجابة الى نداء الله في حياتنا كما الى وليمة، فلا نتذرع بأعذار مختلفة من مشاغل الحياة (العمل، المصالح، العائلة) لرفض الدعوة الملكية. وما هي هذه الاعذار الا مزاعم تخفي تحتها عدم رغبتنا لقبول الدعوة؛ وكأن الدين شيء حسن لمن ليس لهم شيء أفضل يُشغلهم عنه؛ والواقع ترفض النفس الفرح لتعيش في غمٍ نابع لا عن ظروف خارجيّة، وإنما عن قلب مغلق لا يريد أن ينفتح للرب الذي يهب السلام والفرح. ولنسأل نفوسنا: ما الذي يأخذ مكان الله في حياتنا؟ هل نحن نفضل “العمل” على “العيد”؟ كيف يمكن لنا ان نشارك في “وليمة الله بدل ان نهتم بشؤوننا وعملنا اليومية؟
اما على صعيد ثوب العرس فليس الكل يقبل نعمة الله التي تقدّسه، بل قليلون هم الذين يقبلونها ويتجاوبون معها ويلبسون ثوب العرس كما ورد في الكتاب المقدس “لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون” (متى 22: 14)؛ ولباس العرس الذي يُطلب من الجميع هو البرّ الذي يتحدّث عنه متى الإنجيلي ” إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات” ( متى 5: 20)، فثوب العرس هو ان نعمل إرادة الآب لكي نشارك في العيد، وهو بمثابة نداء إلى الايمان والعمل، ويعلق القديس يوحنا الذهب الفم ” ثوب العْرس هو الحياة الداخليّة المقدّسة والمعلنة خلال التصرّفات العمليّة”. لا يمكننا دخول الى الوليمة ونبقى كما كنا، كما لو لم يحدث شيء؛ فإن الشخص الذي يدخل الى الوليمة ولا “يتكيف” مع الحياة، هو في الواقع مساو لمن يرفضون الدعوة.
لا يكفي أن نكون مدعوّين ونقول “نعم” على مستوى الكلام لكي يتأمّن لنا الخلاص والمشاركة في وليمة العرس، بل لا بدَّ من العمل. فلا يجوز لنا ان نكون في داخل ردهة العرس، وقلبَنا في الخارج. لهذا يقول القديس ايرونيموس “ثوب العرس هي وصايا الرب والأعمال التي تتمِّم الناموس والإنجيل” ويعلق القديس اوغسطينوس “من يأتي إلى وليمة العرس بدون ثوب العرس إنّما هو ذاك الذي له إيمان بدون حب “، فلا عجب ان يوصينا بولس الرسول انه علينا ان نلبس المسيح: ” فإِنَّكم جَميعًا، وقَدِ اعتَمَدتُم في المسيح، قد لَبِستُمُ المسيح” (غلاطية 3: 27)، ونلبس الانسان الجديد: “فَتَلبَسوا الإِنسانَ الجَديدَ الَّذي خُلِقَ على صُورةِ اللهِ في البِرِّ وقَداسةِ الحَقّ”(أفسس 4: 24). فالخلاص ليس عملية تلقائية قائمة بذاتها، انما تتطلب لبس ثوب العرس أي التجاوب مع نِعّم الله وعطاياه. وهذا الامر اوصاه بولس الرسول ” البَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال” (قولسي 3: 14).
وبعبارة أخرى لا يكفي أن نعترف باسم المسيح، أن نكون جزءًا من جماعته (ندخل بالمعموديّة إلى قاعة العرس)، بل يجب أيضًا أن نلبس حلّة العرس، أي أن نتمّم الأعمال التي يفرضها البر الجديد (متى7: 21)، وأن نحبّ بالعمل والحقّ ونسلك بالوصيّة المحبة الإنجيليّة ونعمل بإرادة الآب فنكون من هؤلاء المطوَّبين الذي قال فيها سفر الرؤيا: “طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل”. وعكس ذلك نطرح خارجًا، ونستبعد عن الملكوت إلى الأبد، حتى لو دخلناه كما دخله عابرو الطريق سيُقال لنا في تلك الساعة: ” يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا؟ (متى 22: 11).
الخلاصة
ضرب يسوع مثل وليمة الملك في وسط مدينة اورشليم وقبل موته بأسابيع. اما شخصيات المثل فهي: الملك الذي اقام عرسا هو الله، الذي دعا ضيوفه ثلاث مرات، والابن الذي اقيمت وليمة عرسه هو المسيح، والوليمة هي الملكوت، وخدَّام الملك هم الأنبياء والرسل والتلاميذ، والمدعووّن الى الوليمة الناس من كل أمة تحت السماء، والمجرمون القتلة هم اليهود الذين رفضوا دخول ملكوت الله على يد الانبياء وقتلوهم، والقادمون الى الوليمة من مفارق الطرق هم الوثنيون، والمدينة التي احرقها الملك هي اورشليم التي دمرها الرومان. اما الرجل الذي دخل الى ردهة العرس بغير ثوب العرس هو كل من لا يحترم كرامته وكرامة من يدعوه. ان ملكوت الله مفتوح للجميع، للأبرار والاشرار، والمطلوب الجواب الشخصي لكل واحد لقبول دعوة الملكوت والدخول اليه وهو لابسٌ ثوب العرس. فالمسيحيّة هي دعوة إلى الفرح، ومن يرفضها يحرم نفسه من هذا الفرح.

دعاء
أيها الآب السماوي، يا من تدعو عن طريق خدّامك وكنيستك الجميع للمشاركة في وليمتك السماوية والعيش في حضرتك، اجعلنا دوما ان نكون مستعدين لقبول اية دعوة منك، وان لا تعوقنا “اعمالنا” اليومية عن روح الخدمة، بل أن نشارك في وليمة الرب ونحن لابسون ثوب المسيح، ثوب الانسان الجديد “الذي خُلق على صورة الله في البر وقداسة الحق” (أفسس 4: 24) فنكون من هؤلاء المطوَّبين الذي قال فيها سفر الرؤيا: “طوبى لِلمَدعُوِّينَ إِلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل” (رؤيا 19: 9) الذين ينعمون رؤيتك وجهاً لوجه في ملكوتك الأبديّ. آمين
آمين.