الصلاة الربيّة والدعوة الى تلاوتها (لوقا 11: 1-13)

الأب لويس حزبون

يتناول لوقا الإنجيلي تعليم يسوع لتلاميذه حول “الصلاة الربية ” كمثال صلاتهم ودعوتهم الى تلاوتها بلَجاجَة ٍ وحبٍ وإيمان، علما أنَّ هذا التعليم يصدر عن اختباره الشخصي (لوقا 11: 1-13)، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 11: 1-13)
1وكانَ يُصلِّي في بَعضِ الأَماكِن، فلَمَّا فَرَغَ قالَ لَه أَحَدُ تَلاميذِه: ((يا ربّ، عَلِّمنا أَن نُصَلِّيَ كَما عَلَّمَ يوحنَّا تَلاميذَه)).
تشير عبارة ” يُصلِّي ” الى لقاء يسوع مع الآب (انجيل لوقا 10: 21) وغالبا ما يذكر لوقا “صلاة يسوع”، فقد خصص يسوع في حياته وقتاً كبيراً للصلاة (لوقا 5: 16، 6: 12، 9: 18، 10: 21، 22: 32، 23:34). فالمسيح كإنسان كامل كان يحتاج للصلاة. وكنائب عن البشرية يرفع الصلاة عنا، ويقدِّم لنا نموذجًا. اما عبارة ” فلَمَّا فَرَغَ” فإنها تشير الى عدم مقاطعة التلاميذ لصلاة يسوع احتراما وإدراكا أن ما من أمر مستعجل وضروري مثل الصلاة. أما عبارة “عَلِّمنا أَن نُصَلِّيَ ” فتشير الى شعور التلاميذ بالعلاقة القائمة بين يسوع والله فرغبوا ان يدخلوا هم ايضاً في مثل هذه العلاقة فطلبوا من يسوع ان يُعلمهم الصلاة. اما عبارة “كَما عَلَّمَ يوحنَّا تَلاميذَه” فتشير الى ما ورد “إِنَّ تَلاميذَ يوحنَّا يُكثِرونَ مِنَ الصَّومِ ويُقيمونَ الصَّلوات” (لوقا 5: 33).
2فقالَ لَهم: ((إِذا صَلَّيتُم فَقولوا: أَيُّها الآب لِيُقَدَّسِ اسمُكَ لِيأتِ مَلَكوتُكَ.
تشير عبارة “إِذا صَلَّيتُم فَقولوا” الى صلاة نموذجية وللتكرار أي تُوجَّه لله كما هي، وهي صادرة عن صلاته هو. أما عبارة “الآب ” فتشير الى ان الله ليس عظيما وقدوسا فقط، بل إنه إله شخصي ومحب أيضا؛ فلفظة “الآب” توحي بالقرب والثقة والحنان. فهذا الدعاء افتتاحي، ونجده في مطلع صلوات يسوع (لوقا 22: 42، 23: 34). بهذا اللقب علم يسوع تلاميذه ان يخاطبوا اباهم المشترك، وهو واحد، وهو قريب من البشر قُرْب الأب من أبنائه (متى 23: 9). ولا يستطيع أحد ان يصلي هذه الصلاة بحق الا إذا كان ابنا لله أي المولود ثانية. اما عبارة “لِيُقَدَّسِ” فإنها تشير الى اعتبار اسمه باحترام مقدس. وبما ان الله هو القدوس المثالي، فلا تعني العبارة انه يُضاف شيء الى قداسته، بل تدل على ان الانسان يعترف بقداسة الله ويُمجّد اسمه (يوحنا 12: 28) ولتقديس الله او اسمه هناك طريقتان: الأولى بالطاعة لوصاياه، والثانية الاعتراف بسلطته عليه (احبار 22: 23). ويُعلن الأنبياء ان الله يكشف عن قداسته بظهوره كالدّيان العادل والمُخلّص على عيون جميع الأمم كما جاء في نبوءة اشعيا ” يَتَعالى رَبُّ القُوَّاتِ بِالقَضاء ويَتَقَدَّسُ الإِلهُ القُدُّوسُ بِالبِرّ”(اشعيا 5: 16). اما صيغة المجهول ” يُقَدَّسِ” فتشير في الدين اليهودي الى طريقة غير مباشرة على عمل الله دون ذكر اسمه (متى 5: 6). إن الله وحده يستطيع ان يتجلى هو نفسه في قدرته ومجده وبرّه ونعمته لجميع الناس. اما عبارة “اسمُكَ ” فتشير إلى اسم الله. ولا فرق بين اسم الله والله نفسه، او بالأحرى بين اسم الله وشخصه بصفته محور العبادة. وهو لفظ كتابي مألوف يدلّ بإجلال على كيانه، وميزة الله وجوهره وما هو في حقيقته ويستخدم خاصة في النصوص الطقسية. اما عبارة “لِيُقَدَّسِ اسمُكَ” فهي مأخوذة من سفر حزقيال (20: 41) وتعني ان الله يُظهر مجده بتطهير شعبه من خطاياه وتخليصه. أمَّا عبارة “لِيأتِ مَلَكوتُكَ” فتشير الى ان ملكوت الله يحلّ على الأرض كلها عندما يُبطل آخر عدو عند رجوع الرب (1قورنتس 15: 24-28)؛ وهذه الطلبة مقتبسة من اشعيا (اشعيا 2: 7). وقد أعلن الله ملكوته في عهده مع إبراهيم (لوقا 13: 28) وهو قائم بمُلك المسيح على قلوب المؤمنين (لوقا 17: 21) وسيُكمل عندما يقضي على كل شر ويُؤسس سماء جديدة وأرضا جديدة (لوقا 6: 10). لذا فإن مجيء الملكوت يقتضي توبة الانسان وإكرام اسم الله القدوس. ونستطيع ان نكرم اسم الله من خلال احتراسنا في استخدام الاسم، لأننا إذا استخدمناه باستخفاف، فإننا نتجاهل قداسة الله.
3أُرزُقْنا خُبزَنا كَفافَ يَومِنا
تشير عبارة ” خُبزَنا كَفافَ يَومِنا” الى خبز لكل يوم، بناء على كلمة كفافَ التي هي في اللفظة اليونانية ἐπιούσιον، لان لوقا ينظر الى الحياة المسيحية التي تمتد يوما بعد يوم “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفسهِ ويَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ ويَتبَعْني.”(لوقا 9: 23)؛ وهذه النظرة أقرب الى الواقع اليوناني منها الى الواقع الفلسطيني (متى 6: 34). وهناك تفسير من آباء الكنيسة يرى في هذه الطلبة إشارة الى خبز الافخارستيا، لا بل الى كلمة الله، فيعلق العلامة ترتليانوس (160 -220) بقوله “المسيح هو خبزنا، لأنه هو الحياة، والخبز هو الحياة. يقول السيِّد: ” أَنا خُبزُ الحَياة ” (يوحنا 6: 35)، يسبق ذلك قوله: ” خُبزَ اللهِ هُوَ الَّذي يَنزِلُ مِنَ السَّماء” (يوحنا 6: 33). وعليه فان يسوع يدعو تلاميذه الى طلب ما يحتاجون اليه من الطعام المادي والروحي يوما بعد يوم، مع التيقن من ان الله يُرزقهم إياه كل يوم، كما انه أطعم بني إسرائيل في البرية بالمنّ المُعطى كفاف يومهم. بهذه الطلبة نعترف أن َّالله هو معيننا والمتكفل بنا، وأننا نتكل على الله كل يوم ليُمدنا بكل ما يرى أننا في حاجة اليه. اما القدِّيس باسيليوس فيرى “إن هذه الصلاة التي علَّمنا إيَّاها السيِّد تعني التزامنا بالالتجاء لله، لنُخبره كل يوم عن احتياجات طبيعتنا اليوميَّة”.
4وأَعْفِنا مِن خَطايانا فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه ولا تَترُكنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة)).
تشير عبارة “أَعْفِنا” الى ديوننا كما تدلّ اللفظة اليونانية ἄφες؛ إن الدَيْن في لغة الكتاب المقدس هو واجب قانوني وتجاري بين البشر، وكان هذا الالتزام ذا شأن عظيم جداً في العالم القديم، فيعرّض لفقدان الحرية كما جاء في مَثلِ مَلِكٍ أَرادَ أَن يُحاسِبَ خَدَمَه “لَم يَكُن عندَ الخادم ما يُؤَدِّي بِه دَينَه، فَأَمَرَ مَولاهُ أَن يُباعَ هو وامرأَتُه وأَولادهُ وجَميعُ ما يَملِك لِيُؤَدَّي دَينُه”(متى 18: 23-35).وقد استعمل الدين اليهودي الديون لوصف موقف الانسان من الله، وهو مدين له وعاجز عن الوفاء، وفي هذه الحالة تدل الاستعارة “أَعْفِنا” على ان الأنسان خاطئ (لوقا 13: 2-4). تحملنا هذه الصلاة على الطلب الى الله ان يُعفينا من ديوننا له أي خطايانا. والغفران هو النعمة بكل معنى الكلمة، بما أننا عاجزون عن تكفير خطيئتنا. أما عبارة ” خَطايانا ” فتشير الى استعارة الدّين ὀφείλημα؛ أما عبارة ” فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه” فتشير الى ان الغفران في إنجيل لوقا يشتمل الحياة المسيحية كلها. في حين في انجيل متى يجعل زمن الغفران الاخوي في اللحظة التي تسبق الصلاة. يربط يسوع ربطا وثيقا بين غفران الله خطايانا وواجباتنا نحو اخوتنا، وفقا لموضوع العهد ان الله يمنحنا غفرانه إن غفرنا لإخوتنا “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون” (متى: 7)، وهذا الغفران الأخوي لا يكتسب لنا الغفران ولا يستحقه، بل يشهد لصدق طلبنا، وهذا ما يدل عليه إنجيل متى باستعمال الصيغة في الماضي.” وأَعْفِنا مِمَّا علَينا فَقَد أَعْفَينا نَحْنُ أَيْضاً مَن لنا عَلَيه” (متى 6: 12)؛ ومبدأ الغفران غير قابل للفصل عن التبرير بالإيمان. ان قبول الغفران يتضمن الادراك ان المسيح احتمل آلام عقاب الخطيئة على الصليب. وهذا يعني اننا لا نستطيع ان نستوجب عقابا آخر. لذلك ينبغي ان نُظهر الغفران للجميع كما جاء في تعليم يسوع “أَفما كانَ يجِبُ عليكَ أَنتَ أَيضاً أَن تَرحَمَ صاحِبَكَ كما رحِمتُكَ أَنا؟” (متى 18: 32-35)؛ وإذا ابينا ان نغفر للآخرين، فإنه هو أيضا لن يغفر لنا. لماذا؟ لأننا عندما لا نغفر للآخرين، فإننا ننكر أنَّنا خطأة مثلهم وأننا بحاجة الى غفران الله، وغفران الله لخطايانا ليس نتيجة مباشرة لغفراننا للآخرين، ولكنه يقوم على أساس إدراكنا معنى الغفران كما جاء في تعليم بولس الرسول “لْيَصفَحْ بَعضُكم عن بَعضٍ كما صَفَحَ الله عنكم في المسيح” (أفسس 4: 32). أمَّا عبارة “لا تَترُكْنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة ” فتشير في اللفظة اليونانية εἰσενέγκῃς الى معنى “لا تدخلنا في التجربة”. ليست التجربة هنا “الامتحان” الذي اخضع الله له إبراهيم (التكوين 22: 1) وشعبه (خروج 15: 25). إنها التجربة التي بها يحاول الشيطان أن يُهلك فيها من تصيبه (1 قورنتس 7: 5) ولذلك لا يُقال ابدا في العهد الجديد إن الله يجرّب، لكن الله يستطيع ان يضع حدا للتجربة (متى 4: 1)، وقد وعد الله ان لا يدعنا نُجرب فوق ما نحتمل (1 قورنتس 10: 13). فتلميذ يسوع يطلب من الله ان لا يسمح له الوقوع في التجربة كما جاء في قول يسوع لبطرس “اسهروا وصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة” (متى 26: 41)، وان يُجنبه التجربة التي لا يقوى على تحمّلها؛ وبعبارة أخرى لا تدعنا ندخل في تجربة أي أنقذنا من الدخول في أفكار المُجرِّب ومن التواطؤ معه، او الوقوع في التجربة بحسب تعبير بولس الرسول ” أَمَّا الَّذينَ يَطلُبونَ الغِنى فإِنَّهم يَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفَخِّ وفي كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ العَمِيَّةِ المَشؤُومَةِ الَّتي تُغرِقُ النَّاسَ في الدَّمارِ والهَلاك” (1 طيموتاوس 6: 9).
5وقالَ لَهم: ((مَن مِنكم يَكونُ لَه صَديقٌ فيَمْضي إِلَيه عِندَ نِصفِ اللَّيل، ويَقولُ له: يا أَخي، أَقرِضني ثَلاثَةَ أَرغِفَة،
تشير عبارة ” مَن مِنكم يَكونُ لَه صَديقٌ ” الى أسلوب يسوع في استخدام الأسئلة في تعليمه، وهو أسلوب يسوع التربوي (لوقا 10: 26)؛ اما عبارة ” ثَلاثَةَ أَرغِفَة ” فتشير بحسب ثيوفلاكتيوس بطريرك بلغاريا الى إشباع احتياجات جسد الإنسان ونفسه وروحه”؛ اما القديس أوغسطينوس فيرى في هذه الارغفة الثلاث أنها عبارة عن إيماننا الثالوثي”. ويرى آخرون في رقم (3) إشارة للثالوث فنحن نشبع بمعرفتنا وعلاقتنا بالثالوث. فالروح يثبتنا في الابن، والابن يحملنا لأحضان الآب؛ والبعض الآخر يرى في رقم (3) إشارة للقيامة، فنحن نشبع بجسد المسيح القائم من الأموات في اليوم الثالث.
6فقَد قَدِمَ عَلَيَّ صَديقٌ مِن سَفَر، ولَيسَ عِندي ما أُقَدِّمُ لَه،7فيُجيبُ ذاك مِنَ الدَّاخلِ: لا تُزعِجْني، فالبابُ مُقفَلٌ وأَولادي معي في الفِراش، فلا يُمكِنُني أَن أَقومَ فأُعطِيَكَ.8 أَقولُ لَكم: وإِن لم يَقُمْ ويُعطِه لِكونِه صَديقَه، فإِنَّه يَنهَضُ لِلَجاجَتِه، ويُعطيهِ كُلَّ ما يَحتاجُ إِلَيه.
تشيرعبارة “يُعطيهِ كُلَّ ما يَحتاجُ إِلَيه” الى صديق لا يُلبِّي ما طُلب منه عن صداقة، بل ليرتاح منه شأنه في ذلك شان القاضي الظالم (لوقا 18: 4-5). فلا يعني هذا الكلام ان الله يتصرف هكذا معنا، او انه يستجيب لنا تفاديا لإزعاجنا له، بل كما يُعلق القديس أوغسطينوس “إن كان الشخص النائم التزم إن يعطي قسرًا بعد إزعاجه من نومه لذاك الذي يسأله، فكم بالأحرى إن يُعطى كثر ذاك الذي لا ينام، بل يُيقظنا من نومنا لكي نسأله إن يعطينا؟”؛ فالكلام يُبيّن طيبة الله وسخاءَه بحجة أولى. “فإِذا كُنتُم أَنتُمُ الأَشرارَ تَعرِفونَ أَن تُعطوا العَطايا الصَّالِحَةَ لأَبنائِكم، فما أَولى أَباكُمُ السَّماوِيَّ” (لوقا 11: 13). وعليه فان هذا المثل يُبرز موقف الله الذي يستجيب، لأنه عادلٌ وصالح وأب.
9 وإِنَّي أَقولُ لَكم. اِسأَلوا تُعطَوا، اُطلُبوا تَجِدوا، اِقرَعوا يُفتَحْ لَكم.
تشير عبارة ” اِسأَلوا، اُطلُبوا، اِقرَعوا ” الى أننا لا نسأله فقط بأفكارنا أو نيَّاتنا الداخليَّة، وإنما أيضًا بشفاهنا كما بأعمالنا. وتلمح هذه العبارة أيضا الى طلب يسوع منا ان نثابر في صلواتنا لله؛ امَّا عبارة “تُعطَوا، و” يُفتَحْ لَكم” فتشير الى صيغة المجهول وهي طريقة للدلالة على عمل الله من دون ذكر اسمه. وهنا يعلن يسوع بشكل رسمي ان الله يستجيب الدعاء ويؤكد ذلك مرارا وتكرارا.
10لأَنَّ كُلَّ مَن يَسأَلُ ينال، ومَن يَطلُبُ يَجِد، ومَن يَقرَعُ يُفتَحُ له.
تشير هذه الآية الى الالحاح كي نسأل ونطلب ونقرع، لأن الله يريد أن يعطينا. فالمرء يجب ان يأتي الى الله كفقير مُعوز، فالصلاة قبل كل شيء إقرار بالفقر والحاجة.
11 فأَيُّ أَبٍ مِنكُم إِذا سأَلَه ابنُه سَمَكَةً أَعطاهُ بَدَلَ السَّمَكَةِ حَيَّة؟
تشير عبارة “السَّمَكَةِ” الى الحياة؛ وأما العلامة أوريجانوس فيرى فيها حب التعلُّم. وأمَّا عبارة ” حَيَّة” فتشير الى الموت.
12أَو سَأَلَهُ بَيضَةً أَعطاهُ عَقرَباً؟
تشير عبارة “بَيضَةً” الى الحياة؛ وأما العقرب فتشير الى الموت. واما عبارة” أَعطاهُ عَقرَباً” فتشير الى التعارض بين البيضة والعقرب. ويستوحي لوقا ذكر الحيَّات والعقارب من كلام يسوع “وها قَد أولَيتُكم سُلطاناً تَدوسونَ بِه الحَيَّاتِ والعَقارِب وكُلَّ قُوَّةٍ لِلعَدُوّ، ولَن يَضُرَّكُم شَيء” (لوقا 10: 19) وهذا ما يُضفي على التعارض شيئا من القوة. اما القديس أوغسطينوس فيرى ” أن الخبز هو المحبَّة، والسمكة هي الإيمان، والبيضة هي الرجاء، فإننا نطلب من أبينا السماوي أن نحب ونؤمن ونترجَّى”. بمعنى آخر الخبز يشير إلى المحبَّة، يقابله الحجر يشير إلى قسوة القلب، والسمكة تشير إلى الإيمان تقابلها الحيَّة التي تشير إلى الجحود بالإيمان حيث خدعت الحيَّة حواء بمكرها وأفسدت ذهنها عن النقاوة كما وضح ذلك بولس الرسول الى اهل قورنتس ” أَخشَى علَيكُم أَن يَكونَ مَثَلُكُم مَثَلَ حَوَّاءَ الَّتي أَغوَتْها الحَيَّةُ بِحيلَتِها، فتَفسُدَ بَصائِرُكُم وتَتَحَوَّلَ عَن صَفائِها لَدى المَسيح”(2 قورنتس 11: 2-3)، والبيضة تشير إلى الرجاء حيث يخرج ممَّا يبدو جسمًا جامدًا طائرًا فيه حياة، ويقابلها العقرب التي تحطَّم حياة الإنسان.
13فإِذا كُنتُم أَنتُمُ الأَشرارَ تَعرِفونَ أَن تُعطوا العَطايا الصَّالِحَةَ لأَبنائِكم، فما أَولى أَباكُمُ السَّماوِيَّ بِأَن يهَبَ الرُّوحَ القُدُسَ لِلَّذينَ يسأَلونَه)).
تشير عبارة “الأَشرارَ” الى صفة مربوطة لغويا بالتعارض القائم بين الأمور الصالحة التي يعطيها الآباء الأرضيون وصلاح الآب السماوي. فعبارة “الأَشرارَ” ليست حكما أخلاقيا في فساد الانسان، أي لا تعني ان الوالدين “اشرار ” بقدر ما يشير الى وجه الله تعالى، وهو الواهب الصالحات لأبنائه من غير حساب؛ أمَّا عبارة ” الرُّوحَ القُدُسَ ” فتشير الى العطية المثالية العظمى التي أشار اليها لوقا (53) مرة في سفر اعمال الرسل. وهي عطية تنطوي على كل العطايا الجيدة الأخرى (متى 7: 19)؛ أمَّا عبارة” لِلَّذينَ يسأَلونَه” فتشير الى للذين يدعونه بالصلاة. فأكبر تلبية للدعاء هي هبة الروح القدس الذي وحده روح الشركة، الذي يثبِّتنا في الابن الوحيد منطلقًا بنا إلى حضن الآب السماوي.

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 11: 1-13)
انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 11: 1-13) نستنتج انه يتمحور حول الصلاة الربية مبيّناً مضمونها والدعوة الى تلاوتها بتكرار بلجاجة وامانة لله في استجابة صلاتنا
1) مضمون الصلاة الربية (لوقا 11: 2-4):
طلب أحد التلاميذ من يسوع ان يعلمهم كيف يصلون، فعلَّم يسوع تلاميذه الصلاة الربيّة، التي تعتبر قلب تعليم الانجيل ونموذجا لصلواتنا. ويوجد تشابه بين الصلاة الربيّة والصلوات اليهودية في معناها ومبناها. وقد ورد الصلاة الربيّة في إنجيلي لوقا متى ، ولكن في صيغتين مختلفتين تبعا لبيئة الجماعات المسيحية الأولى مما يدل على الأمانة لفكر يسوع أكثر من ترديدهم لكلماته. فصيغة “الصلاة الربية ” في انجيل متى هي أفضل إيقاعا وعباراتها أكثر صيغة سامية، وهي تشمل سبعة طلبات؛ في حين في انجيل لوقا يوجد خمسة طلبات.
الطلبة الأولى: ” أَيُّها الآب (لوقا 11: 2)
علّمنا يسوع أن نخاطب الربّ “أبانا” كونه خالق ومبدع لكلّ ما قد صنع، وهو المصدر الأولّ لكلّ شيء، وهو السلطة الأسمى، وهو أبٌ أزليّ في علاقته بابنه الوحيد الّذي هو ابن في العلاقة المتبادلة بينه وبين الآب فقط (متّى 11، 27). تنبثق عنه كلّ أبوّة (أفسس 3، 14-15). علم يسوع تلاميذه أنهم أبناء ألآب، وهم إخوة بعضهم مع بعض. فنحن نولد في يسوع المسيح ولادة ثانية، ونصبح أبناء الربّ بالتبنّي (يوحنّا 1، 12-13؛ 3،3). وإننا نستطيع الاقتراب من الربّ أبينا بثقة وجرأة، لأنّ يسوع المسيح قد فتح لنا الطريق إلى السماء بواسطة موته وقيامته. وهكذا فان حالة المصلي مستمدة من الابتهال الى الله بصفته أب. وهذا الابتهال هو فعل إيمان، وهبة ذات من شأنها إدخال الانسان في نطاق المحبة. فلا معنى للصلاة من دون الايمان، ولا وجود للإيمان بالله ألاب، من دون السعي الى لقائه بالصلاة.
إن الصلاة الربية وضعت “للذين قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله” (يوحنا 1: 12). فلا نستطيع إن نصلِّي كما ينبغي ما لم ندرك أولًا مركزنا بالنسبة له، فقد اختارنا أبناء الله، نحدِّثه من واقع بنوَّتنا التي نلناها كهبة مجانيَّة في مياه المعموديَّة؛ ويعلق القديس كيرلس الاورشليمي بقوله ” يا لعظمة حب الله للبشر! فقد منح الذين ابتعدوا عنه وسقطوا في هاوية الرذائل غفران الخطايا، ونصيبًا وافرًا من نعمة، حتى أنهم يدعونه أبًا”. فجوهر الصلاة الربية هو الاتصال بالله الآب. من يحب الله يحيا معه ويصلِّي إليه دوما كأب. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله “أي شرف أعظم من أن يقف الإنسان أمام الله”.
الطلبة الثانية: ” لِيُقَدَّسِ اسمُكَ ”
يُعلق العلامة أوريجانوس على هذه الطلبة بقوله “إن الوثنيِّين يُجدّفون على اسم الله إذ ينسبونه للأصنام، وكأن الصلاة هنا هي صرخة الكنيسة لله أن ينزع العبادة الوثنيَّة عن العالم ليُعرف اسمه مقدَّسا في كل البشريَّة.” نصلي كي تشرق أشعَّة الحق على الذين لا يؤمنون به بعد كي يعترفوا بقدُّوس القدِّيسين. ومن ناحية أخرى ” نحن نطلب من خلال هذه الطلبة إن يتقدَّس اسم الله فينا” كما يقول القديس كيرلس الاورشليمي
الطلبة الثالثة “لِيأتِ مَلَكوتُكَ”
“ليأت ملكوتك” هي دعوة الى الله لمجيء ملكوته، ليس فيها اهتمام بانتصار سياسي او ديني، ويُعلق العلامة ترتليانوس فيقول “رغبتنا هي إن يُسرع ملكنا بالمجيء فلا تمتد عبوديَّتنا في هذا العالم”. فالمسيح يعلم تلاميذه بهذه الطلبة ان يُعترف بالله في قدرته ومجده، لكن مجده هو في خلاصنا كما يُعلق القديس ايريناوس ” مجد الله في ان يحيا الانسان”. وعليه فإنَّ الطلبات الثلاثة الأولى تطالب في آن واحد بمجد الله وخلاص البشر. فلا مجد لله الاّ في خلاص البشر، ولا خلاص للبشر إلاَّ في مجد الله. وبعد هذه الطلبات الأساسية الثلاثة يُعلّم يسوع تلاميذه أن يطلبوا منه بثقة الأشياء الّتي يحتاجوها في الحياة اليومية كي يعيشوا كأبنائه.
الطلبة الرابعة “أُرزُقْنا خُبزَنا كَفافَ يَومِنا “(لوقا 11: 3)
الانسان بحاجة الى الخبز. لذا يدعونا يسوع الى ان نطلب بثقة، يوما بعد يوم ما نحتاج اليه من الطعام، لان الله أفضل بكثير من جميع آباء الأرض، مع انه ما من أحد منهم ” إِذا سأَلَهُ ابنُهُ رَغيفاً أَعطاهُ حَجَراً،”(متى 7: 9). وتُستعمل في هذه الطلبة صيغة المتكلم في الجمع، فتجمع المؤمنين الافراد في جماعة واحدة. إن تدبير الله يومي مستمر، وليس تدبيراً وقتياً، ولا يمكننا ان نخزن عطايا الله ثم نقطع اتصال به تعالى.
الطلبة الخامسة “وأَعْفِنا مِن خَطايانا فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه ولا تَترُكنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة)). (لوقا 11: 4).
الانسان ليس بحاجة الى خبز فقط، إنما الى مغفرة خطاياه أيضا. الخطايا هي العقبة الحقيقية القائمة بين الله وبيننا. لذا جعل الربّ يسوع من خلال طلبة الغفران حجر الأساس في علاقتهم بالله. فإنّ الله قد غفر خطايانا؛ ومن ثمّ لا بدّ أن نغفر نحن أيضاً لكلّ من أساء إلينا. فاذا أردنا مغفرة خطايانا دون مسِّ كرامتنا فإن يسوع يطلب منا ان نغفر لأخوتنا قبل طلب مغفرة الله لنا. فإن كنّا لا نغفر فهذا يبيّن أننا لم نفهم بأنّنا نحن أنفسنا بحاجة للغفران. وعليه فإن صلاة يسوع تشمل أمراً، وهو أن نطلب من الربّ أن يغفر لنا بما يتناسب مع مغفرتنا للّذين أساءوا إلينا. وعليه فأنه يتوجب علينا ان نسامح بعضنا بعضًا حتى نستطيع أن نطلب منه غفرانًا لخطايانا الكثيرة.
والانسان ليس بحاجة الى خبز ومغفرة خطاياه فقط، وإنما الى المساعدة في التجربة ايضا. ” لا تَترُكنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة” وعليه يعلم المسيح تلاميذه إن يصلُّوا كي لا يدخلوا في تجربة، لكن إن دخل أحد في التجربة فيلزمه إن يطلب من الرب قوَّة اِحتمال لتتحقِّق فيه كلمة الرب “الَّذي يَثبُتُ إِلى النِّهاية فذاكَ الَّذي يَخلُص”(متى 10: 22). فالرب لا يجرّبنا انما يسمح للشيطان بتجربتنا كما حدث مع المسيح. لذا يعلمنا يسوع ان نطلب من الله ان لا يدعنا نستسلم للتجربة التي تتثبَّت فيها حريتنا. وهنا يميِّز العلامة ترتليانوس بين التجربة التي هي بسماح من الله، و”امتحان” لأجل تزكيتنا، أما عدو الخير أي الشيطان فيجُرِّبنا بمعنى أنه يخدعنا، ” وهنا نصلِّي كي لا ندخل في تجربة بمعنى أن يسندنا ضد حِيَل إبليس وخدائعه. لنسأل الرب أن يحفظنا من كل شر وإذا سمح بالتجربة فليحفظنا من اليأس.
وباختصار، يؤكِّد العلامة ترتليانوس إن الصلاة الربَّية هي الأساس الذي وضعه السيِّد المسيح لصلواتنا؛ تحتوي في مضمونها على مجد الله بقولنا “أبانا”، وعلى شهادة الإيمان بقولنا “يتقدَّس اِسمك”، وعلى تقديم الطاعة بقولنا “لتكن مشيئتك”، وعلى الرجاء بالقول “خبزنا كفافنا”، وعلى المعرفة الكاملة لخطايانا (لديوننا) بقولنا “وأَعْفِنا مِن خَطايانا فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه “. وعلى الرعب الشديد من التجربة بطلب الحماية بقولنا”ولا تَترُكنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة “.
وعليه فإن صلاة الربية تتوجه الى الله الآب أولا لطلب تقديس اسمه ومجيء ملكوته وتحقيقي اراداته، ولكنها صلاة تطلب أيضا الخبز (الافخارستيا)، ثم المغفرة بعد إتمام المصالحة مع ابناء الآب الواحد، وأخيرا تطلب من الله كي ينقذنا من تجربة الأزمنة الأخيرة التي يتعذر تحمّلها (لوقا 18: 1-7).
2) الدعوة الى تلاوة الصلاة الربية بلجاجة (لوقا 11: 5-8)
إن كان السيِّد قد قدَّم لنا نموذجًا حيًا للصلاة، فإنه إذ يطلب منَّا إن نصلِّي بلجاجة، ليس لأنه يستجيب لكثرة الكلام، بل لنتعلَّم كيف نقف أمامه وندخل معه في صلة حقيقيَّة حتى تتغير طبيعتنا. واراد يسوع أن يعلم تلاميذه اللجاجة في الصلاة لذلك ذكر لهم مثل “الصديق اللجوج (لوقا 11: 5-8)، وفيه ثلاثة اشخاص يجب تمييزهم: المضيف: “من منكم يكون له صديق” وليس عنده شيء يقدّمه لضيفه، وصديقه المجاور ولديه الخير الكثير، والثالث ضيفه الصديق الذي جاءه وبه حاجة وجوع. إن غاية هذا المثَل الأولى أن يحثُنا على اللجاجة في الصلاة حتى يُستجاب لنا، فإننا نلاحظ هنا إن السيِّد المسيح يقدِّم الأب صديقًا للبشريَّة. كأن السيِّد المسيح يطالبنا إن نلجأ إليه كصديق إلهي حقيقي، في كل وقت، حتى في منتصف الليل، نتوسَّل إليه ليمدِّنا بالخبز السماوي المشبع للنفس والجسد. وإن كان الله يقدِّم نفسه صديقًا لنا نسأله في منتصف الليل ليهبنا خبزًا سماويًا من أجل الآخرين القادمين إلينا أيضًا في منتصف الليل، فإن السيِّد حسب هؤلاء أيضًا أصدقاء لنا؛ فنحن نطلب من الصديق الإلهي لأجل أصدقائنا في البشريَّة. ونلاحظ في هذا المثل أن المضيف يطلب لأجل آخر جاء ليزوره، وهذا يعلمنا أن نصلي لأجل الآخرين. هذه هي المحبة في المسيحية.
الرب يشجع على المثابرة والحاحنا في الصلاة (لوقا 11: 5-10)، لكنه يدين التكرار الضحل لكلمات لا تُرفع من قلب مُخلص، إن المثابرة والالحاح في الصلاة تصنع الكثير لتغيير قلوبنا وعقولنا وأذهاننا، ويُعلق القديس أوغسطينوس “إن الحث الذي يقدِّمه لنا إنما هو لأجلنا”. إنّ المثابرة والإلحاح في الصلاة تصنع الكثير لتغيير قلوبنا وعقولنا وأذهاننا. فمن المفيد أن نصلّي كما لو أنّ الاستجابة تعتمد على صلاتنا، وإن كنّا واثقين أنّ الاستجابة تعتمد على الربّ، والإلحاح في الصلاة يعيننا على أن ندرك عمل الربّ عندما نراه.
وكم ينبغي أن نُصرّ؟ إلى أن يتمّ الاستماع إلينا. يجب الالتجاء إلى الربّ بذات الصلاة حتّى ولو لمدّة عام، أو عشرة أعوام، أو عشرين أو خمسين عاماً. وعندما يتمّ منح النعمة المطلوبة، حينها يكون وقت التوقّف عن طلبها. ويبدأ وقت طلب نعم أخرى ورفع صلوات أخرى. إنّ قوّة الإصرار لا تأتي من قلوبنا، بل تأتي من الروح القدس الّذي يسكن فينا.
3) أمانة الله في استجابة صلاتنا (لوقا 11: 11-13).
إنّ الرب أمينُ دائماً، فهو يُعطينا، ليس فقط ما نحتاج، بل أكثر ممّا نتوقّع بكثير، لأنه ابُ لنا. ويُبين يسوع امانة الله في الاستجابة لصلاتنا بطرحه السؤال على تلاميذه “فأَيُّ أَبٍ مِنكُم إِذا سأَلَه ابنُه سَمَكَةً أَعطاهُ بَدَلَ السَّمَكَةِ حَيَّة؟ أَو سَأَلَهُ بَيضَةً أَعطاهُ عَقرَباً؟ (لوقا 11: 11-12). إذا كان الآباء الأرضيون الصالحون حتى وهم يخطئون يعاملون أبناءهم معاملة حسنة، فكم بالحري أبونا السماوي الذي يعامل أبناءه معاملة أفضل ويمنحهم العطايا الصالحة خاصة الروح القدس “فإِذا كُنتُم أَنتُمُ الأَشرارَ تَعرِفونَ أَن تُعطوا العَطايا الصَّالِحَةَ لأَبنائِكم، فما أَولى أَباكُمُ السَّماوِيَّ بِأَن يهَبَ الرُّوحَ القُدُسَ لِلَّذينَ يسأَلونَه)). (لوقا 11: 13). يُعطينا الربّ الروح القدس دون حساب كي نستطيع أن نشاركه في حياته وفرحه. والروح القدس هو أعظم واهم عطية يهبها الله لنا وقد نشأت الكنيسة بعطية من الروح القدس (اعمال الرسل 2: 1-4).
ولماذا يريدنا الربّ يسوع أن نطلب الروح القدس من الآب؟ فالروح القدس ينتزع الرغبات والنزوات البشريّة من قلبنا ويضع مكانها الرغبات الإلهيّة. لأنّ الروح القدس هو سلام قلبنا ونفسنا، وأفكارنا، ورغباتنا. فبوجود الروح القدس معنا، نكون في سلام الرغبات وسلام القلب، وسلام المشاعر والإرادة. من يكون في السلام، يطلب شيئاً واحداً من الربّ: أن تتمّ مشيئته في حياته. ومن هنا نفهم كلمات يسوع ” فلا تَهْتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أو ماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟ فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحْتاجونَ إِلى هذا كُلِّه. فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه ” (متى 6: 31-33). فمن يريد أن يصلي فليقف أمام الآب بروح البنوة ويدعوه أبًا له.
لقد علمنا الرب كيف نصلي وعلمنا أيضًا أن نسأله لكي يعطينا. أنه يعلم ما نحتاج إليه قبل أن نطلب منه، ولكنه يريدنا أن نسأل، ونطلب، ونقرع، ونتضرع بلجاجة حتى حينما يستجيب لنا نقدِّر قيمة عطاياه ونفرح بها. ولنتعلم أن نطلب من الله لكي يعمل روحه القدوس فينا ويقودنا الى معرفته، وإلى إتمام مشيئته في حياتنا، وإلى تقديم نفوسنا وأجسادنا ذبيحة حب لمجد اسمه وانتشار ملكوته، وإلى محبة أخوتنا. ” ليحل الروح القدس علينا ويطهرن” كما جاء في صلاة القديس غريغوريوس أسقف نصيص. فهل تتقدّم من الآب السماوي واثق من رحمته وفضله ونعمه؟

خلاصة
تعتبر “الصلاة الربية” ملخّص الانجيل كله وهي صلاة جامعة لكل صلاة، مستوفية بجميع شروط الصلاة المستجابة عند الله. وهي صلاة دعاء وطلب. دعاء لمجد الله، وطلب لكل وسيلة الى الله. فهي صلاة لكل زمان ومكان وكل جيل وكل موقف وظرف. علمتها الكنيسة مع قانون الايمان للداخلين في الدين المسيحي بالعماد منذ أقدم العصور. ثم أدخلتها منذ القرن الرابع في قانون القداس الإلهي، على أنها أروع صلاة يستعد بها الكاهن والمؤمنون للاستعداد في ذبيحة المسيح والمناولة القربان الاقدس.
ومن شروط هذه الصلاة هي ان يكررها الانسان على الله بحب وإيمان وتواضع كما فعل الصديق اللجوج في طلب الخبز من صديقه في الليل. باختصار نصلي الصلاة الربية كي نمجد الله في صلاتنا ونصلي من اجل حاجاتنا اليومية ونصلي طالبين معونته في صراعاتنا اليومية خاصة في تجاربنا.

دعاء
“أيّها الآب السماوي، لقد منحتني العقل كي أعرفك، والإرادة كي أخدمك، والقلب كي أحبّك.
إمنحني اليوم نعمة الروح القدس كي أُغيّر مشيئتي بحسب مشيئتك القدّوسة، وأقبل ما تمسح به فتكون مقاصدي وأفعالي مرضية لديك. وساعدني أن أكون مسامحاً تجاه قريبي، كما أنت تجاهي. يا مريم أمّي، علّميني أن أنشد نشيد تُعظّم للرب إلهنا بمعيّة الملائكة والقدّيسين، واجعليني أداة تمجيد على مثالك”. آمين.