مثل الغني الغبي (لوقا 12: 13-21)

الأب لويس حزبون

يتناول لوقا الإنجيلي مثل الغني الغبي (لوقا 12: 13-21) مبيّنا موقف يسوع المسيح من خيرات الدنيا بنظرةٍ جديدةٍ، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21)
13فقالَ لَه رجُلٌ مِنَ الجَمْع: ((يا مُعَلِّم، مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث)).
تشير عبارة “رجُلٌ مِنَ الجَمْع” الى رجل يتقدم بطلب ينطوي على الطمع كما تشير اليه الآية (15)؛ أما عبارة “يا مُعَلِّم، مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث” فتشير الى شريعة موسى حيث كان رجال الدين وعلماء الشريعة يحتكمون في مواضيع الوراثة (تثنية الاشتراع 21: 17).
14فقالَ لهَ: ((يا رَجُل، مَن أَقامَني علَيكُم قاضِياً أَو قَسَّاماً؟ ))
تشير عبارة” يا رَجُل” باللغة اليونانية” Ἄνθρωπε ومعناها “يا إنسان” الى صيغة قاسية من مخاطبة يسوع لهذا الرجل موجّها له اللوم بسبب طمعه؛ اما عبارة ” مَن أَقامَني علَيكُم قاضِياً أَو قَسَّاماً؟ ” فتشير الى رفض يسوع ان يتولى مُهِمّة في شؤون الحياة المدنية، إذ لم يكلفه الله في معالجة أمور الوراثة. إنه لم يُرسل ليفضّ الخلافات المتعلقة بالميراث (خروج 2: 14)، بالرغم من أنّ يسوع أكّد انَّ له كل سلطان “إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض” (متى 28: 18). وقال “الاب جعل الدينونة كلها للابن”. (يوحنا 5: 22)، انه ملك، ولكن مملكته ليست من هذا العالم. انه قاضٍ وديّان، ولكنه لم يُرسل ليقضي في أمور الميراث. وبذلك يميّز نفسه عن موسى النبي الذي اقام نفسه “رَئيساً وحاكِماً او قاضيا” (خروج 2: 14). فيسوع أناط مواضيع الإرث بالنظم والمحاكم المختصة. فالمسيحية لم تضع أي قانون للميراث. وعليه فان المجمع الفاتيكاني الثاني تطرَّق الى مبدأ استقلالية النظم الدنيوية عن الدينية ” لا ترتبط الكنيسة باي نظام سياسي” (فرح ورجاء43، 76). وعليه فلا يجوز تسخير الانجيل في خدمة ضمانات دنيوية او ان يُوظف البشر الله والانجيل والكنيسة لخدمة رأيهم ومصالحهم. فلا يجوز نتنازع مع الإخوة، بل بالحري نرحب بهم حتى وإن أرادوا استغلالنا، إذ يقول: ” ومَنِ اغتَصَبَ مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به ” (لوقا 6: 30). فالمسيح أتى ليجعلنا ان نترث السماء.
15ثُمّ قالَ لَهم: ((تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع، لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ)).
تشير عبارة “طَمَع” الى عبادة أوثان كما وصفه بولس الرسول “طَمَعٍ وهو عِبادَةُ الأَوْثان” (قولسي 3: 5)؛ اما عبارة “تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع” فتشير الى القناعة وتجنُّب الطمع في تطبيق مواضيع الإرث. ان الطمع لا ينفع شيئًا، كما يقول المثل العربي الطمع ضرّ وما نفع. فحياة الإنسان لا تقوم على ممتلكاته. أما عبارة ” طَمَع” فتشير الى في اللغة اليونانية πλεονεξίας أي الحصول على أكثر. فهي تدلّ على الزيادة والوفرة، بل على فيض الخيرات (لوقا 9: 17؛) وعليه فالطمع يدلّ على من يملك أكثر من الآخرين، من يملك أكثر من الضروري، من يملك ما يفيض عنه. وهي تعني في الكتاب المقدس عطش في التملك لا يقف عند حد دون الالتفات الى الآخرين، بل أحياناً على حسابهم. فهو فساد الرغبة. أما عبارة “لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ” فتشير الى أن المال ليس مصدر الحياة، وحياته غير مشروطة بما يملك؛ فلا علاقة للحياة الصالحة بالمال والثروة، فالحياة الصالحة تقوم على علاقة مع الله وعمل إراداته.
16ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلاً قال: ((رَجُلٌ غَنِيٌّ أَخصَبَت أَرضُه،
تشير عبارة “مثل” الى أسلوب التعليم أكمله المسيح وأعطاه وضعه في الإبداع؛ والمثل واقعي ولد بشكل قصة فهو منطبق على الحياة وليس غريبًا عنها وان يكن أن هذه الحوادث لم تقع بالفعل. وإن أكثر الأمثال التي ذكرها المسيح موجودة في إنجيل لوقا فيذكر منها ثمانية وعشرين. اما عبارة ” رَجُلٌ غَنِيٌّ أَخصَبَت أَرضُه” فتشير الى اقتباس يسوع من سفر يشوع بن سيراخ ” ربَّ إِنْسانٍ اْغتَنى بِاْهتِمامِه واْقتِصادِه وهذه هي أجرُته: حينَ يَقول: ((قد بَلَغتُ الرَّاحة وسآكُلُ الآنَ مِن خَيراتي)) وهو لا يَعلَمُ كم يَمْضي مِنَ الزَّمان حتَّى يَترُكَ ذلِكَ لِغَيرِه وَيموت” (يشوع بن سيراخ 18:11-19). ولكن يسوع يعطي الحل للغنى. والخيرات.
17فقالَ في نَفسِه: ماذا أَعمَل؟ فلَيسَ لي ما أَخزُنُ فيه غِلالي. 18ثُمَّ قال: أَعمَلُ هذا: أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي.
تشير عبارة ” أَهرائي ” الى مفرد الهُرْيُ: وهو بيت ٌ كبيرٌ ضخمٌ يُجمَعُ فيه القمح وغيره من الاغلال. أما عبارة “أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي ” فتشير الى تخطيط الرجل الغني للتمتع بثروته لسنين عديدة قادمة طلبا للأمان والتأمين.
19وأَقولُ لِنَفْسي: يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي.
تشير عبارة “أَقولُ ” الى الضمير المفرد “الياء المتكلم ” مما يرسم بجلاء نوع شخصية الرجل الغني المتكلم الذي جعل نفسه مركزا لعالمه الصغير، فكر كثيرا في نفسه، لكنه نسي الكثير خارج نفسه، نسى معنى الحياة، وعُني بحياته المادية، وأغفل حياته الروحية، اما عبارة ” لِنَفْسي ” فتشير الى الشخص، (التكوين 12: 5)، اما عبارة “سِنينَ كَثيرة” فتشير الى ارتباط الرجل الغني بالأرضيات على حساب السماويات، لكن يسوع يذكِّر “ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه، وفَقَدَ نَفْسَه أَو خَسِرَها؟ (لوقا 9: 25).
20 قالَ لَه الله: يا غَبِيّ، في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟
تشير عبارة “غَبِيّ” في اللغة اليونانية Ἄφρων, أي بلا رأس كما نقول في عباراتنا الدارجة أي ينقصه الحكمة وجاهل . والجاهل هو الذي ينكر وجود الله كما يؤكده صاحب المزامير “قالَ الجاهِلُ في قَلبه: لَيسَ إِله” (مزمور 14: 1). فهو ينكر الله عمليا، ويجعل اتكاله على المال لا على الله، ولم يميّز الخيرات الحقيقية، بل يحكم على الأمور حسب الظاهر؛ اما عبارة “في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، ” فتشير الى مناداة الله لهذا الرجل الغني انه يطلب روحه ليعطي حسابا عن نفسه. فقد اعتاد العالم اليهودي أن يتحاشى ذكر اسم الله، والمعنى الله سيستردّ نفس الغني، انه سيّد الحياة والموت (1 صموئيل 2: 6)؛ اما عبارة “نَفْسُكَ ” فتشير الى الحياة. أما عبارة “فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟” فتشير الى سؤال حكيم وساخر يُعبِّر عن غباء مَن يتكل على جَمْع الخيرات والثروات لـتامين مستقبله بعد الموت، لكنه يترك كل شيء على الأرض كما يعلق على ذلك القديس يوحنا الذهبي الفم “إنك تترك كل الأشياء هنا، وتخرج صفر اليدين “؛ وفي هذا الصدد قال سفر الجامعة ” إنْسانٌ رَزَقَه اللهُ غِنىً وأَمْوالاً ومَجدًا فلَم يَكُنْ لِنَفسِه عَوَز مِن كُلِّ ما يَشتَهي لكِنَّ اللهَ لم يَدَعْه يأكُلُ مِن ذلِك وإِنَّما يأكُلُه غَريب. هذا باطِلٌ وداءٌ خَبيث” (الجامعة 2:6).
21 هكذا يَكونُ مصيرُ مَن يَكنِزُ لِنَفْسِهِ ولا يَغتَني عِندَ الله)).
تشير عبارة “مصيرُ مَن يَكنِزُ لِنَفْسِهِ ” الى أسلوب صرف المال بغباوة، وذلك باستخدامه لذاته ولأنانيته بحيث يصبح عبدا للمال، وذلك عكس العاقل الحكيم الذي يُسخّر ماله لله، فيكون كنزه في السماء مُتبعاً إرشادات يسوع المسيح “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد”(لوقا 12: 33)، اما عبارة “لا يَغتَني عِندَ الله” فتشير الى ذاك المرء الذي يكون غناه موجّه لراحته الشخصيًة وليس لمجد الله. أما عبارة “عند لله” في اللغة اليونانية ” εἰς θεὸν ” تفيد فعل حركة انتقال نحو الله، بالتالي لا يكون معناها لأجل الله، بل في اتجاه الله. إنه بذلك يوحي بفكرة هامة: لا يقدم الإنسان خيرات وتقدمات لله، بل يستعملها في اتجاهه (للفقراء والمعوزين) وهو في طريقه إليه.

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21)، نستنتج انه يتمحور حول الطمع في المال وموقف يسوع منه. وهنا نسأل ما هو خطورة الطمع في المال؟ وما موقف يسوع تجاهه؟ وما العبرة التي نتخذها من هذا المثل.
1) ما هي خطورة الطمع في المال؟
تكمن خطورة الطمع في المال إنَّه يُنسى الانسان حقائق الحياة الاساسية: الله والناس والابدية.
أ‌) المال يُنسى الله
وصف الله الغني بانه غبي، والغبي في المفهوم الكتاب المقدس هو الجاهل، وكلمة جاهل في الكتاب المقدس تعني من ينكر الله كما يقول صاحب المزامير “قالَ الجاهِلُ في قَلبه: لَيسَ إِله ” (مزمور 14: 13). فالجاهل هو الذي يحذف الله من حياته ولا يحسب له حساباً. وعكس الجاهل هو العاقل الذي يلتمس الله كما يصرّح صاحب المزامير ” أَطَلَّ اللهُ مِنَ السَّماءَ على بَني آدَم لِيَرى هل مِن عاقِل يَلتَمِسُ الله” (مزمور 53: 3).
فالإنسان الجاهل يظنُّ ان خيراته تُغنيه عن الله. فيجعل نفسه مركزاً لعالمه الصغير، كما هو حال الغني في المثل الذي ضربه يسوع. عُني الغني بحياته المادية وأغفل حياته الروحية، واستغْنى عن الله. فكَّر كثيرا في نفسه، إذ قال “أَعمَلُ هذا: أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي. (لوقا 12: 17)، لكنه نسي الكثير خارج نفسه، نسى الله. فكَّر في حياة الجسد ونسي حياة الروح فقال ” يا نَفْسِ، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي” (لوقا 12: 19). وضع الأكل والشرب والجسد في المرتبة الأولى على حساب الروح . والأخطر من ذلك نسب الغنى لنفسه لا لله، وذلك ظاهر بإكثاره من الضمير المفرد المتكلم “غِلالي وهرائي وقَمْحي وأَرْزاقي”.
ولم يدرك هذا الغني أن الله هو سّر حياة النفس البشريَّة، من يقتنيه في داخله يقتنى الحياة على مستوى أبدي، بل حسب أن حياته تقّيم بمقدار غناه، ويعلّق القديس اكليمنضوس الإسكندري بقوله “لا تقوم حياة الإنسان على فيض ما يملكه من الأشياء”. فليس الانسان بما لديه، بل بما هو عليه.

لذا صف يسوع ذاك الغني انه طماع “إِنَّهُ لم يغتنِ عندَ الله ” (لوقا 12: 21)، لأنه استسلم إلى الأنانيَّة المفرِطة. واحتفظ لنفسه بكُلِّ خيرات أرضه، ليتمتَّع وحدَه بالراحة وملذَّاتِ الحياة، فنسى الله. إذ انتصب المال سيداً له بلا رحمة، وأنساه الامر الجوهري ألا وهو سيادة الله عليه (لوقا 12: 15-21). وفي هذا الصدد يقول يسوع للفِرِّيسِيُّينَ، وهُم مُحِبُّونَ لِلمال ” إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال “(لوقا 16: 13-15). وهنا يصدق المثل القائل ” حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ” (1 طيموتاوس 6: 10)، إذ يبلغ حب المال في عمقه حد الفاجعة عندما يختار الانسان لنفسه الهاً كاذبا، فينفصل عن الاله الواحد الحقيقي، فيتعرض لمصير الهلاك “أمَّا الَّذينَ يَطلُبونَ الغِنى فإِنَّهم يَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفَخِّ وفي كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ العَمِيَّةِ المَشؤُومَةِ الَّتي تُغرِقُ النَّاسَ في الدَّمارِ والهَلاك” (1طيموتاوس 6: 9)، كما حدث مع يهوذا الإسخريوطي الطماع الغادر (يوحنا 12: 6)، ابن الهلاك (يوحنا 17: 12). ” فماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفْسَه؟ (مرقس 8: 36).
الطمع يؤدي الى الهلاك، لأنه يخنق عند الغني كلمة الله كما جاء في انجيل متى “يكونُ له مِن هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً” (متى 13: 22)، ويعطل الطمع أيضا عن طريق الكمال أحسن القلوب استعدادا كما حدث مع الشاب الغني الذي دعاه يسوع لإتباعه ” فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هذا الكلام، اِنصَرَفَ حزيناً لأَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير”(متى 19: 21-22). ويجعل الطمع اتباعه في عداد الوثنيين كما يصرّح بولس الرسول “أَسلَمَهُمُ اللهُ بِشَهَواتِ قُلوبِهم إِلى الدَّعارَة يَشينونَ بِها أَجسادَهم في أَنفُسِهم”(رومة 1: 24)، إذ ينقاد الطماع وراء تيار هذا العالم (طيطس 2: 12) فيقع في براثن الشر، لذا يوصي بولس الرسول “أَميتوا إِذًا أَعضاءَكمُ الَّتي في الأَرض بما فيها مِن زِنًى وفَحْشاءَ وهَوىً وشَهوةٍ فاسِدَةٍ وطَمَعٍ وهو عِبادَةُ الأَوْثان” (كولسي 3: 5). فالرب يسوع تكلّم هُنا مُحذراً إيانا حتى لا نُضيّع حياتنا في الركض وراء الأرضيات الفانية وننسى في بحثنا الله فنخسر بذلك علاقتنا الابدية معه
فالمال إذاً، بمفهوم السيد المسيح هو خصم لمن يريد ان يخدم الله ويغتني به، لأنه يجعل من يخدمه خائنا كما ورد في مثل الوكيل الخائن (لوقا 16: 9)؛ ويُعلق بولس الرسول ان حب المال هو عبادة اوثان بقوله ” فاعلَموا أَنَّه لَيسَ لِلزَّاني ولا لِمُرتَكِبِ الفَحْشاءِ ولا لِلجَشعِ (الَّذي هو عابِدُ أَوثان) مِيراثٌ في مَلكوتِ المسيحِ واللّه.” (أفسس 5:5). لذا يصرّح يسوع فان التخلي عن المال ضروري لمن يريد ان يتبع يسوع (متى 19: 21). “وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً” (لوقا 14: 33).
ب‌) المال يُنسي الآخرين
ينسب الغني الخير لنفسه ولا يذكر أن الله أعطاه الكثير ليعطي من ليس لهم. نسي وجود الآخرين كما قال في نفسه “فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي” (لوقا 12: 17). لقد أحسن جمعَ خيراته وتخزينها لسنين عديدة، لكنه أساء طريقةَ استخدامها. إذ حسب عطايا الله تخصه وحده فهو طمَّاع جشع، لان الطماع هو من يحاول ان يحتكر ثروته لمنفعته الخاصة، وبالتالي هو انكار الاخوة خاصة الفقراء والمرضى والعجزة والبؤساء والمكروبين والمساكين. إنه نسى ما توصي الشريعة بالرفق بالضعفاء (خروج 22: 21-27)، وعدم التشامخ والتعالي على إخوته (تثنية الاشتراع 7: 17)؛ كما نسي ما يوصي به صاحب المزامير “إِنَّ المِسْكينَ لا يُنْسى على الدَّوام ورَجاءَ البائِسينَ لا يَنقَطعُ للأبدِ”(مزمور 9). ولم يأخذ بعين الاعتبار الوصايا الإلهية: “لا تَمنعِ الإِحْسانَ عن أَهلِه إِذا كان في يَدِكَ أَن تَصنَعَه” (أمثال 3: 27)، “لا تُفارِقْكَ الرَّحمَةُ والحَقّ بَلِ اْشدُدْهما في عُنُقِكَ واْكتُبْهما على لَوحَ قَلبِكَ” (أمثال 3: 3). لم يفكّر في توزيع الفائض على الفقراء؛ فالازدراء بالفقير ما هو الا ازدراء بالله وعدله.
ان الغني مسؤول عن الفقير، فمن يخدم الله يعطي ماله للفقراء، اما الذي يعبد المال فإنه يحتفظ به للاعتماد عليه. ولا يلقي نظرةً إلى من يسكن حوله من محتاجين وفقراء. اما الغني الطماع يُضحي بالآخرين في سبيل ذاته، باستخدام العنف إذ ا لزم الامر ” تشتَهونَ ولا تَنالون، تَقتُلونَ” (يعقوب 4: 12)، وقد يجرّد الفقراء في سبيل منفعته “ها إِنَّ الأُجْرةَ الَّتي حَرَمتُموها العَمَلَةَ الَّذينَ حَصَدوا حُقولَكم قدِ ارتَفَعَ صِياحُها، وإِنَّ صُراخَ الحَصَّادينَ قد بَلَغَ أُذُنَي رَبِّ القُوَّات” (يعقوب 6: 4). وعليه يقوم الغنى الحقيقي لا فيما يملك الغني بل فيما يعطي، لان العطاء يستمطر سخاء الله “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأخذ” (اعمال الرسل 20: 35).
الطمع في الأخذ هو الشهوة في المزيد من المال دون الحاجة اليه مما يؤدِّي الى الهلاك. ” من يشتهي المال كمن يشرب من ماء البحر الأجاج، كلما غبّ منه ازداد عطشاً، ولا يفتأ عن الشرب حتى يهلك “؛ لا يرى الغني من غناه الاّ متعته، ولا من دنياه الا َّللذّته وذاته. إنَّه كان غنيَّاً بمال الأرض، ولكنَّه لم يكن غنيَّاً بأعمال البِرِّ والإحسان التي تؤمِّن له السعادة الأبديَّة. ويعلق القديس باسيلوس الكبير بقوله” اعترف أيّها الإنسان بالذي أعطاك تلك الوفرة. فكّر بنفسك قليلاً: مَن أنت؟ إنّك خادم الله الطيّب؛ من واجبك خدمة رفاقك… “ماذا أَعمَل؟” الجواب سهل: “سأُشبع الجائعين، وأدعو الفقراء… تعالوا أيّها الجياع والعطاش، هلمّوا وانهلوا من العطايا الممنوحة من الله والتي تتدفّق كالنبع الجاري”.
ج) المال يُنسى الأبدية
لم ينسَ الغني الغبي الله والآخرين فقط، بل نسي ايضا الزمن. نسى ان الزمن ليس تحت تصرفه، وحسب ان امامه ” سنين كثيرة” (لوقا 12: 19). نسي ان الحياة على الارض فترة انتقال، وان الثروة زائلة. فكان يفكر في الحاضر، وكأنّه يعيش ابدا. ولم يفكر أنه في هذه الليلة ستؤخذ نفسه منه. نسي انه على الأرض غريبٌ، وقد يترك العالم في أي لحظة. نسي ان طبيعة الفناء البشري، ونسي الموت. لكن الموت كشف له الحقيقة، وهي انَّ الثروة التي وضع عليها كل اتكاله لم تنفعه في ساعة موته “في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟ (لوقا 12: 20).
يُغري المال الغني بنسيانه، ففي ساعة موته، ساعة العبور نحو الحياة الأبدية، تنقلب الأوضاع عليه راس على عقب كما قالَ إِبراهيم للرجل الغني ” يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب” لوقا 16: 25). الغني الذي له “خيراته” (لوقا 16: 25) وعزاؤه (لوقا 6: 24) في هذا العالم لا يمكنه أن يدخل الملكوت، كما صرّح السيد المسيح “فَلِأَن يَدخُلَ الجَمَلُ في ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلَكوتَ الله ” (لوقا 18: 25). لان المال أنساه ونزع عن ذهنه فكرة الموت، فلم يشفع فيه ولم ينقذه من الموت الذي أتاه في ساعةٍ لا يتوقَّعُها. ولم يستطع الغني ان يتنعّم بخيراته كما خطّط؛ فقد ظنّ أن الغنى سيكون له ينبوع سعادة، ولكن هذه السعادة أفلتت منه فجأة. فحياة الانسان لا تقوم على أمواله، ولا تضمنها هذه الأموال (لوقا 12: 15).
إن السعادة المؤسسة على خيرات الأرض لا تستحقّ أن يجعلها الإنسان هدف حياته ووجوده كما يؤكده صاحب المزامير ” اْغتَنى الإِنْسان واْزدادَ بَيتُه مَجدًا فإِنَّه إِذا ماتَ لا يأخُذُ شَيئًا ولا يَنزِلُ مَجدُه وَراءَه.” (مزمور 49: 17-18). فحياة الانسان وديعة من الله يستردها ساعة يشاء (يشوع بن سيراخ 11/ 18-20). وجاهل بل غبي الإنسان الذي يتكل على غناه ليؤمن لنفسه سعادته الأبدية، انه يفكر ويتصرف كما يفعل الوثنيون (لوقا 12: 30). فحياة الإنسان غير مشروطة بما يملك (لوقا 12: 15). فكل خيرات الأرض هي في خدمة الحياة ولكن الحياة تتجاوزها: انها في علاقات مع الله الذي يعرف ما نحتاج إليه (لوقا 12:30-31). ومن هنا جاءت كلمات يسوع “لا تَكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في الأَرض، حَيثُ يُفسِدُ السُّوسُ والصَّدَأ، ويَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقون، بلِ اكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في السَّماء، حيَثُ لا يُفْسِدُ السُّوسُ والعُثّ، ولا يَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقوا.” (متى 6: 19-20).
2) ما هو موقف المسيح تجاه المال؟
بما ان الرجل الغني نسى الله والآخرين والابدية بسبب غناه، أصدر يسوع الحكم عليه بأنَّه إنسان غبيّ؛ فصار حُكْمُه مثلا ًفي التاريخ ” يا غبي”. إنه غبي، ذو قلب فاقد الحس (مزمور 119/ 70)، فهو غبي لأنه جهل موقفه من ماله وغده.
أولا جهل موقفه من ماله. المال ليس شراً في ذاته، المال في حد ذاته وسيلة من وسائل تبادل السلع بين الناس. فاذا استخدمناه في العطاء يكون خيرا، وإذا حمل طمعاً يكون شرا. فالشر هو التذرع بطمع المال وتكديس الثروة. ” حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ” (1 طيموتاوس 6: 10). فالطمع في مفهوم لوقا الإنجيلي يقوم على الرغبة في الاستزادة دائما مما يحوزه أكثر فأكثر ولو على حساب الآخرين كما هو الحال في ذلك الرجل الذي طلب من يسوع ان يكون حَكماً في نزاع بميراث مع أخيه ” مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث” (لوقا 12: 13) من ناحية، والطمع من ناحية أخرى هو التعلق بالخيرات التي هي في حوزته (2 قورنتس 9: 5). فإنه يرى فيما أتاه الله من خيرات، متعة له صادرة عنه، واعتبر جوهر الحياة ومركزها وأمانها في اكتناز خيرات وتكديسها. فرفض يسوع مثل هذا الموقف وشجب بشدة فائض الخيرات الذي يصاحبه الجشع والطمع والصلف والبخل والمجد الباطل.
وفي الواقع، ظن الغني أنه يملك المال لكن المال هو الذي امتلكه لان طََمِعَ به، فصار عبداً له. فالطمع في المال هو الشهوة في المزيد من المال دون الحاجة اليه، فيصبح إنسانا شريراً جفّت نفسه (سيراخ 14: 8-9). فأصدر يسوع تحذيرا قويا ضد الطمع بقوله ” تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع” لوقا 12: 15). إن الغباء تقوم في اعتبار أن جوهر الحياة ومعناها يقوم في اكتناز الخيرات لذات واعتبارها المركز والأمان لا الاغتناء بالله. يوضّح يسوع ذلك بقوله ” ليس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله” (متى 4: 4).
ثانيا لم يكن الغني غبياً لجهله في ماله فحسب، أنما أيضا لجهله في غده. كان يظن الرجل الغني ان مستقبله أصبح مضمونا مأمونا ولكن وجد نفسه على غباه لما طلب الله نفسه “في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ (لوقا 12: 20). رأى عندها ان ماله باق من بعده في الاهراء التي بناها، ولم يبنِ لنفسه عند الله منزلا، واما ماله الذي اذخره فلم ينفعه في دفع الشدة عنه في مماته. مات غنيا بما لدنياه، فقيرا الى رحمة ربه. لأنه لم يسخّر دنياه لآخرته. فغباوته أنه عبد ماله إذ “كنز لِنَفْسِهِ” من دون ربه “ولم يَغتَني عِندَ ه تعالى”؛ أنه عمل لدنياه من دون آخرته. وعليه فان يسوع ينبّه الناس إلى أن وفرة الخيرات المادية لا تكفي لتؤمّن حياته وطمأنينة حقيقية. فسلام الإنسان الحقيقي لا يستند إلى الغنى وخيرات الأرض إنما بعلاقته بربه والاخرين.
3) عبرة
يدعونا يسوع من خلال المثل ان لا ننسى الله والآخرين والحياة الأبدية في استخدامنا اموالنا كي ندخِّر لنا كنزا في السماء، كي نكون مستعدين للوقوف أمام دينونة الله عند موتنا. “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد” (لوقا 12: 33)
يدعونا يسوع أيضا الى تجنب الطمع يسوع “تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع” (لوقا 12: 15). يسوع لا يدين الغنى بل الطمع، لان الطمع هو النهم للأرضيات والماديات، والانشغال بالماديات عن الروحيات، والشعور الدائم بعدم الاكتفاء وعدم الاهتمام بأن يكون للشخص كنز سماوي. فالطمع عدو خطير سمَّاه بولس الرسول “عبادة أوثان” (كولسي 5:3)، لأن الطماع ينسى انتمائه للسماء ويظن أنه سيعيش مخلداً على الأرض.
يدعونا يسوع لاستعمال المال لخدمة الآخرين. المال ليس شرّاً في حدّ ذاته بل قد يساعدنا على اقتناء كنز في السماء إذا جعلناه في خدمة القريب بشكل صدقة أو مساعدة (لوقا 12: 33-34). ولكن المال يصبح خطراً عندما يعرّض الإنسان إلى التعلّق به وطلبه من أجل ذاته، أي من أجل تنعّم أرضي أناني مثل الغني الجاهل (لوقا 12: 12: 16-21) او مثل الفريسيين (16: 14) أو مثل الغني ولعازر (16: 19-31). سيأتي يوم تنقلب فيه الأوضاع فيتعزّى الفقير ويتعذّب الغني (16: 25).
يدعونا يسوع أخيراً ان نكون أغنياء في الله (13-31)، لان ليس حياة الانسان في امواله. خُلقنا للسماء كما قال القديس أوغسطينوس “إن نفسي تبقى مضطربة الى أن تستريح فيك، يا الله. لقد خلقتنا يا الله لنفسك، ولسوف تبقى قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك”. فنحن نقضي فترة على الأرض، ثم نرجع إلى موطننا الأصلي، فلا نكن أغبياء في أذهاننا ونكنز لحساب هذا العالم وكأننا مخلدون على الأرض، بل لنغتني عند الله كما يوصي السيد المسيح “فَلا تَطلُبوا أَنتُم ما تَأكُلُونَ أَو ما تَشرَبونَ ولا تكونوا في قَلَق، فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه وَثَنِيُّو هذا العالم، وأَمَّا أَنتُم فأَبوكُم يَعلَمُ أَنَّكم تَحتاجونَ إِلَيه. بلِ اطلُبوا مَلَكوتَه تُزادوا ذلك ” (لوقا 12 :30-31). وعليه ومهما يكن من أمر، يجب ألاَّ نعطي الأموال المكان الأول في اهتماماتنا، بل علينا ان نشتغل أولاً من أجل ملكوت الله، أي لمجد الله وخلاص النفس. فان الغباء في “الاكتناز للذات” لا الاغتناء بالله، ويعلق القديس باسيليوس الكبير “سوف تترك هنا المال ولو مُرغماً، وستحمل معك الى الله المجد الذي استحققته بالأعمال الصالحة”.

خلاصة
يُبرز مثل الغني الجاهل (لوقا 12: 16-21) ما هو الغنى الحقيقي، وبالتالي ما هو الموقف الذي يجب ان يتخذه الانسان تجاه خيرات هذا العالم. فيسوع رفض التدخل في الشؤون الدنيوية، لان الطمع في الحياة الزمنية تُنسي الانسان حياته الأبدية، كما لو كانت حياة المرء تقوم على الاكل والشرب والتنعم. فيسوع يوجّه للحياة الأبدية كل الذين يقبلون الايمان به. فمن استسلم لمتطلبات الملكوت، ظلّ حرّاً أمام التعطش الى الغنى الذي يلازم البشر. فإن الغنى ليس خيرًا في ذاته ولا يُحسب شرًا، إنما يمكن توجيه للخير كما للشر، فاذا استخدمناه في العطاء صار خيرًا، وإن حمل طمعًا صار شرًا. ” كما يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” أن الغنى ليس شرًا، بل هو نافع أن أُحسن استخدامه”.