الجهاد الحسن والدّعاء المقبول
الأب بيتر مدروس
(بن سيراخ 35: 15- 22، 2 تيموثاوس 4: 6- 18، لوقا 18: 9 – 14)
القراءة الأولى لهذا الأحد من سِفر يشوع بن سيراخ.
مأساة الكتب “القانونية الثّانية” والطّريق المسكونيّ إلى علاجها
في القرن الميلادي الأول وبداية الثاني (تحديدًا في مدّة أقصاها سنة 130 م) حذف مجمع اليهود سِفر يشوع بن سيراخ مع أسفار يهودية أخرى. وفي القرن الرابع الميلادي لم يعد يُقرأ أي من مقاطعه في المجامع. وسقطت مع الاكتشافات لمخطوطات عبريّة من أقسام من هذا السفر في كنيس القاهرة القديم ومسعدة وقمران (منطقة البحر الميّت) ذريعة أنه كُتب باليونانية التي لم تكن “لسان القداسة” (كما يؤمن المسلمون أن العربية لسان الوحي في القرآن).
ووقف علماء الكتاب المقدس حائرين أمام حلقة مفقودة ما استطاعوا من جرّائها لظاهرة حذف يشوع بن سيراخ تفسيرًا، حتى اهتدوا إلى سبَبين وجيهَين أوّلهما إغفال سيراخ لشخصيتَي عزرا ونحميا اللّذَين منعا بحزم زواج اليهود مع غيرهم، وثانيهما – وهو الأشمل- أنّ عملية حذف تلك الأسفار اليهودية أتت نكاية بالمسيحيين أو “المينيم” (حرفيًّا “الأشكال”) لئلاّ يكون بين أيدي اليهود وبين أيدي أولئك “الدخلاء الناصريين” نفس الكتاب المقدّس (أي في عهده القديم). ومعروف أن اليهود حرموا سنة 130 م كلّ من يقرأ الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم، طبعًا نكاية بالمسيحيين الذين كانوا يستخدمونها ولا يتردّدون أحيانًا في الاستشهاد بها، لإثبات مشيحانية يسوع وبتولية والدته وما إلى ذلك من عقائد مسيحيّة. وكانت تلك “الترجمة” وما تزال تحوي الكتب القانونية الثانية المشار إليها والتي حذفها اليهود (مع أن “الترجمة السبعينية” نفسها يهودية وسابقة للميلاد).
مصيبة أنّ الألماني أندرياس بودنشتاين من كارلشتاد – وأحسبه عبريّ الأصول، “ومن شابه أباه ما ظلم”، مأساة أنه تمسّك، في تمرّده على الكنيسة الكاثوليكية سنة 1520، بالموقف اليهودي الرافض لتلك الأسفار وهي سيراخ ويهوديت وطوبيا وكتب المكابيين وسِفر الحكمة ونبوة باروخ ورسالة إرميا. وهكذا رمى الاحتجاج على الكنيسة بأصحابه إلى حضن اليهودية المعادية للمسيحية. وتبعتهم ملايين من المؤمنين الغافلين المتوهّمين أنّ عندهم الكتاب المقدّس الكامل وأصول تفسيره.
الحمد لله أنّ الحركة المسكونية أوجدت “ترجمات” مسكونية للكتاب المقدّس تضع هذه الأسفار المحذوفة كملحق .
موضوع القراءة الأولى والإنجيل الطاهر الدعاء المقبول، وموضوع القراءة الثانية اي الرسالة هو الجهاد الرسولي.
البلاء الحسن والجهاد الجميل الرسوليّ ( 2 تيموثاوس 4: 6- 18)
يكتب مار بولس الإناء المختار رسول الأمم إلى تلميذه وابنه الروحاني تيموثاوس: “جاهدتُ الجهاد الجميل”. اللفظة اليونانية هي “آغون” αγών وتعني “النّزاع” الرّوحانيّ الأدبيّ الفكريّ المعنويّ لنشر الإنجيل الطّاهر خبرًا سارًّا لكل الأمم. ضروري لنا نحن المسيحيين الذين يعيشون في أوطانهم في الشرق أن ندرك الفرق الجوهري مع الديانات الأخرى، في هذا المضمار وفي غيره، “بوداعة ووقار”. في الثانية إلى القورنثيين يوضح مار بولس طبيعة الجهاد الرسولي المسيحيّ بعد أن بيّن الرب يسوع لبيلاطوس أنّ مملكته، له المجد، “ليست من هذا العالم” (يوحنّا 18: 36) وبعد أن أوصى يسوع نائبه البابا بطرس الأول “أن يغمد سيفه، لأنّ من يأخذ بالسّيف، بالسّيف ايضًا يهلك”(متّى 26: 52): “لا نحارب (حرفيًّا: ” لا نتجنّد”) بحسب الجسد. لأنّ أسلحة حربنا ليست بجسديّة بل هي قادرة على هدم الحصون فنهدم الآراء وكل علوّ يرتفع على معرفة الله ونَسبي كلّ بصيرة إلى طاعة المسيح”. في مدرسة يسوع، يرفض مار بولس كلّ سلاح لنشر الإنجيل، اللهمّ للدفاع عن النفس (ايضًا لوقا 22: 36). فلا جهاد عندنا بالنفس وبالمال ولا أمل، بخلاف يشوع بن نون، في انتصارات عسكرية وسبايا وإماء حرب. وعشنا ورأينا مسيحييات ويزيديات سبايا ونطلب من الإله الرحمان الرحيم أن يُنهي هذه الظاهرة الرهيبة .
تخلّي الكلّ عن بولس في ضيقته
“ما من تلميذ أعظم من معلّمه”. تخلّى التلاميذ والأهل عن يسوع، ما خلا والدته الطهور والنسوة والرسول الحبيب يوحنّا. ويبدو أن صحب بولس تركوه ومصيره وقد قطّع الخوف رُكَبَهم. ما اسهل أن يجتمع حولنا الناس في رخائنا وسخائنا وأن يتركونا في مصابنا…
” صلاة المتواضع التقي تخترق السحاب” وكذلك صلاة جابي الضرائب التائب (سيراخ 35: 15-22، لوقا 18: 9-14)
صلاة المتعبّد “تبلغ الغيوم” والتواضع يخترق السحاب. “لا تنصرف حتى يفتقد العليّ” عباده المتضرّعين إليه. والافتقاد لا تعني بحث الله عن عبد له مفقود بل زيارة الله لأبنائه وعنايته تعالى بهم.
يضرب يسوع (ونحن العرب نحبّ “الضّرب”) مثَلاً. وما أجمل اللفظة “متيلي” (من “أمثولة”) أي درس وعبرة انطلاقًا من “مَثَل” أي من تشبيه. يشبّه يسوع معشر الناس برجُلين يصلّيان في الهيكل. لنلحظنّ بمحبة وإعجاب اسلوب يسوع الشعبيّ الشرقي الساميّ ذا الوزن والإيقاع وربما السجع في الأصل الآراميّ: “رجُلان ذهبا إلى الهيكل ليصلّيا، أحدهما فرّيسيّ والآخر “عشّار”. كان بإمكان يسوع، لو كان غربيًّا، أن يقول: “فرّيسيّ وعشّار ذهبا إلى الهيكل”. أمّا زيادة يسوع” لكي يصلّيا” فهي من تحصيل الحاصل، ومن أسلوبنا الشعبي الشرقيّ الساميّ في إضافة كلمات أو عبارات للسجع أو للتناسق لا تحوي زيادة على المعنى كقولك “ما عندي خبر ولا دريّة”، أو “لا همّ ولا غمّ”. هنا، لا يرى المرء أي سبب آخر لذهاب الرّجُلَين إلى الهيكل سوى الصلاة. ولكن المرء يقدر أن يستغلّ هذه الجملة السيّديّة لكي ينتقد الذين يذهبون إلى الكنيسة لا للصلاة بل “لكي يراهم الناس” أو لأهداف ولقاءات أخرى… والله أعلم بالقلوب.
الأقرب إلى الصواب أن يسوع لم يستخدم لفظة “هيكال” للهيكل بل “البيت”، فالهيكل بيت الله وهو أيضًا “البيت” للمؤمنين: بيتهم الأول والآخر. والذي يبقى “في البيت” أيام الآحاد والأعياد يتغرّب لبعده “عن بيت الأب” كما أشار يسوع الفتى إلى الهيكل. لذا، لا يفوتنا أن نحذّر من شرح خاطىء للمَثَل مفاده أنّ عدم صلاة الفريسي أفضل من صلاته، وعدم صلاة المسيحيين ايام الآحاد “جيدة” بل أفضل من صلاة المرائين والمتبرّجات في الكنيسة. ولا يجوز لنا أن نحكم على أحد ونجزم: “أشرف له ألاّ يأتي إلى الكنيسة”. فالصلاة هي تنفّس النفس وارتفاعها إلى الله (مهما كانت سيئة) وهي خط الاتصال مع الله.
“أشكرك يا رب لأنني أفضل من سائر البشر الخطفة ال…”
نفخ الفرّيسيّ (ومعنى لقبه “المنفصل”) صدره، وأتى “شكره” لله اعترافًا سطحيًّا بفضل الله تعالى عليه. وبينه وبين نفسه لا يخفي إعجابه بذاته، وإن كان يقرّ بنعمة الله التي جعلته أفضل من غيره، فالبشر الآخرون “الله لا يعطيهم العافية”، سارقون خطفة ظالمون أولاد حرام… ويتمادى الفرّيسيّ منتصبًا رافعًا رأسه وينصّب نفسه ديّانًا لجابي الضرائب “المسخوط” الواقف بعيدًا وقد جلّل وجهه الخزي. طبعًا، مجرّد امتهان جباية الضرائب كان عمالة وخيانة وعمل طمع وجشع واختلاس. ولكن ما أدراك ايها الفريسي بداخل هذا الجابي؟ ألا يدلّ مجيئه إلى “البيت” وانسحاقه امام الله أنه ينوي الخير وينشد التوبة؟
“اصوم في الأسبوع مرّتين” اي يومَي الاثنين والخميس (عن “تعليم الرسل الاثنَي عشر”، 8 الفقرة الأولى)، وهذا صوم أسبوعي حتّى أيّامنا في العالمَين اليهودي والإسلاميّ، في حين نصوم نحن المسيحيين يومَي الاربعاء والجمعة.
صلاة جابي الضّرائب
“اللهمّ ارحمني أنا الخاطىء”: صدى لابتهال داود الملك الآثم التائب: “ارحمني يا الله كعظيم رأفتك”. هذا هو الطلب الوحيد عند جابي الضرائب. لا يروم من الله سوى رحمته تعالى ولا يطمع بشيء سواها، وكأننا به يردّد أيضًا كلمات صاحب المزامير: “ماذا لي في السماوات؟ وغيرك ماذا أردتُ على الأرض؟”
تحريف من حركة “شهود يهوه” اليهودية المغازلة لليهود وللفريسيين!
قد تبدو هذه الألفاظ قاسية جائرة، ولكن لنذهبنّ معًا إلى ترجمة “العالم الجديد” اليهوَهيّة الأمريكية التابعة لمنظمة “شهود يهوه” التي تحمل كلّ أجهزتها اسماء عبرية يهودية من العهد القديم مثل “شهود يهوه” (اشعيا 43: 10 و 12)، “برج (صهيون) للمراقبة”، “جلعاد، جبعون، بيت إيل”… تخفّف هذه الترجمة البلاوي والانتقادات من مار بولس لليهود في الرسالة الأولى إلى التسالونقيين 2: 15 وتابع. بدل: “اليهود الذين قتلوا حتى الرب يسوع والأنبياء، ويعادون جميع الناس ويمنعوننا أن نكلّم الأمم… فغضبه عليهم حتّى النهاية”، يخفّف ناقلو بروكلين هكذا، لصالح اليهود قطعًا، “ولا يحنّ على العود إلاّ قشره”: ” الذين قتلوا الرب يسوع (من غير “حتّى” التي تدلّ على الجسارة والوقاحة والإجرام!)…
ويُعادون مصالح جميع الناس إذ يحاولون أن يعوقونا أن نكلمّ الأمم…فغضبه آت عليهم أخيرًا”. هنا، بدل النقل النزيه: “نزل هذا (أي جابي الضرائب) إلى بيته مبرورًا دون ذاك” (أي أنّ الفريسي لم ينزل مبرورًا ولا ذنبه مغفورًا)، “تترجم” الرئاسة الأمريكية لمنظمة “شهود يهوه”: ” نزل هذا (العشّار) إلى بيته بارًّا أكثر من ذاك”. للمنظّمة الأمريكيّة مصلحة في هذا التحريف المتعاطف مع الفريسيين، لأن المؤسسة تربي اتباعها على أن يحسبوا بدقّة أعمالهم وخدماتهم ومساهماتهم وتبرعاتهم. وتريد لهم أن يكسبوا من لدن الله “بِرًّا” بخدمتهم لها وتوزيعهم كتبها، وتقديمهم الأموال لها والحياة نفسها برفضهم لنقل الدم. لذا، لا يجوز أن “يطلعوا بلوّشي” أي بلا شيء او “من المولد بلا حمّص”. لذا من الضروري أن “تبرّرهم” اعمالهم وخدماتهم فيغيرون كلام الرب يسوع ويجعلونه “يبرّر” الفريسي ايضًا ولكن أقلّ من جابي الضرائب. وكيف يبرّر يسوع من لم يطلب البرارة ويغفر لمن يستغفر ويفتح لمن لم يقرع ويُوجِد مَن لم يطلب؟
خاتمة
تبقى رحمة الله غالبة لكبريائنا وشرورنا. حسبنا أن نصرخ “أبانا… أعفنا من ديوننا كما نعفي نحن مدينينا”!