قيامة الموتى: موضوع ايماننا وأساس رجائنا (لوقا 20: 27-38)
الأب لويس حزبون
يتناول إنجيل الأحد (لوقا 20: 27-38) قيامة الموتى؛ ينكر الصدوقيون هذه العقيدة، ويؤمن بها الفريسيون. أما سيدنا يسوع المسيح فيؤكد عقيدة قيامة الموتى، وهي موضوع ايماننا وأساس رجائنا؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38)
27ودَنا بَعضُ الصَّدُّوقيِّين، وهُمُ الَّذينَ يَقولونَ بِأَنَّه لا قِيامَة، فسأَلوه:
تشير عبارة ” الصَّدُّوقيِّين” الى حزب ديني يهودي ارستقراطي، واسمهم مشتق من اللفظ العبري צָדוֹק “صادوق” أي بار؛ الذي هو مؤسسهم؛ ربما يكون صادوق هو الذي عاش أيام داود وسليمان، وفي عائلته حُفظت رئاسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، أو هو صادوق آخر عاش حوالي سنة 300ق.م. حسب رأي البعض. قوة الصدوقيين تكمن في السنهدريم والعائلات الثرية فضلاً عن ولائهم للسلطات الرومانية. واهتموا بالسياسة أكثر من الدين. وعارضوا حزب الفريسيين كما يقول المؤرخ يوسيفوس فلافيوس، ولم يقبلوا بالتقاليد الشفهية (سُنّة الشيوخ). وهم لا يؤمنون الاّ بالكتب الخمسة الأولى(التوراة) وينكرون القيامة والخلود والآخرة والملائكة والجزاء؛ وبعبارة أخرى، فقد أنكروا وجود حياة بعد الموت، لان الأسفار الخمسة الأولى (التوراة) التي يتمسكون بها لا تتكلم مباشرة عن قيامة الموتى.
28((يا مُعَلِّم، إِن مُوسى كَتَبَ علَينا: إِذا ماتَ لأمرئ أَخٌ لَه امرَأَةٌ ولَيسَ له ولَد، فَلْيَأخُذْ أَخوهُ المَرْأةَ ويُقِمْ نَسْلاً لِأَخيه.
تشير عبارة ” فَلْيَأخُذْ أَخوهُ المَرْأةَ ويُقِمْ نَسْلاً لِأَخيه ” الى بند من الشريعة الوارد ذكره في سفر تثنية الاشتراع “إِذا أَقامَ أَخَوانِ معًا، ثُمَّ ماتَ أَحَدُهما ولَيسَ لَه اَبنٌ، فلا تَصِرِ امرَأَةُ المَيتِ إلى خارِج، لِرَجُل غَريب، بل أَخو رَجُلِها يَدخُلُ علَيها ويتًّخِذُها اَمرَأَةً لَه، وهو يَقومُ نَحوَها بواجِبِه كأَخي الرَّجُل” (ثنية الاشتراع 25: 5-6). ويهدف هذه البند من القانون الى تخليد اسم العائلة وتأمين وارث للمتوفى، فالابن الأول من هذا الزوج يعتبر إبنا للمتوفي (تثنية الاشتراع 25: 5-6) ويهدف هذا القانون أيضا حماية للمرأة التي تُركت وحيدة، إذ لم يكن هناك في ذلك العصر سبيل للمعيشة. وكانت هذه العادة معروفة أيضا عند الحثيين والاشوريين، ولقد فقدت أهميتها منذ ان استطاعت البنات ان ترث ” قَد أَمِرَ سَيِّدُنا مِن قِبَلِ الرَّبِّ بِأَن يُعْطِيَ ميراثَ صلُفْحادَ أَخينا لِبَناتِه ” (عدد 36: 2). لكن زواج السلفة أي تأخذ المرأة التي مات زوجها، سلفها أي شقيقي زوجها فكان محرّم في سفر الأحبار “أَيُّ رَجُلٍ آتَّخَذَ زَوجَةَ أَخيه، آرتَكَبَ نَجاسةً، فقَد كَشَفَ عَورَةَ أَخيه، فلْيَموتا عَقيمَين” (أحبار 20: 21).
29وكانَ هُناكَ سَبعَةُ إِخوَة، فأَخَذَ الأوَّلُ امْرأَةً ثُمَّ ماتَ ولَيسَ له ولَد. 30فأَخذَها الثَّاني 31ثُمَّ الثَّالِث، وهكذا أَخذَها السَّبعَةُ ومَاتوا ولَم يُخَلِّفوا نَسْلاً. 32وآخِرَ الأَمْرِ ماتَتِ المَرأَةُ أَيضاً. 33فَهذِهِ المَرأَةُ في القِيامة لأَيِّهم تَكونُ زَوجَة، لِأَنَّ السَّبْعَةَ اتَّخَذوها امَرأَةً))؟
تشير عبارة ” لأَيِّهم تَكونُ ” الى معنى “لأيِّهم تصبح” كما ورد في اللفظة اليونانية γίνεται؛ وقد توخى الصدوقيون أن يفحموا يسوع معتبرين أنه لن يجد جوابا. طرح الصدّوقيّون على يسوع سؤالاً كي يجعلوا فكرة القيامة تبدو سخيفة مضحكة. فكانت ديانتهم تتمحور، حرفيّاً، على شكل أرضيّ للسماء. يستهدف سؤال الصدوقيين السخرية من سلطة يسوع ومن تعاليمه وذلك بإثباتهم أنّ القيامة ليست ممكنة وامر مُسْتهجن.
34فقالَ لَهم يسوع: ((إِنَّ الرِّجالَ مِن أَبناءِ هذهِ الدُّنْيا يَتَزَوَّجون والنِّساءَ يُزَوَّجْنَ. 35أَمَّا الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ والقِيامةِ مِن بَينِ الأَموات، فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ.
تشير عبارة ” الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ ” الى أبناء الآخرة فيكونوا كالملائكة؛ اما عبارة ” القِيامةِ مِن بَينِ الأَموات ” فتشير الى البلوغ الى الحياة الحقيقية؛ فإن القبول في العالم الآتي نعمة كما يتضح من كلام يسوع ” اسهَروا مُواظِبينَ على الصَّلاة، لكي توجَدوا أَهْلاً لِلنَّجاةِ مِن جَميعِ هذه الأُمورِ التي ستَحدُث، ولِلثَّباتِ لَدى ابنِ الإِنْسان” (لوقا 21: 36). اما قيامة الأشرار فلا تُعتبر قيامة، بل موت ثانٍ (رؤيا 20: 6)؛ أما عبارة ” فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ.” فتشير الى ان المؤمنين يتَّحدون مع الله في سعادة تام في القيامة، وليس هناك علاقات زوجية، لأنهم يصيرون كالملائكة الذين لا عمل لهم سوى خدمة الله وتمجيده.
36فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا، لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة.
لا تشير عبارة ” لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة” الى الحط من قيمة الزواج (متى 19: 3-9)، بل حصر الاهتمام على خدمة الله وتسبيحه “أَقولُ لكم إِنَّ ملائكتَهم في السَّمَواتِ يُشاهِدونَ أَبَداً وَجهَ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 18: 10)، اما عبارة ” أَبناءَ القِيامة ” فتشير الى ورثة العالم الجديد والحياة في الآخرة كما يصرّح بولس الرسول “أَمَّا ونَحنُ نُؤمِنُ بِأَنَّ يَسوعَ قد ماتَ ثُمَّ قام، فكَذلِك سيَنقُلُ اللهُ بِيَسوعَ ومعَه أُولَئِك الَّذينَ ماتوا” (1 تسالونيقي 4: 14).
37وأَمَّا أَنَّ الأَمواتَ يَقومون، فقَد أشارَ موسى نَفْسُه إِلى ذلك في الكَلامِ على العُلَّيقَة، إِذ دعا الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب.
تشير عبارة ” الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب” الى ما اوحي الله الى النبي موسى ” أَنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب ” (خروج 3: 6). فدل على ان الله هو إله الاحياء، لا إله الأموات.
38فما كانَ إلهَ أَموات، بل إِلهُ أَحياء، فهُم جَميعاً عِندَه أَحْياء)).
تشير عبارة “إِلهُ أَحياء” الى إهتمام الله بالأحياء، خلافاً لراي الصدوقيّين الذين يتهكمون على مسالة قيامة الأموات، ويسوع يستند على سفر الخروج، فقد أظهر الله نفسه لموسى إله الآباء، الاله الذي يسيّر تاريخ الاحياء فقال” أَنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب” (الخروج 3: 6)؛ اما عبارة “هُم جَميعاً عِندَه أَحْياء” فتشير ان “هُم جَميعاً به أَحْياء” كما تدل عليها اللفظة اليونانية γάρ.
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38)
من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38) نستنتج انه يتمحور حول قيامة الموتى ومن هنا نتساءل ما معنى قيامة الموتى؟ وما موقف الصدوقيين وما موقف سيدنا يسوع المسيح من قيامة الموتى؟
1) ما معنى قيامة الموتى وكيف تتمُّ؟
في مفهوم الكتاب المقدس الانسان معرّض للموت، عند الموت تصير النفس سجينة الجحيم (مثوى الأموات)، في حين يتحلل الجسد في القبر. إلا ان ذلك لن يكون إلا حالة عابرة حيث يُبعث الانسان بعدها حياً بنعمة الله. ويشرح كتاب التعليم المسيحي قيامة الموتى او قيامة الجسد بقوله “في الموت، الذي هو انفصال النفس والجسد، يسقط جسد الانسان في الفساد، فيما تذهب نفسه لملاقاة الله، على انها تبقى في انتظار اتحادها من جديد بجسدها المُمجَّد. فالله، في قدرته الكلية، سوف يُعيد الحياة غير الفاسدة لأجسادنا مُوحِّداً إيَّاها بنفوسنا، بفضل قيامة يسوع” (رقم 997).
اما لفظة “الجسد” فتعني الانسان من حيث وضعه الضعيف والمائت كما جاء في تعليم صاحب المزامير “يَتَلوى قَلْبي في باطِني وأَهْوالُ المَوتِ تَتَساقَطُ علَيَّ ” (مزمور 55: 5)؛ وأمَّا “قيامة الجسد” فتعني انه بعد الموت لن يكون فقط حياة للنفس الخالدة، ولكن حتى “اجسادنا المائتة” ستعود اليها الحياة كما جاء في رؤيا دانيال النبي “كثيرٌ مِنَ الرَّاقِدينَ في أَرضِ التُّرابِ يَستَيقِظون، بَعضهم لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وبَعضُهم لِلعارِ والرَّذلِ الأَبَدِيّ.”(دانيال 12: 2). والحياة الجديدة لا تشبه حياة العالم الحاضر، لكن حياة ذات طبيعة متجلية ” يُضيءُ العُقَلاءُ كضِياء الجَلَد، والَّذينَ جَعَلوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أَبْراراً كالكَواكِبِ أَبَدَ الدُّهور” (دانيال 12: 3). ويوضح بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله “فإِذا كانَ الرُّوحُ الَّذي أَقامَ يسوعَ مِن بَينِ الأَمواتِ حالاًّ فيكُم، فالَّذي أَقامَ يسوعَ المسيحَ مِن بَينِ الأَموات يُحْيي أَيضًا أَجسادَكُمُ الفانِيةَ بِرُوحِه الحالِّ فيكُم” (رومة 11:8). وعليه فإن الجميع يقوم، كلٌّ بجسده الخاص الذي كان له قبل موته.
وقد كشف الله قيامة الموتى لشعبه تدريجيا. فالرجاء بقيامة الموتى في الجسد قد ثبت كنتيجة ضمنية للإيمان بالله الذي خلق الانسان بكامله جسداً ونفساً، وحفظ بأمانة العهد مع ابراهيم ونسله كما ترنّم صاحب المزامير “فانَّ الرَّبَّ صالِحٌ وللأبدِ رَحمَتُه وإِلى جيلٍ فجيل أَمانَتُه” (مزمور 100: 5). فالله الذي يخلق، هو أيضا يقيم (2 مكابى 7: 9) وهو أمين للعهد للأبد “لا أَقطعُ عنه رَحمَتي ولا أَخونُ أَمانتي”(مزمور 89: 34). وفي هذه النظرة المزدوجة تمَّ التعبير عن الايمان بالقيامة. ثم أن الشهداء المكابيين اعترفوا بالقيامة في وسط مضايقهم، فقال أحدهم للملك ” إنّ مَلِكَ العالَم، إِذا مُتْنا في سَبيلِ شَرائِعِه، سيُقيمُنا لِحَياةٍ أَبَدِيَّة” (2مكابي 7: 9)، وقال آخر للملك لَمَّا أَشرَفَ على المَوتِ ” خَيرٌ أَن يَموتَ الإِنسانُ بِأَيدي النَّاس ويَرجُوَ أَن يُقيمَه الله، فلكَ أَنتَ لن تَكونَ قِيامَةٌ لِلحَياة” (2مكابي 7: 14).
واما السؤال كيف تتم قيامة الأجساد؟
فإن الجسد يتحوَّل الى جسد على صورة جسد المسيح المُمجَّد “الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء” (فيلبي 3: 21)، فيتحول الجسد الى “جسد روحاني “كما يبيّن بولس الرسول “يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا” (1 قورنتس 44:15). وهذا الامر “يتخطى تصورنا وتفكيرنا. ولا يمكن الوصول اليه الاّ بالإيمان” (التعليم المسيحي رقم 1000).
واما سؤال متى تتم قيامة الأجساد؟
فقد صرّح يسوع المسيح ان قيامة الأجساد تتم بوجه نهائي “في اليوم الاخير” أَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 40:6)؛ وذلك “في نهاية العالم” يوم مجيء الثاني ليسوع المسيح كما يؤكده بولس الرسول ” لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَه، عِندَ إِعْلانِ الأَمْر، عِندَ انطِلاقِ صَوتِ رَئيسِ المَلائِكة والنَّفْخِ في بُوقِ الله، سيَنزِلُ مِنَ السَّماء فيَقومُ أَوَّلاً الَّذينَ ماتوا في المسيح” (1تسالونيكي 4: 16). ويعلن قانون الايمان المسيحي عن قيامة الموتى في نهاية الأزمنة “نؤمن ايمانا ثابتا، انه كما ان المسيح قام حقا من بين الاموات، وانه يحيا على الدوام، كذلك الصديقون من بعد موتهم سيحيون على الدوام مع المسيح القائم، وانه سيقيمهم في اليوم الاخير” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 988).
وأخيرا فإن الاعتقاد بقيامة الموتى كان أحد عناصر الايمان المسيحي الاساسية منذ بدايته. وهنا يسال بولس أهل قورنتس ” فكَيفَ يَقولُ بَعضُكُم إِنَّه لا قِيامةَ لِلأَموات؟ فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِن كانَ المسيحُ لم يَقُمْ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل… كَلاَّ! إِنَّ المسيحَ قد قامَ مِن بَينِ الأَموات وهو بِكرُ الَّذينَ ماتوا” (1قورنتس 15: 12-14، 20).
ولم يلق الايمان المسيحي مجابهة على اية نقطة كما لقي على قيامة الجسد. فمنذ البدء اصطدام الايمان بالقيامة بكثير من عدم التفهم والمقاومة، منهم، الصّدُّوقيون (متى 22: 23، اعمال الرسل 23: 8)، والوثنيون (اعمال الرسل 17: 32) وبعض المسيحيين من عهد الرسل (1قورنتس 15) والغنوسيون والمانويون، وفي العصور الوسطى الكاتاريّون، وحديثا المادية والراسيوناليّة وغيرهم.
فمن المقبول بنوع عام ان تستمر حياة الشخص بعد الموت بشكل روحي، ولكن كيف السبيل الى الايمان بان هذا الجسد المائت، وموته ظاهر للعيان بكل جلاء، يقدر ان يقوم الى الحياة الابدية؟ ومن هنا نجد اعتراض الصدوقيين على المسيح، هؤلاء الذين لا يعترفون بقيامة الموتى “الصَّدُّوقِيِّينَ يَقولونَ بأَنَّه لا قِيامَةَ ولا مَلاكَ ولا روح، وأَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ، فيُقِرُّون بِها جَميعًا” (اعمال الرسل 23: 8).
2) ما هو موقف الصِّدُّوقيين من قيامة الموتى؟
بعد ان فشل الفريسيون والهيرودسيون في اصطياد الرب يسوع بسؤالهم عن موضوع الجزية (لوقا 2: 20-26) تقدم الصدوقيون ليجربوه. فطرحوا عليه سؤالا عن قيامة الأجساد والحياة بعد الموت علما انهم لم يؤمنوا بالقيامة بها. فسؤالهم عقائدي أكثر منه اخلافي او سياسي؛ وهدفهم إحراج يسوع وجعله يقع في الخطأ، ويتبِّثوا ان القيامة لا معنى لهل. إذ انطلقوا من مبدا في الشريعة الموسوية التي تجيز للأرملة التي ليس لها بنون ان تتزوّج من سلفها الذي لم يتزوج. وجاءوه بحادثة وهمية، تزوجت فيها أمرة من سبعة رجال إخوة. فسألوا لأي الرجال تكون بعد القيامة.
فالنتيجة ان القيامة أمر مستحيل، لذا فإنهم لا يؤمنون بقيامة الجسد ولا يقبلوا عودة الجسد بعد انحلاله بل يظنون أن النفس تموت مع الجسد فلا تقوم. فسألوا يسوع ليضعوه في موضع سخرية واستهزاء. وسؤالهم يفسد رجاء العالم كله. “فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا” (1قورنتس 13-14).
3) ما هو موقف السيد المسيح من قيامة الموتى؟
جاء جواب يسوع ليقوِّم مواقف الصّدُّوقيين ويؤكد لهم على الايمان بالقيامة من خلال اجابته من التوراة، كتابات موسى، المصدر الذي يحترمونه. فحاول ان يجيب على اعتراضهم حول كيفية قيامة الأجساد، وحقيقة القيامة.
ا) الاعتراض الأول على كيفية القيامة
اعترض الصدوقيون على كيفية الزواج في الآخرة كي يجعلوا فكرة القيامة تبدو سخيفة وبالتالي كيف تكون قيامة؟ سألوا يسوع “فَهذِهِ المَرأَةُ في القِيامة لأَيِّهم تَكونُ زَوجَة، لِأَنَّ السَّبْعَةَ اتَّخَذوها امَرأَةً))؟ (لوقا 20: 33). اجابهم يسوع ” أَنتُم في ضَلالٍ لأَنَّكُم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله.” (متى: 22: 29). ان الأهم هو معرفة قوة الله، لا معرفة كيفية الزواج في الآخرة. ان الزواج من الناحية الجسدية، وهي الناحية التي تتعلق بها شريعة الزواج من زوجة الأخ بعد موته، جائز فقط في هذا العالم حيث يتسلط فيه الموت فيصبح بقاء الجنس ضرورة حتمية.
وفي الوقت نفسه يوضّح يسوع للفريسين يؤمنون بالقيامة بعكس الصدوقيين ولكنهم يفسرون حياة الانسان بعد الموت وكأنها مجرد استكمال للحياة الأرضية. فيوكد يسوع ان هنالك تغيّر جذري يتم في القيامة. الحياة بعد الموت لها قوانين غير قوانين هذه الحياة، لذا فهي لا تخضع لقوانين هذه الحياة ولا تسري عليها تلك القوانين. فالعالم الأرضي يتزوّج فيه الناس، واما العالم الآخر لا يتزوجون فيه، العالم الأرضي يموت فيه الناس، والعالم الآخر لا يموتون فيه، وبالتالي لا يحتاجون الى إنجاب كائنات جديدة. الناس في العالم الآخر يكونون أشبه بالملائكة، في القيامة: لا موت ولا زواج، لأنهم ابناء القيامة ” لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة” (لوقا 20: 36). وعليه فان في القيامة يخرج الناس عن حدود البشر، وعن شروط الأرض. إذ يتضمن الرجاء المسيحي تجديداً كاملا للشخص، ويفترض في الوقت نفسه تغييرا كلياً للجسد، الذي صار روحانيّا، وغير قابل للفساد وخالداً كما جاء في تعليم بولس الرسول “يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا…فلا بُدَّ لِهذا الكائِنِ الفاسِدِ أَن يَلبَسَ ما لَيسَ بِفاسِد، ولِهذا الكائِنِ الفاني أَن يَلبَسَ الخُلود” (1 قورنتس 15: 35-53).
فالحياة في القيامة هي امتداد الى هذه الحياة لكن مع اجساد مُمجدّة على مثال جسد يسوع القائم من الموت. إن قصّة لقاءات المسيح مع تلاميذه بعد قيامته تعطي نوعا ما فكرة عمّا يحدث بالقيامة، فهي تمنحنا جسداً ممجداً لا يخضع لقوانين الطّبيعة المعروفة، ولا يرتبط لا بمكان ولا بزمان. يتنقّل بجسده دون مانع أو حاجز. فهو يدخل في البيوت المغلقة كالرّيح يهب من كل صوب ولا نعرف عنه متى يأتي وإلى اين يذهب، فبينما يسوع القائم من بين الاموات يقاسم تلميذي عمّاوس كسر الخبز، يختفي عن الأبصار. وبكلمة موجزة في القيامة يصبح الموت عبور من حياة لها نهاية إلى حياة أخرى لن تنتهي أبداً؛ انتقال من مقرّ أرضيّ إلى مقرّ ابديّ حيث الحياة والسعادة والمجد مع المسيح وفي المسيح.
ب) الاعتراض الثاني على حقيقة القيامة
ينطلق يسوع من الكتاب المقدس ليردَّ على اعترض الصدوقيين. وكان يمكن للسيِّد المسيح أن يؤكّد لهم القيامة من كتابات الأنبياء (هوشع 13: 14، حزقيال 37: 1-؛14 إشعيا 36: 19، مز مور 104: 29)، ولكنه أراد ان يستند الى سفر التكوين الذي يؤمن به الصدوقيون. وقد استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على كلام الله لموسى النبي، وعلى قدرة الله، وعلى المنطق وعلى ربط الايمان بقيامة الموتى بشخصه القائم من بين الأموات.
الحجة الأولى: استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على كلام الله لموسى النبي:
إن كان الإله الّذي يؤمن به الصدوقيون به هو إله العهد، العهد مع ابراهيم ومع اسحق ومع يعقوب، كما ورد في التوراة عن كلام الله لموسى النبي “إِذهَبْ وأجمَعْ شُيوخَ إِسْرائيلَ وقُلْ لَهم: “الرَّبُّ إِلهُ آبائِكُم تراءَى لي-إِلهُ إِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب-” (خروج 3: 6) فلا يمكن لأيّ شيء، ولا حتّى الموت، أن يعيق أن يكون العهد دائم. وإذا صحّ ان الله جعل من نفسه صديقا للآباء، فصداقته للأبد، لان عبارة ” إِلهُ إِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب” تشير إلى اختيار الله وأمانته لمختاريه، ولا يستطيع الموت ان يضع حداً لاختيار الله وأماته. وعليه نستنتج ان الحياة الأخرى متضمنة في كتابات موسى التي اقتبسوا منها “أنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب” (خروج 3: 6).
ان تكلم الله عن إبراهيم واسحق ويعقوب بعد موتهم بسنين كثيرة، انهم ما زالوا أحياء، فعهد الله مع جميع الناس يستمر الى ما بعد الموت. لله شركة معهم حميمة ودائمة. فالحجة الأولى إذاً قائمة على اختبار الشركة مع الله. “إِذ دعا الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب” كان دليلا على القيامة والحياة الأبدية التي يستمتع بها كل المؤمنين به. وعليه ان امواتنا أحياء، يحيون بالله، ولكي نقبل هذه العقيدة يجب أولا الايمان بالله، الايمان بان الله هو الذي ارادنا واعطانا الحياة، ولا يرغب في ان يجد نفسه يوما أمام جثثٍ وقبورٍ. الربّ هو إله حيّ لأناس أحياء. فكيف سيتحقق هذا على ارض الواقع؟ هنالك كثير من العجائب لم يُفسرها العقل.
الحجة الثانية: استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على قدرة الله
صرّح يسوع ” أَنتُم في ضَلالٍ لأَنَّكُم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله ” (متى 22: 29). فالصدوقيون لا يجهلون الكتب المقدسة فحسب، ولكنهم أيضا لا يعرفون قوة الله، فالسماء ابعد من ادراكنا وتخيلنا كما قال بولس الرسول “ما لم تَرَهُ عَيْنٌ ولا سَمِعَت بِه أُذُنٌ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، ذلكً ما أَعدَّه اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَه ” (1 قورنتس 2: 9). قدرة الله تتجلى بصفة خاصة في القيامة “وجُعِلَ ابنَ اللهِ في القُدرَةِ، بِحَسَبِ روحِ القَداسة، بِقِيامتِه مِن بَينِ الأَموات، أَلا وهو يسوعُ المسيحُ ربّنا” (رومة 1: 4)؛ فعلى الناس إذن أن يؤمنوا بالقيامة، وان يسلكوا سلوك أبناء الله، وسلوك ابناء القيامة.
الحجة الثالثة: استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على المنطق.
إن الحياة الأبديّة هي حياة فائقة على مستوى ملائكي؛ “َأمَّا الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ والقِيامةِ مِن بَينِ الأَموات، فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ” (لوقا 20: 35). لا تعني هذه الكلمات ان الانسان لن يعرف شريكة في السماء بل يعني ان نظام الله الجديد لن يكون امتدادا لهذه الحياة، فلن تتطبق عليه نفس القواعد الجسدية والطبيعية. فلا تقوم الحياة الآخرة على مفاهيم أرضيّة، ولا يرتبط فيها الأعضاء بارتباطات جسديّة؛ ففي القيامة يُبطل الزواج، ويُصبح الناس كملائكة الربّ. إن علاقاتنا في هذه الحياة محدودة بالزمن والموت والخطيئة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “في الحياة الأبديّة نمارس حياة ملائكيَّة فلا يوجد زواج. أنه ليس لأنهم لا يتزوَّجون هم ملائكة، وإنما لأنهم ملائكة فهم لا يتزوَّجون”. فإن غايتنا أن ننعم بالحياة الملائكيّة وليس عدم الزواج في ذاته.
فعند القيامة يصبح المؤمنون “أَمثالُ المَلائِكَة فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا، لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة (لوقا 20: 36) لا تحتاج أجسادنا إلي شبع مادي بصورة أو بأخرى، إذ تحمل طبيعة جديدة تليق بالسماء، فلا تأكل ولا تشرب ولا تمارس علاقات زوجية، فالملائكة لا يتناسلون. وعلق العلامة ترتليانوس ” في حديث الرب هنا عن عدم الزواج في الدهر الآتي لا يعني أن الإنسان يفقد كيانه كإنسان أو يخسر جسده، فكما يُسمح للملائكة أن تظهر على شكل بشر دون أن يفقدوا طبيعتهم الملائكية هكذا نصير نحن كملائكة الله دون فقدان لجسدنا البشري، وإنما لا تكون له متطلبات زمنية، بل يحمل طبيعة جديدة تليق بالحياة السماوية” .
وكشف يسوع هنا أحد جوانب غاية الزواج ألا وهو الإنجاب، ففي هذا العالم توجد حاجة للزواج من أجل بقاء الجنس البشري، لكن في السماء بما انه لا يوجد موت، فلا حاجة للإنجاب. ويعلق القديس أوغسطينوس “عندما نصير مساويين لملائكة الله سنراه وجهًا لوجه كما يرونه هم”. كذلك نحن في العالم نحتاج إلى الزواج بسبب موت الجسد، لكننا إذ نصير كالملائكة لا تدخل إلينا الخطيّة ولا نسقط تحت الموت، فلا حاجة إلى زواجٍ لإنجاب أجيال تالية عِوضاً من الجيل القائم. ويعلق القديس أمبروسيوس الأسقف ” كانَت قيامةُ الموتى، لتُهزَمَ الخطيئةُ بالموتِ، وتُصبِحَ الطبيعةُ بالقيامةِ خالدة “.
الحجة الرابعة: استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على ربط الايمان بقيامة الأموات بشخصه هو “أَنا القِيامةُ والحَياة “(يوحنا 11: 25).
يسوع نفسه هو الذي سيقيم في اليوم الاخير الذين امنوا به ” مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا” (يوحنا 5: 25) يقيم الذين أكلوا جسده وشربوا دمه “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير”(يوحنا 6: 54). وقد اعطى علامة وعربونا بإعادة الحياة لبعض الموتى كأحياء ابنة يائيرس، رئيس المجمع (مرقس 5: 21-43) واحياء ابن ارملة نائين، (لوقا 7: 11-17) واحياء لعازر (يوحنا 11: 45) منبئا بذاك بقيامته الخاصة، مع ان هذه ستكون من نوع اخر. لأنه إن كان الموتى لا يقومون، فلا يكون المسيح قد قام” فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِن كانَ المسيحُ لم يَقُمْ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل (1قورنتس 13-14)،
الخلاصة
يعلن قانون الرسل، قانون الايمان “نترجى قيامة الموتى” ويعمم هذه القيامة ” سيقوم جميع الموتى بأجسادهم في اليوم الأخير عند المجيء الثاني للرب يسوع (يوحنا 6: 39-40)، وسيقوم الموتى بالجسد عينه الذي كانوا يلبسونه على الأرض. واجساد الأبرار ستتغيَّر وتتمجّد على مثال جسد المسيح القائم من الموت (فيلبي 3: 21)؛ وهو جسد بعيد عن الوجع والالم كما جاء رؤية يوحنا ” وسيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال ” (رؤيا 21: 4) وهو جسد روحاني ” “يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا” (1 قورنتس 44:15)، وجسد منير” الصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم.” (متى 13: 43)؛ اما أجساد الأشرار خالدة بغير فساد، لكن لن تكون ممجّدة. عدم الفساد لا بد منه لعقاب الجسد الابدي في جهنم “وإِذا كانت عينُكَ حَجَرَ عَثرَةٍ لَكَ، فَاقْلَعْها وأَلقِها عنكَ، فَلأَن تَدخُلَ الحياةَ وأَنتَ أَعَور خَيرٌ لكَ مِن أَن يكونَ لكَ عَينان وتُلقى في جَهَنَّمِ النَّار”(متى 18: 8-9).
الدعاء:
أيها الآب السماوي، انزع من قلوبنا كل شك حول قيامة الموتى وافتح عيوننا لا على الزمن الحاضر فقط بل بما سوف يأتي أيضا، لا على ما هو مرئيّ فقط، بل على ما هو غير مرئيّ أيضا، لنتحضّر على ملاقاتك، ولنثبت على رجاء القيامة السعيدة فننعم مع جميع موتانا المؤمنين بالحياة الأبدية في ملكوتك السماوي. ويا مريم أمّنا، امنحينا إيماناً في القيامة في اليوم الأخير. آمين