الأحد الثاني للسنة أ – عظة الأحد 2 أ (الأب د. لويس حزبون)

الأب لويس حزبون

الاحد الثاني من السنة: يسوع حمل الله بشهادة النبي يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 29-34)
ا د. لويس حزبون

يقدّم انجيل الاحد (يوحنا 1: 29-34) صورة يوحنا المعمدان، “نَبِيِّ العَلِي” (لوقا 1: 76)، ومهيئ طريق المسيح ومبشر بظهوره الموعود (لوقا 1: 5-25) والشاهد للنور (يوحنا 7:1)؛ فجاء يشهد ان يسوع هو ابن الله وحَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29، 33)؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أولا وقائع النص الانجيلي (يوحنا 1: 29-34)

29وفي الغَد رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال: ((هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم.

تشير عبارة ” في الغَد الى اليوم الذي أرسل اليهود البعثة لتسأل يوحنا المعمدان” إِذا لم تَكُنِ المسيحَ ولا إِيلِيَّا ولا النَّبِيّ، فلِمَ تُعَمِّدُ إِذاً؟” (يوحنا 1: 25)؛ أما عبارة ” رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه ” فتشير الى مجيء يسوع الى يوحنا المعمدان في بدء خدمته العلنية لأنه بحاجة لشهادة وإعلان حتى يعرفه الناس، فهذه اللحظة هي لحظة تسليم وتسلم، المسيح أتى ليوحنا المعمدان ليعطيه فرصة أن يشهد له ويستلم المسيح تلاميذه الذين أعدهم له المعمدان مثل يعقوب ويوحنا ابنا زبدى وبطرس وأندراوس؛ أمَّا عبارة “هُوَذا حَمَلُ اللهِ” فتشير الى الحمل الذي يُقدَّم كذبيحة صباحية وذبيحة مسائية. وهذه العبارة تلمّح الى نبوة اشعيا النبي التي تقول “عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع ولم يَفتَحْ فاهُ كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ ” (اشعيا 53: 7) ، وبالتالي فهي تدل على موت يسوع التكفيري، بدمج صورتين تقليديتين: من جهة صورة العبد المتألم (اشعيا 52: 13) الذي يأخذ على عاتقه خطايا جماعة الناس والذي، مع انه بريء يقرّب نفسه تقدمة حَمَل، ومن جهة أخرى صورة حمل الفصح، رمز فداء إسرائيل (خروج 12: 1-28) كما ورد في تعليم بولس الرسول “فقَد ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنا، وهو المسيح “(1 قورنتس 5: 7)، وأكدت رؤية يوحنا الحبيب هذا التعليم “الحَمَلُ الذَّبيحُ أَهلٌ لأَن يَنالَ القُدرَةَ والغِنى والحِكمَةَ والقُوَّةَ والإِكْرامَ والمَجدَ والتَّسْبيح” ( رؤيا 5: 12)؛ أما عبارة ” هُوَذا ” فتشير الى يسوع المسيح كما تكلم عنه يوحنا المعمدان وهو يخاطب الفرّيسيّين الذين يستمعون إليه، ولكنّهم لم يُقرّوا بأنّ يسوع هو المسيح، ولهذا قال لهم يوحنّا، “هوذا حمل الله الّذي يرفع خطيئة العالم”؛ أما الفعل ” يَرفَعُ ” في اللغة اليونانية αἴρω فيعني إمَّا “حمل، أخذ على عاتقه، وأمَّا أزال ما أخطاء الآخر إليه . وجاءت صيغة الفعل في المضارع αἴρωνبمعنى الاستمرارية يرفع ويظل يرفع (يزيل) خطايا العالم كما جاء تعليم يوحنا الرسول ” تَعلَمونَ أَنَّه قد ظَهَرَ لِيُزيلَ الخَطايا”( 1 يوحنا 3: 5) ؛ اما عبارة “خَطيئَةَ” فتشير الى صيغة المفرد للدلالة على المعنى الكلي لخطايا العالم، ولأصل الخطايا ومبدأها وكثرتها ومضمونها مهما امتدت في الزمان والمكان، فالمسيح قدّم الخلاص لكل العالم ولكن من يخلص هو من يؤمن ويعتمد كما جاء في تعليم المسيح “فمَن آمَنَ واعتَمَدَ يَخلُص، ومَن لَم يُؤمِنْ يُحكَمْ عَليه”( مرقس 16: 16)؛ اما عبارة “يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” فتشير الى خطيئة كل إنسان، خطيئة كل فرد. فيسوع يزيلها كما ورد في رسالته “تَعلَمونَ أَنَّه قد ظَهَرَ لِيُزيلَ الخَطايا ولا خَطيئَةَ لَه ” (1 يوحنا 3: 5). فها هو بيلاطس نفسه الذي حكم عليه يقول: فلَم أَجِدْ على هذا الرَّجُلِ شيئاً مِمَّا تَتَّهِمونَه به “(لوقا 123: 14)، ولما أسلمه غسل يديه قائلًا:” أَنا بَريءٌ مِن هذا الدَّم” (متى 27: 24). وهناك شهادة أخرى عن يسوع البار الذي بلا خطية، هي شهادة اللص اليمين، إذ انتهر زميله قائلًا: ” أَمَّا نَحنُ فعِقابُنا عَدْل، لِأَنَّنا نَلْقى ما تَستوجِبُه أَعمْالُنا. أَمَّا هو فلَم يَعمَلْ سُوءً” (لوقا 23: 41). لكن شهادة يوحنا المعمدان هي أوضح شهادة عن المسيح قدمها إنسان مملوء بالروح الذي فتح عيني قلبه.

30هذا الَّذي قُلتُ فيه: يأتي بَعْدي رَجُلٌ قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي.

تشير عبارة “يأتي بَعْدي” ان يوحنا جاء قبل يسوع المسيح على الأرض، ومع ذلك المسيح هو قبل يوحنا موجودا، لأنه الكلمة المولود قبل الزمن. يوحنا المعمدان يأتي كسابق للمسيح كما تنبأ ملاخي الني “هاءَنَذا مُرسِلٌ رَسولي فيُعِدُّ الطَّريقَ أَمام” (ملاخي 1:3). ولكن المسيح الأزلي كان قبله في الزمان والبهاء والعظمة والمجد. اما عبارة ” قَبْلي” فتشير الى شهادة يوحنا المعمدان الذي يلمِّح الى ان يسوع الذي جاء بعده في التاريخ يفوقه في أصله ورسالته الإلهية؛ وبالرغم من ان يوحنا كان واعظا مشهوراً وقد جذب اليه جموعا كثيرة، الا انه اعطى يسوع المكانة الأسمى دليلا على تواضعه كما صرّح “لا بُدَّ له مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر” (يوحنا 3: 30).

31وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل)).

تشير عبارة ” لم أَكُنْ أَعرِفُه ” الى ان يوحنا المعمدان لم يعرف يسوع شخصيا لأنه أَقامَ في البَراري إِلى يَومِ ظُهورِ أَمرِه لإِسرائيل (لوقا 80:1)، ولم يعرف يوحنا ان يسوع هو المسيح الى ان رأى الروح القدس يستقر عليه في اثناء اعتماده (يوحنا 1: 32-33). ويعلق العلامة اريجين “وإن كان قد عرفه وهو لا يزال في رحم أمه (لوقا 1: 41-44) بالتأكيد لم يعرف كل شيء عنه، وربما لم يكن يعرف أنه ذاك “الذي يعمد بالروح القدس والنار”؛ أما عبارة ” ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل ” فتشير الى اَّنَّ الله أرسل يوحنا المعمدان ليعمد التائبين كعلامة على توبتهم وبالتالي يتمكّنوا من ان يعرفوا المسيح، والأهم لكي يُعمِّد المسيح، فيؤسس المسيح سر المعمودية، اما عبارة “إِسْرائيل” وهو اسم عبري יִשְׂרָאֵל ومعناه ” الله يصارع” او يجاهد مع الله” للدلالة على يعقوب، ابن إسحاق ورفقة لكن هنا تدل كلمة إسرائيل على نسل يعقوب أي اسبط إسرائيل الاثني عشر(التكوين 34: 7) بل بالأحرى الى “إسرائيل” بمعنى روحي أي شعب الله الروحي الأمين ( اشعيا 49: 3)، ويوضّح ذلك بولس الرسول إذ يفرّق بين إسرائيل حسب الجسد وإسرائيل حسب الروح ” أُولئِكَ الَّذينَ هم بَنو إِسرائيل ولَهُمُ التَّبَنِّي والمَجْدُ والعُهود والتَّشريعُ والعِبادَةُ والمَواعِدُ والآباء، ومِنهمُ المسيحُ مِن حَيثُ إِنَّه بَشَر، وهو فَوقَ كُلِّ شيءٍ إِلهٌ مُبارَكٌ أَبَدَ الدُّهور. آمين”(رومة 9″ 4-5).

32وشَهِدَ يوحَنَّا قال: ((رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه.

تشير عبارة ” رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه” الى علامة أعطاها الله ليوحنا المعمدان ليعرف أن هذا هو المسيح ابن الله. فقد رأى يوحنا رؤيا غير عادية، رأى حمامة وعرف أنها هي الروح القدس وقد حلّ على المسيح على هيئة حمامة رمزًا للسلام. فالمسيح هو أمير السلام؛ اما عبارة “فيَستَقِرُّ علَيهِ” فتشير الى حلول الروح القدس حلولا دائما ثابتا على المسيح وكنيسته، كونها جسده السري، وقد واتّخذها مسكناً له، بعكس حلول روح الربّ على الأنبياء في القديم، حلولاً مؤقّتاً، لأداء مهمّة ما، أو شهادة ما.

33وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ، هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس.

لا تشير عبارة “أَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه” الى معرفة يوحنا ليسوع معرفة بشرية لانهما كانا مرتبطين بصلة قرابة حيث ان اليصابات ام يوحنا، ومريم العذراء، ام يسوع كانتا قريبتين (لوقا 1: 36)، ولكن يوحنا لم يكن يعرف يسوع انه المسيح. أما عبارة ” أُعَمِّدُ في الماءِ ” فتشير الى معمودية التوبة للهرب من الغضب الآتي ( متى 3: 7)، لان معمودية المسيح الآتي سيتحمل معها دينونة ( متى 3: 12) ؛وأمَّا عبارة “هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس” فتشير الى معمودية يسوع بالروح القدس لكل المؤمنين ليقويهم ليحيوا وينادوا برسالة الخلاص وقد بدأت هذه المعمودية يوم العنصرة (أعمال الرسل 2) بعد قيامة يسوع من الأموات وصعوده الى السماء؛ ويعلق القديس أوغسطينوس “إن سلطان المعمودية العظيم هو للرب وأنه يرده لنفسه سواء كان حاضراً هنا على الأرض أو عند غيابه بالجسد في السماء، لئلا يقول بولس: “معموديتي”، ولئلا يقول بطرس: “معموديتي”. انظروا وانتبهوا لكلمات الرسل. لم يقل أحدهم: “معموديتي”. مع وجود إنجيل واحد للكل، لكنك تجدهم يقولون: “إنجيلي”، ولا تجدهم يقولون “معموديتي”. فمن يتعمد بمعمودية الرب يتمتّع باستنارة الحياة، لأنّ نور حكمة الربّ يُشرق في حياته، ومشيئة الربّ تصبح واضحة أمامه، وقصد الربّ يتّضح أمامه.

34وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله)).
تشير عبارة ” ابنُ الله “الى إعلان صريح عن الوهية الكلمة انه الله (يوحنا 1: 14). هنا نجد شهادة علنية من المعمدان، أن المسيح هو ابن الله المسيا المنتظر؛ وإن فعل المضارع ἐστιν في العبارة ” أَنَّه هو ابنُ الله ” οὗτός ἐστιν ὁ υἱὸς τοῦ θεοῦ. يخص الابن وحده الذي ” في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله ” (يوحنا 1:1)، فهو وحده الذي يقال له: “هو ابني “إذ هو على الدوام ابن اللٌه. وقد استعمل هذا اللقب في العهد الجديد ما يقرب من (44) مرة عن يسوع المسيح، والمسيح بما انه أبن الله فهو إله بكل الكمالات غير المحدودة التي للجوهر الإلهي (يوحنا 1: 1-14) والابن مساو لله في الطبيعة (يوحنا 5: 17-25). فمن يرى ويعرف يشهد. وكثيرون أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا بأن المسيح هو ابن الله على خطى يوحنا المعمدان مثل بطرس الرسول (متى 16: 17)، ونثنائيل (يوحنا 1: 49)، ومرثا اخت لعازر (يوحنا 26:11-27). واما عبارة “ابن الله” فلا تشير الى وجهة النظر الجسدية كما يفهم كم كلمة “ولد” أنما تشير الى تشبيه ليُعبِّر عن مقدار المحبة والتعاون والتساوي في الطبيعة بين الاقنوم الأول (الآب) والاقنوم الثاني (الابن) في الثالوث الاقدس. وقد قال المسيح عن نفسه انه ابن الله (يوحنا 5: 17) وقد اتهمه كهنة اليهود وحكموا عليه لأنه قال انه المسيح ابن الله (متى 26: 63-66). ويعلق القديس كيرلس” أما أنت فيُقال لك: “الآن تصير ابن الله ” إذ لا تحمل بنوة طبيعية بل تتقبلها بالتبني. يسوع ابن سرمدي، أما أنت فتقبلت النعمة مؤخرًا”.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 1: 29-34)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 1: 29-34)، نستنتج انه يتمحور حول شهادة يوحنا المعمدان بتعابير نبوية بان يسوع المسيح المنتظر هو “حمل الله ” وأبن الله”. فكانت مهمته هي توجيه الشعب الى يسوع المسيح الذي كانوا يتطلعون اليه ليعرفوه كما عرفه هو نفسه. ومن هذا الإطار يمكن ان نطرح سؤالين: ما مغزى حمل الله؟ وما مغزى ابن لله؟

1) ما مغزى يسوع المسيح “حمل الله”؟
لم يكن يعرف يوحنا المعمدان ان يسوع هو المسيح المنتظر، لكنه عرفه من خلال كشف الله له يوم اعتماد يسوع على يده. ولمّا جاء يسوع الى يوحنا المعمدان ليعلن خدمته العلنية من خلال المعمودية، عرف يوحنا المعمدان ان يرى يسوع الآتي اليه (يوحنا 1: 34)، وعرف ان يتجاوز المظاهر الخارجية كي يسبر غور شخصية يسوع، فقدّمه الى الناس بمناداته ” هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29)، وتدل هذه العبارة ” حمل الله ” التي وردت مرتين (يوحنا 1: 29، 36) على ان يسوع هو المسيح المنتظر، حمل الله الذي يمثل من ناحية عبد الله المتألم، ومن ناحية أخرى يمثل حمل الفصح.

ا) يسوع حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم”

أشار يوحنا المعمدان الى يسوع بعبارة ” حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم ” (اشعيا 53: 7، 12). كانت صورة الحمل واضحة لليهود، وهي حمل الذبيحة في الهيكل: في كل صباح ومساء يقدم حمل ذبيحة (الاحبار 5: 6-7) في الهيكل عن خطايا الشعب تكفيرا عن الذنوب وفقا للشريعة الموسوية (خروج 29: 38-42). ويعلق أُريجين “أن خروفين حوليين كانا يُقدمان كل يوم دائمًا، واحد كتقدمة صباحية دائمة، والآخر كتقدمة مسائية دائمة.” وعندما كان إرميا النبي يعاني اضطهاد أعدائه، أخذ يشبه نفسه بحمل فقال “كنتُ أَنا كَحَمَلٍ أَليفٍ يُساقُ إِلى الذَّبْح ” (إرميا 11: 19).

وقد تنبا أشعيا ان المسيح، عبد الرب عبد الله المتألم سيقاد الى الذبح كحمل “كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ “(أشعيا 53: 7). وهذا النص ينبئ عن مصير المسيح، على نحو ما قام فيلبّس بتفسيره إلى خازن ملكة الحبش (أعمال 8: 31-35). ويرجع أصحاب الأناجيل إلى هذا النص عندما يوضحون أن المسيح “ظل صامتاً ” أمام المجلس (متى 26: 63)، وأنه لم يجب بيلاطس بشيء (يوحنّا 19: 9). وطبقت صورة عبد الرب على المسيح الذي كان مزمعاً أن يموت ليكفر عن خطايا شعبه.

وكان دفع عقوبة الخطيئة، يتم بتقديم ذبيحة، فمات الرب يسوع على الصليب كذبيحة كاملة تامة. وبهذه الطريقة دفع يسوع بموته ثمن خطايانا كي ننال الغفران عن خطايانا (1قورنتس 5: 7)، ويدل يوحنا الإنجيلي بعبارة حمل الله يرفع خطيئة العالم على موت يسوع التكفيري. وعليه فان موته يُشكل مظاهر التضحية القربانية والنيابية والفدائية. وهنا تتضح هوية يسوع المسيح المخلص الذي يحمل خطايانا بسفك دماءه الطاهرة، وهذا هي قمة التضحية والبذل والعطاء والمحبة.

فالمسيح هو قبل كل شيء ابنا لله الذي صار بشراً. فكونه ابن الله وابن الانسان أصبح أداة فريدة للخلاص، ذبيحة الكفارة والفداء. فهو حمل خطايا الناس وكفّر عنهم ما اقترفوه أمام الله، لذلك فهو حقا حملا لله الذي يحمل خطيئة العالم والذي يساق الى الذبح في عيد الفصح.

ب) يسوع حَمَلُ الفصح
حمل الفصح هو حَمَلٌ تامٌّ ذَكَرٌ حَولِيٌّ الذي أمر الله كل أسرة ان تذبحه، وتأكله ليلاً، وتنضح بدمه عضادتي بابها. وبفضل هذه العلامة يفتديهم (خروج 12: 5). دم حمل الفصح قد افتدى الله العبرانيين من عبودية مصر، فأمكنهم أن يصبحوا ” شعباً مقدّساً ” و” مملكة أحبار” (خروج 19: 6) يربطهم بالله ميثاق عهد وتحكمهم شريعة موسى. ويعلق الرابي اليعازر ” ان هناك قيمة فدائيّة لدم الحمل “بسبب دم عهد الختان، وبسبب دم الفصح، قد خلصتكم من مصر”. ووفي عيد الفصح وهو أكبر الأعياد اليهودية واهمها، وكان اليهود يقدّمون اعاداً كبيرة من ذبائح الحملان وهي ترمز الى حمل الفصح (خروج 12: 1-28) الذي يرمز بدوره الى فداء إسرائيل.

إن التقليد المسيحي قد رأى في المسيح “حمل الفصح الحقيقي. ويعلق العلامة اُريجين ” صار حمل الله حملًا صغيرًا بريئًا يُقاد للذبح لكي ينزع خطية العالم ” ويعلق القديس أوغسطينوس “هوذا حمل الله. إنه ليس بفرعٍ ممتدٍ من آدم، إنما استمد منه الجسد ولم يأخذ خطيئة آدم. إنه لم يأخذ الخطيئة عليه من العجين الذي لنا، إنما هو الذي ينزع خطايانا. أنه حمل الله فقد اعتادت البشرية أن تقدم الذبائح لله لمراضاته. أما هنا فالذي يُعد الذبيحة هو الله الآب نفسه الذي يقدم ابنه الوحيد ذبيحة ” كما ورد في تعليم بطرس الرسول ” وقَد عَلِمتُم أَنَّكم لم تُفتَدَوا بِالفاني مِنَ الفِضَّةِ أَو الذَّهَب مِن سيرَتِكمُ الباطِلَةِ الَّتي وَرِثتُموها عن آبائِكم، بل بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَلِ الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح”(1 بطرس 1: 18-19). ويعلق العلامة اريجين “أية عظمة لحمل الله الذي ذُبح لكي يرفع الخطيئة ليس عن قليلين بل عن كل العالم “لأنه ” وإِن خَطِئ أَحدٌ فهُناك شَفيعٌ لَنا عِندَ الآب وهو يسوعُ المَسيحُ البارّ. إِنَّه كَفَّارةٌ لِخَطايانا لا لِخَطايانا وحْدَها بل لِخَطايا العالَمِ أَجمعَ ” (1 يوحنا 1: 1-2). إذ هو مخلص كل بشر ولا سيما المؤمنين (1 طيموتاوس 4: 10).

انتظر شعب إسرائيل مسيحا مجيداً ينتصر على الأعداء، فإذا هذه المسيح هو حمل الله في خط الرب المتألم الذي يخلص شعبه بآلامه وموته (يوحنا 1: 29-34). إن المسيح هو الحمل الصحيح أي بلا عيب ولا دنس الذي يفتدي البشر بثمن دمه. إنه قد افتداهم من “الأرض” (رؤيا 14: 3)، ومن العالم ” الشرير المستسلم للفساد نتيجة عبادته للأصنام (1 بطرس 1: 14) ويُمكنهم من الآن فصاعداً تجنب الخطيئة (1 بطرس 1: 5 1-16، يوحنا 1: 29) ليكوّنوا “مملكة الأحبار ” الجديدة و”الأمة المقدسة” الحق (1 بطرس 2: 9 و10) مقدمين إلى الله عبادة روحية، نابعة من حياة لا عيب فيها (1 بطرس 2: 5). الكفر بحب الله لا يكفّر عنه الا بالحب، وعصيان الله لا يكفر عنه بالا بالطاعة.

يرجع التقليد الذي يرى في المسيح حمل الفصح الحقيقي، إلى بدء المسيحيّة ذاتها. فبولس الرسول يحثّ مؤمني كنيسة قورنتس على أن يعيشوا كفطير في الطهارة والحق، بما أنه “فقَد ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنا، وهو المسيح” (1 قورنتس 5: 7). ولا يعرض الرسول هنا تعليماً جديدا عن المسيح-الحمل، ولكنه يستند إلى تقاليد طقسيّة خاصة بالفصح المسيحي ترجع إلى قبل سنة 57. فإن حادث موت المسيح ذاته هو أساس هذا التقليد. قد أسلم يسوع للموت عشية عيد الفطر (يوحنا 18: 28) أي يوم تهيئة الفصح، بعد الظهر (يوحنا 19: 14)، في الساعة ذاتها التي تفرض الشريعة ذبح الحملان في الهيكل. وبعد موته، لم يكسر الجنود ساقيه مثلما كسروا ساقي المصلوبين الآخرين (يوحنا 19: 33). وبناء عليه فإن يوحنا الانجيل يرى في هذه الواقعة تطبيقاً لشريعة طقسية بشأن الحمل الفصحى (يوحنا 19: 36).

2) ما مغزى يسوع المسيح “ابن لله”؟
تكشف الاناجيل الإزائية وانجيل يوحنا وفي رسائل القديس بولس الرسول مغزى يسوع المسيح ابن الله

أ‌) أبن الله في انجيل متى ومرقس ولوقا
لم يشهد يوحنا المعمدان أن “يسوع حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” فحسب شهد أيضا ان يسوع ” هو ابنُ الله”(يوحنا 1: 34). إن لقب ابن الله، يقترن عادة بلقب المسيح كما جاء في شهادة بُطرس الرسول “أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 16). وعليه فإن لقب “ابن الله ” هو لقب مسيحانياً ومرتبط برباط وثيق وثابت الذي يوحّده بالآب، لكنه قد يختلط بالطابع الأرض السياسي كما هو الحال في تجارب يوسع الثلاثة (متى 4: 3-7). وتدارك يسوع هذا الالتباس فيوكد لتلاميذه الطابع المسيحاني لابن الله ” بَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث ” (متى 16: 21).

واحس يسوع في هذا الالتباس عندما طرح قيافا عظيم الكهنة السؤال الأساسي: ” أَستَحلِفُكَ بِاللهِ الحَيّ لَتَقولَنَّ لَنا هل أَنتَ المسيحُ ابنُ الله ” (متى 26: 63)، فأجابه بطريقة غير مباشرة يُنبئ عن مجيئه كديان أعلى بصفته ابن الإنسان “فقالَ له يسوع: ((هو ما تقول، وأَنا أَقولُ لكم: سَتَرونَ بعدَ اليومِ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير وآتِياً على غَمامِ السَّماء ” ( متى 26: 64) ؛ وهكذا اتسم لقب المسيح وابن الإنسان بمعنى إلهي محض، أبرزه لوقا بوضوح في إنجيله لما سأله شُيوخِ الشَّعْبِ مِن عُظَماءِ كَهَنَةٍ وكَتَبَة ” أَفأَنتَ ابنُ اللهِ ؟ ” فقالَ لَهم: “أَنتُم تَقولونَ إنِّي هو” (لوقا 22: 70). لكن موت يسوع على الصليب بدَّد كل التباس كما جاء في اعتراف قائد المائة “كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً! “(مرقس 15: 39).

وكشف الاناجيل الثلاثة طبيعة علاقات يسوع مع الله، فهو “الابن”. تسود ألفة عميقة بين الاثنين، وهذه الالفة تتطلب “المعرفة” المتبادلة الكاملة والمشاركة الشاملة كما صرّح يسوع “قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه” (متى 11: 27). ولذا يخاطب يسوع الله ويدعوه ” أَبَّا، يا أَبَتِ” (مرقس 14: 36). وهكذا وضّح يسوع المعنى الكامل للقبه “ابن الله” بانه المسيح المنتظر.

ب‌) أبن الله في انجيل يوحنا
يحتل موضوع البنوة الإلهية مكاناً مرموقاً عند القديس يوحنا. يسوع يتحدث بعبارات واضحة عن العلاقات بين الابن والآب: تقوم بينهما وحدة في العمل والمجد ” الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: لا يَستَطيعُ الابنُ أَن يَفعَلَ شيئاً مِن عندِه بل لا يَفعَلُ إِلاَّ ما يَرى الآبَ يَفعَلُه. فما فَعَلَه الآب يَفعَلُه الابْنُ على مِثالِه “(يوحنا 5: 19). ويمنح الآب كل ما هو له لأبنه لأنه يحبه ” إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه”(يوحنا 3: 35) ويعطيه سلطة إحياء الموتى “فكَما أَنَّ الآبَ يُقيمُ الموتى ويُحيِيهِم فكَذلِكَ الِابنُ يُحيِي مَن يَشاء” (يوحنا 5: 21)، وسلطة القضاء “لِأَنَّ الآبَ لا يَدينُ أحَداً بل أَولى القَضاءَ كُلَّه لِلاِبْن”(يوحنا 5: 22).

وعندما يرجع يسوع إلى الله، يُمجِّد الآب الابن لكي يُمجده الابن ” مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ “(يوحنا 17: 1). وهكذا تتجلى عقيدة التجسد بكل أبعادها: أرسل الله ابنه الواحد إلى العالم ليُخلص العالم ” ما ظَهَرَت بِه مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا هو أَنَّ اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه. وما تَقومُ عَلَيه المَحَبَّة هو أَنَّه لَسنا نَحنُ أَحبَبْنا الله بل هو أَحَبَّنا فأَرسَلَ ابنَه كَفَّارةً لِخَطايانا” (1 يوحنا 4: 9-10). وهذا الابن الواحد هو الذي يُخبر عن الله كما اعلن يسوع المسيح “إِنَّ “اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه”(يوحنا 1: 18)، ويمنح البشر الحياة الأبدية التي تأتي من الله ” هذِهِ الشَّهادةُ هي أَنَّ اللهَ وَهَبَ لَنا الحَياةَ الأَبدِيَّة وأَنَّ هذهِ الحياةَ هي في ابنِه. مَن كانَ لَه الابنُ كانَت لَه الحَياة. مَن لم يَكُنْ لَه ابنُ الله لم تَكُنْ لَه الحَياة”(1 يوحنا 5: 11-12).

والعمل المطلوب هو الإيمان بالابن كما يناشد يسوع ” عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل” (يوحنا 6: 29). من يؤمن بالابن له الحياة الأبدية” فمَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 6: 40)، واما من لم يؤمن به فيحكم عليه ” مَن آمَنَ بِه لا يُدان ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد”(يوحنا 3: 18).

ج) أبن الله في رسائل بولس الرسول

ويصبح موضوع البنوَّة الإلهية عند بولس الرسول نقطة انطلاق لفكر لاهوتي أكثر تعمقاً: إن الله قد أرسل ابنه إلى هذا العالم “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ” (غلاطية 4: 4) لكي يتم بموته الصلح بيننا وبينه “فإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحون”(رومة 5: 10).

أما الآن فقد أقامه الله في القدرة (رومة 1: 4) يدعونا لمشاركته ” هو اللهُ أَمينٌ دَعاكُم إِلى مُشارَكةِ اَبنِه يسوعَ المسيحِ رَبِّنا”(1قورنتس 1: 9)، إذ انه نقلنا إلى ملكوته ” فهو الَّذي نَجَّانا مِن سُلْطانِ الظُّلُمات ونَقَلَنا إلى مَلَكوتِ ابنِ مُحَبَّتِه”(قولسي 1: 13). وبناء على ذلك، إن الحياة المسيحية هي حياة ” في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي. (غلاطية 2: 20)، وهي انتظار اليوم الذي فيه يأتي من جديد من السماوات ” إِنَّ عَرْشَكَ أَللَّهُمَّ لأَبَدِ الدُّهور، وصَولَجانَ الاِستِقامَةِ صَولَجانُ مُلْكِكَ” (العبرانيين 1: 8).

وأخيرا فالرسالة الى العبرانيين تطبّق على المسيح ما جاء في المزمور 39 ” لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا. لم تَرتَضِ المُحرَقاتِ ولا الذَّبائِحَ عن الخَطايا. فقُلتُ حينَئذٍ وقَد كانَ الكَلامُ عَلَيَّ في طَيِّ الكِتاب): هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ ” (عبرانيين 10: 5-6).

فاستخدم صاحب الرسالة الى العبرانيين لقب ” ابن الله” عن المسيح بنوع خاص في التحدث عن عمل الفداء العظيم الذي اجراه يسوع المسيح، النبي الأعظم، والكاهن الأعظم والملك الأعظم. انه النبي الاعظم “كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين”(عبرانيين 1: 2)، وانه الكاهن الأعظم “المسيحُ لم يَنتَحِلِ المَجْدَ فيَجعَلَ نَفْسَه عَظيمَ كَهَنَة، بل تَلَقَّى هذا المَجْدَ مِنَ الَّذي قالَ لَه: ((أَنتَ ابنِي وأَنا اليَومَ وَلدتُكَ”(عبرانيين 5: 5) وهو أيضا الملك الأعظم ” وفي الاِبْنِ يقول: ((إِنَّ عَرْشَكَ أَللَّهُمَّ لأَبَدِ الدُّهور، وصَولَجانَ الاِستِقامَةِ صَولَجانُ مُلْكِكَ” (عبرانيين 1: 8).

الخلاصة
بعدما قبِلَ يوحنا المعمدان أن يُعمد يسوع (لوقا 3: 21)، رأى فيه حمل الله الذي يرفع خطايا العالم (يوحنا 1: 29) ورأى فيه “ابن الله الحي (يوحنا 1: 34). وبناء عليه كشف يوحنا المعمدان أن يسوع هو في الوقت نفسه العبد المتألم الذي يساق صامتا الى الذبح (اشعيا 53: 7)، الذي يحمل خطيئة الكثيرين (اشعيا 53: 12)، والحمل الفصحى رمز افتداء بني اسرائيل في الفصح الأول (خروج 12: 3-12). فكل حياة المسيح تعبر عن رسالته الخلاصية، وهي أن يخدم ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين ” لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مرقس 10: 45) .

واما الإيمان بالله هو الايمان بمن أرسله، ” ابنِهَ الحَبيب (مرقس 1: 13). ويسوع نفسه قال لتلاميذه: ” إنَّكم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضاً” (يوحنا 1:14). اعترفت الكنيسة سنة 325، في مجمع نيقية المسكوني الاول، ان الابن “واحد في الجوهر” مع الآب، أي انه هو والآب إلهٌ واحد. والمجمع المسكوني الثاني، المنعقد في القسطنطينية سنة 381، احتفظ بهذا التعبير في صياغة قانون ايمان نيقية، واعترف بقوله “يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل جميع الدهور، نورٌ من نور، إلهٌ حقٌّ من إله الحق، مولودٌ غيرُ مَخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”. وهنا يكمن السر في شخصية يسوع الناصري الذي حاول يوحنا المعمدان ان يعلنه ويشهد به .

دعاء
“يا حمل الله، يا حامل خطية العالم ارحمنا” ، يا حمل الفصحى وأبن ألاب السماوي، كما عرفك الجمهور من خلال شهادة يوحنا المعمدان، أعطنا يا رب ايمانا كي نعرفك من خلال شهادة كلمتك في الكتاب المقدس، وفي الجماعة المجتمعة والمصلية باسمك، وفي القربان الاقدس، وفي الكهنة. فنبتعك بالبر والقداسة ونكون شهود لك والى إنجيلك الطاهر بالقول والفعل بشفاعة مريم أمك مريم البتول، الكلية القداسة. آمين