التعليم بالأمثال: مثل الزؤان وحَبَّةِ الخَردَل وَالخَميرة (متى 13: 24-43)

الأب لويس حزبون

يُسلط إنجيل الاحد (متى 13: 24-43) الأضواء على تعليم يسوع عن نمو الملكوت في العالم وما يمر ّبه من اخطار ومقاومتها بالصبر من خلال مثل الزؤان (13: 24-30) وبالثقة من خلال مثل حبة الخردل (13: 31-32) وبالعمل الخفي من خلال مثل الخميرة (متى13/ 31-32)؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي ((متى 13: 24-43)

24وضرَبَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مَثَل ُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرْعاً طَيِّباً في حَقلِه.

لا تشير عبارة ” مَثَل ُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ رَجُلٍ” الى تشبيه ملكوت السماوات برجل بل الى تشبيه ملكوت السماوات بحالة رجل حين يزرع زرعا جيدا في حقله. أما عبارة “مَلَكوتِ السَّمَواتِ” فإنها تشير الى أسلوب عمل الله خلال عصر الانجيل. كما يظهر بوضوح في التفسير الذي القاه الرب (متى 13: 37-43). اما عبارة ” كَمَثلِ رَجُلٍ ” فتشير الى المسيح نفسه في حقله. اما عبارة ” زَرْعاً طَيِّباً ” فتشير الى بَنُو المَلَكوت الذين يمارسون بأمانة شريعة الله؛ اما عبارة ” حقله ” فتشير الى العالَم، فالعالم كله حقل الربّ. ففي كل الشعوب يزرع المسيح زرعه. ليس هذا الزرع تعليماً وإنجيلا وحقائق التي يكرز بها، ونعم التي تغرس، بل أيضا نفوساً التي تقدّس.

25وبَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّهُ فزَرعَ بَعدَه بينَ القَمحِ زُؤاناً وانْصَرَف.

لا تشير عبارة “بَينما النَّاسُ نائمون” الى الزارع إنما الى الكرّامين، وكأن الله يسهر على كرمه، ويهتمّ به، لكن الكرّامين إذ عندما ينامون يتسلّل العدوّ إلى الكرم. ولم يقل متى الإنجيلي “بينما الزارع نائم”، فالمسيح لا ينام بل هو ساهر على كنيسته ويهتم بها. ولكن الناس هم الذين ينامون أي هم الذين في غفلة وتراخي وكسل وإهمال ونسيان الله. اما عبارة ” عَدوُّهُ ” فتشير الى الشيطان او ابليس، رئيس مملكة الظلمة الذي لا يطيق مملكة النور ويخرّب عمل الله ويقاوم صاحب الكرم أي عمل الله، وهو يحارب أولاد الله أيضا، كما جاء في تنبيهات بطرس الرسول ” إنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه” (1 بطرس 5: 8). بُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “بعد الأنبياء يأتي أنبياء كذبة، وبعد الرسل يأتي رسل كذبة، وبعد المسيح يأتي من هم ضد المسيح “؛ اما عبارة نائمون ” فلا تشير الى نوم الجسد الطبيعي بقدر ما تشير الى التراخي والإهمال أو نسيان الله في العمل الرعوي والجهاد الروحي ويعلق القديس ايرونيموس ” لا تسمح للعدو أن يلقي زوانًا وسط الحنطة بينما الزارع نائم، أي عندما يكون الذهن الملتصق بالله في غير حراسة”. يطلب يسوع الا ننام روحيًا بل ان نكون دائمًا في يقظين ملتصقًين بالله. اما عبارة ” القَمحِ ” فتشير الى عمل الله؛ اما عبارة “الزؤان” فتشير الى العشب السام الضار بالزرع كالشَّوك والقُرَّاص والعَوسَج المعروف في منطقة الجليل (اشعيا 34: 13)، إنه يشبه الحنطة في الشكل ويصعب تمييزه عنها في البداية، وإذا طُحنت بذوره مع الغلال فالدقيق الناتج يكون ساما (هوشع 9: 6). والزؤان يرمز الى بنو الشرير، وهم الاشرار وفعلة الاثم الذين يُسببون الشكوك والعثار فيعملون عمل الشيطان فيجعلون الناس يسقطون في حبائله. اما القديس ايرونيموس فيرى في الزؤان رمز تعليم الهرطقة والآب إسيذورس بالبلسان يرى في الزؤان رمز الأفكار الشرّيرة”. فالزؤان رمز هرطقات وفلسفات مخادعة إلحادية وشكوك وشهوات وخطيئة.اما عبارة “انْصَرَف” فتشير كأنه لم يفعل شيء مع أنه سبب الشر الموجود في العالم. الشرّ موجود لأنّ قوّة الشرّ موجودة.

26فلَمَّا نَمى النَّبْتُ وأَخرَجَ سُنبُلَه، ظَهَرَ معَه الزُّؤان. 27فجاءَ رَبَّ البيتِ خَدَمُه وقالوا له: ((يا ربّ، ألَم تَزرَعْ زَرْعاً طَيِّباً في حَقلِكَ؟ فمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤان؟ ))

تشير عبارة ” ظَهَرَ معَه الزُّؤان ” الى ان القمح والزؤان كانا مخفيان. اما عبارة “يا ربّ، ألَم تَزرَعْ زَرْعاً طَيِّباً في حَقلِكَ؟ ” فتشير الى المسيح الذي هو صاحب الحقل والزرع والملكوت؛ لا يأتي الشرّ من الربّ أبداً. من الربّ يأتي الخير فقط، ولا نستطيع أن ننسب الشرّ إلى الربّ، إنّ الربّ كامل ولا يمكن أن يصدر عن الكامل سوى الخير كما جاء في سفر التكوين ” ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا”(تكوين 1: 31). “إِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم ” (يوحنا 3: 17)؛ اما عبارة ” ظَهَرَ معَه الزُّؤان ” فتشير الى ان القمح والزؤان كانا مخفيان.

28فقالَ لَهم: ((أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذلك)) فقالَ له الخَدَم: ((أَ فَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟ ))

تشير عبارة ” أَحَدُ الأَعداءِ ” الى ابليس، عدو الله هو الذي زرع الزؤان. فالعدو يخرّب عمل الله؛
اما عبارة ” أَفَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟ ” فتشير الى الصالحين في ملكوت الله من الذين لا يطيقون رؤية الأشرار الى جانبهم. ولا رؤية الشر من حولهم. وطلبوا استئصال الأشرار من ملكوت الله كما اقترح التلاميذ يوما على المسيح ان يستزلوا على السامريين نارا من السماء تأكلهم (لوقا: 54-55). يتم فصل الزؤان عن الحنطة عادة بعد دق الحنطة او درسها، وذلك لأنه يصعب في الاطوار الأولى من النماء التمييز بين نبات الحنطة ونبات الزؤان. ولا يظهر جليا الا بعد ظهور رؤوس النبات. والزؤان بذرة تشبه في شكلها وفي حجمها بذرة الحنطة، ولكنها رمادية غامقة في لونها.

29فقال: ((لا، مَخافةَ أَن تَقلَعوا القَمْحَ وأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤان، 30فَدَعوهما يَنبُتانِ معاً إِلى يَومِ الحَصاد، حتَّى إِذا أَتى وَقْتُ الحَصاد، أَقولُ لِلحَصَّادين: اِجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلاً واربِطوه حُزَماً لِيُحرَق. وأَمَّا القَمْح فَاجمَعوه وَأتوا بِه إِلى أَهرائي)).

تشير عبارة ” الحَصاد ” الى استعارة كتابية تقليدية ترمز الى الدينونة ونهاية الأزمنة الأخيرة (متى 3: 12)، لأنها ساعة فصل القمح عن الزؤان ” كما تنبأ يوئيل النبي “لِتَنهَضِ الأُمَمُ وتَصعَدْ إِلى وادي يوشافاط فإنِّي هُناكَ أَجلِس لِأَدينَ جَميعَ الأُمَمَ مِن كُلِّ ناحِيَة. أَعمِلوا المِنجلَ فإنَّ الحِصادَ قد بَلغَ (يوئيل 4: 12-13). اما عبارة “الحَصَّادين ” فتشير الى الملائكة لأن هذا عمل الملائكة في الدينونة الأخيرة كما جاء في انجيل متى ” يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائكتَه، فَيَجْمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً، فيُخرِجونَهم مِن مَلَكوتِه” ( متى13: 41) ؛ اما عبارة “اِجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلاً واربِطوه حُزَماً لِيُحرَق” كذلك يُجمع بنو الشرير من جماعة المسيح، وعندئذٍ يفقدون كل اشتراك مع المسيح في الحياة الابدية كما صرّح يسوع ” مَن لا يَثْبُتْ فيَّ يُلْقَ كالغُصنِ إِلى الخارِجِ فَيَيْبَس فيَجمَعونَ الأَغْصان وَيُلْقونَها في النَّارِ فَتَشتَعِل.”(يوحنا 15: 6).

31وضربَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَل أَخذَها رَجُلٌ فَزرعَها في حَقلِه.

تشير عبارة ” حَبَّةِ خَردَل ” الى صغر حجمها، فهي أصغر البذور، وتنبت على ضفاف نهر الأردن في احجام مختلفة حتى يبلغ ارتفاعها حوالي ثلاثة أمتار فتصبح شجرة ضخمة في فلسطين تعشعش فيها طيور السماء وتقف على اغصانها لالتقاط الحَب. وهو يزرع أيضا في الحدائق طلبا في بذوره التي تستخدم كنوع من انوا ع التوابل كالملح والفلفل. ويعبّر انجيل لوقا عن انتشار ملكوت الله وعن قدرته على التحويل (لوقا 13: 18-19). أما عبارة ” رَجُلٌ ” فتشير الى المسيح؛ اما عبارة “حَقلِه ” فتشير الى العالم.

32هيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول، بل صارَت شَجَرَةً حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتي فتُعَشِّشُ في أَغصانِها)).

تشير عبارة ” أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها ” الى صغر حجمها كتعبير للنتائج المهمة للعمل الصغير، واما كِبر النبتة التي تنمو من هذه البذرة فيمثل انتشار ملكوت السماوات من بداية ضئيلة. وقد استعمل اليهود هذه البذرة في امثالهم كما استعملها يسوع للدلالة على الأشياء الصغيرة. “إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدْرُ حَبَّةِ خَردَل “(متى 17: 20) وجاءت في هذا المعنى في القرآن الكريم. “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ” (الأنبياء/47). ان التباين بين صغر حبّة الخردل وهي مدفونة في الأرض، وكبرها في نهاية نموها تشير الى قوة ملكوت الله التي تعمل في الخفاء من خلال أعمال يسوع وتعاليمه. اما عبارة “البُقول” فتشير إلى نباتات او خضروات. اما عبارة “شَجَرَةً ” فتشير الى شعب الله الجديد، إسرائيل الجديد كما ورد في نبوءة حزقيال ” في جَبَلِ إِسْرائيل العالي أَغرِسُه فيُنشِئُ أَفْنانًا ويثمِرُ ثَمَرًا ويَصيرُ أَرزًا جَليلاً، فيَأوي تَحتَه كُلُّ طائِر، كُلُّ ذي جَناحٍ يَأوي في ظِلِّ أَغْصانِه “(حزقيال 17: 23). وقد تشير الشجرة الى امبراطورية اشور وبابل كما ورد في نبوءة دانيال “أَوراقُها بَهِيَّة وثَمَرُها كَثير وفيها غِذاءٌ لِكُلِّ أَحَد وتَحتَها تَستَظِلُّ وُحوشُ البَرِّيَّة وإِلى أَغْصانِها تَأوي طُيورُ السَّماء ومِنها يَتَغَذَّى كُلُّ بَشَر” (دانيال 4: 9)؛ اما عبارة ” طُيورَ السَّماءِ ” فتشير الى طيور كثيرة تحب حبوب الخردل، وهي تستخدم كغذاء للحمام في فلسطين، وترمز الى الأمم وكان هذا رمزا مألوفا في كتب الادب اليهودية في ذلك العصر وهي تدل هنا على الشعوب الوثنية الذين آمنوا ودخلوا تحت ظلال الكنيسة. فالمثل يرمز بالتالي الى انتشار الإنجيل وازدهار الحق ونمو الملكوت بالرغم من مضايقات أهل العالم، كما تدل أيضا على نمو الكنيسة لتكون قوة مسكونية.

مثل الخميرة

33وأَورَدَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مثَلُ مَلَكوتِ السَّموات كَمَثلِ خَميرةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلتها في ثَلاثةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمرَت كُلُّها))

تشير عبارة ” خَميرةٍ ” الى مادة تسبب تخميراً. فالخميرة في واقعها مأخوذة من الدقيق، لكنها تحمل “قوّة الاختمار”، ولها دلائل رمزية في الكتاب المقدس فهي رمز الشر اذ حذّر يسوع تلاميذه من خَميرَ الفِرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقِّيين كما جاء في انجيل متى “ففَهِموا عِندَئذٍ أَنَّه لم يأمُرْهم أَن يَحذَروا خَميرَ الخُبز، بل تَعليمَ الفِرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقيِّين” (متى 16: 12) وقد أوضح ذلك بولس الرسول في تعليمه ” لْنُعيِّدْ إِذًا، ولكِن لا بِالخَميرةِ القَديمة ولا بِخَميرةِ الخُبْثِ والفَساد، بل بِفَطيرِ الصَّفاءِ والحَقّ” (1قورنتس 5: 8). لكن متى الإنجيلي استخدم الخميرة لصغر حجمها وكميتها لكن في داخلها قوة حياة. اما عبارة ” مَكاييلَ “فتشير الى وِحدة قياس في فلسطين، وكيل وهو ما يعادل خمسة كيلوغرامات. وعليه فإن ثَلاثةِ مَكاييلَ من الدقيق تعادل خمس عشر كيلوغرامات أي مقدار من الخبز يكفي لإطعام مئة شخص وهي كمية عجين الذي اصطلح عليها في ذلك العصر للدلالة على التضخيم. وهنا تدل على ان الأمور الإلهية تفوق انتظار الانسان. لكن رأى البعض في ثَلاثةِ مَكاييلَ رموز أخرى: فالقديس اوغسطينوس قال “انها تمثل أولاد نوح الثلاثة الذين تحدر منهم الجنس البشري. وقال غيره انها تمثل أجزاء العالم الثلاثة المعروفة في ذلك الزمن. اما القديس ايرونيموس فيرى في ثَلاثةِ مَكاييلَ “رمز الوِحدة بين الروح والنفس والجسد، فالكنيسة إنّما تقدّم السيّد المسيح كسرّ تقديس للإنسان في كليَّته، روحًا ونفسًا وجسدًا”.

34هذا كُلُّه قالَه يسوعُ لِلجُموعِ بِالأَمثال، ولَم يقُلْ لَهُم شَيئاً مِن دونِ مَثَل، 35لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ: ((أَتَكَلَّمُ بِالأَمثال وأُعلِنُ ما كانَ خَفِيّاً مُنذُ إِنشاءِ العالَم)).

عبارة “أَتَكَلَّمُ بِالأَمثال” في اليونانية Ἀνοίξω ἐν παραβολαῖς τὸ στόμα μου معناها أفتح فمي للأمثال. فهي تشير الى استخدام يسوع فن الامثال الى ما يقتضيه الوحي بالأسرار الإلهية. اما عبارة ((أَتَكَلَّمُ بِالأَمثال وأُعلِنُ ما كانَ خَفِيّاً مُنذُ إِنشاءِ العالَم)) فتشير الى المسيح كما أعلن عنه صاحب المزامير “أَفتَحُ فَمي بِالأَمْثال وأَفيضُ بِأَلْغازِ الزَّمَنِ القَديم”(مزمور 78: 2).

36ثُمَّ تَركَ الجُموعَ ورَجَعَ إِلى البَيت. فدَنا مِنه تَلاميذُه وقالوا له: ((فَسِّرْ لَنا مثَلَ زُؤانِ الحَقْل)).

تشير عبارة “دنا” الى تقدم التلاميذ من يسوع ليسألوه. إن تقدّم أحد وكان غيورًا، فالله من جانبه يعطيه كل شيء، أمّا من لم ينشغل بهذه الأمور ولا يساهم بشيء من جانبه فلن تمنح له عطايا الله. اما عبارة ” البَيت ” فترمز للكنيسة حيث نجتمع باسم المسيح الذي يعلن أسراره لنا.

37فأَجابَهم: ((الَّذي يَزرَعُ الزَّرْعَ الطَّيِّبَ هو ابنُ الإِنسان، 38والحَقْلُ هو العالَم والزَّرْعُ الطَّيِّبُ بَنُو المَلَكوت، والزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّير،

تشير عبارة ” بَنُو المَلَكوت ” الى اولئك الذين ينتمون الى الملكوت؛ اما عبارة ” بَنُو الشِّرِّير ” فتشير الى اولئك الذين ينتمون الى الشرير، ويصفهم بولس الرسول بقوله ” يتبعون سيرَةَ هذا العالَم، سيرَةَ سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوّ، ذاك الرُّوحِ الَّذي يَعمَلُ الآنَ في أَبْناءِ المَعصِيَة” (أفسس 2: 2) واما انجيل يوحنا فيصف بتو الشرير بقوله “أنتُم أَولادُ أَبيكُم إِبليس تُريدونَ إتمامَ شَهَواتِ أَبيكم. كانَ مُنذُ البَدءِ قَتَّالاً لِلنَّاس ولَم يَثبُتْ على الحَقّ لأَنَّه ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب ” (يوحنا 8: 44).

39والعَدُوُّ الَّذي زَرَعَه هو إِبليس، والحَصادُ هوُ نِهايَةُ العالَم، والحَصَّادونَ هُمُ المَلائِكة. 40فكما أَنَّ الزُّؤانَ يُجمَعُ ويُحرَقُ في النَّار، فكذلك يكونُ عِندَ نِهايَةِ العالَم: 41يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائكتَه، فَيَجْمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً، فيُخرِجونَهم مِن مَلَكوتِه، 42ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار، فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان.

تشير عبارة “مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً” الى ما ورد في نبوءة صفنيا النبي ” وَيلٌ لِلَمُتَمَرِّدَةِ الدَّنِسَة المَدينَةِ الظَّالِمَة! ” (صفنيا 1: 3). اما عبارة “الأَثَمَةَ” في اليونانية ἀνομίαν معناها مخالفة القانون او التمرد فتشير الى “الجُبَناءُ وغَيرُ المُؤمِنينَ والأَوغادُ (الأدنياء) والقَتَلَة والزُّناة والسَّحَرَةُ وعَبَدَةُ الأَوثانِ وجَميعُ الكَذَّابين”(رؤية 21: 8). اما عبارة ” أَتُّونِ النَّار” فتشير الى المكان الذي يعاقب فيه الكفار. أما عبارة ” البُكاءُ ” فتشير الى الحزن او الندم؛ واما عبارة ” وصَريفُ الأَسنان ” فتشير الى رد الفعل للقلق المفرط او الامل المضنى. وكثيرا ما تستخدم هذه العبارات للدلالة على الدينونة الآتية.

43والصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم. فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسْمَعْ!

تشير عبارة ” الصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ ” الى ما ورد في نبوءة دانيال ” يُضيءُ العُقَلاءُ كضِياء الجَلَد، والَّذينَ جَعَلوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أَبْراراً كالكَواكِبِ أَبَدَ الدُّهور” (دانيال 12: 3). يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص” إذ يترك الإنسان (محبّة) هذا العالم المظلم يصبح نقيًا طاهرًا بعمل الروح وبالتصاقه بالنقاء الحقيقي… فتشع النفس ضوءًا وتصير هي نفسها نورًا كوعد الرب”.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 13: 24-43)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 13: 24-43)، نستنتج انه يتمحور حول ملكوت الله في ثلاثة امثالٍ: مثل الزؤان ومثل حبة الخردل ومثل الخميرة. ويدعونا فيها الى انتظار نمو الملكوت بصبر وثقة وبالعمل الخفي.

(1) دعوة الى الصبر من خلال مثل الزؤان

يتكلم المثل عن ملكوت الله الذي يتمثل في الارض الطيبة. ويمتد زمنه من المجيء الأول للمسيح الى مجيئه الثاني في يوم الحصاد ونهاية العالم. في هذه المدة يواصل ملكوت الله نمّوه بالرغم من وجود القمح (الابرار) والزؤان (الأشرار) معاً وظهور اعمال العدو. والله يصبر حتى النهاية، فيمهل وجود الأبرار والاشرار معاً، حتى النهاية حين يتم الفرز.

وعليه فإن غاية المثل هو للتأكيد على وجود فترة انتقالية طويلة تظهر خلالها اعمال العدو وان ملكوت الله يبلغ غايته بالرغم من تشابك الشر والخير تشابكا معقداً. فلا بد من الصبر، على مثال الله، والتغاضي عن اختلاط الأبرار والأشرار، علّ يتدارك الأشرار أمرهم ويطلبون الخلاص كما جاء في سفر الحكمة ” مَنَحتَهم مُهلَةً لِلتوبَة وإِن لم يَخْفَ علَيكَ أَنَّ طَبيعَتَهم شِرِّيرة وأَنَّ خُبثَهم غَريزيٌّ وعَقلِيَّتَهم لا تَتَغير أَبدًا” (الحكمة 12: 10)، لان الله يحب الحياة على الموت، والخلاص على الهلاك، إنه الخلاص والحياة.

فعلينا ان نصبر على زؤان الأخيرين ” مِن غَيرِ تَذمُّرٍ ولا تَرَدُّد لِتَكونوا بِلا لَومٍ ولا شائبة وأَبناءَ اللهِ بِلا عَيبٍ في جِيلٍ ضالٍّ فاسِد تُضيئُونَ ضِياءَ النَّيِّراتِ في الكَون ” (فيلبي 2: 14-15) ويُعلق القديس ايرونيموس ” سمح الله بالزمن لأجل التوبة. إنه يحذّرنا هنا لئلا نقطع أخًا قبل الوقت المناسب، فإن من يكون اليوم مصابًا بالتعاليم السامة قد يعود غدًا إلى صوابه ويصير مدافعًا عن الحق”. فمثلاً لو سمح الله بقلع الزوان لقلعوا شاول الطرسوسى بسبب شره ومهاجمته للكنيسة غير عارفين أنه سيتحول إلى أعظم حنطة وهو بولس الرسول. وقد علّق القدّيس بطرس كريسولوغس “بينما كان حنانيّا يرى شاؤول، كان الربّ يرى بولس؛ وبينما كان حنانيّا يعتبره زؤان، جدير بجهنّم، فقد كان بالنسبة للسيّد المسيح وعاء مختار، وكان يضعه منذ الآن في الأهراء السماويّة…” (عظة رقم 97). لا داعي إلى الخوف: إنّ الربّ هو الأقوى. فعملنا ليس الحكم بل على تحويل الزوان إلى حنطة معونة الرب.

فالسؤال المطروح الى متى نتحمل الزؤان أي الاشرار؟ ان الزوان الصغير ونبات القمح متشابهان ولا يمكن التمييز بينهما الى ان ينضجا وقت الحصاد. فيجب ان ينمو الزوان (غير المؤمنين) والقمح (المؤمنون) جنبا الى جنب في هذه العالم، فالله يسمح لغير المؤمنين أن يستمروا بعض الوقت حتى لا يقتلع القمح مع الزوان. اما في وقت الحصاد فسيُقلع الزؤان ويُلقى بعيدا. ويعلق القديس اوغسطينوس” لماذا لا تحتملون بصبرٍ خلطة الأشرار بالأبرار؟ إنهم معكم في الحقل، لكن الأمر لا يكون هكذا في المخزن!”. إنَّ السيد المسيح سيرسل في نهاية الأزمنة ملائكته ليفصلوا بين البشر بعدل تام كما جاء في انجيل متى “وإِذا جاءَ ابنُ الإِنسانِ في مَجْدِه، تُواكِبُه جَميعُ الملائِكة، يَجلِسُ على عَرشِ مَجدِه،32 وتُحشَرُ لَدَيهِ جَميعُ الأُمَم، فيَفصِلُ بَعضَهم عن بَعْضٍ، كما يَفصِلُ الرَّاعي الخِرافَ عنِ الجِداء” (متى 25: 31-32). إنّ الدينونة ليست الآن، وليست هنا، وما التاريخ إلاّ زمن صبر الربّ، ويتيح لكلّ شخص فرصة الارتداد إلى الخير، والعودة إلى الآب.

لذا يجيب يسوع في هذه المثل على التحلي بالصبر، وترك الحكم لله، لان الانتصار لله في يوم الحصاد ، أي الدينونة في آخر الازمنة (متى 3/12)، لأنها ساعة فصل القمح عن الزؤان (يوئيل 4: 12 – 13). ان الله يكشف امام اعيننا مظاهر الرحمة اللامتناهية. ويُعلق القديس ايرونيموس ” نسألك أن تكون أنت الديّان، لأنك تحنو على جميع الأمم” يعلم الله بان القمح لن يهلك بالرغم من المخاوف التي يمكن ان نتوقعها. احتكر يسوع لنفسه الحكم في نهاية الأزمنة، ولا يحق لنا نحن البشر ان نحكم على أحد، فالإدانة ليست من شأن الإنسان بل لله الديان بل علينا ان نثق بعمل الرب.

لذلك يدعونا الربّ يسوع ألآّ ندين ” لا تَدينوا لِئَلاَّ تُدانوا” (متّى 7: 1)؛ فإنّ الإنسان يُحكم عليه في النهاية، ليس على أساس فعل واحد أو مرحلة واحدة من حياته، بل على أساس حياته بجملتها. لا يمكن أن يكون الحكم صحيحاً إلاّ في النهاية. فالربّ وحده هو ربّ كل إنسان وهو وحده يعرف ما في قلب كلّ إنسان. لذلك فإنّ الّذي له حق الحكم على الناس ودينونتهم هو الربّ وحده. إنّ الربّ وحده هو القادر أن يُميّز بين الصالح والشرّير، لأنّ الربّ وحده هو الّذي يعرف الإنسان بجملته، لأنّه وحده عالم الخفايا وكاشف الأسرار كما ورد في الانجيل الطاهر “لا يَحتاجُ إِلى مَن يَشهَدُ لَه في شَأنِ الإِنْسان، فقَد كانَ يَعلَمُ ما في الإِنسان” (يوحنا 2: 25

ان الصبر لا يكون الا الى مدة معينة ولا يعني عدم الاكتراث، بل من واجبنا الاّ نتهاون مع الشر الحقيقي او تبرير موقف الجمود او عدم الاكتراث. لكن لا يعنى هذا أن نتهاون مع الذين يصرون على خطاياهم خارج الكنيسة، فعلينا الصبر، لان وقت الدينونة لا بد منها. كما يكون الفصل في الحصاد بين القمح والزوان كذلك يكون الفصل بين الابرار والاخيار. وهذا الإنذار الصريح كثيرا ما أعلنه المسيح. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول ” أَلاَّ تُخالِطوا مَن يُدْعى أَخًا وهو زانٍ أَو جَشِعٌ أَو عابِدُ أَوثان أَو شَتَّامٌ أَو سِكِّيرٌ أَو سَرَّاق. بل لا تُؤاكِلوا مِثْلَ هذا الرَّجُل. أَفمِن شَأني أَن أَدينَ الَّذينَ في خارِجِ الكنيسة؟ أَما علَيكُم أَنتُم أَن تَدينوا الَّذينَ في داخِلِها؟ أَمَّا الَّذينَ في خارِجِها فاللّه هو الَّذي يَدينُهم” (1 قورنتس 5: 9-13)

اما موقفنا تجاه الذين يصرون على خطاياهم داخل الكنيسة فيقول بولس الرسول ” أَزيلوا الفاسِدَ مِن بَينِكُم” (1 قورنتس 5: 13) واما موقف يوحنا الرسول فصرّح بوضوح “إِذا جاءَكم أَحَدٌ لا يَحمِلُ هذا التَّعليم فلا تَقبَلوه في بُيوتِكم ولا تَقولوا لَه: سَلام! ” (2يوحنا 10).

ويعالج المثل مشكلة قيام الشر الى جانب الخير في عالم صالح. والمثل يوحي بانَّ الشرَّ لم يوجد في العالم بإرادة الله، بل بفعل ابليس، عدو الله والبشرية. وحرصا على سلامة الحقل وتمهيداً لنصرة الخير في آخر الامر، يسمح الله بوجود الشر في العالم. وهو لا يقضي على الشر بالعنف او بالقوة، ذلك لان الشر والخير متشابكان في العالم. وفي النفس البشرية. وقلع الشر بالقوة يكمن في حرمان الانسان من حريته ومن مسؤوليته وهما شرطان لنمو الخير. فالمثل لا يدعو المسيحيين ان يكونوا متساهلين مع الشر او ان يحطموا الاشرار، بل ان يكونوا من الابرار، ابناء الملكوت بصبرهم الى يوم الدينونة على مثال ابيهم السماوي. وقد أوضح القديس اوغسطينوس موقف الكنيسة من الهراطقة “الزوان” قائلًا: “إن كان أحد المسيحيّين وهو ثابت في الكنيسة قد أُخذ في خطيّئة من نوع يستحق أن يُحرم من الكنيسة، فلْيتِم هكذا: تجنّب حدوث الإنشقاق، بمعالجة الأمر بالحب فتصحّح عِوض أن تُقتلع. فإن لم يأت إلى معرفة خطأه ولم ينصلِح بالتوبة يُطرد. ليقطع بإرادته من شركة الكنيسة، لأن قول الرب “دَعوهما يَنبُتانِ معاً ” قد أضيف إليه السبب وهو ” مَخافةَ أَن تَقلَعوا القَمْحَ وأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤان “. ويعلمنا هذا المثل مزاحمة الباطل للحق في هذا العالم ثم انتصار الحق في النهاية. إنّ زمن الصبر هو زمن الخصوبة. يجد الربّ دائماً الوسيلة لترتيب كلّ الأمور، كي ينتصر الخير على الشر، ويظفر الحبّ.

قوة الملكوت كامنة في ذاته التي تقوده الى تمام الاكتمال، كلام الله فيه قوة ذاتية دافعة لا يعرقلها شيء كما يؤكّده بولس الرسول “إِنِّي على يَقينٍ مِن أَنَّ ذاكَ الَّذي بَدَأَ فيكم عَمَلاً صالِحًا سيَسيرُ في إِتمامِه إِلى يَوم المسيحِ يسوع”(فيلبي 1: 6). فالبداية تضمن النهاية، ونقطة الانطلاق تضمن نقطة الوصول. فنما علينا الا ان ننتظر بالصبر والثقة والعمل، فان فاعلية كلمة الله كامنة في يسوع الذي أدان الشر فعليّاً وانتصر عليه بالصليب، فلا خوف لديه من الشر، فهو ليس في عجلة من أمره. ولا يُمكن أن يخاف منه كلُّ من وُلد من جديد من الصليب.

(2) دعوة الى الثقة من خلال مثل حبة الخردل

“حبة الخرذل” عبارة كان يُضرب فيها المثل للدلالة على التفاوت بين صِغر البداية والعظمة في النهاية. ولا يُذكر النمو الا في جملة معترضة (متى 13: 32). يستوحي يسوع هذه المثل من حزقيال النبي ” في جَبَلِ إِسْرائيل العالي أَغرِسُه فيُنشِئُ أَفْنانًا ويثمِرُ ثَمَرًا ويَصيرُ أَرزًا جَليلاً، فيَأوي تَحتَه كُلُّ طائِر، كُلُّ ذي جَناحٍ يَأوي في ظِلِّ أَغْصانِه.” (حزقيال 13: 23)، كما أنه مستوحى أيضا من دانيال الذي يذكر طيور السماء ” وقَد نَمَتِ الشَّجَرَةُ وقَوِيت وبَلَغَ ارتفاعها إِلى السَّماء ومَرْآها إِلى أَقْصى الأَرضِ كُلِّها. وأَوراقُها بَهِيَّة وثَمَرُها كَثير وفيها غِذاءٌ لِكُلِّ أَحَد وتَحتَها تَستَظِلُّ وُحوشُ البَرِّيَّة وإِلى أَغْصانِها تَأوي طُيورُ السَّماء”(دانيال 4: 8-9). والرجل الذي زرع حبة الخرذل وهو يسوع المسيح. كما ان حبة الخردل تبدأ صغيرة وتنمو وتصبح شجرة عظيمة كذلك ملكوت السماوات. والواقع إن كنيسة المسيح بدأت بالضعف ونمت نموا كبيرا لتكون قوة مسكونية. فالمثل يدعونا ان نرى من خلال حياة يسوع الوديعة المتواضعة مجده بعد القيامة وبالتالي يدعونا الى الثقة والرجاء.
ان حبة الخردل صغيرة جداً كذلك الملكوت يبدأ صغيرا وينمو فيصبح شجرة. كذلك هي رسالة يسوع التي بدأت في الضعف، ونمت نموا كبيرا في زمن متى الإنجيلي. أراد المثل ان يبين الصغر في البداية والعظمة في النهاية. هكذا يكون كلام يسوع نداء الى الثقة والرجاء.

المثل يدعو الى الثقة من خلال تعارض بين صغر الحبّة في البداية وكبرها في النهاية (متى 13: 31-32) فالملكوت بدأ صغيرا في يسوع، ولكنه نما في زمن مرقس الإنجيلي فصار شجرة كبيرة. ان سُنّة النمو وسُنة الانتظار هما سُنتا الحياة، ان أصغر الأشياء تُصبح كبيرة في عين من يحسن النظر.

ان الملكوت قد بدأ بزرة وسيبلغ في مل الزمن طور الاكتمال. فالمقصود هو النماء المدهش، من حبة صغيرة الى شجرة وافرة الظلال تستظل تحت أفنانها كل شعوب الأرض. يبدا ملكوت الله بداية متواضعة مثل حبة الخردل او خميرة صغيرة وفقيرة وينتهي في نهاية رائعة حيث يصبح قادرا على رفع العالم بالرغم من العقبات. ويرى آباء الكنيسة في حبة الخردل يسوع وانجيله. يقول القديس غريغوريوس الكبير يقول ” إنه حَبّة الخردل، نمت في بستان القبر إلى شجرة عظيمة. لم يكن إلا حَبّة حين مات وشجرة عندما قام. كان بذرة في تواضع جسده وشجرة في قوّة عظمته…! في هذه الفروع تجد الطيور راحتها، لأن النفوس النقيّة إذ ترتفع بأجنحة نعمته تجد في كلماته راحتها من الهموم الأرضيّة والتعزية من قلق الحياة الحاضرة”؛ ألم يقل يسوع المسيح “إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً.” (يوحنا 12: 24).

واما القديس يوحنا الذهبي الفم إن كانت حَبّة الخردل تمثِّل إنجيله والكرازة به “بذرة الإنجيل هي أصغر البذور، لأن التلاميذ كانوا أكثر حياءً من غيرهم، لكنهم يحملون فيهم قوّة عظيمة، فانتشرت كرازتهم في العالم كله”.

اما تفسير المثل بحسب إنجيل لوقا فهو ان يسوع أدرك ان ملكوت الله خفي، فقد أعلن ” لَيسَت مَملَكَتي مِن هذا العالَم” (يوحنا 18: 36). لا يرى الناس نمو شجرة بشكل ظاهر للعيان. كذلك يمنو ملكوت السماوات من غير ان يلاحظه كثيرون. ولا يكشف لنا هذا النمو الا الايمان. ينمو ملكوت الله بشكل لا يجد أحد الى إيقافه سبيلا، لان فيه قوة حياة نفسها. يدعونا يسوع الثقة بمسيرة الملكوت. فهو يفعل فعله منذ الآن في قلب البشر، وإن بدا صغيراً. ففي النهاية يكون نموه عجيباً. (لوقا 13: 13 20-21).

اما تفسير المثل بحسب الانجيل مرقس (مرقس 4: 30-32) فهو انتشار الملكوت من بداية طفيفة، ودعوة إلى إنجاح كلمة الله في النهاية. ومثل حبة الخردل تشبه مثل حبة القمح تبدأ في الخفية يزرعها الله في النفس وفي العالم. تنمو ببطء وبشكل خفي لكنها تستمر في النمو. رغم انها خفية وغير منظورة فان الحياة تتقدّم ولن تتوقف. ان حبة الخردل الصغيرة بالأمس أصبحت شجرة باسقة امتدت فروعها حتى اقاصي العالم.

(3) دعوة الى العمل الخفي من خلال مثل الخميرة

ذكرت الخميرة في الكتاب المقدس كرمز للشر او النجاسة كما جاء في تعليم بولس الرسول ” فلْنُعيِّدْ إِذًا، ولكِن لا بِالخَميرةِ القَديمة ولا بِخَميرةِ الخُبْثِ والفَساد، بل بِفَطيرِ الصَّفاءِ والحَقّ” (1 قورنتس 5: 8)، وقد حرمت الشريعة الموسوية استخدامها في التقدمات الا في حالة واحدة هي في عيد الأسابيع (الاحبار 23: 17)

ولكن متى الانجيلي استخدم الخميرة في هذا المثل كالطريقة التي تنتشر بها ملكوت الله. أنها رمز ايجابي لطاقة النمو والتغيير، واختفاء الخميرة وتحوّل العجين. بالرغم من ان الخميرة تبدو عاملا صغيرا، لكنها تتخلل العجين كله. ومع ان بداية الملكوت تبدو صغيرة، لكنها سرعان ما تنمو ويصبح لها تأثير في كل العجين. إن قوة ملكوت الله تعمل في الخفاء عبر اعمال يسوع وتعليمه، بانتظار ان تعمل في تلاميذه الضعفاء والمضطهدين. وهذا الملكوت يمتد الى جميع الأمم (حزقيال 17: 23).
يشير مثل الخميرة الى التفاوت بين صغر الخميرة وضخامة العجين، لكنه يُضيف ايضا فكرة اختفاء الخميرة وتحوّل العجين، ويشدِّد على تحوّل الدقيق كله بفعل هذا الخمير القليل. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم صورة فعّالة لملكوت السماوات، فإنه لا يمكن للدقيق أن يختمر ما لم تُدفن فيه الخميرة أو تحبس في داخله. فالعمل الخفي له أهميته في الكنيسة، فلا نتوقف فقط عند المظاهر، والشكليات والمراسيم بل عند الجوهر اي الايمان بكلمة الله عملا بقول بولس الرسول: “لا نَهدِفُ إِلى ما يُرى، بل إِلى ما لا يُرى. فالَّذي يُرى إِنَّما هو إِلى حِين، وأَمَّا ما لا يُرى فهو لِلأَبَد. (2 قورنتس 4/18) هكذا يفعل الانجيل العجائب في القلوب. فالمثل لا يدعونا فقط الى عدم الخوف لقلة عددنا، وانما ايضا الى العمل الخفي.
هل نحن مندمجون في العالم ونتقبلهم حتى نسهم في تغييرهم من الداخل؟ ان أي انسان يقبل ان يصير خميرة ويرضى ان يمتزج بالعجين البشري سوف يتحوّل الى قوة حياة تنتقل الى كل البيئة التي امتزج بها. فنحن خميرة العالم، ورسالة المسيحي هي الخميرة التي تخمر العجين كله. ألم يقل الرسول: ” بولس ” أَما تَعلَمونَ أَنَّ قَليلاً مِنَ الخَميرِ يُخَمِّرُ العَجينَ كُلَّه؟ 7 طَهِّروا أَنفُسَكُم مِنَ الخَميرةِ القَديمة لِتَكونوا عَجينًا جَديدًا لأَنَّكُم فَطير”(1 قورنتس 5: 6-7). وعليه قد تكون الخميرة هي تلاميذ ورسل المسيح، هو أعدهم ونشروا الإيمان في العالم كله بسرعة.

الخلاصة
يصف مثل حبة الخردل ومثل الخميرة نتيجة مزدوجة لوجود ملكوت الله في العالم: مثل حبة الخردل يشير للنمو الظاهر من الخارج، أما مثل الخميرة فيشير للنمو الداخلي. وكلاهما يشيران لعمل نعمة الله في النمو، النتيجة الأولى ترمز الى كنيسة كبرى بدأت من بداية صغرى، والنتيجة الثانية تأثير العمل الخفي. ان كان مثل الحبة الخردل يمثل امتداد الملكوت، فان مثل الخميرة يمثل طريقة النماء والامتداد. فإن ادخال قطعة من الخميرة في العجين تجعله خفيفا وذا مسام وتنتشر الخميرة في العجين كله.

فكما ان حبة الخردل تنمو الى شجرة كبيرة والخميرة تخمّر العجين كله كذلك ملكوت الله ينمو ويكبر حتى يتغير العالم كله في النهاية. الملكوت خفيّ، كالخميرة في الطحين)، وهو صغير كحبّة الخردل؛ ولكنّه موجود حقّاً. يُخمّر كلّ العجين، ويمكنه أن يُصبح رافعة أمل لأولئك الّذين ينتظرونه.

دعاء
“أيها الآب السماوي، نريد أن نكون أبناء ملكوتك، فأعطنا قوّة صبر انتظار عودتك المجيدة والثقة لتثمر كلمتك فنظل ساهرين في عمل الخير فينا، كي ينتعش فينا رجاء رؤية نموّ البشريّة الجديدة، الّتي سوف يجعلها الربّ، لدى عودته، فنكون أهلاً لدخول ملكوت الربّ. آمين

قصة
ذهبت إلى حديقة أحد البيوت ورأيت في حديقته زهورا لونها أصفر جميل، فقلت له ما أجمل هذه الزهور، فضحك وقال إنما هي (ويدز) وتعجبت من الكلمة التي لم أفهم معناها، فقال هذه نباتات نسميها هكذا وهي نباتات تمتص كل غذاء التربة فتقتل كل نباتات الحديقة إن تركناها، فقلت وما العمل؟ فقال عندنا أدوات خاصة لنقلعها من جذورها. فقلت ومن زرعها، فقال نسميها نباتات شيطانية، والعين الخبيرة فقط هي التي تميِّزها عن النباتات العادية. وهكذا فالشيطان يعمل في أتباعه وقد يبدو أن لهم منظرا جميلا يجذب الآخرين، ولكن من يسقط في شباكهم يهلك.