التعليم بالأمثال: مثل الزارع (متى 13: 1-23)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل الاحد الأضواء على تعليم يسوع في ختام خدمته العلنية في الجليل عن اسرار الملكوت من خلال سبعة أمثال، ابتداء مع مثل الزارع (متى 13: 1-23)، وهو آخر مجهود يقوم به يسوع ليحمل التلاميذ والجموع السامعين على الاختيار. فالمثل يجعل السامعين يفكّرون، كما يفرض عليهم ان يتخذوا موقفا، لان كلمة الله سيف ذي حدين (العبرانيين 4: 12) إمّا للولادة الجديدة كما جاء في تعليم بطرس الرسول ” فإِنَّكم ولِدتُم وِلادةً ثانِيَة، لا مِن زَرْعٍ فاسِد، بل مِن زَرْعٍ غَيرِ فاسِد، مِن كَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ الباقِيَة” (1 بطرس 1:23)، وإمَّا للدينونة والهلاك (يوحنا 12: 48)؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 13: 1-23)
1في ذلكَ اليوم خَرَجَ يسوعُ مِنَ البَيت، وجلَسَ بِجانِبِ البَحر.
تشير عبارة “في ذلكَ اليوم ” إلى انتقال جديد في خدمة يسوع التعليمية اي استعماله لأسلوب الامثال. لقد خرج يسوع من عند الآب (بيته السماوي) (يوحنا 13: 3) ليأتي للعالم (البحر) ولكنه في السفينة (الكنيسة ليعلم شعبه). اما عبارة ” خَرَجَ ” فتشير الى خارج بيته ” ويعلق القديس أوريجانوس “عندما يكون يسوع مع الجموع يكون خارج بيته، لأن الجموع خارج البيت. هذا العمل ينبع عن حبّه للبشر، إذ يترك البيت ويذهب بعيدًا إلى أولئك الذين يعجزون عن الحضور إليه”. اما عبارة ” البَيت” فتشير الى الدار الذي هو موضع تجتمع فيه الجماعة، وتدل هنا على “الكنيسة المقدّسة كجماعة المؤمنين”؛ اما عبارة ” بِجانِبِ البَحر” فتشير الى المكان الذي يلتقي يسوع الجمع ويعلمهم (مرقس 4: 1)؛ اما عبارة “البحر” فتشير الى العالم المملوء اضطرابًا وصعوبات، بما فيها من مقاومة لكلمة الله.
2فازْدَحَمَت عليهِ جُموعٌ كَثيرة، حتَّى إِنَّه رَكِبَ سَفينةً وجَلَسَ، والجَمْعُ كُلُّه قائمٌ على الشَّاطِئ.
تشير عبارة “سَفينةً” الى استعمال يسوع القارب كمنبر يخاطب منه الجموع المحتشدة على الشاطئ المقابل؛ والسفينة، هي رمز الى الجماعة الجالسة حول يسوع؛ أمَّا عبارة ” جَلَسَ” فتشير الى عمل المعلم وهكذا يعمل يسوع (مرقس 4: 1).
3فكلَّمَهُم بالأَمثالِ على أُمورٍ كثيرةٍ قال: ((هُوَذا الزَّارِعُ قد خرَجَ لِيَزرَع.
تشير عبارة “الأَمثالِ” الى خبر يؤخذ من الطبيعة او من حياة الانسان من اجل العبرة التي يحملها او تقديم فكرة معيّنة. وكلمة “مثل” في اليونانية παραβολή تعني حرفيا وضع شيئين جنبا الى جنب بقصد المقارنة، المثل هو مجرد تشبيه أو قصة من الواقع اليومي لتوضيح حقيقة روحية. والكلام بأمثال هو أسلوب يدعو السامع لأن يفكر ويستنتج وبهذا تثبت المعلومة بالأكثر؛ ونجد (30) مثلا في الاناجيل متى، مرقس ولوقا، وجمع هنا متى سبعة أمثال:(مثل الزارع 13: 1-23) ، ومثل الزؤان (متى 13: 24-30) ومثل حبة الخردل (متى 13: 31- 32) و مثل الخميرة (متى 13: 33-35) والكنز واللؤلوة ( متى 13: 44- 46) ومثل الشبكة ( متى 3: 47-50) ومثل الجديد والقديم ( متى 13: 51-52) ، تدل هذه الامثال على تعليم يسوع المميَّز، وتوضح ما هناك من فرق بين التعليم الموجّه الى الجمع والتفسير المقصور على التلاميذ (متى 13: 10-16)، ويشير متى الإنجيلي في الامثال الى وجهها اللّغزي (متى 13: 9)، فإن سرّها لا يُكشف لجميع السامعين (متى 13: 11). وما اكتفى متى الإنجيلي ان يستخرج تعليماً وعبرة من الحياة اليومية، بل ربطها بحياة يسوع وبحياة الكنيسة.
تشير عبارة ” الزَّارِعُ ” الى يسوع نفسه. وعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” يدعو يسوع تعاليمه هنا بذارًا، ونفوس البشر حقلًا مفلحًا، ويدعو نفسه الزارع “. اما عبارة ” خرَجَ ” ἐξῆλθεν الزارع فتشير الى مقاربة مع عبارة ” خرج ἐξελθὼν يسوع من البيت ( متى 13: 1). وهنا نفهم ان الزارع هو يسوع نفسه. اما عبارة “لِيَزرَع” فتشير الى الفلاح الذي ينثر في ارضه الحبوب، وهو يمشي في الحقل وذلك من كيس كبير على كتفيه. ملكوت الله ينتشر عن طريق بذر الكلمة. وهذا المبدأ الأساسي في العمل التبشيري كله. فعمل المُبشّر ليس فقط عن طريق المنطق او الفصاحة لحمل الناس على التفكير بطريقة ما، بل هو زرع بذار كلمة الله الحية في تربة القلوب البشرية كما جاء في تعليم بطرس الرسول “إِنَّكم ولِدتُم وِلادةً ثانِيَة، لا مِن زَرْعٍ فاسِد، بل مِن زَرْعٍ غَيرِ فاسِد، مِن كَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ الباقِيَة” (1 بطرس 1: 23).
4وبَينما هو يَزرَع، وقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريق، فجاءَتِ الطُّيورُ فأَكَلَتْه.
تشير عبارة ” الحَبِّ ” الى كلمة الله التي خرج لها يسوع من عند ابيه لإعلان ملكوت الله. فالمسيح أيضاً هو البذرة فهو كلمة الله والحب او البذار الذي يُلقى في الأرض كله طيّب، والسيد المسيح يشبّه نفسه بحبة الحنطة التي تقع في الأرض (يوحنا 12: 24)، لكن الأرض التي يقع في الحَب ليست كلها طيّبة. اما عبارة “جانِبِ الطَّريق” فتشير الى القساوة وعدم المبالاة التي عطَّلت قبول كلمة الحياة، ويُعلق القديس كيرلس الكبير “الطريق دائمًا صلب، تَطَأه أقدام كل العابرين على الدوام، لهذا لا تبذر فيه بذار”؛ اما عبارة ” الطُّيورُ ” فتشير الى الشيطان وهي قوة شخصية شريرة (مرقس 4: 15)، هو الذي يخطف ما قد زرع في القلب وينتزع كلمة الله من صدور الناس لئلا يتنامى ملكوت الله في قلوبهم؛ اما لوقا فيضيف على الطيور عبارة أخرى وهي ان “بَعضُ الحَبِّ الذي وقع على جانِبِ الطَّريق، داسَتهُ الأَقدام” (لوقا 8: 5). وهذا هو سبب الفشل في خصب الحب.
5ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على أَرضٍ حَجِرةٍ لم يكُنْ له فيها تُرابٌ كثير، فنَبَتَ مِن وقتِه لأَنَّ تُرابَه لَم يَكُن عَميقاً.
لا تشير عبارة ” أَرضٍ حَجِرةٍ ” الى أرض مملوءة بالحجارة بل تدل على الأرض مكوّنة من طبقة رقيقة من التربة تكمن تحتها طبقات صخريّة غير صالحة لنبات أو أيّ زراعة، وهذا النوع من التربة شائع في الجليل. وهذه الأرض هي سبب الفشل في خصب الحب. وعلى هذا الأرض الحجرة نما الزرع بسرعة وجفَّ بسرعة لان فيها حجارة كثيرة وتراب قليل. وهذا المشهد أقرب الى الواقع الفلسطيني من الصخر كما ورد في انجيل لوقا (لوقا 8: 6).
اما عبارة “تُرابَه لَم يَكُن عَميقاً” فتشير الى الافتقار الى العمق الروحي. يدل الفشل الثاني على الذين يندفعون في خط الانجيل ولكنهم يتوقّفون بسرعة عند كل عاطفة وخوف وحياء. وعلق أحد قال أحد الوعاظ ” إنّ ربح نفس للمسيح يحتاج إلى 5% من العمل، أمّا حفظها في علاقة معه فيحتاج إلى 95%”.
6فلمَّا أَشرقَتِ الشَّمسُ احتَرَق، ولَم يكُن له أَصلٌ فيَبِس. 7ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على الشَّوك فارتفعَ الشَّوكُ فخَنقَه.
تشير عبارة ” أَشرقَتِ الشَّمسُ ” الى سبب الفشل في خصب الحَب اما عبارة ” الشَّوك” فتشير الى الانشغال بهموم الدنيا وغناها: المنصب، الشهرة، السعي إلى كسب رضى الناس واستحسانهم… فهموم الدنيا تحجب عن ابصار الناس كلمة الله ومشاغل الحياة تخنق فيهم كلمة الملكوت.ويُعلّق القديس كيرلس الكبير على الشوك بكونه هموم الحياة وغناها ولذّاتها، ويوضّح القديس اكليمندس الاسكندري “بأنه لا يجب أن نلوم المال، بل سوء استعماله” واما انجيل مرقس فيضيف “وسائر الشهوات” (مرقس 4: 19) مثل شهوة العظمة والقوة والسلطان والانتقام والمتعة. هذا هو سبب الفشل في خصب الحَب.
8ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على الأَرضِ الطَّيِّبة فأَثمَرَ، بَعضُه مِائة، وبعضُه سِتِّين، وبعضُه ثَلاثين.
تشير عبارة “الأَرضِ الطَّيِّبة” الى سماع كلمة الله وفهمها وتقبلها بالإيمان وحفظها في القلب. فتنمو الكلمة ملكوتا مباركاً. ان كلمة الله تعمل عملها في قلوب البشر إذا ما أتيحت لها الفرصة في ظروف مواتية بالطريقة عينها التي بها ” فَالأَرضُ مِن نَفسِها تُخرِجُ العُشبَ أَوَّلاً، ثُمَّ السُّنُبل، ثُمَّ القَمحَ الَّذي يَملأُ السُّنبُل”(مرقس 4: 28)؛
اما عبارة ” بَعضُه مِائة، وبعضُه سِتِّين، وبعضُه ثَلاثين ” فتشير الى درجات الثمر وخصب الحَبّ حين يقع في الأرض الطيبة. ويظهر هذا الخصب في الارتفاع التدريجي للأرقام. في حين لا يذكر لوقا الا الذي أثمر أعظم قدر وهو مائة ضعف (لوقا 8: 8). وتعبر هذه الأرقام عن درجات المؤمنين وتفاوتهم في عبادة الله وممارسة الفضيلة والرحمة، وظهور ثمار الروح فيهم. فعلى الانسان ان يكون الأرض الطيبة كما يعلق القديس كيرلس الكبير ” تُهَنِّئُكُم جَميعُ الأُمَم، لِأَنَّكم تَكونونَ أَرضاً شَهِيَّة، قالَ رَبّ القُوَّات” (ملاخي 3: 12). فإنه عندما تسقط الكلمة الإلهيّة على نفس طاهرة، تخرج جذورًا عميقة، وتأتي بسنابل حنطة تحمل ثمرًا متزايدًا”.
9فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسمَعْ! )).
تشير عبارة “أُذُنان” الى الانتباه لإدراك فحوى تعليم مجازي كما جاء في تعليم موسى النبي لشعبه “ولم يُعطِكمُ الرَّبُّ إِلى هذا اليَومِ قُلوبًا لِتَعرِفوا وعُيونًا لِتُبصِروا وآذانًا لِتَسمعوا” (تثنية الاشتراع 29: 3). اما عبارة “فَلْيَسمَعْ! ” فتشير الى الانتباه الضروري لكي يفهم المرء بُعد التعليم الذي يُقدّم له. يتوجّه المثل الى كل من يسمع ويستعد ليأخذ الموقف المطلوب. نحن نسمع بأذاننا، ولكن هناك نوعا أعمق من الاصغاء، وذلك عن طريق الذهن والقلب. فمن شأن المثل ان يحمل السامعين على التفكير فيتحقق مفعوله فيهم. فمن يفتح قلبه على الكلمة يسمع ويفه ويلتزم، ويدخل في هذا السر ويحمل ثمراً. اما الذي ينغلق في أنانيته وكبريائه، فهو يسمع ولا يفهم، وينظر ولا يبصر. ويعلق القديس ايرونيموس بقوله ” يقول أشعيا” يُنَبِّهُ أُذُني صَباحاً فصَباحاً لِأَسمعَ كتِلْميذ ” (اشعيا 50: 4). لتفهم ماذا يقول؟ لقد أعطاني الرب أذنًا، إذ تكون لي أذن القلب؛ وهبني الأذن التي تسمع رسالة الله فما يسمعه النبي إنّما يسمعه في قلبه”. لذلك فالسيد المسيح يقول ” فتَنَبَّهوا كَيفَ تَسمَعون” لوقا 8: 18) أي كونوا ممن يريد أن يسمع ويفهم وينفذ ما تعلمه. وليس المهم السمع فقط بل أن نسمع ونعمل، فيُنتج ثمر الأعمال الصالحة (يعقوب1: 21-25). هل نسمع باهتمام وتأمل لنفهم وننفذ ما سمعناه وفهمناه؟
10فدَنا تَلاميذُه وقالوا له: ((لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟ ))
عبارة” تُكلِّمُهم” في اليونانية λαλεῖς αὐτοῖς ومعناها تخاطبهم تشير الى الضمير الذي يعود الى الفريسيين الذين لا يستطيعون ان يفهموا ان الفشل جزء من الرسالة بحيث تتم دينونة الله. اما عبارة “لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟” فتشير الى سر يسوع المقصورة معرفته على التلاميذ أثناء خدمة يسوع الرسولية (لوقا 8: 10) والمُعلن بعد ذلك في التبشير الفصحى (لوقا 8: 16: 16-17). الادب الرؤيوي يحجب: الاسرار” السماوية ب”أمثال” تقتضي تفسيرا. كما قال صاحب المزامير “أَفتَحُ فَمي بِالأَمْثال وأَفيضُ بِأَلْغازِ الزَّمَنِ القَديم ” (مزمور 78: 2). ويفسر متى الإنجيلي بهذا الكلام سبب فشل كرازة يسوع ثم كرازة الكنيسة لدى كثير من الناس. عندما تكلم يسوع بأمثال لم يكن يخفي الحق عمن يطلبونه بإخلاص، فالذين تقبلوا الحق، فهموا هذه التشبيهات، اما لم يتقبلوا الحق فهذه التشبيهات لا معنى لها.
11فأَجابَهم: ((لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم أَن تعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك.
تشير عبارة ” أَنتُم ” الى صورة التأكيد على التلاميذ (داخل الكنيسة) مقابل أولئك الذين يجهلون الحق الروحي (خارج الكنيسة). لقد اعطى يسوع التلاميذ وحدهم ان يفهموا اسرار الملكوت لأنهم من الداخل، من اهل البيت. إن التلاميذ فهموا اسرار الملكوت، ولذا لم يحتاجوا امثالا لجذب انتباههم. اما عبارة “لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم” فتشير الى الملكوت الذي يقدّم للجميع كما جاء في تعليم بولس الرسول “فإِنَّه يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ” (1 طيموتاوس 2: 4)، الاَّ ان يسوع يحتفظ بسر تعليمه الى تلاميذه الذين جعلهم الايمان يفهمون أن ملكوت الله هو في مجيء يسوع. لذلك المثل موجّه لأولئك الذين يجهلون الحق الروحي جهلاً تاما لجذب انتباههم. واما القديس يوحنا الذهبي الفم فيعلق “ان الامثال حملت توبيخاً غير مباشر للسامعين، إذ لم يرد أن يوبّخهم يسوع بعنف (مباشرة) حتى لا يسقطوا في اليأس”. اما عبارة ” تعرِفوا” فتشير الى إحدى الكلمات الأساسية لمجموعة التلاميذ، لا نجدها في مكان آخر من أنجيل متى. فالتلاميذ يواصلون اختبار يسوع حيث يشركهم في وحي الملكوت كما جاء في تعليم بولس الرسول “فالَّذينَ سَبَقَ أَن قَضى لَهم بِذلك دَعاهم أَيضاً، والَّذينَ دَعاهُم بَرَّرَهم أَيضاً والَّذينَ بَرَّرَهم مَجَّدَهُم أَيضاً ” (رومة 8: 30). ولذلك استطاعوا ان يعرفوا ولن لبثوا ان يعترفوا بإيمانهم على لسان بطرس “أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ “(متى16: 16). في حين يزداد الفريسيين والكتبة قساوة. اما عبارة ” أَسرارَ ” فتشير الى الأمور الخفية التي ينبغي ان الانسان يتكرَّس فيها حتى يصير قادراً على فهمها. او تدل على الملكوت نفسه الذي يُعطى التلاميذ معرفته. او يدل على سر يسوع بصفته فاتح الملكوت او تدل على الاسرار المتعلقة بالملكوت بما فيها من ميزة مخفيّة ومتنازع عليها. وكلمة سر في العهد الجديد تعني سر مُعلن، أعلنه الوحي بعد ان كان قبلا مخفي كما جاء في تعليم بولس الرسول “كَيْفَ أُطلِعتُ عَلى السِّرِّ بِوَحْيٍ كَما كَتَبتُه إِلَيكم بإِيجازٍ مِن قَبْلُ” (أفسس 3: 3). اما عبارة “مَلكوتِ السَّمَوات ” فتشير إن عبارة مألوفة في الادب الرؤيوي المعاصر ليسوع، وهي تدلّ على ما في الله من تدابير خفيّة تتعلّق بآخر الأزمنة: سر تدبيره ومجيء ملكوته النهائي (دانيال 20: 18-19) وهذ السر، سر ملكوت الله، المُخفي على الجميع حتى الآن، لا يستطيع أحد ان يكشفه إلاّ الله بواسطة يسوع. وعليه إن النهاية بدأت مع يسوع وتمّ ملُ الزمان (غلاطية 4: 4). وهذا السر هو محور أعمال يسوع واقواله، ويكشفه يسوع لتلاميذه. (مرقس 3: 13)،
اما عبارة “أَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك” فتشير الى طريقة متى الإنجيلي في ادراكه لماذا تُضرب الامثال آخذا بعين الاعتبار كيف رفض إسرائيل البشارة وكيف اختبرتها الكنيسة الاولى. تشير هذه الآية الى ان أمثال يسوع من وجهها التعليمي المليء بالاستعارات والقريب الى عقول الاكثرين لا يُدرك معناها الاّ إذا فهم الناس ان قدرة الله قد ظهرت في يسوع. لكن سر عمله هذا بقي مغلقا على كثير من الناس.
12لأَنَّ مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض. ومَن ليس لَه شَيء، يُنتَزَعُ منه حتَّى الَّذي له.
تشير عبارة ” مَن كانَ لَه شَيء” فتشير الى ما يملك الانسان من معرفة الملكوت عن طريق الايمان بيسوع، اما عبارة ” يُعْطى فيَفيض” تشير الى ما يهبه يسوع من معرفة تفوقها كمالا. من كان أميناً وحرص أن يبحث عن الحق، يُعطيه الرب أن يفهم، وينمو فهمه يوماً فيوماً ويذوق حلاوة أسرار ملكوت الله كما هي الحال عند تلاميذ سيدنا يسوع المسيح. واما عبارة “مَن ليس لَه شَيء” فتشير الى ما ظن الفريسيون انهم يمتلكون شيئا، فإذا أيديهم فارغة، ونفوسهم في شقاء تام أمام الدينونة بعد ان جهلوا الملكوت الذي دشّنه يسوع. قد أوضح السيّد المسيح الآية 12 بمثَل الوَزَنات، فإن الَّذي أَخَذَ الوَزَناتِ الخَمسَ أسرع إِلى المُتاجَرَةِ بِها فَربِحَ خَمسَ وَزَناتٍ غَيرَها. أمّا الذي له وزنة واحدة وقد دفنها في الارض، ولم يتاجر بها، فحتى هذه الوزنة سُحبت منه لتُعطى لمن تاجر وربح! (متّى 25: 16).
13وإِنَّما أُكلِّمُهم بِالأَمثال لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون، ولأَنَّهم يَسمَعونَ ولا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون.
تشير عبارة ” لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون” الى القاء مسؤولية العمى على البشر لا على الله. فحين رفض الناس تقبّل تعليم يسوع، كانت الحقيقة مخفيّة عنهم. لذا فان عدم تمييز سر الملكوت في يسوع يزيد العمى عن رؤية هذا الملكوت؛ وهذه هي حالة الشعب اليهودي والفريسيين والكتبة. فقد رأوا السيد المسيح ولم يعرفوه وسمعوه ولم يميَّزوا صوته الإلهي بينما تلاميذ المسيح انفتحت بصيرتهم الروحية فعرفوه وأحبوه. فالدخول إلى الملكوت او الانفصال عنه يتقرّران بقبول شخص يسوع وتعليمه بالأمثال او برفضها، وليس هناك من موقف حيادي. فمن لم يكتشف سر الملكوت في يسوع، زاد عمى على عمى، لان الدخول الى الملكوت او عدم دخوله يتقرّران في قلب السامعين: من رفض شخص يسوع وتعليمه رفض الملكوت، ومن تقبل يسوع تقبل الملكوت. إما نختار الخلاص وإما الهلاك. لا تعني الأمور الروحية شيئا لأولئك الذين عندهم الفهم الطبيعي فقط، حتى بعد ان يسمعوها كما جاء في تعليم بولس الرسول “الإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هو مِن رُوحِ الله فإِنَّه حَماقةٌ عِندَه، ولا يَستَطيعُ أَن يَعرِفَه لأَنَّه لا حُكْمَ في ذلِكَ إلاَّ بِالرُّوح. (1 قورنتس 2: 14).
14وفِيهِم تَتِمُّ نُبُوءةُ أَشَعيا حَيثُ قال: ((تَسمعونَ سَماعاً ولا تَفهَمون وتَنظُرونَ نظَراً ولا تُبصِرون.
تشير عبارة “َتسمعونَ سَماعاً ولا تَفهَمون وتَنظُرونَ نظَراً ولا تُبصِرون” الى مسؤولية الشعب المتصلب. (يوحنا 12: 39-41) ويستشهد متى الإنجيلي بكلمات النبي أشعيا (6: 9-10) حيث يتنبأ عن رفض إسرائيل (اعمال الرسل 28: 26-27). وهي تصف حالة الشعب الذي أرسل اليه النبي. كما كان في أيام اشعيا كان الناس يسمعون كلماته ويرون معجزاته ولكنهم لم يفهموا معنى ذلك (اشعيا 6: 9) كذلك حدث مع يسوع. أغمض اليهود عيونهم عن الحق الروحي (مرقس 4:12). والجيدر بالذكر أن متى الإنجيلي إذ يكتب لليهود أورد لهم نبوة اشعيا، لأنهم يعرفون النبوءات، وأما مرقس ولوقا إذ يكتبان للأمم لم يوردا نبوءة اشعيا.
15فقد غَلُظَ قَلبُ هذا الشَّعب وأَصَمُّوا آذانَهم وأَغمَضوا عُيونَهم لِئَلاَّ يُبصِروا بِعيونِهم ويَسمَعوا بِآذانِهم ويَفهَموا بِقُلوبِهم ويَرجِعوا. أَفأَشفيهم؟ )).
تشير ” َفأَشفيهم؟ “الى الفاء السبيبة التي تعبِّر، لا عن رغبة من قبل يسوع في حجب رسالته، بل على مطابقة موقف الناس من تعليمه لما ورد في الكتاب المقدس (اشعيا 6: 9-10) وفي التدبير الإلهي الخفي. كم يود السيد المسيح أن يسمع هذا الشعب ويؤمن ويرجع إليه فيشفيه، ولكن كبرياءهم وعنادهم وارتباطهم بشهواتهم غَلَّظَ قلوبهم وأغلق عيونهم وأذانهم فلم يعرفوا المسيح بل صلبوه. هو أراد، لكنهم هم الذين لم يريدوا كما صرّح يسوع “كَم مَرَّةٍ أَرَدتُ أَن أَجمَعَ أَبناءكِ، كما تَجمَعُ الدَّجاجَةُ فِراخَها تحتَ جنَاحَيها! فلَم تُريدوا”(متى 23: 37).
16وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ.
تشير عبارة “أَنتُم” الى المقابلة بين “هم” و”أنتم”. اما الفعلان ” تُبصِر وتَسمعَ” فهما لا يشيران الى الحاستين البصر والسمع، وانما الى الايمان والطاعة. نبصر حين نؤمن ونسمع حين نطيع. ان النور بزغ بمجيء المسيح، الذي لم يكن قد عُرف في عصر العهد القديم.
17الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ كثيراً مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا.
تشير عبارة ” الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ” الى اهل العهد القديم الذين عرفوا اسرار الملكوت، وشاهدوا يسوع، وسمعوا كلامه؛ اما ابناء العهد الجديد، فنعِموا بحضور السيد المسيح وعمله. واما لوقا الإنجيلي يذكر “الانبياء والملوك” (لوقا 10: 24) بدل عبارة ” الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ؛ اما عبارة ” تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا ” فتشير الى رؤية المسيح حين يتجسد.
18 ((فَاسْمَعوا أَنتم مَثَلَ الزَّارِع: 19كُلُّ مَن سَمِعَ كَلِمَةَ الملكوت ولم يَفهَمْها، يَأتي الشِّرِّيرُ ويَخطَفُ ما زُرِعَ في قَلبِه: فهذا هوَ الَّذي زُرِعَ في جانِبِ الطَّريق.
تشير عبارة ” كَلِمَةَ الملكوت ” الى البشارة او رسالة الانجيل. فلم نعد امام زارع يلقي الزرع الذي هو كلمة الله، بل امام من يسمع. اما عبارة ” ولم يَفهَمْها ” فتشير الى إثمار الكلمة في نفس السامع لان الشرير تدخّل في حياته فأفسد الزرع.
20وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الحَجِرة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَتَقَبَّلُها لِوَقْتِهِ فَرِحاً، 21ولكن لا أَصلَ لَه في نَفْسِه، فلا يَثبُتُ على حالة. فإِذا حَدَثَت شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمة عَثَرَ لِوَقْتِه.
تشير عبارة ” لا أَصلَ لَه في نَفْسِه” الى الفشل الثاني من تقبل كلمة الله لكن لا جذور له وبالتالي لا ثبات، فكلمة الله تتطلب بعض الوقت لتُثمر (متى 24: 13). فلا يكفي تقبل كلمة الرب “لوقته ” εὐθὺς أي حالا وعلى عجل وفي لحظة بدون صبر ووقت. ويقول المثل “ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة” Easy come, easy go . اما عبارة ” يَثبُتُ ” في اليونانية σκανδαλίζεται. ومعناه يتشكك او يعثر أي يؤخذ في الفخ الذي نصبه له الشيطان، فلا يستطيع الوقوف في وجه المخاطر التي تُهدِّد الكلمة (لوقا 21: 19)؛ وقد شدّد بولس الرسول على هذا الثبات في رسائله “لا نَنفَكُّ نَذكُرُ ما أَنتُم علَيه مِن نَشاطِ الإِيمانِ وجَهْدِ المَحَبَّةِ وثَباتِ الرَّجاءَ بِرَبِّنا يسوعَ المسيح، في حَضرَةِ إِلهِنا وأَبينا. (1 تسالونيقي 1: 3). اما عبارة ” شِدَّةٌ ” فتشير الى الضيق في الأزمنة الأخيرة، اما لوقا الإنجيلي فيتوقف عند التجربة التي تعرض للمؤمن في الحياة اليومية (لوقا 9: 23). اما عبارة ” اضطِهادٌ” فتشير الى الاضطهادات والشدة الأخيرة من اجل البشارة كما ورد في انجيل مرقس (مرقس 4: 13). هنا نفهم ان كنيسة متى عرفت الاضطهاد واختبرت سقوط الكثيرين.
22وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الشَّوك فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة، ويكونُ له مِن هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً.
تشير عبارة ” هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا ” إلى الاضطراب والقلق اللذان كثيرا ما يسبّبهما الانشغال بالاهتمامات العالمية كما ورد في العظة على الجبل من الاهتمام بالمال واللباس والاكل والشرب (متى 6: 24 -34). لكن متى الإنجيلي لا يتكلم على الشهوات كما ورد في انجيل مرقس ” هُمومَ الحَياةِ الدُّنْيا وفِتنَةَ الغِنى وسائرَ الشَّهَواتِ” (مرقس 4: 19). فهناك حثٌّ على الاعراض عن هموم الدنيا. فهموم هذه الدنيا والاكتفاء بالذات والطمأنينة التي يعطيها المال إياها (مرقس 10: 17-25) جعلت كلمة الله عقيمة وغير نافعة (متى 6: 24-34). وهكذا يكون استعداد سيئ لدى السامعين. اما عبارة “فِتنَةِ الغِنى” في اليونانية ἡ ἀπάτη τοῦ πλούτου ومعناها سحر الغنى فتشير الى اجتذاب الغنى كما جاء في تعليم بولس الرسول: الشَّهَواتُ الخادِعة” (أفسس 4: 22). وهنا يجب ان نحسن الاختيار “لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال” (متى 6: 24). ان الاهتمامات المادية والملذات وحب الغنى ، كل هذه الأمور باستطاعتها خنق كلمة الله.
23وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الطَّيِّبة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَفهَمُها فيُثمِرُ ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين)).
تشير عبارة ” يَسمَعُ ” الى عمل الاذن، واما عبارة ” يَفهَمُها ” فتشير الى عمل القلب الذي لا يكتفي بالعواطف والاقوال بل يؤمن بها ويمتلكه. اما عبارة ” يُثمِرُ ” فتشير الى الذين يفتحون قلوبهم على سر الملكوت الذي يُعلن في الكلمة فيحملون ثمراً. لكن هذه الكلمة تبقى غير مفهومة للذين ينغلقون عليها ولا ينزلون الى أعماق نفوسهم حيث يتوجّه إليهم نداء الله الُمعلن في وضح النهار خلال الكرازة الفصيحة (متى 13: 3). اما عبارة “فيُثمِرُ” فتشير الى نتيجة السمع والعمل بكلمة الله ” فمَثَلُ مَن يَسمَعُ كَلامي هذا فيَعمَلُ به كَمَثَلِ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بيتَه على الصَّخْر”(متى 7: 24)؛ اما عبارة ” ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين” فتشير الى تضاؤل حماس الكنيسة بعد ان ابتعدت عن يسوع في الزمن كما تنبَّنا هو ” يَزْدادُ الإِثْم، فتَفتُرُ المَحَبَّةُ في أَكثرِ النَّاس” (متى 24: 12).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 13: 1-23)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 13: 1-23)، نستنتج انه يتمحور حول مثل الزارع. والمثل ليس مجرد تشبيه مأخوذ من الحياة اليومية تُستخدم في التعليم، بل هو رواية توحي بحياة يسوع نفسه. ويُقسم مثل الزارع الى ثلاثة مقاطع: المثل وغايته وتفسير. ومن هنا نتساءل: ما هو موضوع المثل؟ وما هو غايته؟ ما هو تفسيره او العبرة منه؟
(1) ما هو محتوى مثل الزارع؟ (متى 13: 3-9).
أزدحم الناس على يسوع، فصعد الى في سفينة راسية في بحيرة طبرية وأبتعد عنهم، وجلس واخد يكلمهم من هناك وهم قائمون على الشاطئ (متى 13: 1-2). فكشف عن حقيقة ملكوت الله على صعيد الجهور عامة، وعلى صعيد تلاميذه خاصة. واستخدم يسوع لغة الامثال ليخاطب الجموع حول سر الملكوت. والمثل هو ايضاح حقيقة روحية في صورة قصة تؤخذ من الطبيعة او من حياة الانسان لجذب الانتباه. يقابل الزارع ثلاث حالات فاشلة أنه تصعيد في الإخفاق وعدم النجاح: أولا يُوكل بعض القمح قبل ان ينمو، وثانيا يحترق الزرع الذي نبت من وقته ويتوقف عن النمو بسبب اشعة الشمس الحارقة، وثالثا يطوّق الشوك الزرع الذي استطاع ان ينمو فتخنقه، ولكن الزارع لا يتراجع، بل يثابر حتى النهاية. يحصد الله ما زرع ولا يمكن لكلمة الله ان تفشل.
يدلُّ مثل الزارع على غلة او محصول الحبوب بحسب نوعية الارض: الطريق، والأرض المحجرة، والأرض المملوءة أشواكًا، والأرض الطيّبة. اما الثمر أو عدمه فيتوقّف على الأرض التي تستقبل البذار. فهناك ثلاث أراضٍي عقيمة وأرضٌ طيّبة ذات ثلاثة غلاّت (100، 60، 30). اما في الأرض الطيبة برز خصب الأرض في شكل متدرج انطلاقا من الأكثر الى الأقل مما يدل على بعض الفتور في كنيسة متى الإنجيلي. اما في انجيل مرقس فينطلق خصب الأرض من الأقل فيصل الى الأكثر، فهو شدد على نمو كنيسته على مثال الزرع الذي ينمو ويواصل نموّه (مرقس 4: 26-29).
ويوجّه يسوع المثل الى كل من يسمع ويستعد ليأخذ الموقف المطلوب “فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسمَعْ “. الزرع اعطى في الأرض ثلاثة حقول عقيمة لم تعط ثمراً يدوم. وهناك حقل واحد أعطى ثلاث غلات (100، 60، 30). نلاحظ ثقة الزارع (الذي هو يسوع) بالغلال الأخيرة رغم بعض الفشل والاخفاق. ومن جهة نسمع نداء يتوجّه الى كل إنسان ليكون الأرض الطيّبة التي تعطي ثمراً. أراد يسوع ان يُشرك التلاميذ والجموع في ثقته بإعلان عن مجيء الملكوت وانه هو الذي يفتتح الملكوت.
(2) غاية المثل: (13: 10-17)
بعد التعليم بالمثل يأتي السؤال الذي طرحه التلاميذ ” لِماذا تُكلِّمُهم بالأَمثال؟ بدأ يسوع مرحلة تعليم خاصة بالتلاميذ: فأَجابَهم: ((لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم أَن تعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك. ووجّه يسوع الامثال لأولئك الذين يجهلون الحق الروحي كالفريسيين الذين يظنُّون انهم يمتلكون شيئا، فإذا هم فارغو الايدي ونفوسهم في شقاء امام الدينونة وهذا ما يعني “مَن ليس لَه شَيء، يُنتَزَعُ منه حتَّى الَّذي له”. فعندما نصر على رفض المسيح تسلبنا قساوة قلوبنا الفهم القليل الذي عندنا ونزداد عمى. في حين ان تلاميذ يسوع ليسوا بحاجة الى التعليم بالأمثال، لأنهم من أهل البيت وقد فهموا الملكوت، وهم يملكون معرفة الملكوت عن طريق الإيمان بيسوع، لذا يهبهم يسوع معرفة اضافية “لأَنَّ مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض” (متى 13: 12).
ويلقي متى الانجيلي مسؤولية العمى على البشر، لا على الله، ان عدم تمييز سر الملكوت في يسوع يزيد العمى عن رؤية هذا الملكوت. “لأنهم لا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون”. فالدخول الى الملكوت او الانفصال عنه يتقرّران بقبول شخص يسوع وتعليمه بالأمثال او برفضهما، وليس هناك من مجال للحياد. كما في زمن اشعيا كذلك في زمن الرب، أغمض اليهود عيونهم عن الحق الروحي. فمن لم يكتشف سر الملكوت في يسوع، زاد عمى على عمى، لان الدخول الى الملكوت او الابتعاد عنه يتقرران في قلب السامعين: من رفض شخص يسوع وتعليمه رفض الملكوت. ومن تقبل يسوع تقبّل الملكوت. ليس هناك موقف حيادي: إما نختار الخلاص وإما الهلاك. “وأَمَّا أَنتُم، فَطُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمعَ” فنحن نبصر حين نؤمن، ونسمع حين نطيع. الذين يفتحون قلوبهم على الكلمة، يسمعونها ويفهمون، ويلتزمون بطريق الله، ويدخلون في هذا السر ويحملون ثمراً. غير ان الكلمة تبقى لغزا لا مفهوماً للذين ينغلقون عليها، فيعيشون حياة سطحية او يظلون عبيد اهوائهم.
(3) تفسير المثل (13: 18-23)
بعد الجواب على رد سؤال التلاميذ، يقدم يسوع تفسيراً لمثل الزراع. الفريسيون سمعوه بشكل حرفي، والتلاميذ سمعوه بطريقة أخرى بعيدا عما اعتاد عليه معلمو اليهود في تطبيقاتهم العلمية والأخلاقية. فيسوع يُشدِّد من ناحية على الثقة بانه لا بد من الإثمار النهائي بالرغم من أنواع الفشل الحالية، ومن ناحية أخرى يُشدِّد على الدعوة بان يكون الانسان أرضا طيّبة تُخرج ثمراً وافراً. ومن هنا نبحث في أنواع الفشل في نمو الثمر وردود الفعل ومعيار تقبل كلمة الله.
(ا) أنواع الفشل
يذكر متى الإنجيلي ثلاث أنواع فشل في مثل الزارع.
الفشل الاول لتقبل كلمة الله يأتي من الشرير. لا يسمع المرء كلمة الله حول الملكوت أي رسالة الانجيل، لان الشرير تدخَّل في حياته فأفسد الزرع.
اما الفشل الثاني لتقبل كلمة الله فيأتي من شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجلِ الكَلِمة. لا تشبث كلمة الله في المرء، لانَّ لا أَصلَ لَه ولا جذور لتحمّل الشدة والاضطهاد. فكلمة الله تتطلب بعض الوقت لتثمر.
أما الفشل الثالث لتقبل كلمة الله فيأتي من الشوك، أي هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى والانشغال. كل ذلك يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً. هموم هذه الدنيا والشهوات الخادعة تفسد الكلمة وتجعلها عقيمة وغير نافعة (أفسس 4: 22). وبالرغم من ان ملكوت الله معرّض للفشل، لكنه يتقدم ببطء وسط الصعوبات المتراكمة
اما نجاح تقبل كلمة الله فتأتي من الارض الطيبة. فالمرء الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَفهَمُها يُثمِرُ ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين بحسب حماسه واقترابه من يسوع. فالذين يفتحون قلوبهم على هذه الكلمة، ويسمعونها ويفهمونها ويؤمنون ويمتلكونها ويلتزمون بها، يدخلون في هذه السر ويحملون ثمرا. إن نداء يسوع موجّه الى كل انسان ليكون الارض الطيّبة التي تعطي ثمراً.
(ب) ردود أفعال مختلفة نحو كلمة الله
ان الاناجيل متى مرقس ولوقا أهتمّوا في تطبيق مثل الزارع في ردود فعل تختلف باختلاف استعداد الذين يتقبلون كلمة الله بقدر اهتمامهم بالتعرض للفشل والاحوال الباطنية التي تحول دون إثمار الكلمة. فشدّد متى الإنجيلي في مثل الزارع (متى 13: 1_ 23) على ضرورة “معرفة” الرسالة أي تفهمها الروحي الذي يحمل على ممارستها. وهذا الفهم يؤدي الى التمييز بين الجمع والتلاميذ (متى 13: 10-17). اما مرقس فشدّد على أوضاع زمنه، فيوحي بأن التعرض للفشل يعود الى الاضطهادات، مما أدّى العديد من المسيحيين على التراجع (مرقس)؛ وأما لوقا الإنجيلي بيّن ان تقبل الكلمة يفترض عند الانسان وجود الايمان ولا سيما الثبات في ساعة التجربة (لوقا 8: 9-15).
(ج) معيار التقسيم بين يتقبلون كلمة الله والذين يرفضونها
ومبدأ تقسيم بين من يتقبلون كلمة الله والذين يرفضونها فهناك معايير التالية: المعيار الأول هو المبادرة الإلهية كما صرّح يسوع لتلاميذه “لأَنَّكم أُعطيتُم أَنتُم أَن تعرِفوا أَسرارَ مَلكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا أُولَئِكَ فلم يُعطَوا ذلك” (متى 13: 11). ولكن ليس في هذا الامر تعسّف عند الله: “لأَنَّ مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض” (متى 11: 12).
والمعيار الثاني يكمن في سبب التقسيم في المعنيين أنفسهم ” لأَنَّهم يَنظُرونَ ولا يُبصِرون، ولأَنَّهم يَسمَعونَ ولا يَسمَعون ولا هم يَفهَمون” (متى 13: 13). في الواقع، نميّز بين “لأنهم ينظرون” وبين ما يعود الى الله (النعمة) وبين “ولا يبصرون ” ما يرتبط بالاختيار عند البشر. فنحن امام لاهوت الحرية والنعمة. فالحد الفاصل يمر في قلب الانسان. فالتلاميذ تسملوا مفتاحا ليفهموا سر ملكوت الله، ويبقى عليهم ان يستعملوه (مرقس 4: 13).
ان سر الله ليس حقيقة تفرض على العقل، إنما هو سر خفي، سر يُكشف لمن هم مستعدّون ان يصغوا اليه ويجتهدوا في معرفته وفهمه بروح الايمان. فليست الحقيقة الانجيلية هي معرفة ذهنية محض، إنما هي معرفة موجّهة الى القلب بحيث يطبّق الانسان على حياته كل ما يكتشفه من تعاليم الرب. وعندما أخفق يسوع في عظته بسبب قساوة قلوب سامعيه استشهد بكلمات من نبوءة أشعيا “لِئَلاَّ يُبصِروا بِعيونِهم ويَسمَعوا بِآذانِهم ويَفهَموا بِقُلوبِهم ويَرجِعوا ” (متى 13: 15). لا يريد يسوع عمى الناس، بل هو يكتفي بإثباته، اختار السيد المسيح التكلّم بالأمثال مع الذين يستمعون لكي يدركوا قساوة قلوبهم وعدم قدرتهم على الإصغاء والترحيب والفهم.
وبناء على ذلك فالإنسان يعرف اسرار الملكوت ويفهمها او لا يعرفها، بحسب احواله الباطنية، وهذه الأحوال لا تتوقف على كون في داخل الجماعة (الكنيسة) او لا. المقياس الذي يميز بين الناس، والذي بموجبه سيدانون، هو ممارسة البر، لا الانتماء الى هذه الجماعة الدينية او تلك.
خلاصة
يدور مثل الزراع حول خروج السيد المسيح ليزرع كلمة في البشرية، وما زال يزرع اليوم وبشتّى الطرق. ويريد يسوع، عن طريق مثل الزارع، أن يعلّم أن كرازة الإنجيل لا بدّ أن تلقى العثرات والفشل، وعليه تمثل الأنواع الاربعة من التربة ردود أفعالنا المختلفة نحو كلمة الله. فردود أفعالنا تختلف باختلاف استعداداتنا، فبعض الناس يقسّون قلوبهم امام نداء كلمة الرب، والبعض لا عُمق لهم، وآخرون قد افسدتهم هموم الدنيا وشهواتها والبعض يتقبلون الكلمة.
وهنالك ناحية أخرى يضعنا فيها المثل وهي التذكير بالثمار الأخيرة للأرض الجيّدة والتي تفوق كل توقع سابق وكل مقياس بشري. ودعوتنا أن نُصبح تربة بلا صخور ولا حصى أو أي شيء يُعيق نمو الغرس. تربة مُعدَّة تماماً لاستقبال مشيئة الربّ وكلمته برضي وفرح. فنتساءل أخيرا: أي نوع من التربة نحن؟ فإلى أي مدى قد تأصلت كلمة الله في حياتنا؟ وهكذا يهيئ تلاميذه بصورة مناسبة لكيلا ييأسوا من الفشل بل أن يتابعوا عملهم بإيمان وصبر.
دعاء
أيها الآب السماوي، يا من أرسلت ابنك الحبيب يسوع المسيح لكي يلقي كلمتك الإلهية في قلوبنا، نطلب اليك ان تُزيل من قلوبنا حجارة المصاعب والهموم، ومن نفوسنا اشواك الاهواء، ومن حياتنا طيور التجارب، وأعطنا عيون نبصر بها وآذان نسمع بها كلمتك الحية فنحفظها، ونعمل بموجبها فتنمو فينا ثمرا ويَبْقى ثَمَرُنا ونكون تلاميذك الحقيقيين نزرع معك كلمة الله.