“الخروف الضال والدرهم الضائع” (لوقا 15: 1-10)

الأب لويس حزبون

يتناول إنجيل هذا الاحد (لوقا 15: 1-10) رحمة الله وبحثه عن الإنسان الضال وفرح السماء بخلاصه وذلك من خلال مثل الخروف الضال ومثل الدرهم الضائع. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 15: 1-10)
1وكانَ الجُباةُ والخاطِئونَ يَدنونَ مِنه جَميعاً لِيَستَمِعوا إِلَيه.
تشير عبارة ” الجُباةُ” الى العشارين. والعشار هو الرجل الملتزم بجمع الاعشار(الضرائب) أي واحدة من عشرة من المحصول الزراعي او الحيواني الى الامبراطورية الرومانية او تسديدها من جيبه في حال عجزه عن جمعها. لذا كان يُعيِّن موظفين بالربا. ولذلك وصف اليهود العشارين بالقسوة والظلم حتى ان الشعب احتقرهم ومنعهم من دخول الهيكل او مجامعهم للاشتراك في الصلاة والحفلات (لوقا 3: 12-13، 19: 8). وكان زكا أحد العشارين في منطقة أريحا (لوقا 19: 1-2) وكان متى اللاوي وكيلاً لعشار منطقة كفرناحوم (لوقا 5: 27)، وقصد يسوع ان يُحرِّرهم من النقمة اللاحقة بهم مع انه لم يوافق على سيئات اصحاب السيئات والمظالم منهم (متى 5: 46)، لكن الفريسيون والكَتَبَةُ كانوا ينبذون العشارين والخاطئين (لوقا 5: 30، 7: 34). اما عبارة “يَدنونَ مِنه جَميعاً لِيَستَمِعوا إِلَيه ” فتشير الى العشارين والخطأة الذين شعروا بحاجتهم ليسوع المسيح الذي يغفر الخطايا ويقبل الجميع دون استثناء بين فريسي وعشار وبين بار وخاطئ.
2فكانَ الفِرِّيسِيُّونَ والكَتَبَةُ يَتَذَمَّرونَ فيَقولون: ((هذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم! ))
تشير عبارة “الفِرِّيسِيُّونَ” الى الكلمة من الآرامية ومعناها “المنعزل”، وهم احدى الفئات اليهودية الرئيسية الثلاث التي كانت تناهض فئتي الصدوقيين والاسينيين. وكانت اضيقها رأيا وتعليما (اعمال الرسل 26: 5). وظهر الفريسيون باسمهم الخاص في عهد يوحنا هركانوس (135-105 ق. م.). وكانوا يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح (اعمال الرسل 23: 8) ومكافأة الانسان ومعاقبته في الآخرة لكنهم حصروا الانسان الصالح بطاعته للشريعة، فجاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية. قد وبّخهم السيد المسيح بشدة على ريائهم وادعائهم البِر كذبا وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاكتراث لجوهر الناموس، لذا قال يسوع لتلاميذه “إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات”(متى 5: 20)؛ أمَّا عبارة ” الكَتَبَةُ ” γραμματεύς فتشير الى معلمي الشريعة وهم قد تخصَّصوا لدراسة الشريعة وتفسيرها وأصبحت قرارات كبار الكتبة منهم شريعة شفاهية تدعى التقاليد. وبلغ أوج نفوذهم على الشعب في أيام المسيح. وقد وصف السيد المسيح بعض الكتبة بأنهم مراؤون، لاهتمامهم بالأشياء المادية العرضية دون الروحية الجوهرية (متى 23: 1-35). وكان يحاولون تطبيقها على تفاصيل الحياة اليومية؛ أمَّا عبارة “يَتَذَمَّرونَ” فتشير الى انزعاج الفريسيين والكتبة ونقدهم للمسيح عن جهالة وكبرياء، وليس عن قصد المقاومة. فالمطلوب هو تجنب الخطأة حتى لا يصير مثلهم وليس احتقاره. فأتهموا يسوع انه يخالف احكاما رئيسية للربانيين لأنه يخالط الخطأة والعشارين (متى 9: 10-13)؛ في حين أنَّ يسوع جاء الى الخطأة الذين لا رجاء لهم ليقدّم لهم البشرى السارة عن ملكوت الله. اما عبارة “هذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم!” فتشير الى أحد القاب يسوع. إنه يستقبل الجميع، لأنه إله محب للبشر. انه في العقلية اليهودية اكتشاف غريب عن الله.
3فضرَبَ لَهم هذا المَثَلَ قال: 4((أَيُّ امرِئٍ مِنكُم إِذا كانَ لَه مِائةُ خروف فأَضاعَ واحِداً مِنها، لا يَترُكُ التِّسعَةَ والتِّسعينَ في البَرِّيَّة، ويَسْعى إِلى الضَّالِّ حتَّى يَجِدَه؟
ان مثل الخروف الضال بما فيه من الراعي وقطيعه هو موضوع تقليدي في العهد القديم عن الخلاص (ميخا 4: 6-7). تشير عبارة “مِائةُ ” (رقم 100) الى عدد كامل؛ اما عبارة “الضَّالِّ ” فتشير الى ضلال على مستوى التعليم والعقيدة أكثر منه في الاخلاق كما ورد في انجيل متى (24: 4). ضلّ الطريق كما يقول صاحب الرسالة الى العبرانيين (10: 25). فالخروف الضال يُمثل الإنسان الخاطئ في غباوته والذي ضلَّ عن جهل. اما صورة الخروف الضال فهي صورة عن الخلاص كما جاء في نبوءة ميخا “في ذلك اليَومِ، يقولُ الرَّبّ أَجمعُ العَرْجاءَ وأَضُمُّ الضَّالَّة والَّتي أَسأتُ مُعامَلَتَها” (ميخا 4: 6-7). كما اهتم يسوع الراعي الصالح بخروف ضال واحد وفتش عليه في البرية، هكذا يهتم الله بكل نفس بشرية يخلقها، فهو “لا يَشاءُ أَن يَهلِكَ أَحَدٌ، بل أَن يَبلُغَ جَميعُ النَّاسِ إِلى التَّوبَة”(2 بطرس 3: 9). لا ينفي الله ان هناك إمكانية الهلاك، لكن الله لا يريد ذلك؛ اما عبارة ” لا يَترُكُ التِّسعَةَ والتِّسعينَ في البَرِّيَّة ” فتشير الى ان حسابات الله غير حساباتنا، نحن نسعى وراء الاعداد والأرقام بينما في حسابات الله الواحد يساوي تسعة وتسعين؛ ذلك ان أي إنسان له قيمة غير متناهية عند الله؛ اما عبارة “يَسْعى إِلى الضَّالِّ حتَّى يَجِدَه؟” فتشير الى بحث الله في طلب أبنائه الضالين. إن الله لا ينتظر ان يعود الخروف الضال، بل يذهب هو للبحث عنه، لأنه راعي النفوس كما يقول صاحب المزامير ” إنَّ الرَّبَّ هو الله هو صَنَعَنا ونَحنُ لَه نَحنُ شَعبُه وغَنَمُ مَرْعاه” (مزمور 100: 3)؛ أما عبارة ” البَرِّيَّ” فتشير الى مرعى القطعان المألوف في فلسطين، وهي تناسب الجبال الوارد ذكرها في متى (18: 12).
5فإِذا وَجدَه حَمَله على كَتِفَيهِ فَرِحاً،
تشير عبارة “الكتف” الى القوة. والقصد أن المسيح هو الراعي الذي حمل طبيعتنا البشرية وحمل خطايانا في جسده. هنا نرى المسيح يحمل الخروف الضال، ولم يوبخه او يعنّفه، او يجرح مشاعره، بل يضمَّه الى صدره ويحمله على كَتِفَيهِ اللذين حملا خشبة الصليب ويرفعه ويرده برفق الى القطيع ليعينه على ترك طريقه الخاطئ القديم. ويعلق القديس غريغوريوس النيصي” عندما وجد الراعي الخروف لم يعاقبه، ولا سحبه إلى القطيع بالعنف، بل وضعه على كتفه، حمله برفق وضمه للقطيع”؛ هذه هي صورة رحمة الله. فإِنَّه يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ ” (1 طيموتاوس 2: 4). لذا ” ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه” (لوقا 19: 10)، ويخلصنا جميعًا، ” فكما يَموتُ جَميعُ النَّاسِ في آدم فكذلك سَيُحيَونَ جَميعًا في المسيح” (1 قورنتس 15: 22).
6ورجَعَ بِه إِلى البَيت ودَعا الأَصدِقاءَ والجيرانَ وقالَ لَهم: إِفرَحوا معي، فَقد وَجَدتُ خَروفيَ الضَّالّ!
تشير عبارة “ِفرَحوا معي” الى دعوته الى المشاركة في الفرح وهي جوهرية في نظر لوقا الإنجيلي. الفرح العظيم يتطلب المشاركة في العواطف، وهي صورة رائعة لبساطة الحياة في القرية الفلسطينية. لذا فإذا رأى الفريسيون العشارين والخاطئين يأتون الى يسوع، عليهم ان يشتركوا في فرح يسوع الذي يجد ابناءه، كما يجب عليهم ان يتعاونوا مع يسوع في البحث عن الضالين بدلا من النقد والتهكم. الله شخص يفرح ويُشركنا في فرحه. وفرح الله هو ان يجد أبناءه الضالين. لان كل خطيئة هي بُعد عن المسيح وبالتالي غربة وهلاك.
7أَقولُ لَكم: هكذا يكونُ الفَرَحُ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوبُ أَكثَرَ مِنه بِتِسعَةٍ وتِسعينَ مِنَ الأَبرارِ لا يَحتاجونَ إِلى التَّوبَة.
تشير عبارة ” الفَرَحُ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوبُ ” الى موقفٍ بعيد عن موقف الفريسيين وتذمّراتهم (لوقا (14: 10-32)؛ اما عبارة ” في السَّماءِ ” فتشير الى الله (لوقا 11: 11)؛ اما عبارة ” الأَبرارِ ” فتشير الى صورة تهكمية الى الفريسيين والكتبة الذين يعتبرون أنفسهم ابراراً. بل عليهم ان يتوبوا سريعا (لوقا 5: 22) ليفرح الله بهم. أمَّا القديس كيرلس الكبير فيرى في الابرار إنهم الصالحون ويعلق “هل لأنه لا يهتم بالكثيرين أظهر رحمته بالواحد؟ لا… بل لأن الكثيرين في آمان، محروسين بيده القديرة. لذلك بحق يجب إظهار الرحمة بذاك الذي فُقِد، فبعودة ذاك الواحد يعود الجمال للمئة”.
8((أَم أَيَّةُ امرَأَةٍ إِذا كانَ عِندَها عَشرَةُ دَراهِم، فأَضاعَت دِرهَماً واحِداً، لا تُوقِدُ سِراجاً وتَكنُسُ البَيت وتَجِدُّ في البَحثِ عنه حتَّى تَجِدَه؟
تشير عبارة ” درهم” δραχμή الى عملة يونانية رائجة بين اليهود وكان الدرهم في ايام هيرودس والولاة يساوي ثمنه دينارا denarius رومانيا وهي عملة فضِّية تساوي أجرة عامل ليوم واحد. اما عبارة ” عَشرَةُ دَراهِم” فتشير الى ما يعادل أجرة العامل لعشرة أيام حينذاك. وكانت المرأة الفلسطينية عند زواجها تتلقى عشر قطع من الفضة (الدراهم) كهدية زواج. ولهذه القطع الفضية قيمة عظيمة أكثر من مجرد قيمتها المادية. ويُعلق البابا غريغوريوس الكبير “كان للمرأة عشرة دراهم، لأن الملائكة تسع طغمات. وكان لا بُد أن يتم رقم المختارين بخلقه الإنسان”؛ اما عبارة ” فأَضاعَت دِرهَماً واحِداً ” الى الخسارة الكبيرة بالنسبة الى ربة البيت التي لا تملك إلاّ عشرة دراهم. وهذا الدرهم يمثل الإنسان الخاطئ في عدم شعوره بحالة الضياع التي وصل إليها، وقد أضاعه غيره. ويعلق البابا غريغوريوس الكبير “لما كان الدرهم عِملة تحمل صورة، هكذا المرأة التي تفقد الدرهم تعني عندما يشرد الإنسان المخلوق على صورة الله، يفقد تشبهه بخالقه بسبب الخطيَّة”؛ اما عبارة “تُوقِدُ سِراجاً” تشير الى تجسد المسيح نور العالم، فهو نور اللاهوت في إناء الجسد(الناسوت)، فإنه تجسَّد، لأن الإنسان أخطأ فضاع. اما عبارة “تَكنُسُ” σαροῖ فتشير الى انقلابًا للشيء رأسًا على عقب، لأنه ما لم ينقلب العقل الذي انحط، لا يمكن أن يُنظف (يُكنس) من عاداته الرذيلة. في حين يرى البعض الآخر في عملية التكنيس إشارة الى حث الناس على التوبة؛ وأما عبارة “تَجِدُّ في البَحثِ” فتشير الى التفتيش باجتهاد.
9فإِذا وَجَدَتهُ دَعَتِ الصَّديقاتِ والجاراتِ وقالت: إِفرَحْنَ معي، فقد وَجَدتُ دِرهَمِيَ الَّذي أَضَعتُه!
تشير ” إِفرَحْنَ معي، فقد وَجَدتُ دِرهَمِيَ الَّذي أَضَعتُه ” إلى فرحة المرأة التي لا تكتمل الا بردِّها الدرهم المفقود. هذه الآية تلمح الى بحث الله عن الخطأة. ربما نفهم ان الله يغفر لخاطئ يسعى اليه طلبا لرحمته، اما ان يبحث الله عن الخاطئ، ثم يغفر له، فلا بد أنه صاحب حبٍ فائقٍ. وهذا هو الحب الذي دفع يسوع المسيح الى المجيء الى الأرض ليبحث عن الناس الضائعين الخاطئين ويخلصهم. ويعلّق القديس غريغوريوس النزينزي “هذه هي غاية الله فينا، إذ صار إنسانًا من أجلنا وافتقر (2 قورنتس 8: 9) لكي يُقيم جسدنا (رومة 8: 11)، ويرد َّ صورته فينا (لوقا 15: 9)، ويُجدد الإنسان لنصير كلنا واحدًا فيه”. اما الاب انطونيوس فكري فيفسّر الآية تفسيرا رمزيا روحيا بقوله ” المرأة تمثل الكنيسة عروس المسيح، وواجبها أن تفتش عن كل مفقود. والدراهم هم وديعة التي أودعها الله للكنيسة. وكل درهم يشير للطبيعة الإنسانية التي طبع عليها صورة الملك السماوي كما يُطبع على العملة صورة قيصر. وضياع الدرهم يشير لضياع صورة الملك السماوي من الإنسان”.
10أَقولُ لَكم: هكذا يَفرَحُ مَلائِكَةُ اللهِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوب)).
تشير عبارة ” يَفرَحُ مَلائِكَةُ اللهِ ” الى فرح الله وهو يُشرك فيه ملائكته (لوقا 12: 8). كما أن الله يحزن على ضياع أي إنسان، كذلك يفرح عندما يرجع أحد أبنائه اليه ويعود الى الملكوت، لان لكل إنسان قيمة ثمينة عند الله. في حين نسمع الرابي اليهودي اسمعيل بن اليشع يقول ” يكون فرح قدام مقر العزة الإلهية حينما يختفي من على وجه الأرض الذين يغيظون الله ويبغضونه”.

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 15: 1-10)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 15: 1-10)، نستنتج ان المثلين -الخروف الضال والدرهم الضائع -يتمحوران حول موضوع بحث الله الرحيم عن الانسان الخاطئ وفرحه بخلاصه.
1) الله يبحث عن الانسان الخاطئ
أعطيت لليهود شريعة لتطهير من يُخطئ كل بحسب خطيته (الاحبار 4-6). وقد قصد الرب من هذه الشريعة أن يُعلمهم أن يكرهوا الخطيئة، ويشعروا ببشاعتها، ولكنهم أساءوا فهمها، إذ نبذوا الخاطئ أيضًا. لذلك تعجب الفريسيون إذ رأوا يسوع الذي يظهر بينهم كمعلم وبار يسمح للعشارين والخطأة من اليهود أن يقتربوا منه، بل يرضى أن يأكل معهم؛ فإنفرد لوقا الإنجيلي بذكر مثلين: مثل الخروف الضال (لوقا 15:4-7)، والدرهم المفقود (لوقا 15: 8-10) ليؤكد أن الله الرحيم يبحث عن الانسان الخاطئ ويفرح بعودته لأنه يحبه وقد أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليخلصه.
الله هو هدف الإنسان. ولكنّ الإنسان كثيراً ما يضل طريقه في البحث عنه تعالى، فيكتشف انَّ الله هو الذي جاء أولاً يبحث عنه. وأن البحث عن الإنسان يقوم على حركة عميقة من قلب الله نتيجة محبته للإنسان. إن البحث عن الله يعني أن نكتشف أن الله، قد أحبنا أولاً، كما صرّح يوحنا الرسول “أَمَّا نَحنُ فإِنَّنا نُحِبّ لأَنَّه أَحَبَّنا قَبلَ أَن نُحِبَّه “(1 يوحنا 4: 19)، وهو الذي أخذ يبحث عنا، وهو الذي يَجذبنا ليقودنا إلى ابنه كما جاء في تعليم يسوع “ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ، إِّلا إِذا اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني” (يوحنا 6: 44).
وبما ان الانسان ينسى الله، ويجري وراء العالم وملذاته، فإنَّ الله يفكر دائماً كيف يبحت عنه و”يتكلم إلى قلبه” (هوشع 2: 15-16). وفيما أن ليس كل الرعاة يبحثون عن القطيع المشتت (حزقيال 34: 5-6)، فإن الله ذاته يعلن عن مقصده: إنه سينطلق ليجمع قطيعه، ويبحث عن “الخروف الضال” (حزقيال 34: 12).
ويكشف لنا كتاب نشيد الأناشيد، كيف ان الله مفتونٍ بالبحث عن النفس الضالة “اْلتَمَستُ مَن تُحِبُّه نَفْسي، التمسته فما وَجَدتُه” (نشيد الاناشيد 3: 1). ولقد كشف ابن الله لنا إلى أي مدى يذهب هذا الافتتان، حيث قال: ” إن ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه “(لوقا 19: 10)، جاء في البحث عن الخروف الواحد الضال (لوقا 15: 4-10). وفيما يودِّع يسوع ذويه، فكر في اللحظة التي سيرجع فيها ليبحث عنهم، ويأخذهم معه ” لِتَكونوا أَنتُم أَيضاً حَيثُ أَنا أَكون” (يوحنا 14: 3).
وحاول السيد المسيح ان يكشف بحث الله عن الانسان الخاطئ من خلال ضرب مثل الخروف الضال (لوقا 15: 3-7). إن الله “سعى إِلى الخروف الضَّالِّ حتَّى يَجِدَه؟ (لوقا 15: 4)؛ ويمثل الخروف الضال الإنسان الخاطئ في شروده عن خالقه بكامل إرادته ومعرفته. واما الراعي فهو يسوع، “أَنا الرَّاعي الصَّالِح والرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف” (يوحنا 12:10). وكما يبحث الراعي عن خروفه الضال كذلك يبحت الله الاب عن الخاطئ. وصدق النبي أشعيا بقوله ” كُلُّنا ضَلَلْنا كالغَنَم كُلُّ واحِدٍ مالَ إِلى طَريقِه ” (أشعيا 6:53). عادة يجب أن تموت الخراف لأجل الراعي، وذلك ببيعها للذبح من اجل اللحم لكي يحصل هو على المال. ولكن الراعي الصالح مات من اجل الرعية على صليب الجلجلة ليخلصنا من خطايانا وليدفع العقاب الذي تستحقه خطايانا ويقربنا إلى الله.
ويبدو من الغباء ان يترك الراعي التسعة والتسعين خروفا ليبحث عن خروف واحد ضال (لوقا 15: 4). ولكن التسعة والتسعين في أمان، لذا يجب اظهار الرحمة لذاك الذي ضّل، والذي تحتاج اليه التسعة والتسعين ليعود الكمال للمئة. الله لا ولن يرضى بأن يضيع خروف واحد من خرافه. الله لا ولن يرضى بأن يهلك إنسان واحد قبل ان يصنع المستحيل لكي يخلصه. لماذا؟ لأنه محبة. يقول يوحنا الرسول ” وما تَقومُ عَلَيه المَحَبَّة هو أَنَّه لَسنا نَحنُ أَحبَبْنا الله بل هو أَحَبَّنا فأَرسَلَ ابنَه كَفَّارةً لِخَطايانا”(1 يوحنا 4: 10)؛ فإن حب الله لكل انسان عظيم حتى انه يبحث عن كل واحد لا رجاء له، ليقدم له الخلاص. ولو لم يبحت الراعي عن الخروف الضال، لكان يحقُ للتسع والتسعين ان تشكّ بخلاصها، لأنها هي معرّضة للضلال وتكون إّذّاك معرّضة لعدم اكتراث الراعي. ولكن طالما أن الراعي ترك التسعة والتسعين ليبحث عن الضال، فإن هذا يعني ان مشروع الخلاص يطال الجميع.
وفي مثل الدرهم الضائع (لوقا 15: 8-9)، كما ان المرأة لا ترضى بان تفقد درهما واحدا، كذلك الله، قلبه الرحيم لا يقبل بان يهلك إنسان واحد بل يبحث عنه، فالله يريد خلاص جميع البشر كما جاء في تعليم بولس الرسول “إِنَّه يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ”(1 طيموتاوس 2: 4). الانسان في نظر الله أغلى وأثمن من ذهب العالم كله.
قد وجد رعاة النفوس ينبوعًا حيًا للحب الرعوي الصادق في محبة الآب للإنسان، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “يبدو لي أنه يجب الاقتداء بالراعي الذي له التسعة والتسعون خروفًا لكنه أسرع وراء الخروف الضال. لست أريد أن يخلص الكثيرون، بل الكل، فإن بقي واحد في الهلاك أهلك أنا أيضًا”.
2) الله يفرح بخلاص الخاطئ
نلمس الفرح في إنجيل لوقا أكثر منه في الأناجيل الباقية؛ فقد بشّر يسوع المسيح المتواضعين بفرح الخلاص فيفرح الناس بميلاده (لوقا 1: 14)، ويغمر الأبرار بفرحه (متى 13: 17)، إن في يسوع المسيح يكون ملكوت الله حاضراً (لوقا 17: 21)، وتلاميذه يفرحون عندما يعلمون أن أسماءهم مكتوبة في السماء (لوقا 10: 20)، لأنهم يدخلون في مصاف الفقراء الذين لهم ملكوت السماوات (لوقا 6: 20).
ولم يتردد السيد المسيح ان يجذب الخطأة أيضا الى فرح التوبة والخلاص ويهيِّئهم لقبوله بفرح كما حدث مع زكا العشار (لوقا 19: 6). بهذه التوبة سوف يفرح التلاميذ، كأخوة حقيقيين كما قال الاب لابنه الأكبر ” قد وَجَبَ أَن نَتَنعَّمَ ونَفرَح، لِأَنَّ أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد”(لوقا 15: 32)، كما يفرح بها في السماء الآب والملائكة (لوقا 15: 7 و10 و24)، وكما يفرح بها الراعي الصالح، الذي بمحبته خلّص خروفه الضال وحمله على كتفه ليشعر به أنه قريب منه، ثم أشرك فيه فرحه الاصدقاء والجيران (لوقا 15: 6)، وكما فعلت أيضا المرأة التي وجدت الدرهم المفقود. إلا أننا حتى نشاركه في فرحه، ينبغي أن نحب كما أحبّ هو.
أن حب الله لكل انسان عظيم حتى انه يبحث عن كل واحد لا رجاء له، ليقدم له الخبر السار. ويُعبر لوقا الإنجيلي عن ذلك بقوله “إِذا وَجدَه حَمَله على كَتِفَيهِ فَرِحاً كَتِفَيهِ فَرِحاً (لوقا 15: 5)؛ فالكتف رمز القوة. والقصد أن المسيح حمل طبيعتنا البشرية وحمل خطايانا. إذ نزل الى الارض باحثا عن الانسان لا ليعنّفه، ولا ليُجرح مشاعره، بل ليضمُّه الى صدره ويحمله على كتفه ويردَه برفق الى القطيع ويُساعده على ترك طريقه الخاطئ القديم. ثم يضيف لوقا الانجيل ” إِفرَحوا معي” (لوقا 15: 6)، ولم يقل افرحوا مع الخروف الضال، لأن خلاصنا هو فرحه. ويدعو الفريسيين لدخول في هذا الفرح، إذ ان الفرح العظيم يتطلب مشاركة الأصدقاء والجيران فيه. يعكس المثلان فرح السماء بخلاص الانسان الخاطئ.

عبرة
إن المغزى الذي يحمله مثل الخروف الضال ومثل الدرهم الضائع هو قيمة النفس عند الله ورحمة الله للإنسان الخاطيء. فكل إنسان هو ابن الله، والناس متساوون في عينه فلا تفرقة عنده، ولا تمييز بين فريسي وعشّار، بين بار وخاطئ، عبد وحر، والسبب؟ هو ان قيمة الانسان الحقيقية ليست فيما يقوم به من أعمال، ولا فيما يفخر به من مقام اجتماعي، بل قيمته في انه موضوع محبة الله. الله محبة والمحبة لا تفرّق ولا تميّز ولا تحتقر. محبة الاب هي أساس تصرّف يسوع الرحيم تجاه الناس خاصة الخطأة والمنبوذين.

ويدعو المثلان الخروف الضال والدرهم الضائع الى التشبه بالآب السماوي. ويعلماننا كيف نغيّر طريقة تعاملنا مع الناس، بحيث تتوافق ومواقف الله الاب. فكما ان الله فتح كنوز محبته ورحمته للجميع خاصة للخطأة لئلا ييأسوا من خلاصهم ولا من الله، هكذا نحن علينا ان لا نحتقر ولا نهمل أحداً بل نتجاوب مع الجميع خاصة الخطأة، فخلاص الخطأة يسرُّ الله ويُسبب فرحً في السماء وعلى الأرض.

ويمكننا تطبيق القصة على أنفسنا ايضا. فنحن أحيانا كالخروف التائه. كان هذا الخروف ضائعاً، لا يستطيع مساعدة نفسه، في خطر، ولم يكن باستطاعته إيجاد طريق الرجعة. كان النبي أشعيا صائباً عندما قال: ” كُلُّنا ضَلَلْنا كالغَنَم كُلُّ واحِدٍ مالَ إِلى طَريقِه” (أشعيا 53: 6). ويذكرنا الرسول بطرس اننا رجعنا الى الله بفضل سيدنا يسوع المسيح “فقَد كُنتُم كالغَنَمِ ضالِّين، أَمَّا الآن فقَد رَجَعتُم إِلى راعي نُفوسِكم وحارِسِه” (1بطرس 25:2). ويسوع هو الراعي. انه الراعي الصالح (يوحنا 11:10)، الراعي العظيم (عبرانيين20:13) ورئيس الرعاة (1بطرس 4:5). الراعي الذي ذهب ليبحث عنا. وقد وجدنا فيه رجاءً لا ينقطع بقبول كل نفس مهما كان فسادها.

دعاء
انت يا رب، تعرف كل واحد منا باسمه وتحبه وترحمه. شكراً يا رب، لحبك الشخصي والمتميّز لكل واحد منا ولرحمتك اللامتناهية.