الوكيل الخائن (لوقا 16: 1-13)

الأب لويس حزبون

يتناول إنجيل هذا الاحد (لوقا 16: 1-13) مثل وكيل الظلم الذي ضربه يسوع لتلاميذه ليعلمهم الوكالة في استخدام المال. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)
1وقالَ أَيضاً لِتَلاميذِه: ((كانَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وكانَ لَه وَكيلٌ فشُكِيَ إِلَيه بِأَنَّه يُبَذِّرُ أَموالَه.
تشير عبارة “رَجُلٌ غَنِيٌّ” الى الله صاحب كل المواهب، إنه يعطي لكل منا موهبة كما جاء في تعليم بطرس الرسول “لْيَخْدُمْ بَعضُكم بَعضًا، كُلُّ واحِدٍ بما نالَ مِنَ المَوهِبَة كما يَحسُنُ بِالوُكَلاءِ الصَّالِحينَ على نِعمَةِ اللهِ المُتَنَوِّعَة”(1بطرس 10:4)؛ الله يعطي كل منا مواهب وأموال وسيطلب حسابًا عن كل ما أعطانا إياه؛ أمَّا عبارة “وَكيلٌ” فتشير الى لفظ ينفرد به لوقا الانجيلي وهو يدل على مدير أعمال ، وهو الشخص الذي له الاشراف الكامل على أملاك الرجل الغني، والوكيل كان له شأن عظيم في القرن الأول كما نستخلص من رسالة بولس الرسول “فلْيَعُدَّنا النَّاسُ خَدَماً لِلمسيح ووُكَلاءَ أَسرارِ الله، وما يُطلَبُ آخِرَ الأَمرِ مِنَ الوُكَلاءِ أَن يَكونَ كُلٌّ مِنهُم أَمينًا” (1 قورنتس 4: 1-2)؛ اما عبارة “يُبَذِّرُ أَموالَه” فتشير الى نفس ما قيل عن الابن الضال الذي “َبدَّدَ مالَه هُناكَ في عيشَةِ إِسراف” بلا حساب (لوقا 13:15).
2فدَعاهُ وقالَ له: ما هذا الَّذي أَسمَعُ عَنكَ؟ أَدِّ حِسابَ وَكالَتِكَ، فلا يُمكِنُكَ بَعدَ اليَومِ أَنْ تَكونَ لي وَكيلاً.
تشير عبارة “أَدِّ حِسابَ وَكالَتِكَ” الى ما نسمعه يوم الدينونة كما ورد في رسالة العبرانيين “ما مِن خَلقٍ يَخْفى علَيه، بل كُلُّ شيَءٍ عارٍ مَكْشوفٌ لِعَينَيه، ولَه يَجِبُ علَينا أَن نُؤَدِّيَ الحِساب”. (عبرانيين 4: 13)؛ اما عبارة “فلا يُمكِنُكَ بَعدَ اليَومِ أَنْ تَكونَ لي وَكيلاً” فتشير الى الرجل الغني الذي أراد أن يستغني عن وكيله ويطرده من وظيفته.
3فقالَ الوكيلُ في نَفْسِه: ماذا أَعمَل؟ فَإِنَّ سيِّدي يَستَرِدُّ الوَكالَةَ مِنّي، وأَنا لا أَقوى على الفِلاحة، وأَخجَلُ بِالاستِعطاء.
تشير عبارة ” فقالَ الوكيلُ في نَفْسِه ” الى تعبير الشخص عن فكره بكلام يحدّث فيه صاحبه نفسه، وهذا الأسلوب يتردد في أمثال لوقا الإنجيلي (15: 17-19 و16: 3؛ 18: 4؛ و20: 13) كما نجد هذا الأسلوب في متى الإنجيلي (21: 38، 24: 48)؛ أمَّا عبارة ” ماذا أَعمَل؟ ” فتشير الى صحوة الوكيل من غفلته، وبدأ يفكر في إصلاح حاله؛ امَّا عبارة “أَنا لا أَقوى على الفِلاحة، وأَخجَلُ بِالاستِعطاء” فتشير الى ان هذا الوكيل لن يستطيع أن يعمل كعامل زراعة أو يتسول، لأنه غير متعود على الاستعطاء بعد حياة مُتْرَفٌة كونه مدير أعمال، “السيد الثاني” ؛ وأمَّا عبارة “سيِّدي” فتشير الى الرجل الغني الوارد ذكره في الآية الأولى (لوقا 15 :1)، وهو يدل في الواقع على ربنا يسوع المسيح.
4قد عرَفتُ ماذا أَعمَلُ حتَّى إِذا نُزِعتُ عنِ الوَكالَة، يَكونُ هُناكَ مَن يَقبَلونَني في بُيوتِهم.
تشير عبارة “عرَفتُ ماذا أَعمَلُ ” الى اخذ القرار في هذه الازمة؛ اما عبارة ” يَقبَلونَني” فتشير الى استقباله الأصدقاء بمال الظلم ، وهم جماعة الفقراء والمساكين الذين وُعدوا بملكوت الله بحسب الانجيل الطاهر.
5فدَعا مَديني سَيِّدِه واحِداً بَعدَ الآخَر وقالَ لِلأَوَّل: كم عَلَيكَ لِسَيِّدي؟
تشير عبارة ” مَديني سَيِّدِه ” الى هؤلاء الذين كانوا يدفعون ديونهم عيناً، وكل وكيل في بعض الأحيان يتلقى أكثر مما قيّده في حساباته، وبهذه الوسيلة يزيد من ثروته الشخصية؛ أمَّا مجازيا فتشير عبارة “مَديني سَيِّدِه ” الى كل هؤلاء ليس لديهم ما يأكلونه وما يلبسونه، أليس هؤلاء هم إخوة الرب؟ فاذا صرفنا على هؤلاء فيشهدون لنا في السماء وبهذا صاروا أصدقاء لنا. وبهذا صارت أموالنا سماوية، وصار لنا كنزًا في السماويات ينفعنا حين نغادر هذا العالم؛ اما عبارة “كم عَلَيكَ لِسَيِّدي؟” فتشير الى ما يعلمه الوكيل من الديون، ولكنه يسأل المديون حتى يشعره بأنه يُسدي له معروفا.
6قال: مِائةُ كَيْلٍ زَيتاً: فقالَ له: إِلَيكَ صَكَّكَ، فاجلِسْ واكتُبْ على عَجَلٍ: خَمسين.
تشير عبارة ” كَيْلٍ ” الى “بث” βάτος كما ورد في الترجمة اللفظية اليونانية وهو مكيال سعة عبراني للمواد السائلة يعادل حجمه 45 لتر، وعليه فإن(100 كيل ) يعادل نحو 3000 لتر من الزيت. فالوكيل مستعد ان يقبل منهم أقل مما عليهم ليكون صاحب الفضل معهم.
7ثُمَّ قالَ لآخَر: وأَنتَ كم عَليكَ؟ قال: مِائةُ كَيْلٍ قَمحاً. قالَ له: إِلَيكَ صَكَّكَ، فَاكتُبْ: ثَمانين.
تشير عبارة ” كَيْلٍ” الى الترجمة اللفظية اليونانية “كُر κόρος، وهي مكيال سعة عبراني للمواد الجافة، وتساوي بين 450 لتر. اما عبارة “صك ” فتشير الى وثيقة بمال أو نحوه.
8فأَثْنى السَّيِّدُ على الوَكيلِ الخائِن، لِأَنَّه كانَ فَطِناً في تَصَرُّفِه. وذلِك أَنَّ أَبناءَ هذهِ الدُّنيا أَكثرُ فِطنَةً مع أَشباهِهِم مِن أَبْناءِ النُّور.
تشير عبارة “أَثْنى” الى امتداح السيِّد الوكيل الخائن، لا في تبذيره الأموال، ولا في ظلمه، ولا في خيانته، فالخيانة مذمومة مهما كانت ومِن مَن صدرت، وإنما امتدحه في حكمته وفطنته وتفكيره في مستقبله ولتدبيره الذكيّ في تفادي كارثة شخصيّة وتأمين معيشته المستقبليّة، إذ عرف كيف يستعمل المال لخدمة الآخرين آملا ان يُحسنوا اليه كما أحسن هو إليهم. فكر في أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه سيده الوكالة؛ أما عبارة “السَّيِّدُ” فتشير الى سيد الوكيل، ويدل مجازيا على الله؛ اما عبارة” الوَكيلِ الخائِن ” فتشير الى وكيل الظلم او وكيل بدون برِّ كما تصفه اللفظة اليونانية οἰκονόμον τῆς ἀδικίας . فهو لا يمتلك بر الكتبة والفريسيين، لكن الظلم يُترجم بالخيانة نظراً الى سياق الكلام التي يتكلم عن الأمانة (لوقا 16: 10-12)، فوكيل الخائن هو وَصْفٌ لأخلاقه بصفة عامة؛ أما عبارة ” فَطِناً ” اما عبارة ” َأبناءَ هذهِ الدُّنيا ” فتشير الى المتعلقين بأمور الدنيا ولا يعرفون إلا الدنيا الحاضرة ولا يعملون إلا في سبيلها، ويعلق الاب ثيوفلاكتيوس ” يقصد بأبناء هذه الدنيا أولئك الذين يضعون فكرهم في خيرات الأرض”؛ أمَّا عبارة ” فِطنَةً” فتشير الى “بصيرة”. يستدرك الشخص بها موقفاً خطيراً بثبات وتصميم على تجنّب الخسارة الخطيرة أو الكارثة اما في في العهد القديم فتدل على كل حيلة شريفة او غير شريفة كما ورد في سفر التكوين “كانتِ الحيَّةُ أَحيَلَ جَميعِ حَيَواناتِ الحُقولِ الَّتي صنَعَها الرَّبُّ الإِله. فقالَت لِلْمَرأَة: ((أَيقينًا قالَ الله: لا تأكُلا مِن جَميعِ أَشْجارِ الجَنَّة؟ “(التكوين 3: 1)؛ أما عبارة “أبناء هذه الدنيا الذين هم أكثر فطنة” فتشير الى انهم دائمًا يفكرون في الغد، ويستثمرون أموالهم لتكون ضمانًا لمستقبلهم. نستطيع تطبيق المثل ليس فقط على الأموال بل على الوقت والصحة والتعليم والذكاء، وكل ما أعطاه الله لنا؛ أمَّا عبارة “أَشباهِهِم” فتدل اللفظة اليونانية γενεὰν τὴν ἑαυτῶν على اجيالهم. وترد هذه اللفظة في نصوص قمران وتعني فئة جماعة قمران؛ أمَّا عبارة “أَبْناءِ النُّور” فتشير الى أبناء الإيمان الذين يسيرون في نور الله ونور العهد الجديد ولهم الحياة الأبدية، ويُعلق الاب ثيوفلاكتيوس “يقصد بأبناء النور الذين ينشغلون بالكنوز الروحيَّة خلال الحب الإلهي”. وفي قمران، هم أعضاء الجماعة، عكس أبناء الظلام وهم خصومهم”. ويختم المثل بدعوة التلاميذ الى الاّ يكونوا في خدمة الملكوت أقل فطنة من أبناء هذا العالم في شؤونهم الزائلة والسيئة. أراد يسوع هنا ان يلفت انتباه تلاميذه ليس الى الحكمة المتوجة بالخيانة بل المصحوبة بالأمانة.
9((وأَنا أَقولُ لَكم: اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة.
تشير عبارة “أصدقاء” الى جماعة الفقراء والمساكين، وهم اول من وُعدوا بملكوت الله بحسب الانجيل الطاهر؛ أمَّا عبارة “المالِ” فتشير الى اللفظة اليونانية μαμωνᾶ مامون المشتقة من اللفظة العبرية מָמוֹנָהּ أي ما هو أمين وثابت. فنجد ان لفظة المال والأمانة هما لفظتان مشتقتان من أصل ٍعبريٍ واحدٍ؛ وهنا نرى التناقض القائم بين الخيانة والامانة. وفي الواقع المال غشّاش. ويصبح صديقا إذا اعطيناه، فيستقبلنا الفقراء على باب الملكوت. “مامون” مشتقة في الأصل من فكرة الوديعة. لكنه يدل هنا على المال وقد كُني به عن قوة تتسلط على العالم؛ اما عبارة “المالِ الحَرام ” فتشير الى مال الظلم أي الثروة الزمنيَّة التي غالبًا ما جُمعت خلال الابتزاز والطمع وكثيرا ما تنفق بشتى الوسائل الحرام، فصاحب الثروة كثيراً ما ينزلق الى التعسف، وذلك بغطرسته، لان الغني كما يقول صاحب الامثال “الغَنِيُّ حَكيمٌ في عَينَيه” (أمثال 28: 11)، او بقساوته لان ” “الغَنِيُّ يُجاوِبُ بِالغِلاظَة” (أمثال 18: 23) وبجوره إذ “كثُر مالَه بِالرّبِى والفائِدة” ( أمثال 28: 8) كما ينزلق أيضا الى شتى الشرور والتبذير والرشوة وشراء الضمائر وارتكاب الجرائم، لكن يتعيَّن على تلاميذ المسيح ان يستخدموا الفرص الّتي بين ايديهم في هذا العالم الشرّير في سبيل ملكوت الله؛ اما عبارة ” قَبِلوكُم ” فتشير الى الأصدقاء بمال الظلم حتى إذا فرغ بعد الممات، يوم الدينونة، ساعة لا يفيد المال شيئا للخلاص (صفنيا 1: 18) قبلونا في المظال الأبدية لان الله يعطف على من ينفق أمواله لعمل الخير” تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني” (متى25: 34-35)؛ اما عبارة “المَساكِنِ الأَبَدِيَّة” فتشير اللفظة اليونانية αἰωνίους σκηνάς. الى المظال الأبدية للدلالة على دار الخلود حيث الأفراح الحقيقية؛ وعيد المظال هو عيد الفرح عند اليهود، وكان رمزًا لأفراح السماء، وهي صورة مستوحاة من صورة عيد الاكواخ الذي كانوا يرون فيه صورة مسبقة لزمن الخلاص (زكريا 14: 16-21)، وقد أطلق على السماء “مظالًا أبديَّة”، لأن اليهود كانوا يهتمون جدّا بعيد المظال، ويحسبونه عيد الفرح الحقيقي، فيه يسكنون في مظالٍ من أغصان الشجر لمدة أسبوع. وهكذا تهيئ لنا الصدقة نصيبًا لعيدٍ أبديٍ مفرحٍ، فنقيم في السماء مع مصاف القدِّيسين. وهذه الآية هي دعوة الى ان نكنز لنا كنزاً في السماء “اجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ ” (لوقا 12: 33) وذلك عن طريق الصدقة والإحسان (لوقا 11: 41).

10مَن كانَ أَميناً على القَليل، كانَ أَميناً على الكثيرِ أَيضاً. ومَن كانَ خائِناً في القَليل كانَ خائِناً في الكَثيرِ أَيضاً.
تشير عبارة “من كانَ أَميناً على القَليل” الى المحافظة على الغنى الأرضي بغض النظر عن قلته او كثرته؛ فلا يبدد ماله على ملذات الدنيا وشهواتها، بل يعطيه للمحتاج، وخير برهانٍ على ذلك الأرملة التي كان لها فلسين “فقدَّمتهما الى الهيكل، فقدَّمت كل ما تملكه” (لوقا 21: 2)؛ اما عبارة ” كانَ أَميناً على الكثيرِ” فتشير الى العطايا الروحية والاهتمام بالمحافظة على الكنوز الفائقة لملكوت الله. فالأمين على خيرات الأرض يكون امينا على خيرات السماء، ومن يكون امينا مع الناس سيكون أميناً مع الله. وعليه فإن الله يدعو الانسان الى ان يكون امينا حتى في ابسط التفاصيل وأدقها حتى يكون جديرا في كنوز السماء التي هي أغلى وأثمن بكثير من غنى الأرض؛ اما عبارة ” خائِناً ” ἄδικος فتشير حرفيا الى من ليس باراً.
11فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟
يتضح ان السيد المسيح يبيّن الفرق بين مال الحرام والخير الحق، وذلك لأن المال باطل، فهو موجود اليوم، وغير موجود غدًا، ولا يستطيع أن يأخذه الانسان معه إلى العالم الآخر، بينما العطايا السماوية والفضائل واعماله الصالحة تصحب الانسان معه في السماء كما يصرح ذلك يوحنا الرسول ” طوبى مُنذُ الآنَ لِلأَمْواتِ الَّذينَ يَموتونَ في الرَّبّ! أَجَل، يَقولُ الرُّوح، فلْيَستَريحوا مِن جُهودِهم، لأَنَّ أَعْمالَهم تَتبَعُهم” (رؤيا 14: 13).
12وإِذا لم تكونوا أُمَناءَ على ما لَيسَ لَكم، فمَن يُعطيكُم ما لَكم؟
تشير عبارة “ما لَيسَ لَكم” الى الغنى الأرضي الذي نحوزه فقط بالوكالة ولا يمكن اختزانه؛ فإن لم نكن أمناء مع الفقراء والمحتاجين فيما بين أيدينا من مال الظلم، فالله لن يعطينا ما هو لنا من البركة والسلام والفرح والرجاء؛ أمَّا لو أعطينا ما عندنا للفقراء سكب الله علينا من غنى مجده؛ أما عبارة “ما لَكم؟” فتشير الى الثروة الروحية التي نمتلكها الى الابد، ويعلق القديس ايرونيموس “ما هو ليس لكم” فهو كمية من الذهب أو الفضة؛ أما ما هو لك فهو الميراث الروحي، إذ قيل في موضع آخر”فِداءُ نَفْسِ الإِنْسانِ غِناه” (أمثال 13: 8). وبعبارة أخرى، تعني هذه الآية أنه من لا يكون أمينا، وفيّاً لمشيئة الله في تعاطيه الأمور المادية، ولا يحسب للفقير حسابا، فهذا لن يحظى بالخيرات الروحية.
13((ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال)).
تشير عبارة ” يَعمَلَ ” هنا الى العبادة. فالمال هو تجاه الله إله كذاب. هو صنم يتعبد له الانسان. ويستنتج من هذه الآية أنه خطر إذ قد يجعل المال الانسان وثنياً. اما عبارة ” المال” في اليونانية μαμωνᾶ (مامون) فتشير الى “المال كسلطان يستعبد العالم (لوقا 16: 9)، لان للمال قوة وسلطة ان ينتزع مكانة الله في حياة الانسان. ويعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم “يسمّي المسيح المال هنا ربًّا لا بسبب طبيعته الذاتيّة، إنّما بسبب تعاسة الذين ينحنون لنيره… فما أتعس المُدانين من أمثال الذين يتخلّون عن الله ربّهم ليتسلّط عليهم المال تسلّطًا مؤلمـًا”. إن المال سيد مخادع. والمال يَعد صاحبه بالسيادة والسلطة، لكنه غالبا لا يفي بوعده. ولا يمكن لأي قدر من المال أن يهب الإنسان الصحة والسعادة والحياة الأبدية. فالأفضل اتخاذ الله لا المال سيداً؛ اما خادم الله فهو يحيا في راحة بال وطمأنينة وامان في هذا العالم الآن والى الابد؛ أمَّا عبارة “سيدان”، فلا تشير الى سيدين، إنما سيد واحد، إذ ليس للمال حق السيادة، إنما الإنسان هو الذي يثقل نفسه بنير العبوديَّة (للمال) كما يعلق القديس أمبروسيوس. “يضع السيد المسيح حدًا فاصلاً بين قبول تبعيته والارتباط بمحبة المال. الله ليس ضد الغنى، فإبراهيم وإسحق ويعقوب كانوا أغنياء، والله لم يكن ضدهم، بل الله ضد عبادة المال، أي يصير المال هدفًا وإلهًا يُعبَدْ، أو أداة للملذات والترف الزائد بينما الفقراء في جوع وحرمان”. وعبادة المال تعني أن يظن الإنسان أن المال فيه ضمانًا للمستقبل. ومن هنا جاءت وصية بولس الرسول “واعلَمْ أَنَّه سَتَأتي في الأَيَّام الأَخيرَة أَزمِنَةٌ عَسيرَة يَكونُ النَّاسُ فيها مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمِ ولِلْمَال … فأَعرِضْ عن أُولئِكَ النَّاس”(2 طيموتاوس 3: 1-5).
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)، نستنتج ان النص يتمحور حول الأمانة في الوكالة في استعمال خيرات الارض. وهنا نتساءل عن نقطتين: كيف حكم الرجل الغني على وكليه الخائن؟ وكيف حكم يسوع عليه؟
1) حكم الرجل الغني على وكليه الخائن
“أَثْنى السَّيِّدُ على الوَكيلِ الخائِن، لِأَنَّه كانَ فَطِناً في تَصَرُّفِه. وذلِك أَنَّ أَبناءَ هذهِ الدُّنيا أَكثرُ فِطنَةً مع أَشباهِهِم مِن أَبْناءِ النُّور” (لوقا 17: 8). غريب تقدير السيد لعبده الخائن لا لخيانته بل لفطنته. لم يمتدحه على فضيلته بل على حكمته. أعجب السيد بذكاء عقل وكيله، لكنه لم يُسر باعوجاج قلبه، والاّ فلماذا عزله عن وظيفته. عرف الوكيل كيف يتصرّف بالمال تصرّفا ذكياً. عرف كيف يستعمل المال لخدمة الآخرين آملا ان يُحسنوا اليه كما أحسن هو إليهم فيؤمن مستقبله. فكر في أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه سيده الوكالة، وكأنَّه يطبق كلام يسوع “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد ” (لوقا 12: 32).
فلا يجوز لنا بأي شكل من الاشكال أن نسيء استعمال المال خاصة مال الغير. في حين نجد ان البشر يستنفذون كل طاقاتهم وكل إمكانياتهم في الأمور الاقتصادية والمالية كي يحصلوا على أفضل ثمر ونتيجة. ويُعلق القديس كيرلس الكبير “لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل به بالتزامه بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة)”.
2) حكم يسوع على الوكيل الخائن
ينتقل يسوع من مسالة الفطنة الى مسالة المال ليفسر مثل الوكيل الخائن. ويعطي يسوع أربعة تعليمات حول كيفية استعمال المال: المال خير قليل الأهمية، المال خير مكتسب، المال خير غريب، المال وسيلة للخدمة
ا) المال خير قليل الأهمية
“مَن كانَ أَميناً على القَليل، كانَ أَميناً على الكثيرِ أَيضاً” (لوقا 16: 10) يعتبر يسوع المسيح المال خير قليل الأهمية، أمَّا الامر الكبير او الكثير الأهمية في نظر يسوع هو الحياة الأبدية والخيرات الإلهية. المال له أهمية محدودة. ومن هنا يوصي يسوع بان يُحسن الانسان استعمال او إدارة المال او الأمور الزمنية فيتعرف على كيفية التصرف في الامور الأكثر أهمية، وهي الأمور الروحية. لذا ليست نصيحة يسوع دعوة الى تبذير الأموال بل الى حُسن استعماله. قد يُستخدم المال في الخير أو الشر فلنستخدم أموالنا في الخير.
وعليه فإننا نستنج ان ليس المال الذي يجعل الانسان إنسانا، فالغنى المادي لا يجعل من الانسان كائنا سعيداً. ليست القيمة في المال. انما القيمة في الانسان، لا فيما يملك. فيُمكن ان يملك الانسان الكثير وان يكون تعيسا وشريرا، لذا يدعو يسوع حسن استعمال الخيرات الحقيقية. لذا ليس المال شرًّا بطبيعته الذاتيّة، بل يصبح المال شرًّا حين يتعامل المرء معه بكونه هدفًا لا وسيلة لهدف أسمى هو محبّة الإنسان ومساعدته. المال يصبح شرًّا حين تصبح محبّته أقوى من محبّة الإنسان الآخر وسد حاجته. ومن هنا جاءت وصية يسوع “فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه” (متّى 6، 33). إنّ كنوز السماء أغلى وأثمن بكثير من غنى الأرض. لكن لو كنّا غير جديرين أو غير أهل للمحافظة على الغنى الأرضي بغض النظر عن قلّته أو كثرته في أيدينا فلسنا جديرين بالكنوز الفائقة لملكوت الربّ.
ب) المال خير غريب
“فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟ (لوقا 16: 12). ليس المال خير الانسان الحقيقي، انما هو خير غريب. وذلك لأن المال باطل، فهو موجود اليوم، وغير موجود غدًا، ولا يستطيع أن يأخذه الانسان معه إلى العالم الآخر. “باطِلُ الأَباطيل، يَقولُ الجامِعة كُلُّ شيَءً باطِل” (الجامعة 12: 8). ويُعلق القديس كيرلس الكبير ” إن ما ليس لكم هو الغنى الذي نمتلكه، إذ لم نولد ومعنا الغنى، بل بالعكس وُلدنا عراة، ويمكننا بحق أن نؤكد كلمات الكتاب المقدَّس: “فإِنَّنا لم نَأتِ العالَمِ وَمَعَنا شَيء، ولا نَستَطيعُ أَن نَخرُجَ مِنه ومَعَنا شَيء” (1 طيموتاوس 6: 7)، وكما نطق أيضا أيوب البار ” عُرْيانًا خَرَجتُ مِن جَوفِ أُمّي وعُرْيانًا أَعودُ إِلَيه، الرَّبُّ أَعْطْى والرَّبُّ أَخَذ فلْيَكُنَ اسمُ الرَّبِّ مُبارَكًا” (أيوب 1: 21)؛ وعليه لا نضيّع الموارد الّتي لدينا، لأنّها ملك للربّ وليس ملكنا. يمكن عمل ثروات ضخمة، ويمكن فقدها أيضاً بين عشيّة وضحاها، أو في ظرف يوم واحد. وقد يصبح المال حراما عندما يغدو الهاً، إضافة الى كونه زائل، تراه من بعيد كأنه حقيقة وسرعان ما تقترب إليه تجده سراب.
ج) المال خير مكتسب:
” اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام” (لوقا 16: 9). من ناحية المال هو ثمرة التعب، ” بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا” (التكوين 3: 19). المال قوام الحياة، وهَم كل ِّ إنسان. والانسان لا يستطيع ان يضمن لنفسه ولعائلته العيش الكريم بدون المال كما جاء في سفر التكوين ” بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا” (التكوين 3: 19). ومن ناحية أخرى يمكن ان يكون المال سبب ظلم. فقد اعتبره يسوع أمرا “حراما” وسبب خطيئة، إذ هناك الظلم في المال الحرام لأنه يحرم الآخرين من حقهم. فقد تفسد أهواء الانسان فينقلب المال بين يديه أداة ظلم إذ يعبد المال بدلا من ربه ويسخّر المال لشهواته في هذه الدنيا بدلا لآخرته من خلال بذله في اعمال البر والرحمة. وتصبح ثروة الشخص وقيمته تقدر بالمال، والعلاقات يحددها المال، والأمان هو المال. وقد يسخر الانسان الآخر ويستغله ويدوس على كرامته ليجمع مال أكثر. فيصح المال ربا ومن هنا جاءت كلمة يسوع “ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال” (لوقا 16: 13). كانَ أيّوب غنياً، لكنّه لم يترك ثرواته تتملكه وتسيطر عليه، بل كان يستخدمُ المال لمساعدة الآخرين، وكان يعتبرُ نفسه موزِّعًا للخيرات، لا مالكًا لها؛ كان سيّدَ المال، لا عبدَه. وبكلمة أخرى، للمال قوّة وسلطان، فلنستخدمه بحرص ورويّة.
د) المال خير للملكوت
“اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة” (لوقا 16: 9). يطلب المسيح منا أن تكون لنا النظرة المستقبلية للمال، وليس النظرة المحدودة بهذا العالم. وأن الحياة المستقبلية هي ثمرة ونتيجة للحياة الحاضرة. والله أعطانا مال الحرام الذي هو مال الأرض، كي نستخدمه بحكمة فننال الخير الحق في الملكوت “فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟ (لوقا 16: 11).
لذا يعتبر يسوع المال خادما وبالتالي رمزا للمحبة. اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة. (لوقا 16: 9). ومن هنا جاءت نصيحة يسوع للذي دعاه لتناول العشاء” إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ. ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان. فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار”(لوقا 14: 12-14). وعليه فإن أولئك الّذين يحصلون على الصدقات يصبحون أصدقاءنا لأنّنا كنّا رحماء معهم وقت عوزهم، تماماً كما أنّ الربّ رحيماً معنا ” طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون” (متى 5: 7).
فالمال خير لاكتساب الملكوت من خلال مساعدة القريب. والقريب ليس قريبنا بالجسد وحسب، بل هو كلّ إنسان نلتقي به في حياتنا اليوميّة. قريبنا ليس فقط مَن كان شريكنا في الدين أو في الطائفة أو في الوطن أو في اللون أو في العرق أو في الجنس… قريبنا هو كلّ إنسان خلقه الله على صورته ومثاله. وتزداد هذه القرابة كلّما زادت حاجة هذا الإنسان إلينا والى اموالنا. فالمسيح ساوى نفسه بالقريب المحتاج حين قال: ” لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ” (متّى 25، 35-36). أن نحبّ الله حقًّا يقتضي أن نحبّ الجائع والنازح والذي بلا مأوى، ليس بالقول أو بالفكر وحسب، بل بالفعل، أي بمالنا وبكلّ ما نملك.
إن استعمال المال للصدقة والإحسان يجعل لنا أصدقاء أولئك الذين من اجلهم اتى المسيح (لوقا 4: 18). هؤلاء الفقراء يكونون يوما في ” حضن إبراهيم” (لوقا 16: 21-25)، أي ذوي منزلة رفيعة في السماء ويستقبلون في المظال الأبدية من قبل الله، أولئك الذين كانوا لهم في الأرض محسنين. يقول القديس منصور دي بول “الفقراء؟ هم الذين يفتحون لنا السماء فإن أردنا بلوغ السعادة الأبدية، علينا ان نحيا ونموت في خدمة الفقراء”. ويعلق القدّيس أمبروسيوس “إنّ صدور الفقراء، وبيوت الأرامل، وأفواه الأطفال، هي بمثابة الأهراء الّتي تدوم إلى الأبد”. تتكوّن الثروة الحقيقيّة ليس فيما نحتفظ به بل فيما نُعطيه. يتوقّع الربّ منّا أن نضعها في خدمة الآخرين. نحن ننتمي إلى الربّ وكلّ ما نملكه هو له.
لذا يطلب يسوع الأمانة في القليل، وذلك أن يترفق الإنسان بالمحتاج، ويعين من هم في ضائقة بما لديه من المال. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” إن خدمت القدِّيسين (الفقراء) فستشاركهم مكافأتهم. الصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة”. وقد كتب بولس الرسول ” لأنَّنا مِن صَنْعِ الله خُلِقْنا في المسيحِ يسوعَ لِلأَعمالِ الصَّالِحةِ الَّتي أَعَدَّها اللهُ بِسابِقِ إِعدادِه لنِمُارِسَها” (أفسس 2: 10). يريد الله أن نحول أموالنا لتصير لنا رصيد سماوي. “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد “(لوقا 12: 33).
وخير مثال على استعمال المال كوسيلة للخدمة عالمنا المعاصر ما حظيت الأم تريزا بإعجاب العالم ونالت العديد من الجوائز تقديرا لخدماتها الجليلة لأفقر الفقراء. وقد عرفت كيف تستغل سمعتها العالمية بذكاء من أجل جمع المال والمساعدات لخدمة القضية الإنسانية النبيلة التي جعلتها هدفا لها. في حين كانَ الفِرِّيسِيُّونَ، وهُم مُحِبُّونَ لِلمال، يَسمَعونَ يسوع وَيَهزَأُونَ بِه” (لوقا 16، 14). ونستنتج من هنا ان حبّ المال يطرد من القلب محبّة الربّ ومحبّة القريب.
لذا من أراد ان يعبد الإنسان الله حقًّا يقتضي أن يتصرّف بالمال باعتباره أنّ المال أمانة من الله يصرفها في أماكنه حيث ينبغي أن يُصرف، على المحتاجين والمستضعفين والنازحين والمعذَّبين. الإنسان لا يكون مالكًا ماله إلاّ حين يصرفه. فهو عبد المال، لا مالك له، حين يحتفظ به لنفسه ظانًّا أنّه ضمانة لمستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده. وعليه فإن الانسان يجد نفسه أمام خَيار بين عبادة الله والعمل في سبيل ملكوته ولسعادة الأبدية، ام عبادة المال والعمل في سبيل تكديس الثروات الأرضيّة وكبرياء الغنى وشهواته. إنّه اختيار حاسم. يعتمد عليه نجاح أو فشل حياتنا. لكن في اختيارنا في استعمال المال من أجل إسعاف الإخوة المحتاجين فإنّه يُصبح المال مفتاحاً للسماء. ” لأَنَّ المَحبَّةَ تَستُرُ كَثيرًا مِنَ الخَطايا (1بطرس 4: 8). وباختصار، ينبغي علينا أن نستخدم مواردنا الماديّة بطريقة تساعدنا في الحياة الأبديّة، لأنّ ” مَن يَرحَمِ الفَقير َيُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه”(أمثال 19، 17.
العبرة
نعيش نحن كوكلاء الله، كل ما هو بين أيدينا من عمل يديه أو عطيَّة من عنده، سواء مواهبنا أو قدراتنا أو دوافعنا أو عواطفنا أو ممتلكاتنا حتى جسدنا وأوقاتنا. نحن وكلاء، سنعطى حسابًا عن كل كلمة. غاية الله من هذه الوكالة ان نحمل سماته فينا التي تتمركز في “الأمانة”. إن كان الله قد دعي “الأمين” كما جاء في تعليم بولس الرسول “هو اللهُ أَمينٌ دَعاكُم إِلى مُشارَكةِ اَبنِه يسوعَ المسيحِ رَبِّنا”(1 قورنتس 1: 9) فإنه يود في أبنائه أن يكونوا أمناء على مثاله، إذ يوصينا: ” كُنْ أَمينًا حَتَّى المَوت، فسأعْطيكَ إِكْليلَ الحَياة ” (رؤيا 2: 10). فنحن أمام الله وكلاء لا ملاّكون. كل ما نملك من مال، خيرات، صفات، إمكانيات عقلية وفكرية وعاطفية وأدبية سنؤدي عنه حسابا. ما الانسان الا وكيل والله هو الملاّك. من هنا لا حق لنا في تبذير “مال ” الله. وسنؤدي حساباً عن الغنى الذي لم نستثمره.
إن الحياة المستقبلية ثمرة ونتيجة للحياة الحاضرة، وان الطريقة التي بها يتصرّف الانسان بمتاع الدنيا تعيّن مصيره في الحياة في الآخرة. لذا لا يستحسن ان نضيع الموارد التي لدينا، لأنها ملك لله وليس لنا. ولذا ينبغي علينا ان نستخدم مواردنا المادية بطريقة تساعدنا في الحياة الأبدية. لآن استخدام المال كغاية في حد ذاته سرعان ما يفصلنا عن الله وعن المحتاجين. وإن مفتاح استخدام المال بحكمة هو كم من المال نستخدمه في تحقيق مقاصد الله بدلاً ان نكوّم المال لأنفسنا؛ وذلك تلبية لوصية السيد المسيح “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد.” (لوقا 12 / 33). فالإنسان لا يستطيع ان يفصل بين ما يؤمن وما يعمل. وما يكنزه يكشف عن اولوياته الحقيقية واهتماماته الفعلية بالأشياء التي تنفق فيها وقته وماله وطاقته ” فحَيثُ يَكونُ كَنزُكُم يَكونَ قَلبُكم ” (لوقا 12: 34).

الخلاصة
يدعونا الله ان نكون أمناء على عطاياه لنا. إن كل ما نتمتع به الآن في حياتنا الحاضرة من وقت وصحة ومال وأقرباء وآباء وأولاد، إنما هي عطايا من الله لنا، ونحن وكلاء عليها. ففكر الوكيل ماذا يفعل في أيامه القادمة، ولكن سيده أمتدحه لأنه في حكمة فكر في مستقبله، فكر في أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه الوكالة.

دعاء
“أيها الربّ يسوع، كلّ ما أملكه هو هبة منك. ساعدني أن أكون وكيلاً حكيما وفطنا وأميناً للموارد الّتي تضعها بين يديّ، بما في ذلك استعمال وقتي وأموالي وممتلكاتي. يا مريم أمّي، أم الحكمة الإلهيّة، اجعليني حكيماً في استخدام هبات ابنك الإلهي، وعاقلاً في التعامل مع من وضعهم في حياتي، أعطيني الأمانة في استخدام جميع الهبات والمواهب الّتي منحني إيّاها ابنك الإلهي لمجدك ولخير قريبي واجعليني مدركاً لما يؤثّر في تقدّمي الروحي وعارفا في اختيار الربّ يسوع، بصفته الغنى الّذي له القيمة الحقيقيّة في الحياة. آمين”.

قصة
جاءني يوما شاب في اعتراف ليخبرني أنَّ شخصاً بحاجة لمبلغ كبير من المال ليعمل عملية لإنقاذ حياته، وهو لا يملك المبلغ فوعدته بتدبير المبلغ. خرج هذا الشاب ودخل آخر ليعترف بأنه يدخن، فقلت له هذا مال تحرقه “خسارة كل هذه النقود تصرف على التدخين” فقال عندي أموال كثيرة فماذا أعمل بها. فقلت لنفسي إنه “مال ظُلم حقًا”.