بأي سلطة يقوم بهذه الأعمال ويعلّم هذا التعليم
البطريرك بيتسابالا
قرأنا في الأحد الماضي مَثَل ربّ البيت الذي استأجر عُمّالا لكرمه في ساعات مختلفة من النهار، ليعطيهم في آخر اليوم نفس المكافأة (متى ٢٠: ١– ١٦). اليوم أيضاً، نسمع مَثَل رجل يرسل بدوره أشخاصا للعمل في كرمه. إلا أن هؤلاء الأشخاص ليسوا عمّالا عاديين بل ابنيه. وبينهما نجد تباينا كبيرا في المواقف.
لا زلنا في الفصل الحادي والعشرين من إنجيل متى: قام يسوع بدخول احتفالي إلى القدس (متى ٢١: ١– ١٠) وطرد الباعة من الهيكل وقلب طاولات الصيارفة (متى ٢١: ١٢)، وهو الآن في الهيكل يتكلم مع رؤساء الفريسيين (متى ٢١: ٢٣) وهم يتساءلون: بأي سلطة يقوم بهذه الأعمال ويعلّم هذا التعليم.
يجيب يسوع فوراً على هذه التساؤلات مشيراً إلى المعمدان (متى ٢١: ٢٤ – ٢٦) كاشفاً بذلك عدم قدرة الفريسيين على تقبّل أي استفزاز أو تنبيه: وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
يروي يسوع بعد ذلك المثَل الذي نسمعه اليوم، والذي يفتتحه بسؤال: “ما رأيكم؟” (متى ٢١: ٢٨) حاثاً بذلك الحضور على الإصغاء إليه. سيتكرر السؤال فيما بعد، عندما يُسأل المستمعون عمّن أطاع أباه حقا (متى ٢١: ٣١)؛ وذلك لإعادة النظر في حياتهم وفي ضيق أفقهم فيتمكنوا من تغيير حياتهم.
المَثَل(متى ٢١: ٢٨– ٣٠) قصير وبسيط (بحيث لا يدعي بعدم فهمه له) ويروي قصة أب يطلب من ابنيه الذهاب والعمل في الكرم: الأول يرفض لعدم رغبته في ذلك إلا أنه بعد حين يندم ويذهب إلى الكرم. أما الابن الآخر فيجيب “نعم” إلا أنه لا يذهب.
يمكننا قراءة المَثَل على مستويين على الأقل.
المستوى الأول خاص بإنجيل متى حيث لا تكفي الكلمات للدخول الفعلي في الملكوت، بل الأفعال: يكفي التفكير في المَثَل الذي يختتم عظة الجبل وهو مثل البيتين (متى ٧: ٢٤ – ٢٧)، حيث بُني الأول على الصخر والآخر على الرمل. هنا التفسير يسبق المَثَل: “ليس من يقول لي “يا رب يا رب” يَدخُل مَلكوتَ السموات، بل مَن يَعمَل بِمَشيئة أبي…” (متى ٧: ٢١).
إن موضوع هذا المَثَل قريب من قلب القديس متى الذي يعطي أمثلة إيجابية عن أشخاص لا يقولون بل يفعلون: أولهم بالطبع هو يوسف الذي لا يتكلم أبداً بل يفعل ما يسمعه (متى ١: ٢٤؛ ٢: ١٤). كما ونجد أشخاصاً آخرين مثله في المَثَل الذي رواه يسوع قبل آلامه وقيامته. إنه مَثَل الدينونة العظمى، حيث نكتشف أن الملكوت سيكون من نصيب من يقوم بمبادرات محبة، حتى وإن لم يكن واعيا لها.
إن موضوع العلاقة بين الكلام والأعمال مهم جداً لأنه يُعبّر عن الانسجام الكامن في قلب كل من يعيش خلاص المسيح، حيث الأعمال تعكس الإيمان الذي يعمّر القلب؛ إنها الكلمة التي تثمر(متى ١٣: ٢٣)…
إلا أن هناك مستوى ثانيا: في الواقع، بعد سرده للمَثَل، يوضّح يسوع أن العمل في الكرم لا يقوم على أعمال محددة ولكن على التوبة والإيمان (متى ٢١: ٢٣)، على غرار من يقول “لا” في البداية ولكنه يندم ويذهب إلى العمل في الكرم.
إذا قرأنا هذا المَثَل، ونحن نتذكر قراءة الأحد الماضي، نستطيع القول أن العمل في الكرم يتمثّل في اهتداء قلب من يقبل منطق الملكوت الجديد.
إن قول كلمة “نعم” ومن ثم الذهاب، يتطلب أن يستعد الشخص استعدادا جذرياً لتحوّل في القلب وبالتالي في العينين والحياة. إنه ليس مجرد فعل يقوم به المرء بل عقلية جديدة يجب العيش بموجبها.
على غرار العمّال في قراءة الأحد الماضي، إن التعب أي العمل الواجب القيام به يبدأ داخل الذات، ويتمثّل في الخروج من عقلية المكافأة وتبنّي منطق النعمة، وهو منطق محيّر لا وجود له إلا في ملكوت السماء.
وإن نظرنا إلى أناجيل الآحاد السابقة، لاحظنا أن المنطق الجديد هو منطق المغفرة، منطق الذي يعيش بقوة المغفرة المكتسبة بحيث لا يقدر إلا مشاركتها مع الإخوة.
كان رؤساء الفريسيين بالتأكيد يقومون بأعمال حسنة.
ما كانوا يفتقرون إليه، وهو قول كلمة “نعم” في حياتهم وأفعالهم معا، هو الندم العميق وطاعة الله الذي يعطي ويحب من يعطي مجانا، والذي يغيّر الحياة بأكملها وعليه يغيّر العلاقات ويجعلها أخوية حقاً.
في هذه الحالة، إنّ “الخطأة” محظوظون لأنه من الطبيعي لهم أن يشعروا بالحاجة والنقص. لذا “سيتقدمون” على الاخرين(متى ٢١: ٣١)، كما رأينا في مثَل الأحد الماضي، حيث الآخرون يصيرون أولين. إن “التقدّم” هو ما يقوم به السيّد الذي يمشي أمام التلميذ ليريه الطريق.
رأينا في الآحاد السابقة كيف طلب يسوع من بطرس أن ينسحب وراءه (متى ١٦: ٢٣)، ليكون تلميذاً وليس سيّداً. وفي متى ٢٣: ١٠ يطلب يسوع بوضوح أن لا يُدعى أحد سيّدا غيره.
إن المعلمين الوحيدين الذين يسمح لهم يسوع بأن يكونوا كذلك هم الصغار: الأطفال (متى ١٨: ٣؛ ١٩: ١٤) والخطأة، وأولئك الذين تعلموا المنطق الذي يسود هذا الكرم الغريب حيث يدعو الآب الجميع، ويمنح الحياة مجانا لكل من يقبله.
+بييرباتيستا