دعوة عامة لدخول مَلكوتِ السَّمَوات (متى 20: 1 -16)
الأب لويس حزبون
يسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على موضوع استحقاق العضوية لدخول ملكوت السماوات من خلال مثل العملة واجرتهم (متى 20: 1 -16). فالدخول لملكوت الله يتوقف قبل كل شيء على نعمة الله وكرمه وعلى الايمان بالمسيح وليس على أولوية الخدمة او مدتها. فالعهد بين الله والانسان يعتمد على حرية الله وصلاحه ومجانية عطائه وليس على معايير البشر؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 20: 1 -16)
1 ((فَمَثلُ مَلكوتِ السَّمَوات كَمَثلِ رَبِّ بَيتٍ خَرَجَ عِندَ الفَجرِ لِيَستأجِرَ عَمَلةً لِكَرمِه.
تشير عبارة َ َمَثلِ رَبِّ بَيتٍ خَرَجَ عِندَ الفَجرِ لِيَستأجِرَ عَمَلةً لِكَرمِه ُ” الى مثل مأخوذ من البيئة الفلسطينية حيث أعتاد العمّال الأجراء أن يتجمعوا في مكان معين من القرية، ينتظرون مَن يأتي ليستأجرهم من أجل عمل يومٍ واحد للعمل في حقول أصحاب المزارع نظير اجر متفق عليه. اما عبارة ” رَبِّ بَيتٍ ” فتشير الى انسان غني جداً، وكرمه الواسع يحتاج الى عمّال كثيرين بحيث لا يبقى أحدٌ عاطلٌ عن العمل. ذاك هو تصرف الله الذي يحتاج الى كل واحد منا للعمل في كرمه، في كنيسته، في ملكوته. الله يمثل رب الكرم. اما عبارة ” خَرَجَ” التي تكررت ثلاث مرات في النص (متى 20: 3، 5، 6) فتشير الى عمل الله مع البشريّة. وكأنه أراد أن يؤكّد لنا حقيقة هامة، وهي أن الله في حبّه للبشريّة لم ينتظرها وإنما دائمًا وأبدًا هو الذي يبادر بالخروج إليها في كل ساعة من ساعات النهار، وكأن لا عمل له غير خلاص الإنسان ومصالحته. أمَّا عبارة ” عِندَ الفَجرِ ” فتشير الى ساعات الصباح الأولى للدلالة على بداية تكوين الأمة اليهودية حين دعا الله إبراهيم. اما عيارة ِ”كَرمِه” فتشير الى موسم قطاف العنب وهو من بداية شهر آب لنهاية شهر أيلول. واما من الناحية الرمزية فالكرم يدل على الشعب المختار وشعب العهد كما لمّح اشعيا النبي “لِأَنَّ كَرمَ رَبِّ القواتِ هو بَيتُ إِسْرائيل وأُناسُ يَهوذا “(اشعيا 5: 7). واما في المعنى الروحي فكرْمه يدل على القلب الذي فيه يُقيم مملكته، كقوله “فها إِنَّ مَلكوتَ اللهِ بَينَكم ” (لوقا 17: 21). ويريد الرب ان يدخل جميع العمال في كرمه بحيث لا يبقى أحدٌ عاطلٌ عن العمل.
2فاتَّفقَ معَ العَمَلةِ على دينارٍ في اليَوم وأَرسَلهم إِلى كَرْمِه.
تشير عبارة “دينار” الى الدينار الروماني وهو أجرة عامل في اليوم في ذلك الوقت. ويوم العمل عند اليهود يبدأ من الصباح الباكر حتى غروب الشمس. وهكذا يُرى ان سيّد الكرم كان عادلا حين أعطى العمال الاولين ما اعطاهم، وحين اعطى الاخرين مثل الاوَّلين دلالة على جود الرب الذي لم يردْ العمال الاولون ان يفهموه. وقد رأى العلامة أوريجانوس في الدينار، الذي قدّمه وكيل رب البيت للعاملين في كرمه، أنه رمز الخلاص. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول” فإِنَّه يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ” (1 طيموتاوس 2: 4). فالدينار هو رمز الخلاص سيقدمه الله لكل مؤمن تائب، واما في مفهوم القديس أوغسطينوس فيرى في الدينار رمز الحياة الأبديّة “. في هذا الأجر نتساوى جميعًا، يكون الأوّل كالأخير، والأخير كالأوّل، لأن ذلك الدينار هو الحياة الأبديّة، وفي الحياة الأبديّة الكل متساوون”. فاليهود الذين هم أصحاب الساعة الأولى – الذين عرفوا الله منذ أيام إبراهيم وإسحق ويعقوب – متساوون مع الوثنيين أصحاب الساعة المتأخرة. اما عبارة “اتَّفقَ ” فتشير الى عدل صاحب الكرم حين أعطى العمال الاوَّلين ديناراً، وامّا حين اعطى الآخرين مثل الاولين فهو دلالة َ على سخائه وصلاحه. تفترض آية (متى 20: 16) ان المدعوّين الأوائل هم اليهود الذين رفضوا الدينار. اما عبارة ” العَمَلةِ” فتشير الى كل البشر الذين يدعوهم الله للحياة معه وخدمته لدخول الملكوت السماوي.
3ثُمَّ خَرَجَ نَحوَ السَّاعةِ التَّاسِعة، فرأَى عَمَلةً آخَرينَ قائمينَ في السَّاحَةِ بَطَّالين. 4فقالَ لَهم: ((اِذهَبوا أَنتُم أَيضاً إِلى كَرْمي، وسَأُعطيكُم ما كانَ عَدْلاً))، 5فذَهَبوا. وخرَجَ أَيضاً نَحوَ الظُّهْر ثُمَّ نَحوَ الثَّالِثَةِ بَعدَ الظُّهْر، ففَعلَ مِثلَ ذلك.
تشير عبارة ” نَحوَ السَّاعةِ التَّاسِعة ” الى الثالثة في أيامنا. اما عبارة “السَّاحَة” فتشير الى المكان العادي الذي ينتظر فيه العمّال الذين يطلبون عملا. اما عبارة “سَأُعطيكُم ما كانَ عَدْلاً” فتشير الى الوعد بدفع أجرة عادلة ولكنه لم يُحدِّدها. اما عبارة ” نَحوَ الظُّهْر” فتشير الى الساعة السادسة في أيامنا، أما عبارة ” نَحوَ الثَّالِثَةِ بَعدَ الظُّهْر” فتشير الى الساعة التاسعة ي ايامنا.
6وخَرَجَ نَحوَ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر، فَلَقِيَ أُناساً آخرينَ قائمينَ هُناك، فقالَ لَهم: لِماذا قُمتُم هَهُنا طَوالَ النَّهارِ بَطَّالين؟)) 7قالوا له: ((لم يَستأجِرْنا أَحَد)). قالَ لَهم: ((اِذهَبوا أَنتُم أَيضاً إِلى كَرْمي)).
تشير عبارة ” نَحوَ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر” الى الساعة الحادية عشرة قبل ساعة من غياب الشمس، هي ساعة دعوة الأمم. فكان النهار والليل يُقسم الى أربعة أقسام، وكل قسم ثلاث ساعات. هكذا يخرج رب البيت إلينا ليدعونا للعمل، كما يؤكده يوحنا الرسول “يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، وفيه لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل” (يوحنا 9: 4). ما هي هذه الساعات إلاّ مراحل حياة الإنسان عِبر كل حياته، مرحلة الفجر تُشير إلى الطفولة، والثالثة إلى الصبوّة، والسادسة حيث وقت الظهيرة تُشير إلى الشباب، والتاسعة تُشير إلى الرجولة، والحادية عشر إلى الشيخوخة، أي إلى الساعة الأخيرة من حياتنا. وهكذا يدعونا الله للعمل منذ طفولتنا المبكّرة مشتاقًا أن يكون كل العمر مكرسًا لحساب ملكوته ويبقى يدعونا فاتحًا ذراعيه بالحب لنا حتى اللحظات الأخيرة من عمرنا حيث إنه لا ييأس قط منّا، مشتاقًا أن نستجيب لدعوته، ونعمل لحسابه. إن الكرم مفتوح لنا والصوت الإلهي لا يتوقّف مادام الوقت يُدعى اليوم، وما زلنا نحمل نفسًا ولو كان الأخير لهذا يقول الرسول بولس: “لِيُشَدِّدْ بَعضُكم بَعضًا كُلَّ يَوم، ما دامَ إِعلانُ هذا اليَوم، لِئَلاَّ يَقسُوَ أَحَدُكم بِخَديعَةٍ مِنَ الخَطيئَة” (عبرانيين 3: 13). أما عبارة “أُناساً آخرينَ قائمينَ هُناك” فتشير الى الوثنيين الذين وحدهم قبلوا الدينار. اما عبارة “لِماذا قُمتُم هَهُنا طَوالَ النَّهارِ بَطَّالين؟ ” فتشير الى اهتمام صاحب الكرم بمأساة العملة البطالين. فبحثه عن العمال خمس مرات في اليوم لا يفعل ذلك لأجل مصلحته الخاصة، بل لمصلحة العملة البطالين ، فما يقلقه أكثر من أيّ شيء آخر هو أنّ يعمل الجميع؛ اما عبارة “لم يَستأجِرْنا أَحَد” فتشير الى جواب أصحاب الساعة الحادية عشرة بأنهم كانوا راغبين في العمل وليسوا متكاسلين، بل لم يستأجرهم أحد. فهم ليسوا متكاسلين ولا مقاومين لله بل لم تصلهم دعوة الله.
8ولمَّا جاءَ المساء قالَ صاحِبُ الكَرْمِ لِوَكيلِه: ((أُدعُ العَمَلَةَ وادفَعْ لَهُمُ الأُجرَة، مُبتَدِئاً بِالآخِرين مُنتَهِياً بِالأَوَّلين)).
تشير عبارة ” ولمَّا جاءَ المساء قالَ صاحِبُ الكَرْمِ لِوَكيلِه: أُدعُ العَمَلَةَ وادفَعْ لَهُمُ الأُجرَة” الى تطبيق ما ورد في احكام العهد القديم ” لا تُبِتْ أُجرَةَ الأَجيرِ عِندَكَ إِلى الغَد”(احبار 19: 13). ويشرح سفر تثنية الاشتراع السبب دفع الاجرة مباشرة دون تأخير ” ادفَعْ إِلَيه أُجرَتَه في يَومِه، ولا تَغِبْ علَيها الشمْسِ، لأَنَّه مِسْكين وإِلَيها يَطمَح، لِئَلاَّ يَصرُخ علَيكَ إِلى الرَّبّ، فَتكونَ علَيكَ خَطيئَة” (تثنية الاشتراع 24: 15). اما عبارة ” ِوَكيلِه ” فتشير الى السيد المسيح كون صاحب الكرم هو الله. اما عبارة ” مُبتَدِئاً بِالآخِرين مُنتَهِياً بِالأَوَّلين ” فتشير الى ترتيب الدفعات ترتيب عكسي، والغاية منه تعليم حول العدل والنعمة او المجانية، وهو المبحث الأساسي في المثل الذي له صلة في الحكمة التي بدا بها مثل العملة “وكَثيرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يصيرونَ آخِرين، وَمِنَ الآخِرينَ أَوَّلين” (متى 19: 30) وانتهى بها “فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين” (متى 20: 16).
9فجاءَ أَصحابُ السَّاعةِ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر وأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم ديناراً. 10ثُمَّ جاءَ الأَوَّلون، فظَنُّوا أَنَّهم سيَأخُذونَ أَكثَرَ مِن هؤُلاء، فَأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم أَيضاً ديناراً. 11وكانوا يأخُذونَه ويقولون مُتَذَمِّرينَ على ربِّ البَيت:
تشير عبارة “جاءَ أَصحابُ السَّاعةِ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر” الى العمَّال الذين اتو أخراً وهم الذين وثِقوا بربِّ العمل، وأطاعوا كلمته، ولبَّوا دعوته فوراً، ولم يُناقشوه في مِقدار الأجرة. لانَّ ما دفعه صاحب العمل إلى ذلك ليس المنفعة التي ستأتيه من عملهم، إنّما اهتمامه بأولئك المساكين العاطلين عن العمل، محبّتهُ المجّانيَة. اما عبارة ” فَأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم أَيضاً ديناراً ” فتشير الى تساوي عمال آخر النهار مع عمال الفجر مما يدل على تساوي الامم الوثنية واليهودية حيث اخذوا كل منهم دينار الخلاص؛ لكن اليهود كانوا يظنّون أن الخلاص لهم وحدهم والمسيّح قادم لهم دون غيرهم. اما عبارة ” مُتَذَمِّرينَ على ربِّ البَيت ” فتشير الى تهديد العمال الأولين لرب البيت وتوعّدهم له، لأنهم قبضوا اجرتهم بعد الآخرين، بل لأنهم قبضوا الأجرة نفسها الذي قبضها عملة الساعة الاخيرة. فلما رأوا الآخرين ينالون ما نالوه هم، رفضوا منطق رب الكرم الذي يتنافى ومنطق البشر. في منطق الرب يسوع ينال العشارون ما ينال الفريسيون، والخطأة ما ينال الابرار، كذلك في منطق الكنيسة ينال الوثنيون ما ناله اليهود. وقد عبّرت اسفار العهد القديم عن تذمر الناس على الله فالتذمّر هو فعل متكرّر في سفر الخروج (خروج 15: 24، 16: 2-12، 17: 3)، كثيرة هي الأحداث الّتي لا يعرف فيها بنو إسرائيل أن يرى خلاص الربّ حيث تذمر اليهود الصالحون الابرار عليه تعالى، لأنه يغفر للخاطئين ويرحم التائبين وقالوا ” لَيسَ طَريق السَّيَدِ بِمُستَقيم (حزقيال 18: 25)، كذلك يونان النبي احتج على الله، لان الله غفر لأهل نينوى (يونان 3). كما عبَّر الانجيل عن هذا التذمر، فعلى سبيل المثال في مثل الابن الشاطر حيث تذمر الابن الاكبر على ابيه بقوله “لمَّا قَدِمَ ابنُكَ هذا الَّذي أَكَلَ مالَكَ مع البَغايا ذَبَحتَ له العِجْلَ المُسَمَّن!” (لوقا 15: 30)، وفي شفاء أعميين في أريحا (متى 20: 31)، لكن الله يعلن “إِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ. كما تَعْلو السَّمواتُ عنِ الأَرض كذلك طُرُقي تَعْلو عن طُرُقِكم وأَفْكاري عن أَفْكارِكم (اشعيا 55: 8-9). كان عنوان أحد الافلام” ذراعك أقصر من أن تقاتل الله” هذا يحذرنا من مهاجمة الله. يحق لنا ان نطرح الأسئلة لكن بالحب وفي الحب ومع الحب وبدون تذمر. فمرجع التذمر الحسد، والحسد دفع اليهود لرفض المسيح فصاروا آخرون. لا ندع الحسد يتغلب علينا فنتضايق من رحمة الله مع الآخرين!
12 ((هؤُلاءِ الَّذينَ أَتَوا آخِراً لم يَعمَلوا غَيرَ ساعةٍ واحدة، فساوَيتَهم بِنا نحنُ الَّذينَ احتَمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وَحَرَّه الشَّديد)).
تشير عبارة ” هؤُلاءِ الَّذينَ أَتَوا آخِراً ” الى الأمم الوثنية فهم آخر من دُعي للدخول في “العهد”، فهم يُعاملون على قدم المساواة مع شعب اليهودي. ان الله لا يتعامل بالامتيازات، لكن اليهود رفضوا منطق رب الكرم الذي يتنافى مع منطق البشر في جوده وسخائه ورحمته. ويُظهر يسوع هذا المنطق بإعطائه الأولوية الى الآخرين من الفقراء والمنبوذين والمهمشين والخطأة. لا نُقَيِّم ما نستحقه بعملنا، ولكن الله في سخائه يعطى بحسب نعمته أكثر مما نظن أو نفتكر. اما عبارة ” فساوَيتَهم بِنا” فتشير الى ان المساواة في الاجر سبب تذمر لعمّل الساعة الأولى برغم عدم التساوي بين اثنتي عشرة ساعة عمل احتَمَلْوا ثِقَلَ النَّهارِ وَحَرَّه الشَّديد، وساعة عمل واحدة بعد عروب الشمس. وكأنها مسالة عدالة.
13فأَجابَ واحداً مِنهُم: ((يا صَديقي، ما ظَلَمتُكَ، أَلم تَتَّفِقْ مَعي على دينار؟
تشير عبارة ” يا صَديقي ” الى صاحب وكأنه يتحدّث معه كصديق مع صديقه. اما عبارة ” ما ظَلَمتُكَ” فتشير الى احترام قانون العمل وتنفيذ الاتفاقية وعدم سلب العامل اجره المتفق عليه. اما عبارة ” أَلم تَتَّفِقْ مَعي على دينار؟ فتشير الى احترام رب البيت اتفاقية الاجرة، مما بنزع كل سلاح من يد العمال. إنه يعطي “دينار الخلاص” لمن يشاء من المتقدِّمين والمتأخرين للعمل دونما اعتبار لساعة قدومهم، وانتقاص لقيمة أجرهم. فهو عادل مع المتقدمين، وسخي مع المتأخرين، ولا يحرم أحداً مكافأة تعبه. فصاحب العمل تصرف تصرفا كريما مع عمال الساعة الأخيرة. أنه تصرف بحرية وهمه ان يُظهر صلاح الله. ولكل انسان مكانه في الملكوت. غير أنَّه لا يرضى بأن يحسُد الناس بعضُهم بعضاً بسبب كرَمِه وصلاحه.
14خُذْ ما لَكَ وَانصَرِفْ. فَهذا الَّذي أَتى آخِراً أُريدُ أَن أُعطِيَهُ مِثلَك:
تشير عبارة ” فَهذا الَّذي أَتى آخِراً أُريدُ أَن أُعطِيَهُ مِثلَك” الى تشديد على أرادة السيد في العطاء. السيد يعطى ليس بحسب الأعمال والاستحقاق فحسب بل بحسب محبته ورحمته ونعمته. وهو يعطى أكثر مما نظن أنه يعطي بحسب نعمته “ذاكَ الَّذي يَستَطيعُ، بِقُوَّتِه العامِلَةِ فينا، أَن يَبلُغَ ما يَفوقُ كثيرًا كُلَّ ما نَسأَلُه أَو نَتصَوَّرُه” (أفسس 3: 20). إن ملكوت الله لا يقوم على موازنة حسابية انما على كرمه تعالى وصلاحه وحريته. وإذا كانت الاجور تقرر على اساس ما يؤديه العامل، وعلى اساس مؤهلاته وكفايته ومدى إنتاجه، فإنما نظام الاسرة يتبع نظاما آخر، فالآب يوزَّع بين بنيه على اساس الحاجة، لا على اساس المقدرة الانتاجية. ونظام الاسرة هو نظام ملكوت الله. والله لا يمنح الناس اقل مما يستحقون، بل يجزل لهم العطاء دائما أكثر مما هم أهل له.
15أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟ أَم عَينُكَ حَسودٌ لأَنِّي كريم؟ ))
تشير عبارة ” لا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟ ” الى حرية الله في العمل فهو صالح وله الحق ان يعطي او لا يعطي كما يشاء. وينبغي ان نحرص على الاَّ يُثير فينا صلاح الله وجوده أي شكوى او تذمر. فهنا العدالة موجودة لكن مع طيبة. اما عبارة ” كما أَشاء ” فتشير الى إرادة السيد في العطاء، هذا ما يسمى النعمة. السيد يعطى ليس بحسب الأعمال والاستحقاق بل بحسب محبته ورحمته ونعمه. يريد يسوع أن يُبيِّن من خلال المثل أن رأفة الله تفوق معايير البشر في المكافأة المفهومة كأجرة مستحقة. اما عبارة “عَينُكَ حَسودٌ” باليونانية πονηρός (ومعناها شريرة) فتشير الى الحسد الذي يؤدي الى التذمر، فقد أخذ هذا الانسان الحسود ماله، ما اتفق به رب البيت معه، لكن ما أحزنه أن ينال اخوته مثله. لم يقم حزنه على حرمانه من شيء، وإنما من أجل الخير الذي ناله الغير. انه يرى “الظلم” الواقع عليه، بسبب الشعور الخفيّ بالرضى عن الذات لأنّه قد عمل لساعات أطول، وبالتالي فإنّه أفضل من غيره لكنه لا يرى طيبة صاحب العمل بسبب عينه الحسود؛ اما عبارة ” أَم عَينُكَ حَسودٌ لأَنِّي كريم؟ ” فتشير الى حقيقة ان نحن نحسد بعضنا، وما دمنا نحسد بعضنا، فلن نستطيع ان نفهم كرم الله وصلاحه. ويدعونا السيد المسيح الى الكف عن الحسد أمام كرم الله ومحبته حيث ان كل شيء ينبع من النعمة. فالحسد هو كره نعمةَ الله على الآخرين، وتمنَّي أن تزولَ عنهم، أو أن يُسلبَها، ويُشبِّه الحكماء الحسد ” نَخر العِظام” (أمثال 14: 30)، إنه سُمٌّ يؤدّي إلى الانقسام ويسبّب المنافسات العقيمة ويفرّق بين الجماعة بالخصومات (رومة 13: 13) وبالمشاحنات (1 قورنتس 3: 3) وبالمرارة (يعقوب 3: 14). اما عبارة ” كريم؟” باليونانية ἀγαθός (ومعناه صالح) فتشير الى كريم يعطي بسخاء. وهو يدل على الله الصالح كما ورد في الحديث يسوع مع الشاب الغني ” إِنَّما الصَّالِحُ ἀγαθόςواحِد”(متى 19: 17). وتدل عطية الله على جوده الإلهي. وهذه العطية ليست عائدة على أعمالنا بل عائدة على كرمه، فالنعمة هي عطية مجانية لا تعطى لأعمالنا بل هي محبة من الله ” أمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنًّا خاطِئين” (رومة 5: 8). يدل رب البيت على الله كما ظهر في شخص يسوع. لذا يجب ألاّ نتذمر على الله لو وجدنا الله يعطى آخَر نصيبا أكبر منا مع أننا عملنا أكثر منه. العمل ليس هو مقياس عطايا الله لنا إنما صلاحه ونعمته وحريته تعالى. وبدلًا من أن نكون حسودًين لأنّ أولئك الأشخاص المساكين حصلوا على أجرٍ جيّد، لِمَ لا يفرح قلبُنا للمشاركة بفرح الأب السماوي عندما يهتدي أبناؤه في آخر ساعة؟ “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ” (اعمال الرسل 20: 35). والحُب يتجاوز متطلبّات العدالة، حيث يأخذ كلّ ذي حقِ حقّهُ. أنّ السيّد ليس ربّ عمل وإنّما أب. وأنّ جميع العمّال الآخرين هم أبناءه وإخوة. أخوّة متجذّرة في هذه الأبوّة.
16فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين”.
تشير عبارة ” يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين” الى المبدأ الاساسي في المثل الذي يشرح وضع كنيسة متى الإنجيلي حيث ان الوثنيون الذين دعوا في وقت متأخر أتوا قبل اليهود الذين كانوا أوّل المدعوّين. ينال المسيحيون بالتساوي الحياة الابدية، إذ ان المكافأة التي هي الحياة الابدية تعطى على أساس موت المسيح من اجلهم لا بمقتضى المعايير الدنيوية كما جاء في تذمر عمال اصحاب الساعة الأولى ” هؤُلاءِ الَّذينَ أَتَوا آخِراً لم يَعمَلوا غَيرَ ساعةٍ واحدة، فساوَيتَهم بِنا نحنُ الَّذينَ احتَمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وَحَرَّه الشَّديد (متى 20: 12). إن التذمُّر الناجم عن الحسَد هو الذي جعَلَ الذين كانوا أوّلين يتراجعون إلى المرتبة الأخيرة ” فصار الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين”. ان هذه الآية مكررة سابقاً ” وكَثيرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يصيرونَ آخِرين، وَمِنَ الآخِرينَ أَوَّلين” (متى 19: 30)، ومغزاها هو ان الثواب في العالم الآتي يتوقف على نعمة الله والايمان بالمسيح وليس على نوعية الخدمة او مقدارها. أن الرب لم يقل إن كل أول سيكون آخِراً وكل آخِر سيكون أولا، لكنه قال كثيرين.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 20: 1 -16)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 20: 1 -16)، نستنتج انه يتمحور حول الأجرة لدخول ملكوت الله بحيث يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين. ومن هنا نتساءل ما هي الأجرة لدخول ملكوت السماوات؟ وما وهو البعد اللاهوتي والكنسي المسكوني والروحي والاسكتولوجي لدخول ملكوت الله؟
1) ما هي أجرة دخول البشر ملكوت الله؟
كل عمل يستحق أجراً وهو جزاء له من صلب العدالة (أيوب 7: 1-2) فالله عادل، لا يمكنه إلاّ ان يعطي كل من يؤدي المهمة الموكولة اليه ما يستحقه. فمنذ تاريخ الخلاص، يعد الله إبراهيم بأجر (تكوين 15: 1) وهذا الاجر المناسب للعمل يظهر محددً في السطور الأخيرة من الكتاب المقدس (رؤيا 22: 12). ان الله يجازي كل واحد حسب أعماله (أمثال 12: 14). وإذا كان الإنسان الذي يتمم خدمته، يستطيع ان يعتمد على اجره، أن من يرفض العمل المفروض عليه، يرى نفسه محروم من هذا الآجر. يبقى ان حكم الله هذا يفوق بلا قياس حكم الإنسان. والانسان أعجز من ان ينفذ الى سر الله، الذي هو رحمة وأمانة وعدل وحب.
اما في المجال الديني يبدو انه ينبغي ان يذهب التجرد الى حد استبعاد مفكرة المكافأة. ان دخول ملكوت الله أي الخلاص هي هبة الله، ليس أجرا قد استحقّه عمل ما (رومة 4: 4)، وإلا لما بقيت النعمة نعمة كما يوكِّد ذلك بولس الرسول ” فإِذا كانَ الاِختِيارُ بِالنِّعمَة، فلَيسَ هو إِذًا بِالأَعمال، وإِلاَّ لم تَبْقَ النِّعمَةُ نِعمَة “(رومة 11: 6)، فان أحد يستحق الخلاص بعمله، لما عاد هناك مكان لنعمة الله “لأُبَطِلَ الإِيمانُ ونُقِضَ الوَعْد” (رومة 4: 14).
إن الملكوت هو عطية الله ما بعدها عطية، إلا ان الحصول عليها يقتضي استيفاء بعض الشروط. وذلك لا يعني ان هناك أجراً يستحق استحقاقاً ويجب تأديته من باب العدالة. فإنما الله بمطلق حرّيته يستخدم الناس في كرمه، ويعطي لعماله ما يرى ان يعطي (متى 20: 1-16). ولئن كان كل شيء نعمة مجانية، فلا بد وان يتجاوب بنو البشر مع النعمة.
فالمطلوب ممن يريد ان يدخل الملكوت ويرثه هو روح الفقر (متى 5: 3) وموقف الطفولة (متى 18: 1-4) وجهد في سبيل الملكوت وبره (متى 6: 33) واحتمال للاضطهادات (متى 5: 10) وتضحية بكل ما نملك (متى 13: 44-46) وكمال أعظم من كمال الفريسيين (متى 7: 21) ولا سيَّما فيما يعلق بشؤون المحبة الأخوية (متى 25: 34) واليقظة والسهر (متى 25: 1-13) وعليه، فأن كان الجميع مدعوين، الا أنهم لن يكونوا جميعا مختارين، فسيطرد من الوليمة المدعو الذي لا يرتدي حلة العرس (متى 22: 11-14). والخطأة المتصلبون في الشر ” لا يَرِثونَ مَلَكوتَ الله (غلاطية 5: 21).
2) ما هي الابعاد لدخول ملكوت الله؟
من منطلق ان دخول ملكوت الله هي نعمة من الله، لدخول الملكوت أبعاد لاهوتية وكنسية ومسكونية والاسكتولوجية والروحية.
البعد اللاهوتي:
يكشف السيد المسيح من خلال المثل حقيقة وجه الآب: إنه إله يبادر البشر بحبه ويريدهم ان يشتركوا في ملكوته وسعادته. انه إلهٌ يجود بخيراته على الجميع ويدعوهم بدون ملل. إنه إلهٌ ذو كرم وصلاح لا يحاسبنا على قدر استحقاقنا ولكن على قدر سَخائه. يقول القديس أوغسطينوس “إن السيِّد في هذا المثل قد فتح الباب للجميع، فلا ييأس أحد، إنه يكرّر الدعوة قابلًا الجميع”. فالمسيح دعا بولس الرسول في منتصف حياته بعد أن كان مضطهدًا للكنيسة، كان آخِرًا فصار أولًا (اعمال الرسل 9: 1-19).
ودعوته لنا للعمل في كرمه هي دعوة عمليّة ومستمرّة عبر كل ساعات نهارنا وحياتنا من طفولتنا حتى شيخوختنا. الله لا يتوقف ان يدعو الناس الى الخلاص “ما دامَ إِعلانُ هذا اليَوم” كما جاء في رسالة صاحب العبرانيين (عبرانيين 13:3).
البعد الكنسي:
كما ان رب البيت دفع في آخر الامر الأجرة للعملة الذين دعاهم أولا، كذلك يُدخل الله في ملكوته آخرا اليهود الذين دعاهم أولا ويُدخل الوثنيين أولا الذين دعاهم أخيرا. ان الاولين، أصحاب الساعة الأولى هم اليهود، الذين دُعوا الى الخلاص أول الناس، لكنهم رفضوا المسيح وصاروا آخر الناس. وان الآخرين، اصحاب الساعة الأخيرة، هم الشعوب الوثنية، الذين دُعوا الى الخلاص آخر الناس، وقبلوا المسيح فصاروا أول الناس. فالوثنيون الذين دُعوا في وقت مـتأخر دخلوا الى الكنيسة قبل اليهود الذين كانوا أول المدعوّين.
ان العالم الوثني سبق العالم اليهودي الى الملكوت ” يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين” (متى 20: 16). حيث ان الآخرين اكتشفوا وتقبلوا رحمة الله المجانية فاشتركوا حالا في ملكوته، لان هذه المشاركة تبدو لهم لا كحق مكتسب بل كعطية مجانية كما صرّح بولس الرسول “فلَيسَ الأَمرُ إِذًا أَمرَ إِرادَةٍ أَو سَعيٍ، بل هو أَمرُ رَحمَةِ اللّه” (رومة 9: 16).
لقد كان اليهود ينظرون إلى الأمم الوثنية نظرة احتقار وكراهية. وفي اعتقادهم أنّه لو دخل الأمم ملكوت الربّ، فيجب أن يكون مقامهم أدنى من اليهود. لذلك أراد يسوع أن يبيّن أنه إذا دخلت الأمم إلى الكنيسة، فيجب أن يكون لهم المقام عينه والاعتبار عينه. ليس من سياسة الربّ تفضيل أمّة على أمّة كما جاء ي عظة بطرس الرسول ” أَنَّ اللهَ لا يُراعي ظاهِرَ النَّاس، فمَنِ اتَّقاه مِن أَيَّةِ أُمَّةٍ كانت وعَمِلَ البِرَّ كانَ عِندَه مَرضِيًّا” (اعمال الرسل 10: 34-35).
الامم الوثنية هم اولئك المدعوون الآخرون للدخول في “العهد”، وهم يُعاملون على قَدم المُساواة مع الشعب اليهودي حيث نال الوثنيون ما ناله اليهود. وعليه فإن الانتماء الى الشعب اليهودي، لم يعد شرطاً ضروريا لدخول الملكوت، كما كان في العهد القديم، وفي هذا الصدد صرّح السيد المسيح “سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إِبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات، 12 وأَمَّا بَنو المَلَكوت فَيُلقَوْنَ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة”(متى 8: 11-12).
لو فرح العمال الأولون بهذه النعمة لكانوا بلا شك من الاولين، ولكن حسدهم جعلهم يتذمرون فأصبحوا من الآخرين. الله يهب “دينار الخلاص” أي الدخول الى كنيسته لَمَن يشاء من المتقدمين او المتأخرين، لا نظرا الى استحقاقاتهم بل لرحمته تعالى التي لا تقاس بمعايير الناس ” كما يقول اشعيا على لسان الرب “إِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ” (اشعيا 55: 8). فمنطق الله غير منطق الناس.
وهنا نرى الفرق بين اليهودية والمسيحية. فاليهود يفهمون أن الله يعطى كل واحد بحسب اعماله، أما المسيحية فتفهم أن عطايا الله ليست بحسب الاعمال بل بمقتضى النعمة وهذا هو ما علم به بولس الرسول ” الَّذي خَلَّصَنا ودَعانا دَعوَةً مُقَدَّسة، لا بالنَّظَرِ إِلى أَعمالِنا، بل وَفْقًا لِسابِقِ تَدْبيرِه والنِّعمَةِ الَّتي وُهِبَت لَنا في المسيحِ يسوعَ مُنْذُ الأَزَل” (2 طيموتاوس 1: 9).
البعد المسكوني:
يكشف المثل ان الرب لا يحتقر عاملا جاءه في ساعة متأخرة ولا من طبقة متواضعة، ان خلاص الله لا يُحصر في أمة دون أمة، وانما الله يهب الخلاص للناس أجمعين دونما اعتبار للمكانة او للزمان او لمدة الخدمة. الله أكبر من قلوبنا (يوحنا 3: 20) فيَحق للجميع ان يشاركوا في محبة ألاب السماوي في الخلاص الذي قدّمه عن طريق ابنه يسوع المسيح. فلماذا التذمر والحسد إن نال الآخرون ما نلناه نحن؟ الرب يدعو الجميع حتى آخر لحظة. ويقبل حتى من يأتي متأخراً. اقتداءً بالربّ، ينبغي أن ينظر الأوّلون الآخرين باللطف وبمحبة، وليس بعين الحسود وبقلب شرّير.
ويبيّن لنا المثل أنّه لا يشترط الأقدميّة لدخول ملكوت الله. فالرب لا يحكم من باب العدل والاستحقاق فقط بل من باب المحبة أيضا، والمحبة هي عطاء دون حساب وإنها تتفوّق وتسمو على العدل. فالرب هو إله الجميع، وهو لا يدفع أجرة فحسب، أنما يعطى بمحبة وبسخاء. إنه تعالى يعطى أكثر مما نظن أو نتوقع. إنه يعطي بحسب نعمته كما جاء في تعليم بولس الرسول “ذاكَ الَّذي يَستَطيعُ، بِقُوَّتِه العامِلَةِ فينا، أَن يَبلُغَ ما يَفوقُ كثيرًا كُلَّ ما نَسأَلُه أَو نَتصَوَّرُه” (أفسس 3: 20). نحن لا نكسب ما نناله من الربّ بجهدنا، لكنّه يُعطينا من جوده وصلاحه وحبّ قلبه؛ فالدخول إلى ملكوت الخلاص هو بفضل نعمة الربّ ومحبته. فلك منا الشكر والحمد لاستقبالك الجميع.
البعد الاسكتولوجي او الأخروي:
الله ينزل إلينا عبر التاريخ كله، من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، ومن ساعة إلى أخرى، يطلب فعَلَة لكي يدخل بهم إلى كرْمه الإلهي، وليهبهم المكافأة الأبديّة عند مساء حياتهم الزمنيّة. إنّ الأبرار الذين أتوا إلى العالم في البداية، مثل هابيل ونوح، (التكوين 9: 8) كانوا من المدعوِّين في الساعات الأولى، كما أنّ بعض الأبرار الذين جاؤوا من بعدهم، مثل إبراهيم، وإسحق، ويعقوب (التكوين 17: 4-8) وكلّ مَن عاصروهم، قد تمّت دعوتهم في الساعة الثالثة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأبرار الآخرين مثل موسى، وهارون وكلّ الذين تمّت دعوتهم معهم في الساعة السادسة؛ ثمّ يأتي دور الأنبياء القدّيسين، وهم من المدعوين في الساعة التاسعة. وفي نهاية العالم، المؤمنون المدعوّون في الساعة الحادية عشر كما جاء في تعليم يوحنا الرسول “أجَل، اُثبُتوا فيه الآن، يا بَنِيَّ. فإِذا ظَهَرَ كُنَّا مُطمَئِنِّين ولَن نَخْزى في بُعْدِنا عنه عِندَ مَجيئه” (1 يوحنا 2: 28)، سنكون كلّنا متساوين، الأوّلون كأنّهم الآخرون، والآخرون كأنّهم الأوّلون لأننا سننال كلنا معاً “دينار الخلاص والحياة الأبدية “. لكن لن يكون الكل متساوون في المجد، بل ” كُلُّ واحِدٍ ورُتْبَتُه. فالبكرُ أَوَّلاً وهو المَسيح، ثُمَّ الَّذينَ يَكونونَ خاصَّةَ المسيحِ عِندَ مَجيئِه” (1 قورنتس 15: 23).
البعد الروحي:
كما ان رب البيت لم يكن غير عادل، لما اعطى جميع العملة أجرتهم واحدة بالتساوي، ” فَأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم ديناراً”(متى 20: 10)، لأنه لا يستند الى استحقاقاتهم، بل الى كَرمه وصلاحه، كذلك لم يكن الله غير عادل لما قبل الخاطئين في ملكوته، لأنه كريم. ان الاولين هم الفريسيون، والآخرين هم العشارون والخطأة. في منطق يسوع ينال العشارون ما ينال الفريسيون، والخطأة ما ينال الابرار. لكن الفريسيون حسدوا الخطأة والعشارين واخذ يتذمرون على يسوع “هذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم!” (لوقا 15: 2)، ولم يفهموا ان الله يهمَّه الآخرون كما يهمه الأولون، يهمه الأبرار والخطأة، الأصحاء والمرضى معا. بل ان للمرضى والخطأة المقام الاول في قلب الله كما جاء في قوله “ليسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبرار، بلِ الخاطِئين” (مرقس 2: 17). ويعطي يسوع الأولوية للآخرين: المنبوذين والفقراء والخطأة والعشارين “إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله” (متى 21: 31). وعليه فان هدف المثل هو أن الرب يريد ألاّ يتمسك لتلاميذه بالفكر الفريسي، وهو رفض الخطأة، بل ان يكون لهم قلب رحيم، فالله كائن كله رحمة يشارك العاشرين والخطأة في ملكوته مجانا، لان جوده عظيم وكرمه واسع” لأَنِّي كريم”(متى 20: 15).
يختار الله الانسان رغم عداوته له بسبب الخطيئة ويعفو عنه “لَمَّا كُنَّا لاَ نَزالُ ضُعَفاء، ماتَ المسيحُ في الوَقْتِ المُحدَّدِ مِن أَجْلِ قَوْمٍ كافِرين، … أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين. …فإِن صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ َابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحون! ” (رومة 5: 6-10)، ولم تخلصنا نعمة الله من الموت بإعلان التبرئة فحسب، (رومة 3: 24)، إنما وصلت في سخائها الى اقصى الحدود ” حَيثُ كَثُرَتِ الخَطيئَةُ فاضَتِ النِّعمَة (رومة 5: 20) والله يوزّعها بلا حساب كما جاء في تعليم بولس الرسول “حتَّى إِذا كَثُرَتِ النِّعمَةُ عِندَ عَدَدٍ أَوفَرَ مِنَ النَّاس، أَفاضَتِ الشُّكرَ لِمَجْدِ الله” (2 قورنتس 4: 15). وبما ان الله ” لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟ (رومة 8: 32).
فلله الحق ان يعطي او لا يعطي كما يشاء. وبدون محبة أخوية وبدون تضامن لا نستطيع ان نفهم صلاح الله. هنا نتذكر جواب يسوع لسؤال الغني ” لماذا تَسأَلُني عَنِ الصَّالِح؟ إِنَّما الصَّالِحُ واحِد” (متى 19: 17). الصالح هو الله. والخلاص هو نتيجة صلاح الله ونعمة الله وكرمه، وبدونه لا يستحق أحد الحياة الابدية. لذا يتوجب علينا ان لا نحسد من يرجعوا الى الله في اللحظات الاخيرة من حياتهم، كما رجع اللص اليمين الذي قال ليسوع المصلوب” أذكُرْني يا يسوع إِذا ما جئتَ في مَلَكوتِكَ” ((لوقا 23: 42). فاللص الذي تاب وهو على عتبة الموت نال الخلاص مثله مثل الشخص الذي آمن وخدم الله سنين عديدة.
فالتوبة لا وقت لأوانها ابدا، لا تكون مبكرة ولا تكون متأخرة وان أجر التوبة واحد عند الله. يجب الا نحسد من رجعوا الى الله في اللحظات الأخيرة من حياتهم لأنه لا يستحق أحد الحياة الأبدية. فبدل التذمر على الله لقبوله الخطأة والمنبوذين. علينا ان نشكر الله على نعمه وخاصة على ما أحسن به الينا وأن نسير سيرة تليق بإنجيل المسيح.
الخلاصة
يُّبيِّن المثل العملة واجرتهم ان الله هو رب البيت، والمؤمنون هم الذين يعملون من أجله، وان رأفة الله تفوق معايير البشر في المكافأة المفهومة كأجرة مستحقّة، دون الوقوع في الحكم الاعتباطي، ولا يركز هذا المثل على المكافآت، بل على الخلاص، فالله الصالح والعظيم الجودة يطالب بحق الآخرين في الخلاص، فهو الأب الذي يعيد الى أبنه الضال (الشاطر) كل حقوق البنوة ( لوقا 15: 11-32)، وهو الملك الذي يعفو عن دّيْن كبير جدا ( متى 18: 23- 35) وهو السامري الرحيم الذي يشفق على الرجل الذي وقع بأيدي اللصوص في طريق اريحا ( ( لوقا 10: 25-37)… فالمثل يعلمنا عن نعمة الله وكرمه، ويدعونا الى الكف عن الحسد تجاه هذه النعمة.
ويوجّه يسوع هذا المثل أولا الى الفريسيين الذي حسدوا الخطأة والعشّارين (لوقا 15: 1-32)، وما فهموا ان الله يهمّه الآخرون كما يهمّه الأولون، يهمه الاصحاء والمرضى معاً، الابرار والخطأة، بل إن المرضى والخطأة لهم المقام الأول في قلب الله. لان في الملكوت قاعدة واحدة لا غير هي كرم الله المجاني، ولا يسع الآنستان ان يدّعي أي حق مكتسب من الله. الله عندما يكلل جهودنا (المستحيلة لولا نعمته) ويُكلل استحقاقاتنا (المستمدة فيمتها من تعالى)، فإنما هو يتمّ فينا عطيته ويُفيضها علينا. أن الملكوت عطيّة مجانية نأخذها بالشكر، ونعمة نتقبّلها بكامل حرّيتنا او نرفضها. وهذا يظهر كله في الدينونة التي بدأ عملها منذ الآن.
دعاء
أيها الآب السماوي، انت إله كل خير، لا ترضى أن ترانا بطَّالين، بل تبادرنا بدعوتنا إليك في كل حين، انزع منا الحسد، واجعلنا ندرك أنك الهٌ محبُ، تجمع على مائدة ملكوتك جميع الناس، بِغضّ النظر عن عرقهم وطبقتهم الاجتماعيّة وانتمائهم، وتعطينا دوما أكثر ممّا نستحق، ولكنّك تهتم ببعضنا بصورة خاصة ليس لأنّك تميزهم عن البقية بل لأنهم بحاجة أكثر إلى الرعاية والرحمة والمحبة، نشكرك على كل نعمه في حياتنا وفي حياة مَن حولنا.
قصة
توفي أحد الربانيين وهو شاب صغير علة عمر يناهز 28 عاما. وعرفوا أنه في نعيم بالرغم من أنه عمل عملا لمدة قصيرة. فقالوا هذا يشبه ملكا استأجر عمالا لكرمه، ووجد عاملا صغيرا أعجبه عمله فاصطحبه معه في الدخول والخروج.
فلما أتى وقت الحساب أعطاه كالآخرين الذين عملوا كل اليوم. فتذمر هؤلاء وقالوا إن هذا لم يعمل سوى ساعتين. وكان ردُّ الملك لكنه بمهارته أنجز في الساعتين نفس ما عملتموه كل اليوم. وكان هذا إشارة لمميزات هذا الرابي. ملخص الفكر اليهودي أن عطاء الله بحسب العمل. ومثل السيد المسيح هنا معناه أنه يعطى بمقتضى نعمته. في الفكر اليهودي أن عطاء الله بحسب العمل وبحسب الاستحقاق، أما في المسيحية فإن عطاء الله بحسب محبته ورحمته وهذا ما نسميه النعمة.