“لا افتخار إلاّ بصليب العار والغار” (غلاطية 6: 14-18)
الأب بيتر مدروس
“لا افتخار إلاّ بصليب العار والغار” (غلاطية 6: 14-18)
يكتب رسول الأمم – أو يملي- هذه الكلمات المؤثّرة المأثورة: “أمّا أنا، فحاشى (لي) أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وصُلبتُ أنا للعالم” (غل 6: 14). تكفي هذه الآية لعظة أو محاضرة أو كتاب بل مجلّد، من ناحية المبدأ. بالمقابلة مع الرسالة الثانية إلى القورنثيين، في الفصول 10 إلى النهاية، وهي “الدفاع الشخصي لبولس عن نفسه ورسالته”، يفاخر الرسول بحالات ضعفه “لكي تظهر فيه قوّة المسيح”، خصوصًا وقد “أوتي (أي “وُهب”) شوكة في الجسد، مَلَك الشّيطان ليلطمه”: يحسب اللّطمة هديّة والشّوكة نعمة، وكلاهما موضع افتخار بضعفه “حيث تكمل القوّة”، لا قوّته هو بل قوّة الله.
نبدأ باعتراض “صديقي” ج ح (من “شهود يهوه”)
لقي الدّاعي شابًّا (حينها) لحظ “تكهربًا” عنده وانتفاضًا كلّما ذكرتُ الصّليب. وكانت تلك أوّل مرّة أصادف فيها أحدًا من “شهود يهوه” من “تلاميذ التوراة” لجميع الأمم (يعني المقابل للعبريّة “تلمود توراه” תלמוד תורה). وعندما استشهد الدّاعي بغلاطية 6: 14، استطرد ج: “ليس النص هكذا بل: “حاشى أن أفتخر إلاّ بخشبة عار سيّدنا يسوع المسيح” أوّل ملحوظة: تحريف للفظة σταυρός”صليب” وإزالتهت من “ترجمة العالم الجديد”. واستمر ج : “أَكمِل الآية: “حيث صُلب العالم لي…”، فالمقصود لا صليب الخشب المادي بل صليب معنوي مجازيّ!”
يعني “بخّروا الصليب” أو كما يقول الرسول نفسه “أفرغوا الصّليب” κενωθη (عن 1 قور 1: 17) واعتمدوا بخلاف بولس وسائر الرسل على “حكمة الكلام” أي الألفاظ وحشو الدّماغ وفذلكات “برج صهيون للمراقبة”. وكان الرّدّ المنطقي على ج: ” مار بولس يتكلم عن الصليب الخشبي المادي الذي حمله يسوع حقًّا وصُلب عليه فعلاً (وإلاّ التحقتم بالبدعة الدوقيتية أو التشبيهيّة) وعلى هذا الصليب المادي الحقيقيّ صُلب بولس مجازًا للعالم. بلا الصليب المادي والصلب الحقيقي ليسوع، لا صلب معنويا ولا مجازيا لبولس للعالم وللعالم لبولس”.
وما كاد يسمع ج – بلا حماس- الجواب المذكور أعلاه، حتى أخرج من جعبته الأمريكية اليهودية اعتراضًا آخر، وكأنه وإن لم يكن يلبس حزامًا ناسفًا كان ينوي “نسف” آية بآية بما معناه: ” لا يجوز الافتخار بالصليب (رفض صريح لغلاطية 6 : 14) لأنّ “من يفتخر فليفتخر بالرب” (عن 1 قور 1: 31، 2 قور 10: 17). والردّ على ج والذين يتوهمون أوهامه: ” الافتخار بصليب الرب افتخار بالرب”. أو بين الأحياء: الافتخار بالرب، بين الأشياء: الافتخار بصليب الرب، وصليب الرب من مزايا الرب، لا “صليب” المعبود “تمّوز” ولا صليب “مفتاح الحياة المصري” ولا إشارة “زائد”! ولعلّ مثلاً بسيطًا ينفع: افتخاري بذكاء ابني، أليس افتخارًا بابني؟
ويذكر المرء هنا أنّ من صفات “أعداء صليب المسيح”: “إلههم بطنهم ومجدهم (اي فخرهم) في عورتهم”، وهي إشارة جليّة إلى الختان (عن فيليبّي 3: 19).
“أمّا أنا (بولس) فحاشى لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح” (غل 6: 14 أ)
ممكن نقل العبارة اليونانية الأصليّة μή γενόιτο بعبارات مثل ” حاشى” أو “لا سمح الله” أو “معاذ الله”: تعبير بولسيّ قويّ لا مساومة فيه، يعبّر عن موقف دائم لا يتزعزع قيد أنملة. والسؤال الواقعي لنا نحن مسيحيّي الشّرق: أنفتخر بالصليب أم نخفيه، خوفًا على حياتنا وخشية الاستهزاء أو البصق (عند “متيديني” اليهود) أو الاعتداء … أكيد أننا، في بيئاتنا من يهودية وإسلاميّة، يجب أن نكون “ودعاء كالحمام وحكماء كالحيات” ومؤكّد أن لا “تقيّة” عندنا تسمح بإنكار إيماننا وقت الشدائد والاضطهادات والمذابح، ولكن من الحكمة عدم استفزاز الآخرين في استعراضات غير ضرورية لإيماننا في بيئات معادية عنيفة، مثل شبه جزيرة سيناء حيث اغتيل مؤخّرًا كاهن قبطي جديد، أو في قطاع غزّة أو في حيّ “ميئاه شعاريم” أو “بنيه براك” لليهود المتشدّدين في فلسطين. وإذا سئلنا عن إيماننا، فلا مجال للتهرب ولا للإنكار مثل بطرس ولا للخيانة مثل يهوذا إذ قال الرب: “من أنكرني أمام الناس، أنكرتُه أمام أبي الذي في السماوات”.
بلاغة الصّليب ومعناه عندنا “نحن المخلّصين” المخلصين (عن 1 قور 1: 18 ت)
والصليب عندنا أكثر من إشارة وأبلغ من رمز: صليب يسوع المادي الحقيقي أداة خلاصنا. وكان قدس الأب الراحل يعقوب سعادة، مؤلّف “الجواب من الكتاب”، يوضح أنّنا لا نفاخر بصلب الرب، فالصلب جريمة نكراء بل بصليب الرب الذي تحوّل من أداة عقاب وعذاب وإعدام إلى وسيلة خلاص وبرهان الحب الأقصى ومعناطيس الفادي (عن يوحنا 12: 32) وعرش المخلّص “وميزان العالم” ومرساة الأمان وسفينة النجاة.
وكان اعتراض “عنيد” يعود وما يزال: “إذا قتل أحد شقيقك بمسدس، فهل تكرم المسدس؟” هذه هي بالضبط (“لا راحت ولا أجت”) العقلية الوثنية واليهودية التي يفضحها مار بولس والتي تحسب صليب يسوع حجر عثرة (للعبرانيين) وحماقة (للأمميين)، وهي تنظر إليه النظرة الأفقية الدنيوية السطحيّة كوسيلة عقاب وإعدام وعار( عن 1 قور 1 : 18 وتابع). ولكن بولس لا يبشّر بيسوع إلاّ “مصلوبًا” منطلقًا من منطق عدم الافتخار إلاّ بالصّليب ( عن 1 قور 2: 2). ويطالب المعترض بالجواب: لا بأس: “سأكرم المسدس الذي قتل شقيقي إذا كانت بلادي ستتحرّر بوفاة شقيقي!” كما نكرم الشهداء وأدوات شهادتهم، كما يفتخر بولس الرسول نفسه ب”قيوده” وكما أرى يسوع “يديه وجنبه” اي جراحه وموضع طعنة الجندي الروماني كهويّته وبطاقته وميّزة شخصيّته و “تذكرته” (كما يقال في اللهجة اللبنانية).
نعم، صليب ربّنا يسوع المسيح هو المغناطيس الذي يجذبنا إليه والدليل على صدقه ونزاهته وعدم استغلاله ل”نبوّة” أو “دعوة” أو “معجزات”، لا مالاً ولا حريمًا ولا جاهًا … صليب يسوع هو القدوة لنا كي نحمل صلباننا (هنا معنويا ومجازا، وأحيانا يحمّلوننا إياها بشكل حقيقي ويصلبوننا عليها، حتى في القرن الحادي والعشرين). حملنا لصليبنا ملخّص اتّباعنا للمسيح ونحن “حاملون عاره، خارج المحلّة”.
حذف الصليب والمصلوب من المؤسسات الغربيّة
بذريعة “العلمانيّة” حذفت العديد من الدول الرموز المسيحيّة فقط، وأبقت كلّ الرموز الباقية إذ تخشى حذف اليهودية لئلا تُقذف ب”اللآساميّة” أو “المعاداة للمسلمين” أو “عدم الانفتاح”. ولكن إذا حلّل المرء الأمور بتعمّق وجد أن المصدر الأوّل لحذف الصليب هو فكر يهودي يتكهرب من “مغارة ميلاد يسوع” ومن “الصليب” لأنهما حسب العقلية اليهودية التلمودية – لا حسب العهد القديم (أشعيا 53، زكريا 12، مزمور 22… في المسيح المتألم الفادي) – غير لائقين بالمسيح الملك الإمبراطور اليهودي الذي يجب أن “يسحق الشعوب تحت اقدام” العبرانيين – كما تمنّى صاحب المزامير (مزمور 47 (46): 3).
خاتمة
نحمل صليب يسوع في قلوبنا وإن منعنا قوم في بعض الدّول أن نلبسه على صدورنا. نفتخر بالرب، بصليب الرب، وإذا جاز بأنفسنا أي فخر فيكون فقط بحالات ضعفنا. ولكلّ منّا يقول الرب ما قاله لرسوله بولس: “تكفيك نعمتي!”