“لا يقدر أحدٌ أنْ يَخدم الله والمال” (لوقا ١٦: ١٣)

البطريرك بيتسابالا

سنقرأ اليوم انجيل لوقا (١٦: ١ -١٣) في ضوء قراءة الأحد السابق التي تسبق هذه القراءة مباشرةً. الأحد الماضي، رأينا كيف رحل الابن مع حصته من الأملاك إلى بلاد بعيدة وبدّد ماله في عيشة تبذير. في مثل اليوم يُتهم وكيل ما بتبذير أموال سيّده. في المثليْن، وبعد تبذيرهما للمال، يجد الرجلان نفسهما في موقف صعب: الشاب معرضٌ لأن يموت من الجوع والوكيل أن يفقد وظيفته. فقام كلاهما بنفس الشيء: الشاب “رجع إلى نفسه” وفكّر بما فعل، أما الوكيل “فقال في نفسه” (لوقا ١٦: ٣) : ما هي الوسيلة الفضلى لحل مشكلته؟
وفي النصيّن، نجد صورة البيت: يتذّكر الابن بيت أبيه حيث الطعام الوفير، ويدرك الوكيل أن الحل الأفضل لمشكلته تتمثل في البحث عن شخص يقبله في بيته.
ولكن من الواضح أن النصيّن يختلفان عن بعضهما البعض. في النص الأول، يصف يسوع وجه الأب الطيّب بينما يتكلّم النص الثاني عن الصكوك والثروة والخداع.
مع ذلك فهنالك صلة تربط النصيْن مع بعضهما البعض. يودّ السيد المسيح – من بين أمور أخرى – إخبارنا أنه بوسعنا العيش كل حياتنا في بيت الأب من دون معرفة وجهه الحقيقي (على غرار الأخ الأكبر في مَثل الابن الضال)، ومن دون الشعور بحنان محبته. كما ونستطيع أن نعيش مع الآخرين من غير الشعور أننا في بيتنا، ومن دون معرفة إخواننا وأخواتنا على حقيقتهم، لا بل نستمرّ في استغلال كل شيء لزيادة ثروتنا فقط. فيما بعد أدرك كلاهما ما حلّ بهما: يختبر الشاب الشعور بالجوع، وفي انجيل اليوم ينكشف خداع الوكيل. لذلك نجد أن الوكيل قد أدرك أن السرقة لا تجدي نفعاً، بل تؤدي إلى عدم الشعور بالأمان مما دفعه إلى تغيير خططه. جلس وفكّر ووجد حلاً يقوم على استعمال ثروته لبناء صداقات. لقد أدرك أنه بحاجة إلى بيت، أي إلى مكان آمن للعيش، يقبله الناس فيه. كما وأدرك أن المال وحده غير كافٍ إن كان البيت الذي يشتريه بالمال محاطاً بالأعداء، وأن بناء شبكة من الأصدقاء – باستعمال صكوك سيّده – هو الأمر الأكثر ذكاء. هكذا لن يكون وحيداً وقت الضيق.
إنه رجلٌ ذكي يُمدح على فطنته.
يأتي وقت في الحياة يدرك فيه الشخص أن ما بناه بجهده (غالباً باستعمال الخداع) لن يجدي نفعًا، وسيمسي كالبيت القائم على الرمل، بلا أساس. لذلك نستطيع أن نرى صرامة موقف يسوع إزاء المال وما يمثّله من أمور تمنح الشعور بالأمان (الخيرات والقوّة والمظهر والنجاح) والتي نضع ثقتنا بها من دون الثقة بالرب. لكن السيد المسيح يقول : “لا يقدر أحدٌ أنْ يَخدم الله والمال” (لوقا ١٦: ١٣).
أليس صحيحاً أننا نعيش في عالم يولّد فيه البحث عن المال المشاحنات وعدم الثقة والكراهية والحروب؟
إن الشعور بالأمان هذا ليس مزيفاً فحسب بل يقوم بعزلنا عن الآخرين ويبعدنا عن المعنى الحقيقي للحياة، ألا وهي الشراكة والتشارك: لقد خُلق كل شيء فينا لهذا الهدف.
وفي المثل، يدرك الوكيل بنفسه هذه الحقيقة البسيطة: ما كان في السابق مصدراً للخداع والاحتيال – أي المال – يستخدم الآن كوسيلة لإقامة علاقات شراكة وصداقة.
قال يسوع: “أبناء هذا العالم أكثر فطنة من أبناء النور في معاملة أمثالهم.” (لوقا ١٦: ٨)
من الضروري أن نقف هنا ونفكر بهذا الكلام الاستفزازي الغريب الذي قاله يسوع.
غالباً ما نفكّر بإيماننا بصورة فرديّة: خلاصـي”، طريق إيمانـي”، علاقتـي” مع الرب. لكن كل من يبدأ حياة جديدة في العماد – أي من يصبح “ابن النور” – لا يستطيع أن يفكر بصورة فرديّة، بنفسه وبإدارة خيراته وأملاكه. بل عليه أن يتطلّع إلى العالم من منظور الصداقة والبيت المشترك حيث نعيش متعة اللقاء. ومن أجل القيام بذلك علينا أن نُشرك الاخرين في خيراتنا وأملاكنا، مع العلم أن كل ما يخص أبناء النور هو “مفديّ” (حتى الضعف والخطيئة)، كما بمقدوره أن يصبح ميراثاً مشتركاً من النعمة والرحمة.
لقد عُرفت الجماعات المسيحيّة الأولى بهذه الخاصيّة، “وكان المؤمنون كلّهم متحدين، يجعلون كل ما عندهم مشتركاً بينهم، يبيعون أملاكهم وخيراتهم ويتقاسمون ثمنها على قدر حاجة كل واحد منهم”. (أعمال الرسل ٢: ٤٤- ٤٥)
لنسلّط الضوء على أمر آخر: “اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ، فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟” (لوقا ١٦: ١٠ -١٢)

يبدو كأن يسوع يقول أن كل شيء يبدأ بالقليل، من الخيرات الماديّة: إنها نقطة الإنطلاق لنبدأ منها العيش بمنطق مختلف يقوم على المشاركة والصداقة. لا يجوز لأحد تجاوز هذه الاية، ظانا أنه يكفي التشارك في الأشياء النبيلة والروحيّة.
إن المشاركة الصحيحة للخيرات ( وقتنا، وخبراتنا، ومقتنياتنا) هي خطوة ضروريّة تشهد على جاهزّية “ابن النور” أن يعيش بحريّة في كل مجالات الحياة.