ما يُطلب من أتْباع يسوع (لوقا 14: 25-33)
الأب لويس حزبون
يتناول أنجيل يوم الاحد (لوقا 14: 25-33) إرشادات يسوع عن الالتزامات لمن يريد ان يتبعه ويصبح له تلميذاً؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)
25وكانت جُموعٌ كثيرَةٌ تَسيرُ مَعَه فَالتَفتَ وقالَ لَهم:
تشير عبارة ” التَفتَ ” الى ظاهرة دراميّة، انها محاولة متعمدة من يسوع الذي أراد بها ان يوقف حماس الجماهير السطحي الطائش في اتباعه ليسوع.
26((مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً
تشير عبارة ” ولَم يُفَضِّلْني ” في اللغة اليونانية μισεῖ إلى “يبغضني” بمعنى “أحبني اقل”، لان اللغة الآرامية التي تكلمها يسوع لا توجد فيها صيغة التفضيل. لذا استعمل يسوع كلمة قوية حافظ عليها النص اليوناني بأمانة. فيسوع لم يستعمل فعل “فضّل بل بفعل “بغض او كره ” علما ان لوقا يذكر وصايا الله العشر التي تقضي بما للوالدين من حقوق “أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ” (خروج 20: 12). لكن يريد يسوع ان يتفوَّق حب الله على حب الوالدين. لذا نجد تفسير هذه الآية في انجيل متى “من كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه Ἀγαπήσεις مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10: 37). الفعل اليوناني أحب ἀγαπάω يدل على محبة الله والقريب. أما الفعل اليوناني أحب φιλῶν فإنه يدل على محبة الوالدين وصلات القرابة، وهذا يبيّن ان صلات القرابة وإن كانت مشروعة قد تُمسي عقبات في طريق الذين يريدون ان يسيروا وراء يسوع؛ “أمَّا عبارة “امَرأَتِه” فتشير الى حب الرجل لزوجته الذي يأتي بعد محبة المسيح (لوقا 18: 29) خلافا لما ورد في انجيل متى الذي يطالب بترك الزوجة ” الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما مِن أَحدٍ تَرَكَ بَيتاً أَوِ امرَأَةً أَو إِخوَةً أَو والِدَينِ أَو بَنينَ مِن أَجْلِ مَلَكوتِ الله” (متى 10: 37)؛ اما عبارة “تِلميذ” الذي وردت في العهد الجديد تحت لفظ اليوناني μαθητής فتشير الى مَن يتبع باختياره معلما ويشاركه أفكاره. ويُخصص العهد الجديد اسم “تلميذ” لمن اعترف بيسوع معلما مثل الاثني عشر (متى 10: 1)، وكل من إتَّبع يسوع ولا سيما الاثنين والسبعين الذين بعثهم يسوع في رسالة التبشير (لوقا 10: 1)؛ اما في سفر أعمال الرسل فيشير لقب “تلميذ” الى كل مؤمنٍ، سواء عرف يسوع خلال حياته الأرضية مثل الرسل (اعمال الرسل 1: 13) أم لم يعرفه شخصيا مثل بولس الرسول (اعمال الرسل 9: 10-26).
27ومَن لم يَحمِلْ صَليَبهُ ويَتبَعْني، لا يَسْتَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً.
تشير عبارة “يَحمِلْ صَليَبهُ” الى عقاب استخدمه الرومان في القرن الأول للخونة والعبيد. وكانت العادة ان المحكوم عليه يحمل صليبه الى مكان الإعدام. فيسوع تشبَّه بالعبيد وحمل صليبه، فمن يريد ان يتبعه، عليه ان يتوقع العقبات والآلام وصعوبات الحياة، وان يتحملها لا رغما منه بل برضاه كعلامة اتحاده بالمسيح ومشاركة في السير وراءه، ويَقبل ما ينبغي ان يكابده كوسيلة للتضحية بشخصه حتى الموت؛ اما عبارة ” يَتبَعْني” فتشير في الدين اليهودي في القرن الأول الى الطاعة ومختلف الخدمات المترتبة على تلاميذ الرابيين نحو معلميهم. ولكن في الانجيل يتخذ فعل “تبع” معاني أخرى حيث أنه لم يَعد التلميذ ان يختار معلمه بل الدعوة تأتي من يسوع وتُلبّى عادة بطاعة فورية، والتلميذ يتبع يسوع لا كسامع فقط، بل كمعاون وشاهد للملكوت، وكأحد العملة في حصاده (متى 10/ 1-27). فتلميذ يسوع لا يتمسك بتعليم المعلم فقط، بل يلازم شخصه. وعليه فإن كل انسان ينبغي ان يختار بين أقرب المقرّبين اليه وأعزّهم من جانب (متى 15: 4)، وبين المسيح من جانب آخر.
28فمَن مِنكُم، إذا أَرادَ أَن يَبنِيَ بُرجاً، لا يَجلِسُ قَبلَ ذلِكَ ويَحسُبُ النَّفَقَة، لِيَرى هل بِإِمكانِه أَن يُتِمَّه،
تشير عبارة “مَن مِنكُم، إذا أَرادَ أَن يَبنِيَ بُرجاً ” الى ضرورة التفكير قبل الاقدام على مشروع هام، خاصة مشروع الالتزام بإتباع يسوع كتلميذٍ له.
29مَخافَةَ أَن يَضَعَ الأَساسَ ولا يَقدِرَ على الإتمام، فيأخُذَ جَميعُ النَّاظِرينَ إِلَيه يَسخَرونَ مِنه. 30ويقولون: هذا الرَّجُلُ شَرَعَ في بِناءٍ ولَم يَقْدِرْ على إِتْمامِه.
تشير عبارة “َأن يَضَعَ الأَساسَ ولا يَقدِرَ على الإتمام” تشير الى الالتزام بالفطنة والقناعة بحسب الإمكانيّات المُتاحة لك كما يقول المثل الشعبي ” على قدر فراشك مدّ رجليك”. فالإنجيل يدعونا إلى الحذر من الاندفاع والطموح والتهوّر في إتباع يسوع. وهنا يحذَّر يسوع مِنَ الاكتفاء بالعاطفة الدينيَّة السطحيَّة غير المؤسَّسةِ على الإيمان الراسخ به والمحبَّة الصادقة له والإرادة الصامدة أمام الصعوبات، ذلك لأنَّ العاطفة وحدَها مؤقَّتة وضعيفة لا تلبث أن تنهار وتضمحلَّ أمام متطلَّبات يسوع الشاقَّة.
31أَم أَيُّ مَلِكٍ يَسيرُ إِلى مُحارَبَةِ مَلكٍ آخَر، ولا يَجلِسُ قَبلَ ذلك فيُفَكِّرُ لِيَرى هل يَستَطيعُ أَن يَلْقى بِعَشَرَةِ آلافٍ مَن يَزحَفُ إِلَيه بِعِشرينَ أَلفاً؟ 32وإِلاَّ أَرسَلَ وَفْداً، مادام ذَلك المَلِكُ بعيداً عنه، يَسْأَلُه عن شُروطِ الصُّلْحِ.
تشير عبارة “أَيُّ مَلِكٍ يَسيرُ إِلى مُحارَبَةِ مَلكٍ آخَر” الى عملية حرب تتطلب تفكير ومثابرة. فلا يمكن إتباع يسوع دون تفكير؛ فإن إتباعه بحاجة الى تفكير وتنظيم؛ اما عبارة ” عَشَرَةِ آلافٍ” فتشير الى رقم 10 الذي يدل على الوصايا واما رقم “1000” فيدل على الفكر الروحي السماوي. فالتلميذ يحارب بالمسيح يسوع سالكًا في الوصيَّة بالفكر السماوي، أي حربه سيكون بالتزامه بالوصايا حباً في المسيح “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي” (يوحنا 14: 21)؛ اما عبارة ” بِعِشرينَ أَلفاً” فتشير الى العدو الذي يحارب بضربات يمينية (10000) (بر ذاتي) وضربات يسارية (10000) (شهوات). وهو يحارب التلاميذ في الروحانيات (1000) حتى يُخرجهم منها، كما يوضَّح ذلك بولس الرسول “فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات”(أفسس 6: 12). ونلاحظ أن قوة العدو 20000 أكبر من قوة التلاميذ 10000، ولكن يجب ان لا ننسى أن من التزم بالوصايا وعاش الروحانيات، يحارب يسوع فيه فيغلب. وعليه فان يسوع يوصينا في هذين المثلين الى الحذر والتقدم في آنٍ واحد.
33وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً.
تشير عبارة ” لا يَتَخَلَّى ” الى نداء التجرد عن المال للاغتناء عند الله (لوقا 12: 13-34). والتجرد يتطلب عدم إتِّكال التلميذ على أمواله، بل أن ينفق منها على المحتاجين، وينبذ كل شيء يمنع اعتماده على المسيح وحده كما اوصى يسوع “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني”(متى 16: 24). اما عبارة ” جَميعِ أَموالِه ” فتشير الى عدم الاتكال على ذاته، ولا برِّه الذاتي، ولا إمكانياته. ويختم لوقا الانجيل المثلين الواردين أعلاه بهذه الآية فيجعل منهما دعوة الى التخلي عن جميع الأموال نداءً الى الزهد بالنفس والتجرد. (لوقا 12: 13-34 و16: 1-13 و18: 24-30).
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)، نستنتج انه يتمحور حول موضوع ما يُطلب من أتباع يسوع ومن هنا نتساءل ما معنى اتباع يسوع وما هي التزاماته.
1) ما معنى اتباع يسوع؟
إتباع السيد المسيح معناه السير في طرق الله التي خطها يسوع المسيح ليأتي بجميع البشر إلى ملكوت الخلاص. ويتطلب إتباع يسوع دعوة منه. وقد سمع التلاميذ فلبُّوا الدعوة “كانَ يسوعُ سائراً على شاطِئِ بَحرِ الجَليل، رأَى سِمعانَ وأَخاهُ أَندَراوس يُلقِيانِ الشَّبَكَةَ في البَحر، ِلأَنَّهما كانا صَيَّادَيْن. فقالَ لَهما: اِتبَعاني أَجعَلْكما صَيادَي بَشَر. فتَركا الشِّباكَ لِوَقتِهما وتَبِعاه” (مرقس 1: 16-18). واتبع التلاميذ يسوع على نحو القطيع لراعيه (مزمور 80: 2)، والشعب لمَلكِه (2 صموئيل 15: 13) والمؤمنُ لإلهه (1 ملوك 18: 21). وعليه فإن ما يطلبه يسوع من الإنسان لكي يصير تلميذاً له، لا الاستعدادات الفكرية (الذكاء)، ولا حتّى الأدبية، بل الدعوة او النداء الحر الذي يوجهه له يسوع “اِتْبَعْني” (يوحنا 1: 43). وفي الانجيل يدل لفظ “يتبع” ἀκολουθέωعلى التعلق بشخص يسوع كما عبّر أحد اتباعه “يا مُعَلِّم، أَتبَعُكَ حَيثُ تَمضي” (متى 8: 19). فإن فعل “يتبع” في مفهوم تلاميذه يعني قطع كل علاقة بالماضي، وفي الواقع يعبّر عن التعلُّق الكلي والخضوع المطلق عن طريق الإيمان والاقتداء.
ا) إتباع يسوع عن طريق الإيمان
في مفهوم يوحنا الرسول إتّباع المسيح يعني الإيمان به إيماناً كاملاً، بناء على آيات خارجية كما صرّح السامريون للمرأة السامرية “لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ، فقَد سَمِعناهُ نَحنُ وعَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً” (يوحنا 4: 42)، وهذا الايمان ً يتغلب على كل تردد من جانب الحكمة البشرية “فتَبِعَه جَمعٌ كثير، لِما رَأوا مِنَ الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى” (يوحنا 6: 2)، ويعني إتّباع يسوع ايضا هو إتباع نور العالم واتخاذه رائداً كما أعلن يسوع ” أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة”(يوحنا 8: 12)، ويفيد الاتباع الانتظام في صف الخراف التي يجمعها الراعي الواحد في قطيع واحد “الخِرافُ إلى صوتِه تُصغي. يَدعو خِرافَه كُلَّ واحدٍ مِنها بِاسمِه ويُخرِجُها” (يوحنا 10: 3).
ب) إتباع يسوع عن طريق الاقتداء
إتِّباع يسوع عن طريق الايمان يؤدي الى الاقتداء به وبمثاله وسماع تعليمه، ومطابقة حياته الشخصية على خطاه “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني. لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها” (مرقس 8: 34-35).
اما في مفهوم بولس الرسول فإتّباع المسيح يعني الاقتداء بموت المسيح وقيامته وتطبيقه، وهذا التطبيق يبدأ بالعماد “أَوَ تَجهَلونَ أَنَّنا، وقَدِ اَعتَمَدْنا جَميعًا في يسوعَ المسيح، إِنَّما اعتَمَدْنا في مَوتِه فدُفِنَّا مَعَه في مَوتِه بِالمَعمُودِيَّةِ لِنَحْيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة كما أُقيمَ المَسيحُ مِن بَينِ الأَمواتِ بِمَجْدِ الآب؟ ” (رومة 6: 3-4)، ويكتمل عن طريق الاقتداء بالمسيح “اِقتَدوا بي كما أَقتَدي أَنا بِالمسيح”(1 قورنتس 11: 1)، والاشتراك بالاختيار في الألم الذي من خلاله تظهر قوة القيامة “نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضاً. “(2 قورنتس 4: 10).
باختصار إن إتِّباع المسيح يعني الإيمان به كتلاميذ والاقتداء به والسير على نهجه، والالتزام برسالته، وحفظ وصاياه والتبشير بها، وتكريس حياتنا مخلِصين له حتى النهاية، وخلال مسيرتنا نحتمل الآلام من أجله متشبِّهين بمن أحبَّنا حتى المنتهى. وعليه فإن إتباع يسوع يتطلب بعض الالتزامات.
2) التزامات إتباع يسوع
يتطلب يسوع من أتباعه ثلاثة التزامات: الزهد بالذات وحمل الصليب وتخلي الانسان عن جميع أمواله
الالتزام الأول: الزهد بالذات
يقوم الالتزام الأول بالزهد بالذات. فحضور الذات يُعطِّل كل اتجاه نحو الله، بينما إنكار الذات أي إزاحتها يتيح للمسيح ان يكون الكل في الكل، الأول والآخِر، محبوباً مُطاعاً أكثر من النفس وأكثر من الأهل والعالم كله. ويتم إنكار الذات بالموت عن الخطيئة “فكَذلِكَ أحسَبوا أَنتُم أَنَّكم أَمواتٌ عنِ الخَطيئَة أَحْياءٌ للهِ في يسوعَ المسيح” (رومة 6: 11)، وبالموت عن الانسان القديم “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ إِنسانَنا القَديمَ قد صُلِبَ معَه لِيَزولَ هذا البَشَرُ الخاطِئ، فلا نَظَلَّ عَبيدًا لِلخَطيئَة” (رومة 6: 6)، وبالموت عن شهوات الجسد ومقاومة الرغبات الجسدية ورفض إغراءات الحياة مهما كان الثمن ” إِنَّ الَّذينَ هم لِلمَسيحِ يَسوعَ قد صَلَبوا الجَسَدَ وما فيه مِن أَهْواءٍ وشَهَوات”(غلاطية 5: 24)، وأخيراً بالموت عن كل أركان العالم ( قولسي 2: 20). وخير مثال على ذلك يوسف بن يعقوب الذي احتمل ظلم الاتهام وظلام السجن الطويل، وأَبـَى السقوط في الشهوات، وتجنّب أن يصنع الشر ويُخطئ إلى الله، وذلك بمقاومة تجربة إمراه فوطيفار، رئيس حرس فرعون بقوله لها ” ” هُوَذا سَيِّدي كُلُّ ما هو لَه قد جَعَلَه في يَدي. ولَيسَ هو أَكبَرَ مِنِّي في هذا البَيت، ولَم يُمسِكْ عَنِّي شَيئًا غَيرَكِ لأَنكِ زَوجَتُه. فكَيفَ أَصنَعُ هذه السَّيِّئَةَ العَظيمةَ وأَخْطَأُ إِلى الله؟ ” (تكوين 39: 9).
والزهد بالذات يساعدنا ان نضع حب الله في المقام الأول. لقد قال يسوع” مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً” (لوقا 14: 26)؛ ما يريد أن يعلمنا إيَّاه بهذه الوصية يظهر واضحًا في انجيل متى “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (متى 10: 37)، فبقوله: “أكثر مني” أوضح يسوع أنه يسمح لنا بالحب، لكن ليس أكثر منه، محبة الله أكثر من أي أحد. فالزهد يُحرِّرنا فنستطيع ان نتَّبع المسيح (متى 16: 25)؛ فيسوع لا يريدنا أن نرفض الحب الطبيعي العائلي، بل يطلب أن يزيد حبنا له عن الحب العائلي. فالزهد المطلوب منا هو ان نقطع كل اهتمام (روابط أسرية -مال -كرامة) يعطلنا عن النمو في محبة ربنا، لأن محبَّة الله لها سموها أكثر من تكريم الوالدين ومحبتهم. ويُعلق القديس أمبروسيوس “الله لا يريدنا أن نجهل الحب العائلي ولا أيضًا أن نُستَعْبد له، وإنما نُخضع الطبيعة، ونُكرم خالق الطبيعة، فلا نتخلى عن الله بسبب حبنا للوالدين”. فإتباع المسيح هي هبة الذات للمسيح وهذا يتطلب ان نضعه في المقام الأول في الحياة قبل الذات والاهل. فحب الاهل وإكرامهم واجب ولكن يأتي بعد حب المسيح. لان حبة العائلة وصية من وصايا الله، ولكن هذا المحبة يمكن ان تكون مبررا لعدم خدمة الله او انجاز عمله.
بالإضافة الى ذلك بما ان تلميذ يسوع لا يرتبط بتعليم بل بشخص، لذا فالتلميذ لا يستطيع ان يترك معلمه الذي أصبح مرتبطاً به أكثر من ابيه وأمه (لوقا 14: 25-26). فاتّباع يسوع، في الواقع، لا يعني اعتناق تعليم أدبي وروحي فحسب، وإنما مشاركته في مصيره أيضاً، أي في آلامه ومجده. فقد كان التلاميذ على استعداد، ولا شك، لمشاركته في مجده كما صرّح بطرس الرسول “قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك، فماذا يكون جزاؤنا؟” (متى 19: 27). إلا أنهم يجب أن يتعلموا انهم لا بد لهم أن يشاركوه أولاً في تجاربه وآلامه. لذا يطالب يسوع تلميذه بالزهد بالذات وذلك بان يفضل يسوع على نَفسِه (لوقا 14: 26) بالتجرد الكامل وبترك الأقارب (متى 8: 19-22)، دون ما مقاسمة أو رجعة (لوقا 9: 61-62). وهذا النداء قد يدعى إليه الجميع، لكن ليس الجميع يستطيعون ان يلبّوه (متى 19: 22-24).
إن التلميذ، وقد زهد في خيرات العالم، يتعلّم أن يتبع يسوع حتى الصليب “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني” (متى 16: 24). وعندما يطلب يسوع من تلاميذه مثل هذه التضحية، لا تضحية خيراتهم وحسب، بل تضحية أشخاصهم أيضاً، فهو يظهر نفسه كإله، ويبيِّن نهائياً إلى أيّ مدى تبلغ مطالب الله. لكن التلاميذ لن يستطيعوا أداء هذه المطالب إلاّ عندما يتمم يسوع أولاً فعل هذه التضحية في موته وفصحه. فعلى سبيل المثال بطرس المستعد بالروح لاتّباع يسوع حيثما يذهب، (متى 26: 35) والذي لضعفه لم يتورع عن تركه أسوة بباقي التلاميذ (متى26: 56)، غير إنه لم يستطع أن يدرك ذلك إلا عندما فتح يسوع الطريق بموته وقيامته: عندئذ فقط ذهب بطرس إلى حيثما لم يكن ليخطر بباله كما صرّح له يسوع “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لَمَّا كُنتَ شاباً، كُنتَ تَتَزَنَّرُ بِيَديكَ، وتَسيرُ إِلى حَيثُ تشاء، فإِذا شِخْتَ بَسَطتَ يَدَيكَ، وشَدَّ غَيرُكَ لكَ الزُّنَّار، ومَضى بِكَ إِلى حَيثُ لا تَشاء. قالَ ذلكَ مُشيراً إِلى المِيتَةِ الَّتي سيُمَجِّدُ بِها الله. ثُمَّ قالَ له: اِتَبْعني! (يوحنا 21: 18-19). وأخيراً، فإن المؤمن الذي يتبع المسيح “حيثما يذهب” (رؤيا 14: 4)، عندئذ يتحقق وعد يسوع: ” مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي” (يوحنا 12: 26).
ويلخص انجيل متى الالتزام الأول بالزهد بالذات ” مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني” (متى 16: 24). فينبغي للتلميذ ألا يموت في ذاته فحسب: فإن الصليب الذي يحمله هو العلامة على أنه يزهد في الدنيا أيضا، وأنه قد قطع كل علاقاته الطبيعية مع اهله في حالة وقوفهم في إيمانه (متى 10: 33-39)، وقبل وضعه كمُضطهد” جَميعُ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَحيَوا حَياةَ التَّقْوى في المسيحِ يسوعَ يُضطَهَدون.” (2طيموتاوس 3: 12)
الالتزام الثاني: حمل الصليب
يقوم الالتزام الثاني لإتِّباع يسوع هو حمل الصليب. قال يسوع ” ومَن لم يَحمِلْ صَليَبهُ ويَتبَعْني، لا يَسْتَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً” (لوقا 14: 27). من أحب الله أكثر من نفسه يقدر على حمل الصليب “مَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها” (متى 10: 39ب).
فقد كان جمهور الذين يستمعون الى يسوع يدركون تماما معنى ان “حمل الصليب”. فعندما كان الرومان يسوقون مجرما لتنفيذ حكم الإعدام فيه كانوا يجبرونه على حمل الصليب الذي سيُعلق عليه إلى مكان تنفيذ العقوبة. وكان هذا يُظهر خضوعه لروما، ويُحذر الآخرين حتى يخضعوا هم أيضا. فإتباع يسوع معناه الخضوع الكامل له حتى الى الموت. وهذا يتطلب مِن مَن يريد ان يتبعه ان لا يندفع في حماس سطحي لابتاعه بل عليه ان يتعمق ويعرف ان هناك تكلفة لاتباعه. ويسوع المحكوم عليه بالصَّلْب حمل صليبه إلى مكان تنفيذ العقوبة، كما جاء في أنجيل يوحنا “خَرَجَ حامِلاً صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة” (يوحنا 19: 17). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم” أن السيِّد لا يطالبنا أن نضع صليبًا من خشب لنحمله كل يوم، وإنما أن نضع الموت نصب أعيننا”.
لقد مات يسوع مصلوباً، فأصبح الصليب، الذي كان أداة للفداء، مع الموت، والألم، والدم، أحد الأركان الأساسية التي تساعد على تذكيرنا بخلاصنا. إن الصليب لم يَعد عاراً، بل أصبح مطلباً، وعنواناً للمجد للمسيح أولاً ثم للمسيحيين من بعده، كما أعلن بولس الرسول “فإِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصْلوب، عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين” (1 قورنتس 1: 23). حمل يسوع الصليب من أجلنا، فلنحمله نحن أيضًا من أجله! هذا هو حساب النفقة التي سألنا أن نضعها في الاعتبار لبناء برج التلمذة او لمحاربة ملك آخر أي ابليس.
وعليه فان المعنى المباشر لحمل الصليب هو قبول الألم والعار والاضطهاد والظلم بأنواعه من أجل المسيح حتى بذل الحياة شهادة له. ومن هنا كلام بطرس الرسول يشجّع على حمل الصليب “فقَد تأَلَّمَ المسيحُ أَيضًا مِن أَجلِكم وترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه. (1بطرس 2: 21). والمؤمن وهو يحمل صليبه يُشارِك الرب الذي تألَّم مظلوماً ولم يفتح فاه (اشعيا 53: 7)، ” ويتِمُّ في جَسَدِه ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة ” (قولسي 1: 24)، كما يصرّح بولس السول ” فأَعرِفَهُ وأَعرِفَ قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه فأَتمثَّلَ بِه في مَوتِه، لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات” (فيلبي 3: 10-11).
وقد عاش القديس بولس حياته في الإيمان مصلوباً، كما صرّح “وقد صُلِبتُ مع المسيح. فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ” (غلاطية 2: 20 -21)). وسجّل بولس الرسول قائمة آلامه “نَجوعُ ونَعطَشُ ونَعْرى ونُلطَمُ ونُشَرَّد، ونُجهِدُ النَّفْسَ في العَمَلِ بِأَيدينا. نُشتَمُ فنُبارِك، نُضطَهَدُ فنَحتَمِل، يُشَنَّعُ علَينا فنَرُدُّ بِالحُسْنى. صِرنا شِبْهَ أَقْذارِ العالَم ونُفايةَ النَّاسِ أَجمَعين، (1قورنتس 4: 12-13).
لكن مع كل هذه الالام لم يَعد الصليب مجرّد ألم أو مذلة فحسب، بل إنه يحقق مجد الله مقدماً. إنه علامة للخلاص (يوحنا 3: 14،) “شجرة الحياة” (رؤيا 22: 2 و14 و15). لذا يستطيع المسيحي ان يصرح بفخر مع بولس الرسول “أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم. ” (غلاطية 6: 14).” وإِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا”(رومة 8: 17)
الالتزام الثالث: التخلي عن جميع أمواله
يقوم الالتزام الثالث في إتِّبا يسوع بتخلي التلميذ عن جميع أمواله. فقال يسوع “كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً. (لوقا 15: 33). يوضِّح انجيل متى هذه الآية بقوله “إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني”(متى 19: 21).
فالمؤمن لا يستطيع أن يتبع المسيح وهو يحمل معه أثقاله: محبته للمال والاشياء وللعالم. فقد ترك التلاميذ الأوائل (بطرس يعقوب ويوحنا …) السفينة الممتلئة بالسمك الكثير والأهل ليتبعوا يسوع ” رَجَعوا بِالسَّفينَتَينِ إِلى البَرّ، وتَركوا كُلَّ شَيءٍ وتَبِعوه” (لوقا 5: 11)، وتَرْك لاوي مكان الجباية “فتَركَ كُلَّ شيءٍ وقامَ فتَبِعَه” (لوقا 5: 28)، “تركَتِ المَرأَةُ السامرية جَرَّتَها” (يوحنا 4: 28)؛ رمزاً للتخلِّي عن الماضي الشرير. فتغيير الحياة شرطٌ واضح من أجل ان يصبح المرء تلميذ الرب. ونجد أيضا القديس أنطونيوس الكبير الذي باع كل ما كان له ووزع ماله على الفقراء ومضى إلى البرية متخلِّياً عن كل شيء ليتَّحد بالرب، فسطع نوره في العالم كله. اما الشاب الغني، الذي استكثر أن يتخلَّى عن أمواله ويُوزِّعها على الفقراء، أخفق أن يتبع المسيح، لأنه أحب أمواله أكثر، وهذا ما نستنتجه من قول يسوع له: “واحِدَةٌ تَنقُصُكَ بَعدُ: بعْ جَميعَ ما تَملِك ووَزِّعْه على الفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّموات، وتَعالَ فَاتبَعْني. فلمَّا سَمِعَ ذلك اغتَمَّ لِأَنَّه كانَ غَنِيّاً جِدّاً”(لوقا 18: 18-23). وكذلك يقول بولس الرسول ان رفيقه ” ديماسَ قد تَرَكَني لِحُبِّه هذِه الدُّنْيا ” (2 طيموتاوس 10:4)، فأصبح بهذا عثرة وسخرية.
ولذا يتطلب الالتزام الثالث التخلِّي عن تعلَّق القلب بحُبِّ المال، مما يصبح المال إلَهاً يعبد من دون الله. فالتخلي يتطلب السعي للعيش بكرامة ومساعد الفقراء ولسدِّ حاجة المعوزين اقتساماً للخيرات، ومشاركة المرضى ومنكوبي اضطرابات الطبيعة والمجاعات غير ذلك من الحاجات الإنسانيَّة والدينيَّة الضروريَّة، بالخدمة والتبرُّع السخي برهاناً لصِدْق الإيمان.
وقد يواجه الانسان المسيحي من اجل إتباع يسوع خسارة في المركز الاجتماعي او في المال، وقد يُضطر ان يفقد ماله او وقته او وظيفته. وقد يكره البعض او تعزله اسرته او حتى يُحكم عليه بالموت، وهذا يدل ان إتباع المسيح ليس معناه حياة خالية من المتاعب. فيجب ان نحسب بدقه تكاليف التلمذة حتى نعرف ما نحن مقبلون عليه وحتى لا نتعرض فيما بعد لتجربة الارتداد عنه فنصبح عثرة وسخرية. من هنا فقد طلب من كل مَن يرغب ان يتبعه ويصير تلميذا له أن يجلس أولاً ويحسب النفقة، ليس فقط لأن يبدأ بل ليواصل المسير إلى النهاية (لوقا 14: 28-30).
الخلاصة
مالت جموع غفيرة الى الاعتقاد ان يسوع هو المسيح، لكنهم أساءوا فهم طبيعة الملكوت. فبيّن يسوع التزامات التلمذة، وذلك ان يحمل الصليب ويأتي وراءه (لوقا 14: 25-27) وينبغي ان يحسب نفقة إتباعه حتى النهاية (لوقا 14: 28-32). ومن واجبه التخلي عن كل ما لديه لأجل المسيح والبقاء على روح التضحية كي يصبح تلميذا حقيقيا ليسوع ” وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً” (لوقا 14: 33). وإن كان حمل الصليب هو نفقة اتباعنا وراء المسيح، فمطلوب منّا أن نحسب حساب النفقة، مثل من يبني برجًا يلزمه أن يحسب النفقة أولًا قبل أن يحفر الأساس، والملك الذي يحارب ملكًا آخر ان يراجع إمكانياته قبل بدء المعركة.
دعاء
“ربّي والهي، إنزع منِّي كل مل يُبعدني عنك
ربِّي والهي، هبني كلَّ ما يُقرِّبني منك.
ربِّي والهي، جرّدني من ذاتي لكي أكون كلّيا لك”.
(القديس نيقولا دي فلو 1417-1487 متصوف وناسك سويسري)