مثل الابنَين وطاعة الأب (متى 21: 28 -32)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على وسيلة لدخول ملكوت السماوات القائمة على العمل بمشيئة الله. والعمل بمشية الله هي المحور الاساسي لدخول ملكوت السماوات (متى 21: 28 -32). فينفرد متى الإنجيلي بمثل الابنين حيث يصف الفرق بين “القول” و”العمل”، حيث تكمن الطاعة الحقيقية. وهذا ما يمّز بين التلميذ الحقيقي المؤمن والمنافق. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 21: 28 -32)
28 ((ما رَأيُكم؟ كانَ لِرَجُلٍ ابنان. فدَنا مِنَ الأَوَّلِ وقالَ له: ((يا بُنَيَّ، اِذهَبِ اليَومَ واعمَلْ في الكَرْم)).
تشير عبارة “ما رَأيُكم؟ الى سؤال يسوع المسيح الذي يُثير في السامعين الإصغاء الواعي والتفكير الطويل والتأمل العميق والمشاركة الشخصية والتفاعل ذاتي، ويدل في الوقت نفسه على تقدير يسوع للحرية الفردية واحترامه لها. يرى يسوع انه من واجب الانسان ان يساهم في خلاص نفسه. اما عبارة ” رَجُلٍ ” فتشير الى رب البيت الذي يسأل ابنيه أن يعملا في كرْمه، وهو يمثل رب المجد الذي يطلب من أبنائه ان يعملوا في كنيسته لحساب ملكوت السماوات. اما عبارة “كانَ لِرَجُلٍ ابنان” فتشير الى الاب الذي هو الله، وابنيه الاثنين، فالأولى يمثل الخطأة الذين لا يحفظون الشريعة والابن الثاني يمثل وجهاء اليهود الذين يدعون انهم ابرار لارتباطهم بالديانة الرسمية. اما عبارة “العمل في الكرم” فتشير الى العمل بمشيئة الله ووصاياه لدخول ملكوت السماوات. اما عبارة “الكَرْم” فتشير الى ملكوت الله.
29فأَجابَه: ((لا أُريد)). ولكِنَّه نَدِمَ بَعدَ ذلك فذَهَب. 30ودَنا مِنَ الآخَرِ وقالَ لَه مِثلَ ذلك. فَأَجابَ: ((ها إِنِّي ذاهبٌ يا سيِّد!)) ولكنَّه لم يَذهَبْ.
تشير عبارة ” نَدِمَ” الى شعور الفرد بالذنب لتصرفاته وأقواله. ويعتبر الندم شرطاً لقبول التوبة. فالابن الذي قال في البدء “كلا” عاد الى نفسه وصحّح موقفه وغيّر رأيه وتاب. اما عبارة “ها إِنِّي ذاهبٌ “، ولكنَّه لم يَذهَب” فتشير الى قول الرب بان “التلميذ الحقيقي لَيسَ مَن يَقولُ لي يا ربّ، يا ربّ يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 7: 21). اما عبارة “يا سيد” فتشير الى عِظَمِ احترامه لسلطة أبيه. إنَّه شابٌّ مراءٍ كذَّاب يتظاهر بما ليس فيه، ويعصي أمر والده.
31فأَيُّهما عَمِلَ بِمَشيئَةِ أَبيه؟)) فقالوا: ((الأَوَّل)). قالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ أَقولُ لكم: إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله.
تشير عبارة ” الأَوَّل” الى جواب خصوم يسوع حول سؤال يسوع: “فأَيُّهما عَمِلَ بِمَشيئَةِ أَبيه؟” فحكموا على نفوسهم، فالأول يمثل الزناة والعشارون الذين سبقوهم الى الملكوت. اما عبارة ” الجُباةَ ” فتشير الى العشارين الذين يجبون الضرائب ويتصفون بعدم الأمانة والطمع والجشع وكان يوحنا المعمدان يقول انه مستعد ان يقبل أولئك الجباة إذا تابوا وتغيرت طرقهم كما ورد في انجيل لوقا ” أَتى إِلَيه أَيضاً بَعضُ الجُباةِ لِيَعتَمِدوا، فقالوا له: ((يا مُعَلِّم، ماذا نَعمَل؟)) فقالَ لَهم: ((لا تَجْبوا أَكثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكم)) (لوقا 3: 12). اما عبارة ” البَغايا ” فتشير الى الفاجرات اللواتي يكتسبن المال عن طريق الفسق والفجور؛ اما عبارة “إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله” فتشير الى العشارين والزناة كالابن الذي لم يطع اولا ولكنه، بعدئذ تاب ولذا صار مقبولا عند الله. تقبل كلمة الله وبدأ حياته من جديد. بعض العشارون والزناة غيَّروا حياتهم حين سمعوا كلام يوحنا المعمدان او يسوع كما حدث مع لاوي العشار الذي ترك مكتب الجباية وتبع يسوع وأصبح متى الإنجيلي (متى 9 :9)، وكذلك تابت المرأة الزانية فقال لها يسوع: ” ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة” (يوحنا 8: 11). وعادت مريم المجدلية أيضا الى يسوع. كلمة الله تعود بهم الى ذواتهم وتدعوهم الى تبديل حياتهم لدخول ملكوت السماوات. وليس غاية يسوع التشهير بالعشارين والبغايا بل إظهار قدرتهم على التجديد والتوبة. اما عبارة “يَتَقَدَّمونَكم” فتشير الى عمل المعلم الذي يتقدم تلاميذه ليرشدهم الى الطريق من ناحية، كما تشير أيضا ًالى كلمة يسوع في مثل العملة واجرتهم ” فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين ” (متى 20: 16)؛ .اما عبارة ” مَلَكوت الله ” فتشير الى السيادة او حكم الإله الذي انتظرته التوقعات اليهودية المسيحانية على إسرائيل. ويعتبر ملكوت الله بين اليهود تجديفا ان يُشار الى الله بالاسم. وهذا التعبير خاص بإنجيل متى في حين استبدلاه مرقس ولوقا بتعبير آخر وهو “ملكوت السماوات”. تعبر كلمات يسوع عن شديد حب يسوع للخطأة، فالأبرار لم يكونوا بحاجة اليه، عكس الخطأة ” ليسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبرار، بلِ الخاطِئين” (مرقس 2: 17).
32فَقَد جاءَكُم يوحَنَّا سالِكاً طريقَ البِرّ، فلَم تُؤمِنوا بِه، وأَمَّا العشَّارونَ والبَغايا فآمَنوا بِه. وأَنتُم رَأَيتُم ذلك، فلَم تَندَموا آخِرَ الأَمرِ فتُؤمِنوا بِه.
تشير عبارة “طريقَ البِرّ” δικαιοσύνης الى طريق الحق والتوبة ورضى الله؛ اما عبارة “فلَم تُؤمِنوا بِه” فتشير الى والفريسيين الذين هم بمثابة الابن الذي تظاهر بانه مطيع، ولكنه لم ينفِّذ قول أبيه. وكذلك عظماء الكهنة وشيوخ الشعب الذين تسلموا رسميا التوراة، لكنهم لم يبدَّلوا حياتهم، بل رفضوا دعوة يوحنا المعمدان ودعوة يسوع الى التوبة فبقوا متحجري الضمير وقساة القلوب وبالتالي منافقين امام الله والناس. أما عبارة “فلَم تَندَموا آخِرَ الأَمرِ” فتشير الى إصرار عظماء الكهنة ورؤساء الشيوخ على عدم التوبة وتقواهم وعبادتهم الشكلية وبقيت قلوبكم شريرة. اما عبارة “آمَنوا بِه” فتشير الى العشَّارين والبَغايا، فالإيمان هو تسليم الذات للمسيح لكن تسليم الذات لا يتم الاَّ بالتوبة والرجوع الى طاعة الله. والطاعة لا تتم بالكلام بل بالعمل والحق. والرغم من ان رؤساء الشعب والفريسيين رأوا ندامة الخطأة من العشارين والزناة ومع ذلك لم يتعلموا ولم يتوبوا. أما عبارة “فلَم تَندَموا” فتشير الى عدم اظهار التوبة. في هذه الآية يجيب يسوع على السؤال الذي طرحه هو نفسه “ما رَأيُكم؟” (متى 21: 28).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 21: 28 -32)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 21: 28 -32)، نستنتج انه يتمحور حول مثل الابنَين والطاعة. ومن هنا نتساءل تلاث أسئلة: ما هو إطار مثل الابْنَين؟ وما هو ابعاده؟ وكيف نعيش عبرة هذا المثل؟
1) ما هو إطار مثل الابْنَين؟
ضرب يسوع مثل الإبنَين (متى 21: 28-32) في هيكل اورشليم أثناء مواجهته الى خبث وعناد عظماء الكهنة ورؤساء الشيوخ (متى 21: 23) عندما قاوموه ومن قبله قاوموا يوحنا المعمدان. فقد استخدم يسوع المثل كأداة شرح بها عن نفسه ودافع عن ذاته أمام معارضيه ليقنعهم. فقد ثار هؤلاء وهم أصحاب السلطة الدينية، على فضيحة طرد الباعة من الهيكل ” بِأَيِّ سُلطانٍ تَعمَلُ هذِه الأَعمال؟ ومَن أَولاكَ هذا السُّلطان؟ ” (متى 21: 23)، على ان ربنا يسوع المسيح رفض ان يجيبهم صراحة، لأنهم فقدوا صفة القضاء بسبب تأويل مطالب يوحنا المعمدان. وهنا جرّهم يسوع الى منصة الدينونة. إذ انهم يعلنون انهم يطيعون إرادة الله، لكنهم يرفضون الاستماع الى يوحنا المعمدان الذي جاءهم برسالة الهية كما اكّد ذلك لوقا الإنجيلي ” وأَمَّا الفِرَّيسيُّونَ وعُلَماءُ الشَّريعَة فلَم يَعتَمِدوا عن يَدِه فأَعرَضوا عن تَدبْيرِ اللهِ في أَمرِهم ” (لوقا 7: 30) ومع ذلك فإن العشارون والبغاة يسخرون علنا بالدين، قد استمعوا إليه، وتابوا عن ماضيهم الاثيم كما ورد في انجيل لوقا ” جَميعُ الشَّعبِ الَّذي سَمِعَه حَتَّى الجُباةُ أَنْفُسُهم بَرُّوا الله، فاعتَمَدوا عن يَدِ يوحَنَّا.” (لوقا 7: 29)؛ ومن هنا يروي يسوع لهم مثل الابنين.
الابن الأول الذي يقول “لا” لأبيه ورفض لأنه لا يرغب، ولكنه ندم ولبّى رغبة أبيه وذهب في آخر الآمر الى الكَرْم، وهو يمثل العشارون والبغايا؛ إنّ الأبواب مفتوحة لكلّ من يرجع إلى الله بصدق ومن كلّ قلبه، والآب يستقبل بفرح الإبن الّذي يتوب بحقّ. واما الابن الآخر الذي قال “نعم ” وتظاهر بأنه مطيع لكنه في الواقع رفض رغبة ابيه ولم يُنفذها. ما الفائدة من قول كلمة “نعم” بدون تطبيقها.
كل من الابنين أخطأً، فالابن الذي ذهب أخطأ في مخاطبة أبيه بلهجة جافة، والمتأدب أخطأ في انه لم يصدق في وعده. على ان أحدهما قد تاب وندم، اما الآخر فقد تمادى في عصيانه وتمرده.
والابن الأول أُمتدح مرتين: المرة الاولى على صدقه في عدم إعطائه وعدًا قد لا ينفِّذه؛ والمرة الثانية لتراجعه عن خطائه بأن عاد لينفذ مشيئة أبيه. واما الابن الثاني فقد ذُم مرتين: المرة الأولى لأنه أعطى وعدًا ولم ينفِّذه، والمرة الثانية لعصيانه مشيئة أبيه.
في بداية المثل يطلب يسوع راي رؤساء اليهود ” ما رَأيُكم؟ ” (متى 21: 28)، واما في نهاية المثل فيطرح يسوع السؤال “أَيُّهما عَمِلَ بِمَشيئَةِ أَبيه؟ ” (متى 21: 31). فقد اقرّ رؤساء اليهود مبدا أولوية العمل على الكلام. “فقالوا: الأَوَّل”(متى 21: 31)، فالقرار الأخير في مسالة الاخلاق لا يكمن في الرغبة، ولا في القول الذي يُمكن تكذيبه، بل في الفعل.
اما تطبيق القرار فيكمن بالحكم التالي ” قالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ أَقولُ لكم: إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله. فَقَد جاءَكُم يوحَنَّا سالِكاً طريقَ البِرّ، فلَم تُؤمِنوا بِه، وأَمَّا العشَّارونَ والبَغايا فآمَنوا بِه. وأَنتُم رَأَيتُم ذلك، فلَم تَندَموا آخِرَ الأَمرِ فتُؤمِنوا بِه” (متى 21: 31-32). وراء علاقة الاب بابنيه في المثل تظهر العلاقة التي توحّد الله بخاصته. ان يسوع يثير من خلال المثل انحراف الابرار واستقبال الخطأة.
2) ما هي ابعاد مثل الابْنَين؟
يمكننا ان نميّز ثلاثة ابعاد لمثل الابْنَين، وهي: البعد التاريخي واللاهوتي والروحي:
(ا) البعد التاريخي:
الابن الأول شابٌّ عاصٍ، ومتمرِّد، ويميل إلى المقاومة، حتى إلى مقاومة سُلطة أبيه. رفض ثم أطاع، وهو يمثّل العشارين والبغايا الذين بدئوا حياتهم برفض العمل، لكنهم ندِموا أخيرًا ومضوا يعملون في الكرْم، اما الابن الآخر قد تظاهر بأنَّه ابنٌ مطيع ودلّ على عِظَمِ احترامه لسلطة أبيه بقوله يا سيد. إنَّه شابٌّ مراءٍ كذَّاب يتظاهر بما ليس فيه، ابدى الطاعة، ولكنه لم يطع، وهو يمثل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والفريسيين الذين “كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار” (لوقا 18: 9)، فقالوا نعم، لكنهم لم يذهبوا الى الكَرْم العمل. وقد ندد يسوع الكلام بدون نتيجة “إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ باطِلَةٍ يقولُها النَّاس يُحاسَبونَ عَليها يومَ الدَّينونة ” (متى 12: 36).
وفي ايام يسوع اعتبر وجهاء اليهود أنفسهم ابرارا، فقالوا “نعم”، ولكنهم ما ذهبوا فدلّوا على عماهم. لهم صورة التقوى لكنهم ينكرون قوتها، فوصفهم بولس الرسول بقوله “يُظهِرونَ التَّقْوى ولكِنَّهمُ ينكِرونَ قُوَّتَها”(2 طيموتاوس 3: 5). فقد قالوا إنهم يريدون إتمام مشيئة الله، ولكنهم كانوا يعصونها على الدوام. ولهم مظهر الخضوع، لكنهم لا يفعلون إرادة الله؛ فندد يسوع بريائهم، لان اقوالهم تعارض مع اعمالهم. وأكد لوقا الإنجيلي هذه المقولة بقوله “أَمَّا الفِرَّيسيُّونَ وعُلَماءُ الشَّريعَة فلَم يَعتَمِدوا عن يَدِه فأَعرَضوا عن تَدبْيرِ اللهِ في أَمرِهم” (لوقا 7: 30). للفريسيين لهم مظهر التدين، ولكن قلبهم رديء، لانَّهم يقولون ولا يعملون. كانت تقواهم في ظاهر سلوكهم فقط، ولم يكن لها أيُّ أساسٍ ثابت في قلوبهم. لقد عرفوا إرادة الربّ فتظاهروا بأنَّهم يطيعونه طاعةً كاملة، فأقاموا الصلوات في المجامع، وقدَّموا الضحايا في الهيكل، واحتفلوا بالأعياد احتفالاتٍ عظيمة. ولكنَّ هذه الأعمال كانت مظاهر خارجيَّة فقط تنقصها القيمة الجوهريَّة وهي طاعة قلوبهم، وتوبة ضمائرهم، وعملهم بإخلاص لأجل مجد الربّ.
لقد قبل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والفريسيين العمل في الملكوت، لكنهم قبلوه بالكلام دون العمل، فهؤلاء قال عنهم السيد المسيح ” لَيسَ مَن يَقولُ لي ((يا ربّ، يا ربّ)) يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 7: 21). لذلك طَردوا أنفسهم بأنفسهم من الكَرْم بسبب عدم إيمانهم بالحق، ليتركوا مكانهم للعشّارين والبغايا الذين لم يسمعوا لله أولًا لكنهم عادوا ليُطيعوه. قد أدرك رؤساء الكهنة والفرّيسيّون كلمات سيدنا يسوع بعقولهم لكنهم لم يقبلوها بروح الحب والبنيان، وعِوض أن يقدّموا توبة عما ارتكبوه فكّروا في الانتقام منه. ما أصعب على نفس هؤلاء المؤتمنين على كلمة الله أن يتركوا الكراسي للعشّارين والبغايا الذين سبقوهم إلى ملكوت الله بالإيمان.
ينتقد متى الانجيلي المتيقَنين من برّهم “أَيُّها المُراؤُون، أَحسَنَ أَشَعْيا في نبوءته عَنكم إِذ قال: هذا الشَّعْبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي” (متى 15: 7) والراغبين في إظهاره ” فقالَ لَهم: ((أَنتُم تُزَكُّونَ أَنفُسَكم في نَظَرِ النَّاس، لكِنَّ اللهَ عالِمٌ بِما في قُلوبِكم، لِأَنَّ الرَّفيعَ عِندَ النَّاسِ رِجْسٌ في نَظَرِ الله “(لوقا 16: 15).
ونستنتج مما سبق ان العشارون والبغايا الخطأة رفضوا العمل في الملكوت ثم ندموا، فاكتشفوا علامات الملكوت في المسيح ففتحوا قلوبهم على الله ونعمته وآمنوا. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث لمتى نفسه في لقائه مع يسوع المسيح “مَضى يسوعُ فَرأَى في طَريقِه رَجُلاً جالِساً في بَيتِ الجِبايَةِ يُقالُ لَه مَتَّى، فقالَ لَه: ((اتِبَعْني!)) فقامَ فَتَبِعَه.” (متى9: 9)، وتوبة المرأة الخاطئة ومعها قارورة الطيِّب “إِنَّ خَطاياها الكَثيرَةَ غُفِرَت لَها، فلأَنَّها أَظهَرَت حُبّاً كثيراً” (لوقا 7: 47). والجدير بالإشارة أيضا زكا العشار الذي “وَقَفَ فقال لِلرَّبّ: يا ربّ، ها إِنِّي أُعْطي الفُقَراءَ نِصفَ أَموْالي، وإِذا كُنتُ ظَلَمتُ أَحداً شَيئاً، أَرُدُّه علَيهِ أَربَعَةَ أَضْعاف” ” (لوقا 19: 8) والعمل بمشيئة الله يكمن في الايمان بالمسيح.
(ب) البعد اللاهوتي:
البعد اللاهوتي لمثل الابنين ليس هو العمل بقدر ما هو الندامة والعودة لله والطاعة لأوامره تعالى. ان المهم في نظر الله ليس ان يقول له الانسان “نعم” ثم يرفض العمل، إنما المهم هو الطاعة. الله يظل واثقًا بقلب الإنسان، وبرغبته في الحياة، وبقدرته على اختيار طريق الصدق والنور. فالأبرار بحسب الناموس (عظماء الكهنة ورؤساء الشيوخ) قالوا “نعم”، ولكنهم عادوا فرفضوه لمَّا رفضوا كرازة يوحنا المعمدان. ولماذا لم يسمعوا ليوحنا المعمدان؟ لأنّهم أمتلأوا غرورًا وتعاليًا على الآخرين واكتفوا بذواتهم فصُمّت أذانهم عن الاستماع إلى الله الحاضر في حياتهم. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول “أَتَفتَخِرُ بِالشَّريعةِ وتُهينُ اللهَ بِمُخالَفَتِكَ لِلشَّريعة؟” (رومة 2: 23). اما الخطأة (الجُباةَ والبَغايا) بنظر الناموس فإنهم قالوا لله “لا”، ولكنهم عادوا فأطاعوا لمّا قبلوا كرازة يوحنا المعمدان (متى 21: 32).
فالابن الذي قال “نعم” في البداية و “لا” فما بعد هم ما هم إلاّ الابرار بحسب الناموس (عظماء الكهنة ورؤساء الشيوخ). والابن الذي قال “لا” في البداية” “ونعم” فيما بعد هم العشارون والبغايا وجميع الخطأة. فهؤلاء “يسبقون” أي أولئك الى الملكوت السماوي كما صرّح السيد المسيح “الحَقَّ أَقولُ لكم: إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله” (متى 21: 31).
وما الذي جعل الابن الأول يعود عن رفضه؟ إنها الندامة هي التي حرّكته فيما بعد “لكِنَّه نَدِمَ بَعدَ ذلك” (متى 21: 29). فالندامة تبدأ بإدراك خطورة الرفض لمشيئة الله، خطورة بين ما نحن عليه، وما ينبغي ان نكون عليه. وهذا هو شرط أساس لدخول ملكوت الله. وهذا ما فعله العشارون والبغايا، سمعوا يوحنا يناديهم للحياة فلبّوا النداء، وخرجوا من سجن الخطيئة. لم ينغلقوا على ذواتهم، بل انفتحوا على مغفرة الله الغامرة، وعرفوا أنّ “المَحبَّةَ تَستُرُ كَثيرًا مِنَ الخَطايا” (1بطرس 4: 8)، ” حَيثُ كَثُرَتِ الخَطيئَةُ فاضَتِ النِّعمَة” (رومة 5: 20)، وأدركوا أن الله قادر على أن “أَنزِعْ مِن لَحمِهم قَلبَ الحَجَرِ وأُعْطيهِم قَلبًا مِن لَحْم” (حزقيال 11: 19).
اما موقف الابن الثاني الذي قال نعم وعمليا رفض فهو صورة لمن يدّعي التدين. يستعمل كلمات وأفكار مستوحاة من الكتب المقدسة، ولكنه يقف عند هذا الحد دون تغيير ولا تجديد فيما هو، ولا يطبّق ما استوحاه من لكتاب المقدس.
وقد كان كلام يسوع مصدر أمل وتوبة حقيقية وحياة جديدة للخطأة، فراحوا يرغبون في سماع كلمته كما يوكد ذلك لوقا الإنجيلي “وكانَ الجُباةُ والخاطِئونَ يَدنونَ مِنه جَميعاً لِيَستَمِعوا إِلَيه”(لوقا 15: 1) وينضمون الى صحبته وإتباعه ” جَلَسَ يسوعُ لِلطَّعامِ عِندَه، وجَلَسَ معَه ومع تَلاميذِه كثيرٌ مِنَ الجُباةِ والخاطِئين، فقد كانَ هُناكَ كثيرٌ مِنَ النَّاس. وكانوا يَتبَعونَه” (مرقس 2: 5) ويُبدون له ولرحمته عواطف الشكر والامتنان كما حدث مع الامرأة الخاطئة ” كما وصفها السيد المسيح “أَمَّا هِيَ فَبِالطِّيبِ دَهَنَتْ قَدَمَيَّ. فإِذا قُلتُ لَكَ إِنَّ خَطاياها الكَثيرَةَ غُفِرَت لَها، فلأَنَّها أَظهَرَت حُبّاً كثيراً” (لوقا 7: 46-47).
يبين مثل الابنين ان الله لا ترضيه الاقوال، بل الاعمال. ومن هنا جاء لوم يسوع لِماذا تَدعونَني: يا رَبّ، يا رَبّ! ولا تَعمَلونَ بِمَا أَقول؟” (لوقا 6: 46). فإن كان هو الرب والسيد ولم نعمل بما يأمر فلا نستطيع ان ندعوه رباً. ومن هذا المنطلق يقول السيد المسيح ان التلميذ الحقيقي” لَيسَ مَن يَقولُ لي يا ربّ، يا ربّ يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 7: 21). فمن عرف مشيئة الله ورفض العمل بها يهلك، ومن رفض مشيئة الله ثم تاب يجد عند الله رحمة وخلاص ان الخاطئ الذي يعرف نفسه انه خاطئ أقرب الى ملكوت الله من خاطئ يَعد نفسه باراً. إن الله لا ييأس ابدا من الانسان، بل إنه تعالى مستعد ان يستقبل الانسان حين تظهر لديه علامات التوبة والندامة.
ونستنتج من هذا المثل ان الانسان يستطيع ان يندم وبتوب، وان يُغيّر مجرى حياته بعد ان يجيب “لا”! في بادي الامر. وأن الخاطئ الذي يعرف أنه خاطئ، أقرب الى الملكوت الله من خاطئ يعُدُّ نفسه صديقاً. وهذه هي فرصة سانحة للتوبة والعودة الى الله. ونحن اليوم، لا يهم ما قد مضى، ” اليوم إِذا سَمِعتنا صَوتَه فلا نُقَسُّي قُلوبَنا” (مزمور 7-8).
(ج) البعد الروحي:
والبعد الروحي لمثل الابنين هو ان كل الناس يمرُّون بمثل ما مرّ به هذان الابنان من طاعة ثم رفض، او من رفض ثم طاعة. لكن الطاعة من بعد الرفض هي طريق النجاة، والرفض من بعد الطاعة هو طريق الهلاك. إنه لمن الخطر ان نتظاهر بطاعة الله، بينما قلوبنا بعيدة عنه، لان الله يعرف نيَّات قلوبنا، لذا ينبغي ان تتفق اعمالنا مع أقوالنا ونيّاتنا. فلا يمكن القول إننا نؤمن بالله ثم بعد ذلك نحيا كما نشاء كما كان يوحنا المعمدان يقول للجموع ” فأَثمِروا إِذاً ثَمَراً يَدُلُّ على تَوبَتِكم، ولا تُعَلِّلوا النَّفْسَ قاِئلين: إِنَّ أَبانا هوَ إِبراهيم”(لوقا 3: 8)، وكذلك لا يمكن ان نحيا حياة سليمة أخلاقيا وادبيا بدون التوبة والرجوع الى الله.
كم هي عظيمة رحمة الله ان يتقبل الانسان الذي يندم ويتوب ويغيِّر مجرى حياته بعد ان يجيب “لا” في بادئ الامر وضلّ الريق. وهي فرصة سانحة للضعفاء الذين لا يجرؤون على ان يقولوا “نعم” فورا ثم ينسحبون امام العمل. ويسوع هو القوة التي تنقلنا من “لا” الى “نعم” كي نتمِّم مشيئة الله. فكما يقول القديس بولس “إن المسيحَ يسوعَ لم يَكنْ نَعَم ولا، بل “نَعَم” لِذلِك بِه أَيضًا نَقولُ لله: آمين إِكرامًا لِمَجْدِه” (2 قورنتس 1: 20). هل نقبل دعوة التوبة اليوم ونؤمن بالمسيح فندخل الى ملكوت الله ونحصل على السلام والحياة الابدية؟
يُبين لنا المثل ان ملكوت الله ليس للذين يدّعون البر، وهم عصاة متمردون، بل لمن يطلبون البر، وهم خطأة تائبون. انه امر رهيب ان نتبع المسيح، ثم ننكره في حياتنا. فبيننا اليوم من يتشدقون بالدين ويتعلقون بأهدابه امام الناس، ويذهبون الى الكنيسة، يمارسون الفرائض، ويتظاهرون بالتقوى، ولكن مع هذا ينقصهم الدين الحق وحياتهم لا تنسجم مع هذه الدعوى. وبيننا من لا يقيمون للدين وزنا، ولكن حياتهم في بعض الأحيان تسير بموجب القيم الإنسانية. وامر رهيب أيضا ان ننكر يسوع بالقول وبالحياة وبالعكس امر عظيم ان نطيع يسوع بالقول والعمل. فكل انسان سيؤدي الحساب اما الله على اختياراته وأعمال كما يقول حزقيال النبي ” إِذا ارتَدَّ البارُّ عن بِره وصَنَعَ الإِثْمَ وماتَ فيه، فإِنَّه بإِثمِه الَّذي صنَعَه يَموت. وإِذا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عن شَرِّه الَّذي صنَعَه وأَجْرى الحَقَّ والبِرّ، فإِنَّه يُحْيِي نَفْسَه ” (حزقيال 18: 26-27). ومن هنا نتساءل كيف نعيش الطاعة؟
3) كيف نعيش عبرة مثل الابْنَين؟
أننا في تصرفنا نشبه تارة الابن الأول وأخرى الابن الثاني. نقول مرة للرب “نعم” ولا نتحرك للعمل، وأخرى نقول لا” ثم نندم، كيف التخلص من هذه الازدواجية؟ وبكلمة أخرى كيف نطيع؟
وهذان الابنان لم يكونا مثالِيَيْن في سلوكهما، لأنَّ الابن الأوَّل رفض الطاعة في بادئ الأمر، والابن الثاني كذب على والده ولم يُطِعْ أمره. لكن هناك ابن ثالث لم يذكره المثل، ولكنَّه ابنٌ حيٌّ، يقول ويعمل، ويعمل كما يقول: إنَّه يسوع المسيح، ابن الإله الأزلي. إنَّه لم يقل قطّ لأبيه السماوي: “كلا” بل قال دوماً لأبيه: “نعم”. لقد قال: “نعم” لأبيه السماوي لمَّا تجسَّد. وكانت تفاصيل حياته كلِّها سلسلة “نعم”. قال قَبْلَ أن يُقدِم على آلامه: ” لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء! ” (متى 26: 39) “فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب (فيلبي 2: 8) في سبيل فداء البشريَّة. إنَّ السلوك المسيحي الصحيح هو سلوك الابن الثالث الذي خضعت إرادته لإرادة أبيه السماوي، وأطاعه طاعة كاملة لا عن ضغطٍ ولا عن ضَعفٍ، بل عن حُبٍّ سامٍ لا حدود له.
قد استحق يسوع المسيح طاعة كل خليقة، بعد ان صار بطاعته، الرب “كما يعلن بولس الرسول ” يَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب”(فيلبي 2: 11)، وتتولى كل سلطان في السماء والأرض كما صرّح هو نفسه “إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض ” (متى 28: 18). فبوساطته وبواسطة الطاعة لإنجيليه وكلمة كنيسته (2 تسالونيقي 3: 14)، يصل الانسان الى الله في الايمان (اعمال الرسل 6: 7)، ويفلت من يد العصيان الأصلي، ويدخل في سر الخلاص. فيسوع المسيح هو شريعة المسيحي الوحيدة كما اختبر بولس الرسول ” إِنِّي في حُكْمِ شَريعةِ المسيح (1 قورنتس 9: 21). فالطاعة للمسيح لا تكون بالكلام او النيّة فقط، بل تقترن بالعمل، وهي تتطلب طرق متعددة وردت في الكتاب المقدس:
أولا: الطاعة لله تتطلب السير معه كما الحال مع أخنوح “وسارَ أَخْنوخُ معَ الله” (التكوين 5: 22)، فنحن نؤمن أن الله يعلم المستقبل مسبقا كما صرّح بطرس الرسول “إِلى المختارينَ بِسابِقِ عِلمِ اللهِ الآب وتَقْديسِ الرُّوح، لِيُطيعوا يسوعَ المسيح ” (1بطرس 1: 2) وبالتالي يعرف ويريد ما هو الأفضل لأحبائه. لنتقبل ما يصل الينا من كلام الله، ولنستعد لان نسر الى الامام معه على خطى الرسل والتلاميذ الصالحين ومريم المجدلية التي سارت على طريق التجرد الذي قادها الى الصليب.
ثانيا الطاعة هو فعل تسليم لعمل الروح القدس. إنّ خضوعنا لعمل روح الله القدوس في حياتنا هو فعل طاعة بالإيمان كما فعل إبراهيم والاباء ” بِالإِيمانِ لَبَّى إِبراهيمُ الدَّعوَة” (عبرانيين 11: 8)، والروح القدس بدوره يجدّد قلوب المؤمنين ليصيروا “شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّة ” (2بطرس 1: 4). ويدعوهم الله عندئذٍ “مُحِّبيَّ وحافِظي وَصاياي” (خروج 20: 9) أذ يعبرون عن ثقتهم في الله ومحبتهم له كأب.
ثالثا: الطاعة فعل تقدمة الذات ذبيحة مرضيّة. وقد أكّد صموئيل النبي لشاول “إِنَّ الطَّاعةَ خَيرٌ مِنَ الذَّبيحة” (1 صموئيل 15: 22). وقد أعلن يسوع “هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ” (عبرانيين 10: 7) جاعلا من موته ذبيحة لله، ذبيحة الطاعة كما يقول صاحب الرسالة للعبرانيين “تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وهو الاِبن، بما عانى مِنَ الأَلَم” (عبرانيين 5: 8).
رابعا: الطاعة هي التحلي بأخلاق المسيح بما في ذلك من استسلام لله حتى الموت كما يوضح ذلك بولس الرسول ” فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع. هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 1-11).
خامسا: الطاعة فعل انتصار النفس انتصارا أبديًا. يعتبر النبي ارميا أن الطاعة هي أول مطلبٍ للعهد مع الله “اِسمَعوا كَلِماتِ هذا العَهدِ وآعمَلوا بها” (ارميا 11: 6)، ودونها لن يتحقق النصر (يشوع 1: 2).
وسادسا: الطاعة فعل خلاصي للمؤمن. لقد وهبنا الله الحرية بطاعته “ستُحَرَّرُ مِن عُبودِيَّةِ الفَسادِ لِتُشاركَ أَبناءَ اللهِ في حُرِّيَّتِهم ومَجْدِهم” (رومة 8: 21)
واخيرا ً: الطاعة هداية للقريب. وأطاع بولس أمر الربّ القائل له ” قُمْ فادخُلِ المَدينة، فيُقالَ لَكَ ما يَجِبُ علَيكَ أَن تَفعَلِ (اعمال الرسل 9: 6)، وكانت طاعتُه سببًا لهداية أمّما كثيرة. فالمسيحي الحقّ يقول “نعم” للرب بالقول والعمل على خطى معلمه الالهي يسوع المسيح، ابنُ الإله المتجسّد الذي كانت حياته دوماً “نعم” لإرادة أبيه السماوي بقوله وعمله.
الخلاصة
دخل يسوع الى اورشليم وأخد يعلم في الهيكل. هاجمه الخصوم بأسئلتهم، فأجابهم بمثل ألابْنَين. أحدهم يقول ولا يفعل، والآخر لا يقول ولكنّه يفعل. إنّهما أخوين، لهما نفس الوضع، لديهم ذات الأب، غير أنّهما يتصرّفان بشكل معاكس. إنّ الإنسان حرٌّ في أن يردّ على الربّ بنعم أو بلا. لكن كلّ إنسان مسؤول عن خياراته الشخصيّة، سواء كانت إيجابيّة أم سلبيّة وسيؤدي الحساب عليها أمام الله. فإنّ المعايير الّتي نبني عليها خياراتنا هي دنيويّة لنا. نحن ندين أنفسنا بموجب اختياراتنا. إن الاختيارات الّتي نتّخذها الآن سيكون لها أثر على مستقبلنا على هذه الأرض ومستقبلنا في الحياة الابدية.
يعلمنا هذا المثل ان الله لا ييأس ابدا من انسان. وهو مستعد ان يستقبله حين تظهر عنده أقل علامة من علامات التوبة. وهذا المثل يحفزنا نحن الذين نعيش في ازدواجية: اليوم نقول للرب “نعم” ثم نقول له في غدا “لا”. بان نقيِّم نفوسنا ونتخذ موقف تجاه عودتنا لله وطاعته.
الله صبور وينتظر ان نعود اليه بكلمة “نعم” بكل أيمان وسخاء. وإنّ كلمة نعم قصيرة جدّاً، لكنها مُلزمة. كم “نعم” قللناها للربّ في حياتنا! ان ملكوت الله ليس للذين يدعون البر والقداسة بل لمن يطلبونها ويعملون إرادة ابيهم السماوي الذي تؤدي الى السلام. فلا عجب ان الباب يوحنا الثالث والعشرون اتخذ شعاره ” الطاعة والسلام”. أنَّ المسيحي الصادق لا يرفض للربّ أمراً، بل يُطيعه طاعة الابن المُحِب لأبيهِ الحبيب. ولا يستسلم إلى الرياء فيتظاهر بالطاعة من دون أن ينفِّذ إرادة الربّ، “لَيسَ مَن يَقولُ لي ((يا ربّ، يا ربّ)) يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 7: 21).
دعاء
أيّها الآب السماوي، إنّك تدعو الجميع الى ملكوت السماوي، وأنك على استعداد دائماً لأن تُرحّب بالعشّارين والخاطئين وقبولهم فور إبداء نيّتهم في التوبة القلبيّة، ساعدنا أن نحترم مشيئتك، وإذا ابتعدنا عنها ولم نحفظ وصاياك، امنحنا نعمة قوة الطاعة كي نعود اليك لا بالقول فقط بل التوبة والندامة ونتابع مسيرتنا في العمل في كرم الرب بكل صدق وإخلاص فنعبر من ملكوت الظلمة إلى ملكوته الأبدي.