يسوع خبز الحياة (يوحنا 6: 51-59)

الأب لويس حزبون

تحتفل الكنيسة في عيد جسد الرب ودمه في كل سنة بعد أحد الثالوث الاقدس. وقد تعمَّم هذا العيد على الكنيسة جمعاء سنة 1317. ويسلط إنجيل أحد جسد الرب ودمه الأضواء على ان يسوع هو خبز الحياة (يوحنا 6: 51-59) وعلامة حضور سيدنا يسوع المسيح بيننا في سر الافخارستيا من خلال جسده ودمه، علامة على جسده الذي يُبذل من أجل العالم، ودمه الذي يُراق عن العالم لينال العالم قوة وقداسة وحياة ابدية؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 6: 51-59)

51 أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم

تشير عبارة “أَنا الخبزُ الحَيُّ” الى شخص يسوع، مبدأ حياة يجد فيه المؤمن اشباع جوعه الداخلي؛ يسوع يقدم نفسه على أنه خبز الحياة، لأنه كما أن الإنسان حين يأكل الخبز العادي يتحول لأنسجة ودم وتكون له حياة. هكذا من يتناول من جسد المسيح يتحد به وتكون له حياة. اما عبارة ” الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء” فتشير الى الذي يعطي حياة أبدية للإنسان مقارنة بين المن الذي كان قد أُعطي في البرية؛ فالمن الذي نزل من السماء لم يكن إلا رمز نبوي الى يسوع خبز الحياة النازل من السماء، ويعطي العالم الحياة. فالمن لم يستطع ان يمنع الموت (يوحنا 6: 49) ولكن كل من يأكل من خبز الحياة الذي يعطيه يسوع لن يموت ابدا (يوحنا 6: 50-51). اما عبارة “مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد” فتشير الى يسوع الذي يقدم جسده في صورة خبز نأكله فنتحد به لنيل الحياة الأبدية لأنه حي ومحيي والحياة موجودة في شخصه” لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون” (يوحنا 14: 19). اما عبارة “الخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا” فتشير الى الخبز الذي يعطيه يسوع بتقديمه جسده، وهذا ما ندعوه سر القربان الاقدس او الافخارستيا. والافخارستيا كلمة يونانية ευχαριστία صدرت عن رسالة بولس في كلامه عن يسوع في تأسيس سر القربان ” وهو أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ εὐχαριστήσας ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم .اِصنَعوا هذا لِذِكْري ” (1 قورنتس 11: 24). اما عبارة “هو جَسَدي” باليونانية σάρξ (ومعناه لحم ودم) فتشير الى ما يكوّن حقيقة الانسان، بما فيه من إمكانيات وضعف (يوحنا 1: 14)، وتقابلها كلمة “بشر” في العربية أي المخلوق الضعيف إزاء الخالق القوي الكبير. وهي اللفظة التي قيلت عن تجسد كلمة الله “الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً” σὰρξ (يوحنا 1: 14)، وعليه فإنها تدل على قيمة التجسّد الخلاصية. منح يسوع طبيعته الإلهية ليكون طعام الانسان. اما عبارة ” أَبذِلُه لِيَحيا العالَم” فتشير الى البُعد الفدائي الذي يمتاز به موت يسوع. يكشف المسيح هنا عن نيته في بذل جسده في الصليب. وما الافخارستيا إلاَّ ذبيحة المسيح نفسها على الصليب لكي نأكل بها جسده فنحيا. ويتم أكل خبز الحياة بتناول جسد الرب ودمه؛ وهذا يشير الى الإيمان بموت يسوع وقيامته من ناحية، وبتكريس ذواتنا بموجب شريعة الانجيل من ناحية أخرى. وعليه فإن هناك صلة بين يسوع، مصدر الحياة وبين موته، كما جاء في كلامه “الرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف (يوحنا 10: 11. اما عبارة ” سأُعْطيه أَنا ” فيقابلها عبارة ” أَبي يُعطيكُم خُبزَ السَّماءِ الحَقّ ” (يوحنا 6: 32) ؛ وهذه هي إرادة الآب والابن أن يحيا الجميع أبديا وليس موقتا كما حدث مع شعب العهد القديم الذي حصل على مَنْ السماء فأكله وعاش أياما على الأرض ثم مات أبديا. اما عبارة ” العالَم ” فتشير في انجيل يوحنا الى اليهود والأمم الوثنية، واما في انجيل لوقا فتشير الى التلاميذ “هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم (22: 19) كذلك في رسالة بولس ” إِنَّه مِن أَجْلِكُم” (1 قورنتس 11: 24). اما هنا يوجّه يسوع كلامه توجيها مباشرة الى الحاضرين من المؤمنين المشتركين في الافخارستيا، واما في أنجيل متى (26: 28) وفي أنجيل مرقس 14: 24) فيُراق دم يسوع ” مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس “. هدف الحياة هو الحياة الحقيقية هي التي يعطيها الكلمة المتجسد يسوع المسيح بذبيحة جسده ودمه. إن الخبز الوحيد الذي يغذّي ويمنح الحياة هو جسده، وأن الطريقة الوحيدة للوصول إلى حبّ الله تتمّ من خلال هذا الجسد.

52 فخاصَم اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه؟

تشير عبارة “خاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً” الى ان البعض فهم الكلام على المستوى الروحي، والبعض فهم الكلام على المستوى الجسدي فرفضه. لان شرب الدم كان محرمًا عند اليهود (التكوين 9: 4)، لأن الروح في الدم، لكن ذبيحة المسيح تختلف عن باقي الذبائح حيث أنه يعطينا حياته التي في دمه لتقديسنا كما جاء في الرسالة الى العبرانيين ” ما أَولى دَمَ المسيحِ، الَّذي قَرَّبَ نَفْسَه إلى اللهِ بِروحٍ أَزَلِيٍّ قُرْبانًا لا عَيبَ فيه، أَن يُطَهِّرَ ضَمائِرَنا مِنَ الأَعمالِ المَيْتَة لِنَعبدَ اللهَ الحَيّ! “(العبرانيين 9: 13 – 14)؛ اما عبارة ” كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه ” فتشير الى الشريعة التي تحرم شرب دم كما كلم الرب موسى “أَنقَلِبُ على آكِلِ الدَّمِ وأَفصِلُه مِن وَسْطِ شَعْبِه. لأَنَّ نَفْسَ الجَسَدِ هي في الدَّم، وأَنا جَعَلتُه لَكم على المَذبَحِ لِيُكَفَّرَ بِه عن نُفوسِكُم، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عنِ النَّفْس” (الاحبار 17: 10-11). يندهش القديس كيرلس الكبير من “اليهود الذين آمنوا أنه بأكل لحم خروف الفصح ونضح دمه على الأبواب يهرب الموتُ منهم، ويُحسبوا مقدسين، ولن يعبر بهم المُهلك، فكيف لا يؤمنون بأن تناول جسد حمل الله ودمه يهبهم الحياة الأبدية؟”. وعليه فإن سبب مخاصمة اليهود هو عدم الايمان كما يقول اشعيا “إن كنتم لا تؤمنون فلن تفهموا”(اشعيا 7: 9). لهذا كان من الصواب أن يتأصل فيهم الإيمان أولًا ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي يجهلونها. اما بولس الرسول فقد استخدم تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول “أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: ((هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري)). وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: ((هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري” (1 قورنتس11: 23-26). ويعلق القديس أوغسطينوس “يعرف المؤمنون جسد المسيح إن لم يهملوا في أن يكونوا جسد المسيح، ويصيروا جسد المسيح إن أرادوا أن يعيشوا بروح المسيح”.

53 فقالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة.
تشير العبارة ” لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ ” الى صيغة الغائب. واما عبارة “دَمَه” فتشير الدم الى ذبيحة الجلجلة على الصليب والى الموت الذي يهب الحياة. ويدل هذا الاعلان عن قرار يسوع بإعطائه جسده ذبيحة من اجل حياة العالم. وكل قداس هو نفس الذبيحة. وعليه فإن سر الافخارستيا الذي نأكل فيه جسد المسيح ونشرب دمه هو امتداد لذبيحة الصليب. السر معناه نوال نعمة غير منظورة تحت أعراض شيء منظور، فما نتناوله هو خبز وخمر وفي الحقيقة هو جسد ودم.

54 مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير.

يشير فعل ” أَكل” في اليونانية ” τρώγω ومعناها مضغ، قضم. ويستعمل يوحنا مفرد حسي لوصف الاشتراك في الافخارستيا. كانت العادة الجارية عند اليهود بان يُحسنوا مضغ أطعمة عشاء الفصح خاصة خروف الفصح. ونلاحظ هنا ان يوحنا الانجيلي يشدّد على واقعية جسد يسوع ضد البدعة الظاهرية القائلة ان يسوع لم يأخذ جسداً حقيقياً من مريم. اما عبارة “مَن أَكل جَسَدي” فتشير الى صيغة المتكلم. فالانتقال من صيغة الغائب “إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ” (يوحنا 6: 53) الى صيغة المتكلم “مَن أَكل جَسَدي” تدل على معادلة بين ابن الانسان وبين يسوع. اما عبارة “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي” في اليونانية ὁ τρώγων μου τὴν σάρκα καὶ πίνων μου ومعناها الأكل الدائم والشرب بمعنى الشركة الدائمة. فتشير الى اشتراك في حياة يسوع وموته الذي ينتج عنه نيل الحياة الأبدية والقيامة في المستقبل. اما عبارة “فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة” فتشير الى حياة الآب السماوي، “فكَما أَنَّ الآبَ له الحَياةُ في ذاتِه فكذلِكَ أَعْطى الِابنَ أَن تَكونَ له الحَياةُ في ذاتِه (يوحنا 5: 26) ويعطى الابن الحياة الأبدية للذين يأكلون جسده ويشربون دمه. فقد قال يسوع “أنا خُبزُ الحَياة” (يوحنا 6: 48). ومن حيث يسوع “خبز الحياة” يُعطي لمن يأكل جسده أن يحيا به، كما هو يحيا بالآب (6: 27-28). لذا أوصى يسوع بالأكل من هذا الخبز “خُذوا كُلوا! إنَّ هذا الخبزَ هو جسدي للحياة الأَبدِيَّة”(متّى 36:26). اما عبارة “أُقيمُه اليَومِ الأَخير” فتشير الى ان القيامة ملحق ضروري لعطية “حياة ابدية “. فالقيامة هي حياة مع الله في الحياة الحاضرة، ولكن القيامة لا تتحقق في كمالها إلاّ في اليوم الاخير. القيامة تبدأ الآن، وتكتمل في اليوم الأخير كما قالت مرتا ليسوع “َعلَمُ أَنَّه سيَقومُ في القِيامَةِ في اليَومِ الأَخير (يوحنا 11: 24). والافخارستيا هي خميرة القيامة للمؤمنين (يوحنا 6: 39-40). وكما ان الخبز المادي يسد جوع الحياة الجسدية، كذلك الخبز الروحي يسد جوع الحياة الروحية. الخبز النازل من السماء الذي أعطاه موسى (عدد 11: 7) يقوت ليوم واحد ولا يمنع الموت، اما المسيح فهو يقدِّم ذاته خبزا روحيا نازلا من السماء، الخبز الذي يقود الى الحياة الابدية. وبعبارة أخرى يعلن يسوع هنا ان الاشتراك في حياته وموته، ينتج عنه الحصول على الحياة الابدية والقيامة في المستقبل. والجدير بالذكر ان هناك تشابه، بين آية ” مَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير ” (يوحنا 6: 40) التي تتكلم عن الإيمان وبين آية (يوحنا 6: 54) التي تتكلم عن سر الافخارستيا بوضوح، ولكن لا تناول من سر الافخارستيا دون الإيمان. ولكن الإيمان وحده فقط لا يكفي فلا بُد من التناول من جسد ودم سيدنا يسوع المسيح في سر الافخارستيا.

55 لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ”

تشير عبارة “جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ” الى جسد المسيح ودمه، وهما غذاء حقيقي للنفس كما جاء في العشاء الأخير. وقد استخدم يولس الرسول تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول” كُلَّمَا أَكَلتُم هَذا الخُبْز وشَرِبتُم هذِه الكَأس تُعلِنونَ مَوتَ الرَّبِّ إِلى أن يَأتي” (1 قورنتس 11: 26). اما عبارة ” حَقّ ” فتشير الى امر حقيقي غير مزيف بل يختص بحاجة الإنسان الحقيقية، والحاجة الحقيقية تختص بالروح والحياة الأبدية وليس مجرد عمل إعجازي دنيوي مظهري كما يطلب اليهود “أَيُّ آيةٍ تَأتينا بِها أَنتَ فنَراها ونَؤمِنَ بكَ؟ ماذا تَعمَل؟” (يوحنا 6: 30). لم يفصح المسيح هنا عن السر الذي سيتم بالخبز والخمر، انما تركه ليصنعه أمام التلاميذ ليلة الخميس المقدسة في العشاء الأخير مع تلاميذه. اما عبارة ” طَعامٌ حَقّ وشَرابٌ حَقّ” فتشير الى العشاء الاخير حيث الخبز (الطعام) والخمر (الشراب)، هما جسد المسيح ودمه، وهما يحققان غاية الطعام والشراب. وغاية الطعام والشراب هي ضمان الحياة. وهذه الحياة هي مشاركة مع الآب والابن. فالمسيح الذي تجسّد (يوحنا 1: 14) الا يستطيع ان يكون حاضرا تحت اعراض الخبز والخمر؟ ويسوع الذي كثّر الخبز والسمك (يوحنا 6: 1-15) ألا يستطيع ان يكثر حضوره تحت اعراض الخبز والخمر؟ انه سر الايمان.

«56 مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه.

تشير عبارة “مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي” الى قول الرب يسوع عن أكل جسده وشرب دمه، إنه امر لم يقدر رؤساء اليهود ان يحتملوه، لان الشريعة تحرم شرب الدم (الاحبار 17: 10). وبالرغم من ذلك، إن جسد المسيح ودمه هما غذاء حقيقي للنفس. وقد اكّد بولس الرسول هذه الحقيقة باستخدام تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول “وهو أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: ((هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري)). وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: ((هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري” (1قورنتس 11: 23-26). اما عبارة ” ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه” الى اتحاد حميم ووثيق ناتج عن تمثل طبيعة الرب.
57 كما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي.

تشير عبارة “الآبَ الحَيَّ” الى صفة الآب أنه حي كما جاء في وحي موسى النبي” أَي بَشَرٍ سَمِعَ صَوتَ اللّهِ الحَيِّ مُتَكَلِّمًا مِن وَسَطِ النَّارِ مِثلنا وبَقِيَ على قَيدِ الحَياة؟ ” (تثنية الاشتراع 5: 26)؛ اما عبارة “ارسَلَني” فتشير الى ارسال الله الآب ابنه الى العالم ليتجسد؛ اما عبارة ” إني أَحْيا بِالآب ” في اليونانية κἀγὼ ζῶ διὰ τὸν πατέρα فتحمل معنى أن علة حياة الابن الآب، يعني أنه من الآب، وليس الآب منه. أن الآب ليس سبب حياة الابن انما الابن حي بنفس حياة الآب، فالابن لا يحيا وحده، لكن حياة الآب هي حياة الابن بلا انفصال. وقد قال الابن عن نفسه “أَنا القِيامةُ والحَياة ” (يوحنا 11: 25)؛ فالمسيح إذاً له نفس حياة الله بسبب اللاهوت المتحد بجسده. ويُعلق القديس كيرلس الكبير على لسان يسوع “من يأخذني في نفسه بالاشتراك في جسدي سيحيا، ويُطَّعم بالكامل فيّ، أنا القادر أن أهبه حياة، لأنني من أصل واهب الحياة، أي الله الآب”؛ اما عبارة ” الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي” فتشير الى تناول القربان الاقدس، فمن تناول يأخذ الحياة التي في المسيح، وهي حياة أبدية. ان الحياة هي دخول في الاتحاد بالابن عن يد الآب. وهذا الاتحاد مع يسوع من خلال القربان الاقدس هو شبيه بالاتحاد الكائن بين الآب والابن فنحن نحيا بالمسيح كما هو حي بالآب. .فإذا أكلنا الجسد وشربنا الدم فنحن لا نعود نحيا وحدنا بل نحيا حياة المسيح النابعة من نفس ينبوع الآب. وهكذا يتم الرباط الإلهي بين الإنسان والله الآب بجسد المسيح الذي نناله من الافخارستيا. اما عبارة “أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب” فتشير إلى اتحاد المؤمن الذي أكل جسد الرب وشرب دمه شبيه بالاتحاد الكائن بين الاب والابن.

58 هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد.

تشير عبارة “الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء” الى تكرارها للمرة العاشرة في هذا الفصل وذلك لأهمية موضوع الخبز. يتكلم فيه عن الخبز لكنه فيه حياة أبدية. إن هذا الامر يصعب فهمه، لهذا لا بد من خيار نقوم به. فالرسل كانوا قد أعلنوا إيمانهم عن طريق بطرس، والتزموا بما يطلبه يسوع. أما آخرون فترددوا، وتراجعوا، وانقطعوا عن مصاحبة يسوع. “كَثيرٌ مِن تَلاميذِه لَمَّا سَمِعوه قالوا: هذا كَلامٌ عَسير، مَن يُطيقُ سَماعَه؟” (يوحنا 6: 60). أما عبارة ” أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا ” فتشير الى ان اليهود لم يعيشوا إلى الأبد بواسطة المن. إن قيمة “المن” محدودة، وهي لا تقابل بالطعام الذي يمنحه يسوع. أمَّا عبارة “مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد” فتشير الى الذين يتناولون جسد المسيح فهم يموتون وقتيًا لكنهم يحيون أبديًا، لأن المسيح هو حياة أبدية. تلخص هذه الآية التعليم الوارد في الآيات السابقة.
59قالَ هذا وهو يُعلِّمُ في المجمَعِ في كَفَرْناحوم.
تشير عبارة ” يُعلِّمُ في المجمَعِ ” ان تعليم يسوع كان علنًا وليس سريّا في زاوية من الزوايا، كما أنبأ اشعيا “لم أَتَكَلَّمْ في الخُفْيَة في مَكانٍ مُظلِمٍ مِنَ الأَرض ” (اشعيا 45: 19)، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “ان يسوع علّم في المجمع لسببين: الأول لكي يقتنص أكبر عدد ممكن من أعدائه، والثاني أنه أراد تأكيد عدم معارضته للآب”. اما عبارة ” كَفَرْناحوم ” في العبرية כְפַר־נַחוּם معناه قرية ناحوم، فتشير الى المكان التاريخي الذي دار فيه الحديث عن خبز الحياة. وكفرناحوم قرية واقعة على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية (متى 4: 13-16) وكانت مركز جباية (مرقس 2: 1) ومركز عسكري روماني (متى8: 5). وجعلها يسوع مركزا له حتى انها دُعيت “مدينته” (متى 9:1). وفيها شفى يسوع حماة بطرس المحمومة (متى 8: 14-17) والمقعد (مرقس 2: 1-13) وكثيرين مرضى (متى 8: 16).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 6: 51-59)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 51-59)، نستنتج انه يتمحور حول نتائج سر الافخارستيا، خبز الحياة. ومن هنا نتساءل: ما هي ظروف العظة عن سر الافخارستيا، وما هي نتائج سر الافخارستيا؟

1) ظروف عظة الافخارستيا

بعد سر عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 12)، وسر الولادة الجديدة مع نيقوديمس (3: 1-21)، وسر الماء الحي مع السامرية (4: 54) يُدخلنا يسوع في سر الخبز الحي. فبعد معجزة الخبز والسمكتين التقى يسوع والجمع في كفرناحوم. واراد يسوع ان يُفهم الجمهور الحقيقة التي ترمز اليها معجزة الخبز. اخذ يتحدث معهم حيث هم وكما هم: انهم يأتون الى يسوع طلبا للخبز الذي اكلوه، ولم يتبيّنوا الحقيقة فقال لهم يسوع “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَنتُم تَطلُبونَني، لا لِأَنَّكم رَأَيتُمُ الآيات: بلِ لِأَنَّكم أَكَلتُمُ الخُبزَ وشَبِعتُم” (يوحنا 6: 26). ويعلق القديس اوغسطينوس ” نادرًا ما يُطلب يسوع من أجل يسوع نفسه”.

قد انطلق يسوع من اهتماماتهم المادية في كسب الخبز لعيالهم. ودعاهم الى التطلع الى أعلى “لا تَعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَفْنى بلِ اعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَبْقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّة ذاكَ الَّذي يُعطيكموهُ ابنُ الإِنسان” (يوحنا 6: 27). فسألوه “ماذا نَعمَلُ لِنَقومَ بِأَعمالِ الله؟” (يوحنا 6: 28). عندئذ أوضح لهم يسوع ما يجب ان يفهموه “عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل” (يوحنا 6: 29)، ولكن قبل ايمانهم به سألوه آية مماثلة لأعاجيب موسى التي تُبين ان رسالته من الله: “فأَيُّ آيةٍ تَأتينا بِها أَنتَ فنَراها ونَؤمِنَ بكَ؟ ماذا تَعمَل؟ آباؤُنا أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة. كما وَرَدَ في الكِتاب: أَعْطاهم خُبزاً مِنَ السَّماءِ لِيأكُلوا” (يوحنا 6: 30-31). فاخذ يحدثهم عن الافخارستيا، خبز الحياة. فمعجزة تكثير الخبز تُظهر عطاؤه الملوكي لشعبه، ولكن يسوع يريد ان يعطيهم الخبز الخالد والمائدة القربانية حيث يُشبع شعبه الى الابد في سر الافخارستيا.

2) نتائج عظة الافخارستيا

روت الاناجيل متى وهو تقليد كنيسة القدس (متى 26: 26-29)، ومرقس وهو تقليد كنيسة القدس (مرقس 14: 22-25) ولوقا وبولس وهو تقليد كنائس انطاكيا أو آسية الصغرى (لوقا 22: 15-20، 1 قورنتس 11: 23-25)”. والأفخارستيا هي لفظة يونانية εὐχαριστέω تذكر بالبركات التي تشيد بأعمال الله: الخلق والفداء والتقديس (لوقا 22:19، 1 قورنتس 11:24، متى 26:26). اما انجيل يوحنا لم يروِ عن تأسيس سر الافخارستيا، انما اكتفي بالتكلم عن نتائج الافخارستيا وهي الحياة الأبدية والثبات في المسيح وتكريس الذات للمسيح.

أ‌) النتيجة الأولى: الحياة الابدية والقيامة

عادت الجموع تبحث عن يسوع في الغد، لا للتمتع بصانع الآيات، وإنما لأنها أكلت وشبعت (يوحنا 6: 26)، لذا قدم لهم السيد المسيح مائدة جديدة مختلفة: جسده ودمه المبذولين طعامًا يهب الحياة الأبدية والقيامة. فقال لهم “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير.” (يوحنا 6: 54)؛ أن ” أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي ” هو ما ندعوه الافخارستيا او القربان المقدس. تشركنا الافخارستيا ” أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي ” في “يسوع القائم” والحي. إذ يتحوّل هذا الجسد القائم فينا الى بذار حياة الهية. وتحول جوهر الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح هو ثمرة هبة المسيح ذاته للبشر، هبة حب أقوى من الموت. لهذا السبب الافخارستيا هي طعام الحياة الأبدية، طعام الحياة. يعلق القديس كيرلس الكبير “يليق بالأبدي أن يعطي ما هو أبدي، لا أن يعطي تمتعًا بطعامٍ وقتي بالكاد يقدر أن يدوم للحظاتٍ قليلة. ويليق بالذي نزل آنذاك أن يجعل المشتركين في تناوله أسمى من الموت والاضمحلال”.

يُظهر يسوع نفسه حياة البشر مقدمة تحت رمز الخبز من خلال سر خبز الحياة، سر القربان “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. (يوحنا 6: 54). وعليه فإن المن الذي نزل من السماء لم يكن الا رمز، لان خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة. فقد كان بعض علماء الشريعة اليهود يَعدّون عطية “المن” اليومية في البرية أكبر خوارق زمن الخروج (خروج 16/15)، فعلى المسيح المرسل في نظرهم ان يجري من المعجزات ما يفوق معجزة “المن”. فأخذ اليهود يطلبون من يسوع آية تثبت انه قادرٌ على منح الحياة. فاثبت لهم يسوع ان المن الذي أعطاه موسى لأجداد اليهود في البرية لم يستطع ان يمنع الموت عنهم (يوحنا 6:49). اما هو فيقدم ذاته ” الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماء الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ ولا يَموت” (يوحنا 6: 50).

وأشار يسوع هنا الى الخبز النازل من السماء الذي اعطاه موسى لأجدادهم، وكان خبزاً ماديا ووقتيا، وكان يقوت الناس ليوم واحد، وكان عليهم ان يحصلوا على المزيد منه كل يوم، ولم يقدر هذه الخبز ان يمنع الموت عنهم. أمّا يسوع أعظم من موسى، فيقدّم ذاته خبزا روحياً نازلا من السماء يقود الى الحياة الابدية. هذا هو الاختلاف الّذي يُميّز الافخارستيا عن المنّ. لقد كان المنّ مجرّد خبز أرضيّ، يُغذّي الجسد، لكنّه يترك النفس والروح دون قوّة. أمّا الافخارستيا فهي الربّ الإله ذاته الّذي يجعل نفسه جسدنا ودمنا ونفسنا وأفكارنا وإرادتنا ومشاعرنا.

وهكذا رفع يسوع نظر اليهود الى خبز أهم من المن، الى خبز الله، وهو يسوع مبدأ الحياة الذي يبقى الى الابد، وليس كالمن الذي يفنى. والمن ما هو الاَّ ظل لخبز الحياة الذي يقدِّمه يسوع. لقد أوضح يسوع انه خبز الحياة في كلامه: “جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ” (55). وتمَّ ذلك في العشاء الرباني لما قدَّم جسده مأكلا ودمه مشرباً، في الخبز والخمر، سر جسد يسوع الذي يبذل من اجلنا وسر دمه الذي يراق عنا لمغفرة الخطايا. فالإفخارستيا هي المن الحقيقي، هي الخبز الذي يعطي الحياة للعالم، بمجرد الاتحاد الوثيق بيسوع.

يستعمل يوحنا مفردات حسّية لوصف الاشتراك في الافخارستيا “من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية” (يوحنا 6: 57) كما يبدو واضحا أثناء العشاء الاخير حيث ان الخبز والخمر هما جسد المسيح ودمه، ضمان الحياة الابدية. والحياة الابدية هي المشاركة مع الآب والابن (يوحنا 6: 57)، وهذه الحياة هي أبدية حيث لا يستطيع الموت ان يدمّرها. ومن ثم أي إنسان يقدّم نفسه بالإيمان ليسوع المسيح المخلص من خلال القربان يعيش آمنا لثقته في وعد الله بالحياة الابدية. فالمومن يصل إلى الحياة الأبدية بالقربان المقدس وبالعكس فلن يصل الحياة الأبدية دون القربان المقدس. ولذا لما تكلم عن ” الوليمة السماوية” دعا تلاميذه من جديد “لَن أَشرَبَ بعدَ الآن مِن عَصيرِ الكَرْمَةِ هذا حتَّى ذلك اليَومِ الَّذي فيهِ أَشرَبُه مَعَكُم جَديداً في مَلكوتِ أَبي” (متى 26: 29).

تكمن “الحَياةُ الأَبَدِيَّة” في ان يسوع ينقلنا من الموت الى الحياة. لا ينتمي المؤمن بعد الآن الى الموت، بل هو يحيا القيامة منذ الحياة الحاضرة، فحتى وإن مات، فهو يتقبل الحياة كما جاء في قول يسوع “مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة ولا يَمثُلُ لَدى القَضاء بلِ انتَقَلَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة” (يوحنا 5: 24). إن الايمان بالمسيح هو الحصول على الحياة الابدية. يؤكد سفر التكوين، أن الله خلّد الإنسان، لأنه كان يعيش في بستان تنمو فيه شجرة الحياة. ويؤكد سفر الرؤيا، آخر سفر في الكتاب المقدس، ان الله سيمنح الخلود لكل غالب (رؤيا 2: 7). ويؤكد لنا يسوع هنا ان الايمان به يعيد الينا الحياة الخالدة ” لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن” (يوحنا 3: 15). ويعلق القديس اوغسطينوس ” إنه يود أن يعلن ذاته من هو. إنه يقول من يؤمن بي يقتنيني. لأن المسيح نفسه هو اللَّه الحقيقي والحياة الأبدية. لذلك يقول: من يؤمن بي يدخل فيّ، ومن يدخل فيّ أكون له. وماذا يعني “أكون له”؟ تكون له الحياة الأبدية”.

ولا يهب يسوع من خلال الافخارستيا الحياة الأبدية فحسب إنما أيضا القيامة. والافخارستيا هي خميرة القيامة للمؤمنين ” فمَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 6: 40)، فالقيامة ملحق ضروري لعطية “حياة ابدية”. ويندهش القديس كيرلس الكبير من اليهود الذين “آمنوا أنه بأكل لحم خروف الفصح ونضح دمه على الأبواب يهرب الموت منهم، ويُحسبوا مقدسين، ولن يعبر بهم المهلك، فكيف لا يؤمنون بأن تناول جسد حمل الله ودمه يهبهم الحياة الأبدية”.

إن من يتناول جسد الرب ودمه سوف يقوم من الموت الجسدي الى الحياة الابدية مع الله كما جاء في تعليم سيدنا يسوع المسيح “كما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي” (يوحنا 6: 57)، يؤكد يسوع بأن من يتناول القربان المقدس فهو يحيا فيه وبالعكس من لا يتناول القربان المقدس فلن يحيا في المسيح. إن القربان المقدس هو جسد المسيح الذي ذُبح على الصليب ومات ثم قام في اليوم الثالث بقوة القيامة. وحيث أن القربان المقدس هو استمرار لذبيحة الصليب فهو استمرار لموته وقيامته. أي أن القربان المقدّس هو قوة قيامة المسيح. وبالتالي يؤكد يسوع “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير” (يوحنا 6: 54)، عند مجي المسيح ثانية كما جاء في تعليم بولس الرسول “في لَحْظَةٍ وطَرْفةِ عَين، عِندَ النَّفْخِ في البُوقِ الأَخير. لأَنَّه سيُنفَخُ في البُوق، فيَقومُ الأَمواتُ غَيرَ فاسِدين ونَحنُ نَتَبدَّلُ” (1 قورنتس 15: 52). القربان المقدس هو قوة ألوهية المسيح التي هي قوّة قيامته وقيامتنا.

ويعلق القديس كيرلس الكبير “إن كان بلمسة جسده المقدس وحدها تمّ إقامة ابنة يايرس (لوقا 8: 54) وإقامة الشاب وحيد أمه (لوقا 7: 12-14) واعطى حياة لجسد تحلل، فكيف لا ننتفع نحن بالتناول الذي نشترك فيه، وننال الواهب الحياة والخلود؟ “.

ب‌) النتيجة الثانية: الثبات المتبادل في شخص المسيح

والنتيجة الثانية للإفخارستيا هي الثبات في يسوع المسيح ” مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه (يوحنا 6: 56). فهناك ثبات متبادل. المؤمن يثبت في المسيح “ثَبَتَ فِيَّ ” كما يثبت ويتحد الغذاء بالجسد، ويتحول الخبز الذي يأكله إلى أنسجة في الجسم. هكذا يتحد بجسد المسيح فيصير من ” أَعْضاءُ جَسَدِه” (أفسس 5: 30)؛ ويعلق القديس كيرلس الكبير “إذ نقترب إلى تلك النعمة الإلهية والسماوية، ونصعد إلى شركة المسيح المقدسة، ونصبح شركاء الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4) ونرتفع إلى الحياة وعدم الفساد.”

بالافخارستيا المسيح يثبت في المؤمن ” ثَبَتُّ فيه” في حياته. فسر القربان ليس كباقي الاسرار قوة يمنحها المسيح لتعطي النعمة، المسيح نفسه، لان القربان الاقدس هو المسيح نفسه، ينبوع النعم كما يقول القديس توما الاكويني (3/ 65: 3). ومن هنا جاء تصريح بولس الرسول ” فالحَياةُ عِندي هي المسيح” (فيلبي 1: 21). ويعلق القديس أوغسطينوس وكأن يسوع يناجيه بقوله “أنا خبز الأقوياء. أنت لن تحولني إلى ذاتك، كما يحول الجسد الطعام، بل أنت ستتحول إليّ” (اعترافات 7، 10، 18). وهنا ندرك كلام الله الى بولس الرسول “حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف “، وجواب بولس لله ” فإِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعْفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح” (2 قورنتس 12: 9).

يؤكد يسوع المسيح أن من يتناول القربان المقدس يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه، وبالعكس فإن من لا يتناول القربان المقدّس فلن يكون هناك ثباتا متبادل بينه وبين المسيح. وفي هذا الصدد يقول القديس ايريناوس “إن الإنسان إما أن يكون فارغًا أو مملوءاً. فمن يقبل الله ساكنًا فيه يكون مملوءًا، أما من ليس له معرفة بالآب السماوي وليس له الروح القدس ولم يقبل المسيح حياة له يكون فارغًا”.
وكل إنسان مدعو ليقيم مع الله وفي الله. “اُثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم” (يوحنا 15: 4). الثبات في المسيح هو الإتحاد الحميم والوثيق بالرب. من خلال الخبز والخمر المقدسين، الذين يحضر فيهما حقيقة جسد ودم المسيح، يحولنا يسوع إلى ذاته ويشركنا في عمل الخلاص
نحن، من خلال القربان الاقدس، نكون في شركة مع إلهنا بشكل ملموس. ونحن بحاجة إلى أنّ نظلّ في حضوره الحقيقي. ويعلق القديس كيرلس الكبير ” جاء المسيح ليكون فينا ونحن أيضًا فيه”. وفي هذا الصدد يقول القديس هيلاريون، أسقف بواتييه “بخصوص الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه الآن بإعلان الرب نفسه وإيماننا، هو جسد حقيقي ودم حقيقي. وما يؤكل ويشرب يعبر بنا لكي نكون في المسيح والمسيح فينا.
الثبات في المسيح هو موضوع العهد الجديد الذي يعبر عنه الكتاب المقدس عبر التاريخ، بعبارات رائعة ” وأَجعلُ مَسكِني في وَسْطِكم، وأَسيرُ في وَسْطِكم وأَكونُ لَكم إِلهاً وأَنتُم تَكونونَ لي شَعْباً ” (الاحبار 6: 11-12). وقد دعيت أورشليم السماوية ” مَسكِنُ اللهِ مع النَّاس، فسَيَسكُنُ معهم وهم سيَكونونَ شُعوبَه وهو سيَكونُ ((اللهُ معَهم )) ” (رؤيا 21: 3). هذه هي العطية الأبدية، يسكن الله معنا ويقبلنا عنده كشعب سماوي له وهو يكون لنا إلهًا يتجلى فينا. فسكنى الله فينا ينزع عنا فراغنا الداخلي الذي لن يشبعه إلاَّ الله نفسه، إذ لا تشبع النفس التي على صورة خالقها إلاَّ بالله خالقها

الافخارستيا هي شركة ليست فقط مع المسيح، انما مع الاخرين. وإن كلمة ” شركة ومناولة “، التي نستعملها للإشارة إلى الافخارستيا، تلخص في ذاتها البعد العامودي والبعد الافقي لهبة المسيح. إن تعبير المناولة هو عميق لأنه يشير إلى فعل أكل خبز الافخارستيا. بالواقع، عندما نقوم بهذا الفعل، ندخل في شركة مع حياة المسيح بالذات، في دينامية هذه الحياة التي توهب لنا ولأجلنا من الله خلال المسيح. ندخل في شركة واحدة من خلال الافخارستيا المقدسة كما جاء في تعليم بولس الرسول” أَلَيسَت كَأسُ البَرَكةِ الَّتي نُبارِكُها مُشارَكَةً في دَمِ المسيح؟ أَلَيسَ الخُبْزُ الَّذي نَكسِرُه مُشارَكَةً في جَسَدِ المسيح؟ فلمَّا كانَ هُناكَ خُبزٌ واحِد، فنَحنُ على كَثرَتِنا جَسَدٌ واحِد، لأَنَّنا نَشتَرِكُ كُلُّنا في هذا الخُبْزِ الواحِد ” (1 قورنتس 10، 16 – 17). وبينما يتحول الخبز الجسدي في جسمنا ويسهم في إعالته، في الافخارستيا نحن بصدد خبز مختلف: لسنا نحن من نحوله، بل هو يحولنا، فنضحي بهذا الشكل مطابقين ليسوع المسيح، أعضاء في جسده، أمرًا واحدًا معه.
ويدعى سر القربان “شركة”، لأننا بهذا السر نتحد بالمسيح الذي يجعلنا شركاء في جسده وفي دمه لنكون جسداً واحدا “فلمَّا كانَ هُناكَ خُبزٌ واحِد، فنَحنُ على كَثرَتِنا جَسَدٌ واحِد، لأَنَّنا نَشتَرِكُ كُلُّنا في هذا الخُبْزِ الواحِد” (1 قورنتس 10: 17).

واستعمل الجماعة المسيحية الأولى عبارة “كسر الخبز” للدلالة على اجتماعاتهم الافخارستيا “كانوا يُواظِبونَ على تَعليمِ الرُّسُل والمُشاركة وكَسْرِ الخُبزِ والصَّلَوات”. (اعمال الرسل 2: 42)؛ وهم يعبّرون بذلك عن ان جميع الذين يتناولون من هذا الخبز الواحد المكسور أي المسيح، يدخلون في الشركة معه “أَلَيسَ الخُبْزُ الَّذي نَكسِرُه مُشارَكَةً في جَسَدِ المسيح؟” (1 قورنتس 10: 16).

ت‌) النتيجة الثالثة: تكريس الذات للمسيح

كرّس يسوع حياته من اجل شعبه، لقد عاش كلياً من أجله، ويطالبنا بان نعيش من أجله. “أَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي” (يوحنا 6: 57). يسوع كرس حياته لله ابيه. وفي الواقع، من أهم رموز القربان المقدس ذبيحة حمل الفصـــــــح (خروج 12: 5) التي ترمز إلى المسيح، فصحنا الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا على عود الصليب. وعليه فإن المسيحيين الآن هم في غنى عن هذه الذبائح، لانَّ المسيح رُفع عن الصليب ذبيحة طاهرة كاملة لأجلهم “تَأَلَّمَ يسوعُ أَيضًا في خارِجِ الباب لِيُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِذاتِ دَمِه” (عبرانيين 13: 11). فهم يقدِّمون الذبيحة الإلهية، ذبيحة الافخارستيا التي وعد بها يسوع وأسسها.

لقد كرّس يسوع حياته من أجل أبيه، وعاش كلياً من أجله، ويطالبنا أن نعيش من أجله. وعليه فان كل مسيحي مدعو ان يكرس ذاته للمسيح ويكون قربانا حياّ مع المسيح: “وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي.” يوحنا 6: 57) يعيش الواحد من اجل الآخر إذ عندما يكرس الإنسان حياته للسيد المسيح يصير بكليته مطّوبًا، تصير نفسه وكل أعضاء جسمه مع قلبه وفكره وكل طاقاته مقدسة، وتعمل لحساب ملكوت الله. إن كان هذا الامر ينطبق على كل مؤمن، فكم بالأحرى على رسل المسيح وتلاميذه الذين ينالون مواهب خاصة بالخدمة كما يقول العلامة أوريجين. فعلينا ان نوقف حَيَاتَنا لِخِدْمَةِ الله والآخرين وبِلاَدِنا.

وبكلمة مختصرة، يسوع قرّب ذاته قربان خلاص ووهب نفسه لنا جميعا في موته وقيامته. “فاذا تناولنا جسده المبذول من أجلنا نلنا قوة، وإذا شربنا دمه المسفوك من اجلنا نلنا قداسة”. فلنقترب إذًا من مائدة المناولة مع كثيرٍ من الحبّ والاحترام الفائق لننال مفاعيل المناولة، وهي الحياة الأبدية والقيامة والثبات في المسيح والكنيسة مكرسين ذواتنا للمسيح له المجد والعزة والاكرام ابد الدهور.

خلاصة

يكشف لنا يوحنا الرسول عمق سر الخبز المتجسد في المسيح، سر الحب بين الله والانسان وسر الحب بين الاخوة فيما بينهم. إنّ هذا السرّ لا يتمّ فهمه أوّلاً ومن ثمّ الإيمان به. مع السرّ ينبغي ان نقبله في البداية، ونعيشه، ونجعله يصبح جزءاً من جسدنا ودمنا، ونُحوّله إلى حياتنا اليوميّة. وبعد أن نعيشه ونحقّقه فينا، نبدأ بفهمه.

ولم يبقَ إزاء هذا السر الا الخيار: فكان على الرسل إمَّا ان يعلنوا إيمانهم بيسوع القرباني، وإمَّا ان يتركوه. فبادر بطرس في هذه اللحظة الحرجة وقال باسم الاثني عشر ((يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك؟ (يوحنا 6: 68).

ونحن نقف كل يوم أمام هذا الخيار. فكل مرة نتناول القربان الاقدس ونكرم سر الافخارستيا نعيش كلمات يسوع في انجيل يوحنا ” مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير ” (يوحنا 6: 54)، “مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه” (يوحنا 6: 56)، “من يأكُلُني سيَحْيا بي” (يوحنا 6: 57). ان جسد المسيح هو بشرى العالم الأسمى، ولا يمكن ان نحصل على خبز أفضل منه قوة وحياة أبدية “لْنَقَرِّبْ للهِ عن يَدِه ذَبيحَةَ الحَمْدِ في كُلِّ حين” (عبرانيين 13: 15) ولنكسر خبزنا مع اخوتنا على مثال يسوع خبز الحياة ولتجدد إيماننا وحبنا للإفخارستيا وللرب يسوع.

دعاء
أيها الآب القدوس، يا من أرسلت ابنك يسوع المسيح ليقرّب لك ذاته قربان خلاص، واوصيتنا ان نقرّب هذا القربان ذكرا له، اجعلنا ان نتناول جسده المبذول من اجلنا لننال قوة، ونشرب دمه المسفوك من اجلنا لننال قداسة فنتمّم رحلة حياتنا إلى أن ندخل في فرح القدّيسين على مائدة ملكوتك السماوي.